تقرير: إسرائيل استخدمت «السلاح الحارق» في هجمات على لبنان

عضو من «العفو الدولية»: استخدام الفوسفور الأبيض يُشكِّل جريمة حرب

قذيفة أطلقتها القوات الإسرائيلية وانفجرت فوق التلال بجنوب لبنان في 9 نوفمبر 2023 (أ.ف.ب)
قذيفة أطلقتها القوات الإسرائيلية وانفجرت فوق التلال بجنوب لبنان في 9 نوفمبر 2023 (أ.ف.ب)
TT

تقرير: إسرائيل استخدمت «السلاح الحارق» في هجمات على لبنان

قذيفة أطلقتها القوات الإسرائيلية وانفجرت فوق التلال بجنوب لبنان في 9 نوفمبر 2023 (أ.ف.ب)
قذيفة أطلقتها القوات الإسرائيلية وانفجرت فوق التلال بجنوب لبنان في 9 نوفمبر 2023 (أ.ف.ب)

في مطلع العام الحالي، كان السبعيني محمد حمود، داخل منزله مع زوجته في قريته الحدودية بجنوب لبنان، عندما أغارت إسرائيل على مكان قريب، لكن هذا القصف كان مختلفاً عمّا اعتاد عليه الرجل خلال الأشهر الماضية.

في حديث عبر الهاتف، روى حمود لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» من قريته حولا، ما حدث في ذلك اليوم، وقال: «اشتعلت النيران أمام المنزل... كانت هناك رائحة غريبة ودخان قوي». وأضاف: «لم نكن نعرف أنه فوسفور... اعتقدنا أنه قصف عادي، لكن عندما جاء الإسعاف قالوا إنه فوسفور، ونقلونا إلى المستشفى».

منذ اندلاع الحرب الإسرائيلية في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) في قطاع غزة، يتبادل «حزب الله» وإسرائيل القصف بشكل شبه يومي. ويتهم لبنان إسرائيل باستخدام مادة الفوسفور الأبيض، المثيرة للجدل، في هجمات على جنوب البلاد، وتقول السلطات اللبنانية إنها تسبّبت في أضرار للبيئة والمدنيين.

غارة إسرائيلية تضيء السماء فوق قرية الخيام بجنوب لبنان في وقت متأخر من يوم 17 أبريل 2024 (أ.ف.ب)

وتستخدم ذخائر الفوسفور الأبيض -وهي مادة قابلة للاشتعال عند التَّماس مع الأكسجين- بهدف تشكيل ستائر دخانية وإضاءة أرض المعركة. لكن هذه الذخيرة، متعددة الاستخدامات، قد تستعمل أيضاً سلاحاً حارقاً قادراً يسبب حروقاً قاتلة للمدنيّين، وفشلاً في الجهاز التنفسي والأعضاء، وأحياناً الموت.

ووفق تقرير صدر اليوم (الأربعاء)، عن منظمة «هيومن رايتس ووتش»، فإن «استخدام الفسفور الأبيض من قِبل إسرائيل على نطاق واسع في جنوب لبنان يعرض المدنيين لخطر جسيم، ويسهم في تهجيرهم».

وقالت المنظمة إنها «تحققت من استخدام القوات الإسرائيلية ذخائر الفسفور الأبيض في 17 بلدة على الأقل في جنوب لبنان منذ أكتوبر 2023، منها 5 استُخدمت فيها الذخائر المتفجرة جواً بشكل غير قانوني فوق مناطق سكنية مأهولة».

وتُظهر صور لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، التُقطت في 10 مناسبات منفصلة على الأقل بين أكتوبر وأبريل (نيسان)، أعمدة دخان غريبة ومتفرّعة، تُشبه الأخطبوط، يتماشى مظهرها مع ما قد يصدر عن استخدام الفوسفور الأبيض.

والتقطت تلك الصور فيما لا يقل عن 8 مواقع مختلفة على طول الحدود، وفي كثير من المرات، في مواقع قريبة من المنازل أحياناً.

صورة مأخوذة من شمال إسرائيل على طول الحدود مع جنوب لبنان في 4 مارس 2024 تظهر الدخان يتصاعد بعد القصف الإسرائيلي على قرية مركبا اللبنانية (أ.ف.ب)

وفي أكتوبر، قال الجيش الإسرائيلي، في بيان، إن إجراءاته تُملي بعدم استخدام قذائف الفوسفور الأبيض «في المناطق ذات الكثافة السكانية العالية، مع وجود استثناءات معينة». وأضاف أن «هذا يتوافق مع متطلبات القانون الدولي، ويتجاوزها»، وأن الجيش «لا يستخدم هذه القذائف لأغراض الاستهداف أو إشعال النار».

«اختناق»

من جانبها، ذكرت «الوكالة الوطنية اللبنانية للإعلام الرسمية» في 28 يناير (كانون الثاني) أن «قذائف فوسفورية سقطت بين المنازل» في ساحة بلدة حولا، بعد استهداف من «مدفعية العدو».

وتحدّثت «الوكالة الوطنية» مرات عدة عن قصف بذخائر الفوسفور في جنوب لبنان، بما في ذلك خلال الأيام الأخيرة، ما تسبب ببعض الأحيان في اندلاع حرائق.

وقال حمود إنه نُقل وزوجته إلى مستشفى في بلدة ميس الجبل القريبة، عقب الهجوم في 28 يناير، إذ تلقيا العلاج وأعطيا الأكسجين.

وأفاد مصدر من مستشفى ميس الجبل لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» بأن مؤسسته استقبلت يوم 28 يناير 4 مدنيين، بينهم امرأتان، نقلوا إلى العناية الفائقة نتيجة تعرضهم «للاختناق وضيق تنفس شديد من الفوسفور الأبيض». ومن بين المصابين رجل في السبعينات من عمره وامرأة في الستينات.

ومن جهتها، سجّلت وزارة الصحة اللبنانية في جداولها 173 شخصاً، بوصفهم مصابين بتعرض «كيميائي... ناتج عن الفوسفور الأبيض»، دون أن تحدّد ما إن كانوا مدنيين أو مقاتلين.

وقال أطباء من 3 مستشفيات إضافية في جنوب لبنان لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» إن مؤسساتهم عالجت مصابين بأعراض تنفسية ناجمة عن التعرض للفوسفور الأبيض.

صورة مأخوذة من الجانب الإسرائيلي من الحدود مع لبنان تظهر قذائف تنفجر فوق التلال المحيطة بقرية عيتا الشعب بجنوب لبنان في 8 ديسمبر 2023 (أ.ف.ب)

وأكّد محقق الأسلحة في فريق الأزمات التابع لـ«منظمة العفو الدولية»، براين كاستنر، أن «استخدام الفوسفور الأبيض في المناطق المأهولة يمكن أن يُصنّف باعتباره هجمات عشوائية، وهو ما يُعد انتهاكاً للقانون الإنساني الدولي». وأضاف «إذا أصيب أو قُتل مدنيون، فقد يُشكّل ذلك جريمة حرب».

ورصد عناصر من قوة الأمم المتحدة الموقتة في لبنان (يونيفيل) أيضًا الفوسفور الأبيض داخل مقراتهم، وفق ما قاله مسؤول في الأمم المتحدة لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، طالباً عدم الكشف عن هويته، لأنه غير مخوّل بالتحدث إلى وسائل الإعلام.

مخاوف بيئية وزراعية

ومنذ بدء التصعيد بين «حزب الله» وإسرائيل، قُتل أكثر من 450 شخصاً في لبنان، بينهم 88 مدنياً، وفق تعداد يستند إلى بيانات «حزب الله» ومصادر رسمية لبنانية، بينما أعلن الجانب الإسرائيلي من جهته مقتل 14 عسكرياً و11 مدنياً.

وكانت «منظمة العفو الدولية» قد قالت في وقت سابق عام 2023، إن «الجيش الإسرائيلي أطلق قذائف مدفعية تحتوي على الفوسفور الأبيض»، خلال قصف «على طول حدود لبنان الجنوبية» بين 10 و16 أكتوبر.

وطالبت المنظمة «بالتحقيق في هجوم على بلدة الضهيرة في 16 أكتوبر، بوصفه جريمة حرب، لأنه لم يُميّز بين المدنيين والعسكريين، وأدى إلى إصابة ما لا يقل عن 9 مدنيين».

وأعرب البيت الأبيض في ديسمبر (كانون الأول) عن قلقه إزاء تقارير تفيد باستخدام إسرائيل الفوسفور الأبيض، زوّدتها به الولايات المتحدة، بهجمات في لبنان.

وفي أكتوبر، قدَّم لبنان شكوى بحقّ إسرائيل أمام مجلس الأمن الدولي، على خلفية استخدامها الفوسفور الأبيض «خلال عملياتها العسكرية داخل الحدود اللبنانية»، بما «يعرض للخطر حياة عدد كبير من المدنيين الأبرياء، ويؤدي إلى تدهور بيئي واسع النطاق، خصوصاً مع الممارسات الإسرائيلية القائمة على حرق الأحراج والغابات اللبنانية».

وأثار استخدام الفوسفور الأبيض القلق بين المزارعين في جنوب لبنان، الذين شاهدوا أراضيهم تحترق، بينما يخشى آخرون تلوثاً في التربة والمحاصيل.

وتلفت الأمينة العامة للمجلس الوطني للبحوث العلمية في لبنان، تمارا الزين، إلى أن هناك قليلاً من المعلومات حول كيفية تأثير الفوسفور الأبيض على التربة.

ويعتزم المجلس أخذ عينات واسعة لتقييم أي تلوّث محتمل للتربة، لكن -وفق تمارا الزين- فهم «بانتظار وقف إطلاق النار لإرسال الفريق، ليقوم بهذا التقييم».

وقال المدير المعاون لمركز حماية الطبيعة في الجامعة الأميركية في بيروت، أنطوان كلاب، في بيروت إن «النقص في البيانات» يتسبب في حالة ذعر، وأن بعض المزارعين كانوا «يهرعون لإجراء فحص للعينات».

وأضاف أنه «من المهم أن نأخذ العينات في أسرع وقت ممكن»، لفهم ما إذا كان قصف الفوسفور الأبيض يُشكل «خطراً عاماً على الصحة العامة، والأمن الغذائي، والنظام البيئي نفسه».


مقالات ذات صلة

مقتل 4 فلسطينيين على الأقل في غارات إسرائيلية على غزة

المشرق العربي رجل يحمل جثمان طفل أمس السب تقتل جرَّاء قصف مدفعي إسرائيلي على منازل سكنية قرب مستشفى كمال عدوان في بيت لاهيا شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)

مقتل 4 فلسطينيين على الأقل في غارات إسرائيلية على غزة

قال مسؤولو صحة في قطاع غزة إن هجمات للجيش الإسرائيلي أسفرت عن مقتل أربعة فلسطينيين على الأقل اليوم الأحد.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي أقام مسؤولون انتخابيون فلسطينيون مركز اقتراع في خيمة لإجراء الانتخابات البلدية بدير البلح (أ.ف.ب)

الأولى منذ اندلاع الحرب... بدء التصويت في الانتخابات البلدية بالضفة ووسط غزة

فتحت مراكز التصويت صباح اليوم (السبت)، في جميع مناطق الضفة الغربية ووسط قطاع غزة، أمام الناخبين الفلسطينيين لانتخاب المجالس البلدية.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي أحد عناصر هندسة المتفجرات التابعة لشرطة غزة يتعامل مع قذيفة غير منفجرة (الشرطة الفلسطينية)

الأمم المتحدة تحذّر من تهديد الذخائر غير المنفجرة في غزة لجهود إعادة الإعمار

حذّرت الأمم المتحدة، من أنّ قطاع غزة الذي دمّرته الحرب، ملوّث بشدّة بذخائر غير منفجرة تقتل المدنيين وتشوههم بانتظام، وتهدّد جهود إعادة الإعمار على المدى الطويل.

«الشرق الأوسط» (جنيف)
المشرق العربي فلسطينيون يتجمَّعون حول سيارة مُدمَّرة بعد استهدافها بغارة إسرائيلية في شارع صلاح الدين جنوب مخيم البريج بقطاع غزة (أ.ف.ب)

غارات إسرائيلية تقتل 10 أشخاص في غزة

 قال مسؤولون فلسطينيون في قطاع الصحة إن نيراناً إسرائيلية قتلت ما لا يقل ​عن 10 أشخاص، بينهم شرطيان، في أنحاء قطاع غزة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
المشرق العربي فلسطينيون يشيعون قتلى سقطوا في هجوم إسرائيلي أمام مستشفى الشفاء بمدينة غزة الخميس (أ.ف.ب)

«حماس» و«الجهاد» تحصيان خسائرهما البشرية خلال حرب غزة

دشنت «كتائب القسام» الجناح المسلح لـ«حماس»، صفحة عبر تطبيق «تلغرام»، للكشف عن قيادات ونشطاء ميدانيين قتلوا خلال الحرب وفي الخروق المستمرة بالقطاع.

«الشرق الأوسط» (غزة)

وقف النار في جنوب لبنان يترنح

الدخان يتصاعد جراء غارات إسرائيلية استهدفت النبطية الفوقا في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
الدخان يتصاعد جراء غارات إسرائيلية استهدفت النبطية الفوقا في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
TT

وقف النار في جنوب لبنان يترنح

الدخان يتصاعد جراء غارات إسرائيلية استهدفت النبطية الفوقا في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
الدخان يتصاعد جراء غارات إسرائيلية استهدفت النبطية الفوقا في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

يترنّح اتفاق وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل الذي مدده الرئيس الأميركي دونالد ترمب لثلاثة أسابيع إضافية، إثر تصعيد عسكري سُجّلت خلاله عشرات الضربات الجوية الإسرائيلية، وقصف أطلقه «حزب الله» باتجاه قوات إسرائيلية داخل الأراضي اللبنانية.

ووسع الجيش الإسرائيلي، أمس، إنذارات إخلاء البلدات اللبنانية لتشمل 7 بلدات واقعة شمال نهر الليطاني للمرة الأولى منذ تطبيق الاتفاق قبل عشرة أيام، مما يهدد الهدنة.

واتهم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، «حزب الله»، بـ«تقويض» الاتفاق، وقال: «نحن نعمل بقوة وفق الترتيبات المتفق عليها مع الولايات المتحدة، وبالمناسبة أيضاً مع لبنان»، مشيراً إلى أن ذلك «يعني حرية العمل، ليس فقط للرد على الهجمات».

في المقابل، رفض «حزب الله» تلك الاتهامات، وتوعد بالرد العسكري، قائلاً: «لن ننتظر أو نراهن على دبلوماسية خائبة أثبتت فشلها».


العراق في «فراغ دستوري» حكومياً

العراق في «فراغ دستوري» حكومياً
TT

العراق في «فراغ دستوري» حكومياً

العراق في «فراغ دستوري» حكومياً

يدخل العراق اليوم فراغاً دستورياً على مستوى الحكومة، مع نهاية مهلة الـ15 يوماً اللازمة لتقديم مرشح لرئاسة الوزراء، وعدم تمكن «قوى الإطار التنسيقي» من الاتفاق على اسم واحد، في اجتماعها مساء السبت، رغم مرور أكثر من 5 أشهر على إجراء الانتخابات البرلمانية أواخر العام الماضي، ونحو نصف شهر على انتخاب نزار آميدي رئيساً للجمهورية.

ويتكون «الإطار التنسيقي» من 12 شخصية شيعية متفاوتة الثقل السياسي والانتخابي؛ مما أدى إلى تعقيد عملية اختيار رئيس وزراء جديد يخلف الحالي محمد شياع السوداني، رغم كثرة المرشحين لهذا المنصب وتجاوز عددهم الأربعين.

ويرى مراقبون أن دخول البلاد فراغاً دستورياً أوقع «الإطار» الشيعي في حرج سياسي كبير، فيما يحاول بعض قواه تبريره بالقول إنه لا شروط جزائية جرّاء هذا الفراغ.


«أطفال درعا» يتحدثون لـ«الشرق الأوسط» خلال محاكمة عاطف نجيب

نشطاء رفعوا صور أطفال قُتلوا في بداية الانتفاضة السورية خلال الجلسة الأولى لمحاكمة عاطف نجيب الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا خلال حكم بشار الأسد الأحد (أ.ب)
نشطاء رفعوا صور أطفال قُتلوا في بداية الانتفاضة السورية خلال الجلسة الأولى لمحاكمة عاطف نجيب الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا خلال حكم بشار الأسد الأحد (أ.ب)
TT

«أطفال درعا» يتحدثون لـ«الشرق الأوسط» خلال محاكمة عاطف نجيب

نشطاء رفعوا صور أطفال قُتلوا في بداية الانتفاضة السورية خلال الجلسة الأولى لمحاكمة عاطف نجيب الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا خلال حكم بشار الأسد الأحد (أ.ب)
نشطاء رفعوا صور أطفال قُتلوا في بداية الانتفاضة السورية خلال الجلسة الأولى لمحاكمة عاطف نجيب الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا خلال حكم بشار الأسد الأحد (أ.ب)

الشابة ذات الثمانية والعشرين عاماً كادت ترقص فرحاً وهي تشدو من خلف نقابها الأسود «جاييك الدور يا دكتور» وسط المتجمهرين أمام باب قاعة المحكمة في أثناء انعقاد أولى جلسات محاكمة عاطف نجيب رئيس فرع الأمن السياسي في درعا.

الشابة التي كانت عند اندلاع الاحتجاجات في درعا 2011، بعمر 15 عاماً لم تسعفها الكلمات للتعبير عن مشاعرها لـ«الشرق الأوسط»، ثم قالت: «أنا من عائلة الشيخ أحمد الصياصنة، كل أبناء عمومتي وكل أبناء درعا تعرضوا للاعتقال والملاحقة والقتل، الفرحة كبيرة بمحاكمة القاتل، اليوم انتصرنا، وأتمنى القصاص لكل من انتهك حقوق الإنسان في سوريا».

إغلاق شرطة مكافحة الشغب لقاعة المحكمة الجنائية في دمشق أمام الجمهور خلال الجلسة الأولى لمحاكمة عاطف نجيب الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا (أ.ب)

أمام باب القاعة وفي أروقة القصر العدلي الواقع في شارع النصر، انتشر عناصر حفظ النظام بكثافة، بينما احتلت كاميرات الإعلام معظم مساحة القاعة؛ ما أثار استنكار أطراف الادعاء الشخصي الذين جاءوا من محافظة درعا في ساعات الصباح الباكر، واضطروا إلى الانتظار خارج القاعة إلى أن يُنادى عليهم.

صرخ أحدهم: «هل الإعلاميون أولى بالحضور من أصحاب الادعاء؟ إلا أن أحداً لم يجب وسط ضوضاء القصر العدلي، حيث تابعت دوائره ومحاكمه سير أعمالها الاعتيادي، رغم الحضور الكثيف لعناصر حفظ النظام في الأروقة، وأمام باب القاعة لتنظيم دخول الراغبين بحضور لحظة تاريخية نادرة، يجتمع فيها المتهم مع ضحاياه تحت قوس العدالة».

علا أبا زيد كانت بين الأطفال الذين اعتُقلوا في قضية أطفال الحرية بدرعا 2011 (الشرق الأوسط)

أكثر من 50 شخصاً قدموا من درعا بينهم 6 شبان من الذين اعتقلهم عاطف نجيب في فبراير (شباط )2011 فيما عُرف حينها بقضية «أطفال الحرية»، وذلك بتهمة كتابة عبارة «أجاك الدور يا دكتور» على جدار إحدى المدارس.

في حينها، اعتُقل أكثر من 20 طفلاً بتهمة الكتابة على الجدران «أية كتابة حتى لو كانت اسم شخصي أو ذكرى طفولية بريئة»، وفق ما قالته علا أبا زيد لـ«الشرق الأوسط»، وقد جاءت مع شقيقها عبد الرحمن لحضور المحاكمة بصفة طرف الادعاء، حيث سيواجه شقيقها مع 5 آخرين منهم أحمد وإبراهيم رشيدات وسامر الصياصنة وإياد خليل، المتهم عاطف نجيب بالأدلة على اعتقالهم وتعذيبهم حين كانوا تلاميذ في المدرسة.

شابة من عائلة الشيخ أحمد الصياصنة في درعا تعرضت وأقرانها الصغار للاعتقال والقتل (الشرق الأوسط)

تقول علا إن نجيب ينكر اعتقال الأطفال وتعذيبهم، علماً أن كل من دخل سجون الأسد دون استثناء تعرض لشتى صنوف التعذيب الرهيب. كانوا أطفالاً أكبرهم أربعة عشر عاماً، منهم من استُشهد لاحقاً، ومنهم من هاجر، ومنهم من بقي وجاء ليشهد أمام المحكمة.

وطالبت علا السلطات السورية بالاهتمام أكثر بتنظيم وصول أصحاب الادعاء إلى قاعة المحكمة، متمنية أن ينال نجيب وكل من ارتكب انتهاكات من رموز النظام البائد بحق السوريين الجزاء العادل، وأن «يجربوا طعم المرار الذي تجرعه أهالي المعتقلين والشهداء والمفقودين».

إياد خليل أول معتقل بقضية أطفال الحرية في درعا عام 2011 (الشرق الأوسط)

إياد خليل الذي كان ينتظر مناداته لدخول القاعة والاستماع لشهادته، قال: «أنا أول معتقل في الثورة السورية في 8 فبراير 2011، كان عمري أربعة عشر عاماً»، مشيراً إلى إعاقة جسدية في ساقه: «هذه بسبب التعذيب... أذاقونا كل أنواع التعذيب لانتزاع اعتراف بأن جهات خارجية دفعتنا للكتابة على جدار المدرسة، لكني فعلت ذلك بسبب الظلم».

لا يبدو أياد فرحاً بالمحاكمة بقدر ما هو غاضب ومهتم برد الاعتبار: «عندما سمعت بنبأ اعتقال عاطف نجيب» بادرت فوراً إلى رفع دعوى قضائية عليه، وأنتظر صدور حكم الإعدام بحقه».

الجمهور الذي حضر لمتابعة جلسات محاكمة العميد عاطف نجيب المتهم بحملة القمع العنيفة ضد المتظاهرين بداية الصراع السوري في درعا (إ.ب.أ)

محامٍ من المراجعين للقصر العدلي انضم للحشود أمام قاعة محكمة الجنايات وهو يتابع البث المباشر لوقائع المحكمة عبر شاشة هاتفه المحمول، قال لزميله مستغرباً مشهد بكاء عاطف نجيب لدى وصوله إلى القصر العدلي: «عليه أن يبكي فرحاً؛ لأنه يساق إلى المحكمة باحترام». رد أحد الحضور: «لو أن هناك عقوبة أقسى من الإعدام لطالبنا بها».

العميد الركن عاطف نجيب المسؤول السابق في النظام السوري يدخل إلى جلسة محاكمته في دمشق الأحد (إ.ب.أ)

وتمنى عبد الحكيم السرحان أحد المدعين في قضية اقتحام الجامع العمري عام 2011 الذي تأذى منه كل سكان الحي، أن يكون تقرير مصير عاطف نجيب في الساحة أمام الجامع العمري، وقال: «لقد كان رئيس الفرع السياسي في درعا أي رجل الدولة الأول في محافظة درعا، وكل ما ارتُكب من انتهاكات في درعا حينها كان بأوامر منه».

أحد الحاضرين قال إن «نجيب ارتكب مجزرة أمام باب فرع الأمن السياسي عام 2011 قُتل فيها اثنا عشر شخصاً، وأصيب اثنان وثلاثون شخصا آخرون»، وطالب أن يحاسب عليها هو وكل رؤساء الأفرع الأمنية والشبيحة في درعا.

ياسر عطا عبد الغني من الجولان المحتل فقد اثنين من أشقائه في محافظة درعا (الشرق الأوسط)

أما باسل مريج، فأصيب في مجزرة النفق عام 2013، وقال إنه ضمن فريق الادعاء على رموز نظام الأسد. ويتألف الفريق من أكثر من 46 شخصاً من درعا، جاءوا جميعهم لحضور المحاكمة. رفع باسل كفاً مبتورة الأصابع نتيجة إصابته: «قُتلت عائلتي، زوجة وطفلان، في مجزرة النفق في درعا، مع أكثر من 24 مدنياً بينهم نساء وأطفال». وشدد على وجوب محاكمة كل من أعطى أوامر بالقصف والتدمير والقتل.

في حين أن ياسر عطا عبد الغني المنحدر من الجولان المحتل، ويسكن في حي القدم جورة الشرباتي، رأى أن القبض على المتهم الرئيسي في مجزرة حي التضامن أمجد يوسف، والبدء بمحاكمة رموز النظام المخلوع «فرحة كبيرة لكل أهالي الشهداء والمفقودين والمهجّرين»، متمنياً القصاص من كل من تسبب في تدمير سوريا.

عبد الغني فقد اثنين من أشقائه منذ عام 2012، ولا يعرف عنهما شيئاً، ولا يعرف ماذا يفعل، هل يقوم بإصدار شهادة وفاة لهما أم ينتظر، مؤكداً أن بدء مسار العدالة «يهدئ قلوب المكلومين»، وطالب السلطات السورية بتسريع مسار العدالة الانتقالية رأفة بذوي الضحايا.