تركيا تؤكد أنها لن تسمح بأي انتهاك لوحدة أراضي سوريا

رفض للانتخابات المحلية بمناطق «قسد» ودعوات لعملية عسكرية مشتركة مع دمشق

إردوغان متحدثاً خلال حضوره التمرين العسكري «إيفيس 2024» في إزمير الخميس (الرئاسة التركية)
إردوغان متحدثاً خلال حضوره التمرين العسكري «إيفيس 2024» في إزمير الخميس (الرئاسة التركية)
TT

تركيا تؤكد أنها لن تسمح بأي انتهاك لوحدة أراضي سوريا

إردوغان متحدثاً خلال حضوره التمرين العسكري «إيفيس 2024» في إزمير الخميس (الرئاسة التركية)
إردوغان متحدثاً خلال حضوره التمرين العسكري «إيفيس 2024» في إزمير الخميس (الرئاسة التركية)

أثار إعلان الإدارة الذاتية الكردية إجراء انتخابات محلية في المناطق الخاضعة لسيطرة تحالف «قوات سوريا الديمقراطية (قسد)»، في شمال وشمال شرقي سوريا، مقررة في 11 يونيو (حزيران) المقبل، توتراً في تركيا.

وأكد الرئيس التركي رجب طيب إردوغان أن بلاده لن تسمح لـ«منظمة حزب العمال الكردستاني الانفصالية» بإنشاء «دويلة إرهابية» قرب حدود تركيا، أو فَرْض أمر واقع في المنطقة، وأنها قامت بكل ما هو ضروري في مواجهة ذلك، ولن نتردَّد في اتخاذ الإجراءات اللازمة.

إردوغان ووزير الدفاع التركي يشار غولر شهدا جانبا من المرحلة الأخيرة لتدريب " إيفي 2024" في إزمير الخميس (الرئاسة التركية)

وقال إردوغان، خلال حضوره الخميس المرحلة الأخيرة من التمرين العسكري «إيفيا 2024»، في إزمير غرب البلاد: «مستعدون للحوار والتواصل وتعزيز العلاقات مع كل مَن يحترم مصالح تركيا ويريد تطوير التعاون معنا. اتخذنا مؤخراً العديد من الخطوات المهمة لزيادة عدد أصدقائنا، وسنواصل طريقنا عبر انفتاحات جديدة».

انتخابات غير مقبولة

وقالت وزارة الدفاع التركية إن أنقرة لن تسمح بفرض أمر واقع يهدد أمنها القومي وينتهك وحدة أراضي سوريا. وتعليقاً على الاستعدادات الجارية للانتخابات المحلية في مناطق «قسد»، قال مستشار العلاقات العامة والإعلام في وزارة الدفاع التركية، زكي أكتورك، في إفادة صحافية، الخميس، إن «التنظيم الإرهابي (حزب العمال الكردستاني وذراعه في سوريا - وحدات حماية الشعب الكردية، التي تعدد أكبر مكونات - قسد) يسعى إلى إضفاء الشرعية على نفسه بتشجيع ودعم من أطراف أخرى (في إشارة إلى الولايات المتحدة)».

الرئيس التركي رجب طيب إردوغان يرأس مجلس الأمن القومي الثلاثاء الماضي (الرئاسة التركية)

أضاف أكتورك أن ما يسمى بالإجراءات الانتخابية، غير مقبولة من حيث وحدة الأراضي السورية، ويمكن أن تتولد عنها آثار سلبية على حماية السلام والطمأنينة في المنطقة. وقالت الرئيسة المشاركة لمفوضية الانتخابات بالإدارة الذاتية الكردية، روكن ملا إبراهيم، الاثنين الماضي، إن 6 ملايين ناخب سيصوتون لاختيار رئاسة 121 بلدية موزعة على 7 مقاطعات، ويمكن زيادة عدد البلديات أو تخفضيها بعد التصديق على قانون التقسيمات الإدارية من قبل «مجلس الشعوب الديمقراطية»، خلال الفترة القريبة المقبلة قبل إجراء الانتخابات.

وتقول تركيا إن الانتخابات ستجري في 131 بلدية في 7 «كانتونات» خاضعة لسيطرة «قسد». وأكد مجلس الأمن القومي التركي، في بيان عقب اجتماعه الثلاثاء، برئاسة الرئيس رجب طيب إردوغان، أن تركيا عازمة على مواصلة عملياتها العسكرية للقضاء على «بؤرة الإرهاب» في سوريا والعراق (حزب العمال الكردستاني ووحدات حماية الشعب الكردية) والدعم المقدَّم له، ولن تتاح أي فرصة لأي أمر واقع ينتهك أمن تركيا القومي ووحدة أراضي جيرانها.

وسبق اجتماع مجلس الأمن القومي بساعات دعوة أطلقها رئيس حزب «الحركة القومية»، الحليف لحزب «العدالة والتنمية» الحاكم في «تحالف الشعب»، دولت بهشلي، إلى التعاون مع الرئيس بشار الأسد وحكومته وشن عملية عسكرية مشتركة مع الجيش السوري ضد «قسد»، لإنهاء محاولات تقسيم سوريا.

دعم أميركي

وقال بهشلي، أمام اجتماع المجموعة البرلمانية لحزبه، الثلاثاء، إن الانتخابات التي ستجريها «قسد» تهدف إلى تحديد 133 إدارة محلية في مناطق تشمل الطبقة، دير الزور، الرقة، منبج، والجزيرة، وغيرها، في محاولة لتقسيم سوريا تحت ستار الديمقراطية. واتهم الولايات المتحدة بالوقوف وراء هذه الانتخابات من أجل إقامة دولة كردية تحت حمايتها، في شمال سوريا.

جندي تركي خلف الخط الحدودي مع سوريا (أرشيفية - أ.ف.ب)

وعدَّت «الإدارة الذاتية» (الكردية) لشمال وشمال شرقي سوريا، في بيان، الأربعاء، أن خلافاتها مع الحكومة السورية شأن داخلي لا يمس تركيا، والانتخابات المحلية التي تعتزم إجراءها، الشهر المقبل، في مناطق سيطرتها لا تستهدف أي طرف في الداخل أو الخارج.

وقال البيان إن «الإدارة الذاتية كانت الضامن الوحيد لوحدة الأراضي السورية، وعملت وتعمل لإيجاد حل سوري - سوري، ورفضت التعامل مع الأجندات الخارجية».

توتر قبل قمة «الناتو»

وتعليقاً على الموقف التركي من الانتخابات المحلية في شمال سوريا، عدَّ المحلل السياسي الكاتب التركي البارز، مراد يتكين، أن الانتخابات التي أعلنتها «قسد»، والتي ستجري خارج إدارة بشار الأسد في دمشق، وتحت إشراف الولايات المتحدة، احتلت جدول أعمال تركيا قبل قمة «الناتو» المقررة في الولايات المتحدة، يوليو (تموز) المقبل، كما أثارت التوتر.

المدفعية التركية تستهدف عناصر «وحدات حماية الشعب الكردية» في شمال سوريا (أرشيفية - وزارة الدفاع التركية)

وقال إن تركيا أرسلت، حرفياً، من خلال بيان مجلس الأمن القومي، رسالة إلى واشنطن مفادها أنها تدعم الجناح الجنوبي لـ«الناتو»، بما في ذلك دعم أوكرانيا ضد روسيا، لكن الولايات المتحدة تضعف ذلك بدعمها لحزب «العمال الكردستاني» في شمال العراق وسوريا، والعقبات التي تضعها في طريقها. ورأى يتكن أن تركيا تقترب من نقطة تحول صعبة مع الولايات المتحدة، فيما يتعلق بقضية حزب العمال الكردستاني في سوريا والعراق، مشيراً إلى طرح وزير الخارجية، هاكان فيدان، القضية على نظرائه في الاجتماع غير الرسمي لوزراء خارجية «الناتو»، في براغ، يومي الخميس والجمعة، كما سيطرحها إردوغان في قمة الناتو، وفي لقائه مع الرئيس الأميركي جو بايدن على هامش القمة. ولفت إلى أنه قد لا يكون من السهل «القضاء» على أنشطة العمال الكردستاني من دون دعم الولايات المتحدة.


مقالات ذات صلة

بدء استقبال طلبات الحصول على الجنسية السورية لـ«مكتومي القيد» من الأكراد

المشرق العربي انطلاق عملية تسجيل «مكتومي القيد» لمنحهم الجنسية السورية في مدينة الحسكة (المكتب الصحافي في محافظة الحسكة)

بدء استقبال طلبات الحصول على الجنسية السورية لـ«مكتومي القيد» من الأكراد

أعلنت مديرية إعلام الحسكة، الاثنين، افتتاح عدد من مراكز استقبال طلبات الحصول على الجنسية السورية للمشمولين بأحكام المرسوم الرئاسي رقم «13».

موفق محمد (دمشق)
المشرق العربي روهلات عفرين وسوزدار حاجي ديرك

​وفد من «وحدات حماية المرأة» يلتقي وزير الدفاع في دمشق

شهدت العاصمة دمشق، الأربعاء، لقاء وفدٍ من «وحدات حماية المرأة» بوزير الدفاع السوري، مرهف أبو قصرة...

سعاد جرَوس (دمشق)
المشرق العربي الرئيس أحمد الشرع اجتمع مع محافظ الحسكة نور الدين أحمد بحضور المبعوث الرئاسي العميد زياد العايش ومحافظ الرقة عبد الرحمن السلامة في قصر الشعب السبت الماضي (مديرية إعلام الحسكة)

28 ضابطاً من «قسد» يلتحقون بالكلية الحربية السورية لإعداد قادة للألوية والكتائب

يتوجه 28 ضابطاً من «قوات سوريا الديمقراطية»، خلال الأيام الثلاثة المقبلة، إلى دمشق للتدريب، ليتسلموا مناصب قادة الألوية التي يجري تشكيلها.

«الشرق الأوسط» (لندن)
المشرق العربي بدأ أهالي ناحية الشيوخ في منطقة عين العرب بريف حلب بالعودة إلى منازلهم بعد 12 عاماً (سانا)

عقب إزالة الألغام... أهالي «الشيوخ» قرب «عين العرب» ينهون نزوح 12 عاماً

سكان بلدة الشيوخ، الواقعة قرب عين العرب شمال سوريا، يعودون تدريجياً إلى منازلهم عقب اتفاق أمني وإزالة الألغام، رغم الدمار الواسع ونقص مقومات الحياة.

شؤون إقليمية لفت تقرير لمفوضية حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة إلى ضرورة إنقاذ الأطفال الموجودين في مخيم «روج» (أ.ف.ب)

تركيا تفاوض دمشق لنقل أكثر من 250 امرأة وطفلاً من عوائل «داعش» في «روج»

كشفت مصادر تركية عن مفاوضات مع دمشق لنقل أكثر من 250 امرأة وطفلاً من الجنسية التركية من مخيم «روج» في الحسكة شمال شرقي سوريا خلال الأشهر المقبلة.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)

أنباء عن استهداف إسرائيل ابن شقيق نعيم قاسم وسكرتيره الشخصي

تصاعد الدخان عقب عدة غارات جوية إسرائيلية على بيروت (أ.ب)
تصاعد الدخان عقب عدة غارات جوية إسرائيلية على بيروت (أ.ب)
TT

أنباء عن استهداف إسرائيل ابن شقيق نعيم قاسم وسكرتيره الشخصي

تصاعد الدخان عقب عدة غارات جوية إسرائيلية على بيروت (أ.ب)
تصاعد الدخان عقب عدة غارات جوية إسرائيلية على بيروت (أ.ب)

كشفت وسائل إعلام إسرائيلية، اليوم الأربعاء، عن استهداف ابن شقيق والسكرتير الشخصي للأمين العام لـ«حزب الله» اللبناني نعيم قاسم في بيروت.

وأعلن الجيش الإسرائيلي اليوم أنه استهدف قياديا من «حزب الله» في بيروت، بعدما أفادت وسائل إعلام رسمية لبنانية بأن إسرائيل قصفت حيّا سكنيا في العاصمة. وقال الجيش الإسرائيلي في بيان «قبل وقت قصير، استهدف الجيش الإسرائيلي قائدا من (حزب الله) في بيروت»، من دون أن يحدد هويته.

من جهته، كشف الدفاع المدني اللبناني عن مقتل 254 شخص وإصابة نحو 1165 جريحا في الغارات الإسرائيلية اليوم.

بدوره، أكد «حزب الله» اليوم حقّه بـ«الرد» على اسرائيل بعد سلسلة الغارات الدامية التي شنّتها على لبنان، متسببة بدمار أبنية فوق رؤوس قاطنيها.

اقرأ أيضاً


خنق غزة يُفسِدُ الجيش الإسرائيلي

صبي يساعد بائعاً في ترتيب بضائعه خلال وقوفه أمام أنقاض مبنى منهار في رفح جنوب قطاع غزة أبريل 2024 (أ.ف.ب)
صبي يساعد بائعاً في ترتيب بضائعه خلال وقوفه أمام أنقاض مبنى منهار في رفح جنوب قطاع غزة أبريل 2024 (أ.ف.ب)
TT

خنق غزة يُفسِدُ الجيش الإسرائيلي

صبي يساعد بائعاً في ترتيب بضائعه خلال وقوفه أمام أنقاض مبنى منهار في رفح جنوب قطاع غزة أبريل 2024 (أ.ف.ب)
صبي يساعد بائعاً في ترتيب بضائعه خلال وقوفه أمام أنقاض مبنى منهار في رفح جنوب قطاع غزة أبريل 2024 (أ.ف.ب)

في الوقت الذي يتزايد فيه الانشغال العالمي بتطورات الحرب مع إيران، كثّفت إسرائيل من الحصار على قطاع غزة وضيّقت الخناق على زهاء مليونين و200 ألف فلسطيني في القطاع، وقلصت إدخال المساعدات الإنسانية والبضائع التجارية.

وبسبب تفاقم أزمة نقص مواد الغذاء والشراب وارتفاع الأسعار في غزة، دخل بعض أفراد القوات الإسرائيلية على خط الأزمة لتحقيق بعض المكاسب.

وكشف المدعي العسكري ومكتب المدعي العام لجنوبي إسرائيل، النقاب عن فضيحة أخرى في الجيش تورط فيها ضابطان، أحدهما برتبة مقدم في جيش الاحتياط، والثاني رائد في الجيش النظامي، ومعهما مواطن، في عملية تهريب بضائع إلى قطاع غزة مقابل الرشى.

طفل فلسطيني أثناء انتظاره لتلقي الطعام في مطبخ خيري بخان يونس (أ.ف.ب)

وذكر بيان مشترك صدر عن جهاز الأمن الإسرائيلي العامّ (الشاباك)، والشرطة، والجيش الإسرائيلي، الأربعاء، أنه «عقب تحقيق مشترك بين جهاز الشاباك، والوحدة المركزية في المنطقة الشمالية للشرطة الإسرائيلية، والوحدة المركزية للتحقيقات الخاصة في الشرطة العسكرية، قُدِّم تصريح مدّع، ضد ضابطين ومواطن، للاشتباه بتورطهم في قضية تهريب».

وقال البيان إن «تحقيقاً جرى بشأن تهريب بضائع إلى قطاع غزة في شاحنات مساعدات إنسانية مقابل مئات الآلاف من الشواقل (الدولار الأميركي يساوي 3.09 شيقل إسرائيلي). وأضاف أنه «خلال التحقيق، اشتبه في أن مهرب مشهور استغل علاقاته مع ضابط احتياط لاستكشاف إمكانية تهريب بضائع إلى قطاع غزة. ولاحقاً، وبعد أن وضع الاثنان خطة لتنفيذ عملية التهريب، تواصل ضابط الاحتياط مع الضابط النظامي لتهريب بضائع، من بينها بضائع ممنوعة، بما في ذلك مئات الآلاف من السجائر وعدد من الهواتف المحمولة، إلى عناصر داخل قطاع غزة، مقابل ربح قدره مئات الآلاف من الشواقل».

وأفاد بأنه «خلال التحقيق، جمع فريق التحقيق أدلة ضد ضابط نظامي برتبة مقدم وضابط احتياط برتبة رائد، استغلا منصبيهما العسكريين ومعلوماتهما عن شاحنات المساعدات، وقد تم إيقاف الشاحنات المعنية بسبب عطل فني في طريقها إلى قطاع غزة، وقام المدني بتفريغ البضائع الممنوعة من الشاحنات عند وصوله لإصلاحها». وأكّد البيان أنه «من المتوقع تقديم لوائح الاتهام، قريباً».

ويذكر أن مجموعة أخرى أكبر تضم ضابطاً في الجيش الإسرائيلي، بينهم شقيق رئيس الشاباك، ديفيد زيني، كانت قد ضبطت قبل عدة شهور بتهم مماثلة. وحسب مصادر في الشرطة، تسببت هذه الاعتقالات في جفاف عمليات التهريب.

فلسطينيون يتلقون طعاماً من مطبخ خيري في مخيم النصيرات للاجئين وسط قطاع غزة في 1 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

وبسبب السياسة الإسرائيلية، عاد ارتفاع الأسعار ليُفقر سكان غزة ويوقعهم في الجوع والعطش؛ إذ زاد سعر كيلو الدقيق (الطحين) من شيقلين اثنين للكيلوغرام وأصبح 10 شواقل، بينما ارتفع كيلو السكر من شيقلين إلى 19 شيقلاً، بينما بلغ سعر السيجارة الواحدة في غزة 150 شيقلاً، كما سجل سعر كيلو الأرز 20 شيقلاً بعد أن كان لا يتجاوز 5 شواقل.


يوم دموي في لبنان... «زنّار نار» إسرائيلي ينهي أحلام الهدنة

عناصر الدفاع المدني ومواطنون في موقع استُهدف بقصف إسرائيلي في منطقة كورنيش المزرعة في بيروت (أ.ف.ب)
عناصر الدفاع المدني ومواطنون في موقع استُهدف بقصف إسرائيلي في منطقة كورنيش المزرعة في بيروت (أ.ف.ب)
TT

يوم دموي في لبنان... «زنّار نار» إسرائيلي ينهي أحلام الهدنة

عناصر الدفاع المدني ومواطنون في موقع استُهدف بقصف إسرائيلي في منطقة كورنيش المزرعة في بيروت (أ.ف.ب)
عناصر الدفاع المدني ومواطنون في موقع استُهدف بقصف إسرائيلي في منطقة كورنيش المزرعة في بيروت (أ.ف.ب)

في تصعيد غير مسبوق، نفّذ الجيش الإسرائيلي «زنار نار» واسعاً استهدف العاصمة بيروت ومناطق عدة في لبنان، حيث سقط مئات القتلى والجرحى، عبر مائة غارة جوية نفذت خلال دقائق معدودة، في مشهد هو الأعنف منذ اندلاع المواجهة الأخيرة بين إسرائيل و«حزب الله».

وجاء هذا التصعيد الدراماتيكي بعد ساعات فقط على إعلان هدنة مؤقتة بين إيران والولايات المتحدة، فيما كان لبنان الرسمي يترقّب ويجري اتصالات مكثفة على أمل أن يشمله مناخ التهدئة. إلا أن التصعيد الواسع بدّد سريعاً تلك الآمال، واضعاً لبنان مجدداً في قلب تصعيد إقليمي مفتوح على أخطر السيناريوهات.

سيارات محترقة في موقف للسيارات في منطقة كورنيش المزرعة في بيروت إثر استهدافه بقصف إسرائيلي (أ.ف.ب)

ودان رئيس الجمهورية جوزيف عون هذا التصعيد قائلاً إن «هذه الاعتداءات الهمجيّة، التي لا تعرف الحقّ ولا تحترم أيّ اتفاقات أو تعهّدات، قد أثبتت مراراً وتكراراً استخفافها بكافة القوانين والأعراف الدولية». وأضاف: «واليوم، يمعن الإسرائيلي مجدداً في عدوانه، مرتكباً مجزرة جديدة تُضاف إلى سجله الأسود، في تحدٍّ صارخ لكل القيم الإنسانية، وضارباً بعرض الحائط جميع الجهود الرامية إلى التهدئة والاستقرار».

وشدد على «أن استمرار هذه السياسات العدوانية لن يؤدي إلا إلى مزيد من التوتر وانعدام الاستقرار، في وقتٍ أحوج ما يكون فيه الجميع إلى التهدئة واحترام الالتزامات»، وأكد «ضرورة تحمّل المجتمع الدولي مسؤولياته لوقف هذه الاعتداءات المتكررة، ووضع حدٍّ لهذا النهج العدواني الذي يهدّد الأمن والاستقرار في المنطقة».

من جهته، وصف رئيس البرلمان نبيه بري ما حصل، الأربعاء، بـ«جريمة حرب مكتملة الأركان».

وأضاف: «جريمة اليوم المتزامنة مع اتفاق وقف النار الذي أعلن في المنطقة ولم تلتزم به إسرائيل ومستوياتها السياسية والأمنية هو اختبار جدي للمجتمع الدولي، وتحدٍّ صارخ لكل القوانين والأعراف والمواثيق الدولية التي تغتالها إسرائيل يومياً من خلال إمعانها باغتيال الإنسان على نحو غير مسبوق في التاريخ المعاصر، وهي بنفس الوقت اختبار لكل اللبنانيين؛ قيادات سياسية وروحية وأهلية، للتوحد خلف الدماء».

مشهد ضبابي... بين التصعيد أو التهدئة

وفي هذا الإطار، تصف مصادر وزارية المشهد في لبنان بالـ«ضبابي»، مشيرة إلى عدم توافر معطيات حاسمة حتى الآن حول المرحلة المقبلة. وتقول لـ«الشرق الأوسط»: «ما جرى قد يكون إما مؤشراً على تصعيد أكبر، وإما تصعيداً يسبق التهدئة»، مستذكرة ما حدث في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، حين سبقت موجة تصعيد واسعة إعلان وقف إطلاق النار.

وتلفت إلى أنه منذ ساعات صباح الأربعاء، أجرى المسؤولون في لبنان سلسلة اتصالات مع مختلف الجهات، سعياً لضمان شمول لبنان بالهدنة التي تم التوصل إليها بين إيران وأميركا، غير أن التطورات جاءت بعكس ذلك مع موجة غارات غير مسبوقة.

وتطرح المصادر تساؤلات حول جدوى الحديث حالياً عن التهدئة مع «حزب الله»، في ظل هذا التصعيد، مشيرة أيضاً إلى أن أي جهة رسمية لم تتلقَّ حتى الآن اتصالاً واضحاً أو تأكيداً بشأن شمول لبنان بالهدنة.

مبانٍ مدمرة إثر غارات إسرائيلية استهدفتها في منطقة عين المريسة في بيروت (أ.ف.ب)

غارات متزامنة تضرب بيروت ومناطق واسعة

وعند نحو الساعة الثانية بعد الظهر، هزّت العاصمة بيروت والضاحية الجنوبية سلسلة غارات عنيفة متزامنة استهدفت أحياء عدة، بينها بئر حسن، حي السلم، المصيطبة، البسطة، عين المريسة، كورنيش المزرعة، المنارة، الشويفات، عرمون، بشامون، كيفون، وعين التينة، ما أدى إلى تصاعد أعمدة الدخان واندلاع حالة من الهلع والفوضى في صفوف السكان.

وأفادت المعلومات الأولية بسقوط عدد كبير من الضحايا والجرحى، لا سيما مع انهيار مبانٍ على قاطنيها ووقوع الغارات على مقربة من مراكز إيواء وجامعات، فيما أطلقت نداءات عاجلة للتبرع بالدم وفتح الطرقات أمام سيارات الإسعاف والدفاع المدني مع عمليات انتشال الضحايا والبحث عن المفقودين من تحت الأنقاض التي استمرت عدة ساعات.

وحتى الساعة السادسة مساء كان قد وصل عدد القتلى إلى 89 بينهم 12 من الأطقم الطبية و722 جريحاً في مختلف المناطق اللبنانية، بحسب ما أعلن وزير الصحة ركان نصر الدين، قبل ان يرتفع إلى اكثر من 100 قتيل بعد غارة استهدفت مبنى في محلة تلة الخياط في بيروت، قالت اسرائيل إنها «استهدفت قياديا من حزب الله».

ومع الزحمة التي عمّت الطرقات والشوارع، دعت وزارة الصحة اللبنانية السكان إلى إفساح المجال أمام سيارات الإسعاف لتتمكن من الوصول إلى الأحياء التي استهدفتها الغارات الإسرائيلية.

وحضّت الوزارة، في بيان، «المواطنين بشكل ضروري وعاجل جداً على فتح المجال للإسعافات لتتمكن من القيام بعملها»، مشيرة إلى أن «زحمة السير الحاصلة نتيجة موجة الغارات غير المسبوقة بعددها وكثافتها والتي شنها العدو الإسرائيلي، تعيق أعمال الإنقاذ».

وبعد وقت قصير من الغارات المتزامنة، أفادت وسائل إعلام لبنانية بأن «سيارة بلوحة عمومية أطلقت رشقاً نارياً باتجاه ​السفارة الأميركية​ في عوكر».

النيران تتصاعد من موقع استُهدف بقصف إسرائيلي في بيروت (أ.ف.ب)

في الجنوب والبقاع أيضاً...

ولم تقتصر الغارات على العاصمة، بل امتدّت في الوقت نفسه إلى مناطق واسعة في الجنوب اللبناني، حيث استُهدفت بلدات عدة في أقضية بنت جبيل والنبطية وصور وصيدا، من بينها الشرقية، زفتا، جبشيت، كفررمان، حاروف، الدوير، حبوش، الصرفند، حارة صيدا، وصور، إضافة إلى استهداف مباشر لسيارات ودراجات نارية. وفي صيدا، أدت غارة استهدفت سيارة أمام مقهيين على الكورنيش البحري إلى سقوط عدد من القتلى والجرحى، وسط دمار واسع في المكان الذي كان مكتظاً بالمدنيين.

كما طالت الغارات منطقة البقاع، حيث سُجّلت ضربات في دورس، شمسطار، الكرك، محيط طاريا، حوش الرافقة ومحيط الهرمل، إضافة إلى غارة في البقاع الغربي بين سحمر ويحمر، ما يعكس اتساع رقعة الاستهداف لتشمل مختلف الجغرافيا اللبنانية.

وأسفرت الغارات على قضاء بعلبك عن سقوط 20 قتيلاً و36 جريحاً.

الجيش الإسرائيلي: تحذير لقيادة «حزب الله»

وأعلن الجيش الإسرائيلي عن تنفيذ «أكبر ضربة في أنحاء لبنان منذ بدء عملية زئير الأسد»، مضيفاً: «خلال 10 دقائق وفي عدة مناطق بالتزامن، أنجز جيش الدفاع ضربة استهدفت نحو 100 مقر وبنية تحتية عسكرية تابعة لـ(حزب الله)».

وفي بيان له، قال الجيش الإسرائيلي إنه استهدف «مقرات استخبارات وقيادات مركزية استخدمها عناصر التنظيم لتوجيه وتخطيط عمليات مسلحة ضد قوات الجيش الإسرائيلي ومواطني دولة إسرائيل، وبنى تحتية للوحدات النارية والبحرية التابعة للتنظيم المسؤولة، من بين أمور أخرى، عن إطلاق الصواريخ باتجاه قوات الجيش الإسرائيلي في البر والبحر، وباتجاه أراضي دولة إسرائيل، وأصولاً تتبع )قوة رضوان) والوحدة الجوية (127) - وحدات النخبة لتنظيم (حزب الله)».

وقال الجيش في بيانه: «إن هجوماً غير مسبوق كهذا هو تحذير قاس لقيادة الحزب، يوضح ماذا سينتظره إذا لم يقبل الشروط الإسرائيلية وينزع سلاحه تماماً».

كما أفادت وسائل إعلام إسرائيلية بأن من بين الأهداف مقر طوارئ للأمين العام لـ(حزب الله)، مع ترجيحات بعدم وجوده في المكان في أثناء الاستهداف، في حين شدد الجيش على استمرار عملياته «من دون توقف».

وفي تهديد ومؤشر لاحتمال توسيع الضربات، قال المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي: «(حزب الله) غادر معاقل الإرهاب في الضاحية، وتموضع نحو شمال بيروت وإلى المناطق المختلطة في المدينة»، وتوجه لهم بالقول: «لا يوجد مكان آمن بالنسبة لكم. سيواصل جيش الدفاع ملاحقتكم والعمل بقوة كبيرة ضدكم أينما كنتم».

تصعيد بدأ صباحاً وبلغ ذروته بعد الظهر

وكانت وتيرة التصعيد قد بدأت منذ ساعات الصباح، حيث استهدفت غارات إسرائيلية الجنوب والبقاع عبر مسيّرات وطائرات حربية. وسُجلت ضربات على سيارات ودراجات نارية في القاسمية والشهابية وبلاط وقانا، ما أدى إلى سقوط ضحايا وإصابات. كما استهدفت غارة سيارة أمام مقهيين على كورنيش صيدا، ما أسفر عن سقوط قتلى وجرحى ودمار كبير في المكان المكتظ بالمدنيين.

كذلك، طالت الغارات مباني سكنية ومحيط مستشفيات ونقاط إسعافية، ما أدى إلى وقوع إصابات وأضرار جسيمة في البنية التحتية، وسط استمرار عمليات القصف المدفعي على عدد من البلدات الجنوبية، واستهداف إضافي لمناطق في صور والنبطية ومرجعيون والبقاع.