مصر تؤكد السيطرة على حدودها مع غزة... و«الجامعة العربية» تحذر من التصعيد

عقب أنباء عن قرب الاجتياح الإسرائيلي لـ«رفح»

فلسطينيون ينتظرون عند معبر رفح الحدودي بين قطاع غزة ومصر (وكالة الأنباء الألمانية)
فلسطينيون ينتظرون عند معبر رفح الحدودي بين قطاع غزة ومصر (وكالة الأنباء الألمانية)
TT

مصر تؤكد السيطرة على حدودها مع غزة... و«الجامعة العربية» تحذر من التصعيد

فلسطينيون ينتظرون عند معبر رفح الحدودي بين قطاع غزة ومصر (وكالة الأنباء الألمانية)
فلسطينيون ينتظرون عند معبر رفح الحدودي بين قطاع غزة ومصر (وكالة الأنباء الألمانية)

تصاعدت حدة المخاوف من تداعيات اجتياح إسرائيلي محتمل لمدينة رفح الفلسطينية، أقصى جنوبي قطاع غزة، في ظل تأكيدات إسرائيلية بقرب تنفيذ العملية، التي سبق وحذر مسؤولون عرب وأجانب من «تبعاتها الكارثية على الوضع الإنساني في القطاع».

وبينما حذر الأمين العام لجامعة الدول العربية من أي «تصعيد محتمل» إذا تسبب اجتياح رفح في «دفع الفلسطينيين نحو سيناء». أكد رئيس الهيئة العامة للاستعلامات في مصر، ضياء رشوان، الاثنين، أن «بلاده لديها السيادة الكاملة على أرضها وتحكم السيطرة بشكل تام على كامل حدودها الشمالية الشرقية مع غزة أو إسرائيل».

وقال رشوان، في تصريحات نقلها التلفزيون المصري الرسمي، إنه «تم تدمير أكثر من 1500 نفق وتقوية الجدار الحدودي مع قطاع غزة»، مشيراً إلى أن «كل دول العالم تعرف جيداً حجم الجهود التي قامت بها مصر في آخر 10 سنوات لتحقيق الأمن في سيناء وتعزيز الأمن على الحدود بين رفح المصرية وقطاع غزة».

وجدد رفضه ما وصفه بـ«مزاعم وادعاءات باطلة حول عمليات تهريب للأسلحة والمتفجرات والذخائر إلى قطاع غزة من الأراضي المصرية».

فلسطينيون فروا من منازلهم بسبب الغارات الإسرائيلية يحتمون بالخيام قرب الحدود مع مصر في رفح (إ.ب.أ)

وسبق ونفت مصر، في يناير (كانون الثاني) الماضي، عبر بيان من الهيئة العامة للاستعلامات «مزاعم إسرائيلية» بشأن عمليات تهريب على الحدود، واستعرضت «الخطوات التي اتخذتها للقضاء على الأنفاق بشكل نهائي».

تصريحات رشوان، تزامنت مع تأكيدات هيئة البث الإسرائيلية، الاثنين، أن حكومة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو «تعمل على توسيع المنطقة الإنسانية في قطاع غزة في إطار التجهيزات لعملية برية في مدينة رفح بجنوب قطاع غزة».

ويثير تنفيذ مخطط اجتياح رفح، المخاوف من دفع الفلسطينيين تجاه الحدود المصرية، لا سيما أن المدينة باتت الملاذ الأخير لنحو 1.5 مليون شخص نزحوا إليها هرباً من الحرب في قطاع غزة.

وفي هذا السياق، جدد الأمين العام لجامعة الدول العربية، أحمد أبو الغيط، «التأكيد على رفض تهجير الفلسطينيين خارج أراضيهم، لا سيما إلى سيناء». وقال، في تصريحات تلفزيونية مساء الأحد، إن «هذا الأمر مرفوض بالكامل؛ لأن نقل السكان الأصليين من مناطقهم غير مقبول وفقاً للقانون الدولي الإنساني».

وحذر الأمين العام لجامعة الدول العربية من تبعات تنفيذ «مخطط التهجير»، محذراً من أنه «قد يدفع لمواجهة مباشرة بين الجيش المصري وإسرائيل». وقال إن «حكومة نتنياهو تتبع أسلوباً شريراً بدفع الفلسطينيين إلى الجنوب حتى يضغطوا على الحدود المصرية»، وإن «الدخول إلى سيناء يمثل جريمة كبرى بحكم القانون الدولي».

وأوضح أبو الغيط أن «الفلسطينيين إذا دخلوا سيناء لن يتوقفوا عن المقاومة، وبالتالي سيتصدون لإسرائيل من داخل الأراضي المصرية، ثم تقرر إسرائيل معاقبتهم داخل الأراضي المصرية، والجيش المصري موجود».

لافتة مناهضة لنتنياهو خلال مظاهرة الخميس الماضي لأقارب الرهائن خارج قاعدة كيريا التي تضم مقر وزارة الدفاع في تل أبيب (أ.ف.ب)

وتابع مخاطباً نتنياهو: «أنت تأخذنا في مواجهة عسكرية، وبالتالي ستكون هناك عواقب»، مشيراً إلى أن «واشنطن متنبهة لخطورة اجتياح رفح».

ولا يكف نتنياهو عن التلويح بشنّ هجوم برّي على رفح بداعي «القضاء على آخر معقل لـ(حماس)». لكنّ دولاً عربية وأجنبية ومنظمات دولية عارضت هذه العمليّة، خشية أن تتسبّب في سقوط الضحايا المدنيّين.

وأكد مدير «المركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية»، العميد خالد عكاشة لـ«الشرق الأوسط»، أن «اجتياح رفح مسألة حتمية رغبة من إسرائيل للوصول إلى خط النهاية، ومداهمة المعقل الأخير لـ(حماس)»، وأنه «يأتي استجابة لضغوط في الداخل الإسرائيلي، تدعو للقضاء التام على (حماس)، حيث تعد المدينة المربع الأخير الذي لم يتم التعامل معه»، مشيراً إلى أن «نتنياهو يتجاهل البعد الإنساني للمسألة، رغم تحذيرات العالم كله، وفي مقدمته واشنطن، من خطورة مثل هذه الخطوة وتداعياتها الكارثية على الوضع الإنساني».

من جانبه، قال أستاذ العلوم السياسية بجامعة القدس، السياسي الفلسطيني د. أيمن الرقب، لـ«الشرق الأوسط»، إن «اجتياح إسرائيل لرفح يبدو أنه بات مسألة حتمية، وتنفيذه مقترن بترتيبات لوجيستية». وأضاف أن «نتنياهو يسعى من خلال الاجتياح لممارسة مزيد من الضغط على (حماس)، وتحقيق انتصارات على الأرض قد تسهم في تحسين وضع صفقة الأسرى».

وعدّ الرقب تهديدات نتنياهو بالضغط على «حماس»، «محاولة من جانبه لتحسين شروط الصفقة».

وتلعب مصر وقطر والولايات المتحدة دور الوسيط في مفاوضات تستهدف تحقيق هدنة في قطاع غزة، وإتمام صفقة لتبادل الأسرى، لكن جهود الوساطة المستمرة منذ يناير الماضي لم تنجح حتى الآن في الوصول إلى اتفاق.

اتصال هاتفي بين السيسي وماكرون الاثنين يتناول الوضع في غزة (الرئاسة المصرية)

وفي اتصال هاتفي الاثنين، مع نظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون، بحث الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، مستجدات الجهود الرامية للتوصل إلى وقف فوري ومستدام لإطلاق النار، وتبادل المحتجزين، وإنفاذ المساعدات الإنسانية، بحسب إفادة رسمية للمتحدث الرئاسي المصري المستشار أحمد فهمي.

وحذر الرئيسان من «خطورة انزلاق المنطقة إلى حالة واسعة من عدم الاستقرار، بما يفرض الالتزام بأعلى درجات الحكمة وضبط النفس». واتفق الرئيسان على «ضرورة وقف التصعيد على مختلف الأصعدة»، بحسب الإفادة الرسمية.

وفي إطار جهود الدفع نحو وقف إطلاق النار في غزة، من المقرر أن يزور وزير خارجية آيرلندا مايكل مارتن، مصر والأردن قريباً، بحسب وكالة «بي إيه ميديا» البريطانية.

وبعد 6 جولات من المفاوضات غير المباشرة بين إسرائيل وحركة «حماس»، لوّحت قطر بإمكانية «تجميد دورها وسيطاً في المفاوضات»، رداً على انتقادات إسرائيلية لدورها، في وقت رفضت فيه حركة «حماس» مقترحاً أميركياً للتهدئة عرضه مدير المخابرات المركزية الأميركية، ويليام بيرنز، خلال جولة مفاوضات أخيرة في القاهرة.

ويرى الرقب أن «مسار المفاوضات لم يتوقف، لكنه يمر بمرحلة صعبة، في ضوء إعلان قطر إعادة تقييمها لدورها وسيطاً في ظل الانتقادات الإسرائيلية لها».

جنود من حرس الحدود الإسرائيلي يرافقون متظاهرين يمينيين سدوا الطريق أمام شاحنات أردنية تحمل مساعدات إنسانية لغزة عبر معبر كرم أبو سالم الحدودي الثلاثاء (أ.ف.ب)

ولفت إلى أن «الجولة الأخيرة شهدت عثرات؛ من بينها عدم قدرة حركة (حماس) على توفير 40 أسيراً من المدنيين لتتم مبادلتهم خلال المرحلة الأولى من الاتفاق حيث عرضت 20 أسيراً بدلاً من ذلك». وقال: «رغم العثرات فالأبواب لم توصد تماماً، وإن كان لا يوجد موعد لجولة جديدة حتى الآن».

ويشير مدير «المركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية» إلى أن «اجتياح رفح سيكون له تأثير سلبي على مسار المفاوضات». وقال إن «نتنياهو يستخدم تصريحاته لمغازلة الرأي العام الداخلي، والمجتمع الدولي، وهي عادة ما تكون مغايرة للحقيقة وللخطة المقررة للتحركات عسكرياً وسياسياً»، مشيراً إلى أن «نتنياهو لم يحقق أهدافه المعلنة حتى الآن، وهذا القدر من التشدد من جانبه لا ينتج عنه سوى مزيد من القتل والدمار».

وكان رئيس الوزراء الإسرائيلي قد هاجم «حماس» في كلمة مصورة له نشرها على حسابه في منصة «إكس» الأحد، وتوعدها بمزيد من الضغط العسكري. وقال: «سنوجّه ضربات إضافيّة ومؤلمة... في الأيّام المقبلة، سنزيد الضغط العسكري والسياسي على (حماس)، لأنّ هذا هو السبيل الوحيد لدينا لتحرير الرهائن وتحقيق النصر».

وأكد عكاشة أن «الوسطاء، لا سيما مصر والولايات المتحدة يدفعون نحو الهدنة وإتمام صفقة لتبادل الأسرى، وإيقاف إطلاق النار لفترة مؤقتة، تزامناً مع انفراجة على مسارات أخرى، على رأسها زيادة المساعدات الإنسانية»، لكن «سلوك نتنياهو وعدد من أعضاء حكومته، يشير إلى محاولة الالتفاف على استحقاقات الاتفاق والإفلات من الالتزامات في هذا الصدد».

وأوضح أن «هناك مخاوف لدى جناح في إسرائيل بأن تسفر الهدنة عن إيقاف مشروع الحرب، بحيث لا يستطيع نتنياهو تسويق استئنافها بعد الهدنة على المستوى الدولي، ما يجعل هذا الجناح يرى في الهدنة إجهاضاً للمشروع الإسرائيلي».

وكان وزير الخارجية المصري، سامح شكري، قد أكد في مقابلة له مع شبكة «سي إن إن» الأميركية الأسبوع الماضي، أن «المحادثات مستمرة ولم يتم قطعها أبداً. هناك أفكار مستمرة تطرح وسنستمر في ذلك حتى يتحقق الهدف».


مقالات ذات صلة

24 قتيلاً في قصف إسرائيلي على دير البلح وسط غزة

المشرق العربي فلسطينيون بجوار جثث أقاربهم الذين قتلوا في غارة إسرائيلية بمستشفى شهداء الأقصى بدير البلح (أرشيفية - رويترز)

24 قتيلاً في قصف إسرائيلي على دير البلح وسط غزة

قال مكتب الإعلام الحكومي في غزة إن 24 شخصاً على الأقل لقوا حتفهم وأصيب 93 آخرون في ضربات جوية إسرائيلية على مسجد ومدرسة يؤويان مئات النازحين.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي فلسطينيون يبحثون عن الضحايا بعد يوم من غارات إسرائيلية سابقة على منازل في مخيم جباليا بشمال قطاع غزة (رويترز)

الجيش الإسرائيلي يعلن ضرب موقع قيادة لـ«حماس» داخل مجمع سابق لـ«الأونروا»

قال الجيش الإسرائيلي، السبت، إنه نفّذ غارة جوية على عناصر في "مركز قيادة وسيطرة" تابع لحركة "حماس" داخل مجمع سابق لوكالة "الأونروا" في جباليا بشمال قطاع غزة.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
شؤون إقليمية رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (رويترز) play-circle 00:27

نتنياهو: سنرد على إيران وسندمر «حزب الله» بعد أن دمرنا «حماس»

قال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، في رسالة مسجلة بثتها قنوات إعلامية إسرائيلية، مساء (السبت)، إن بلاده ملتزمة بالرد على إيران وإنها ستفعل ذلك.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
المشرق العربي متظاهرون مؤيدون للفلسطينيين يسيرون إلى داونينج ستريت (إ.ب.أ)

«أوقفوا القصف»... الآلاف يتظاهرون في العالم دعماً لغزة بعد عام على بدء الحرب (صور)

خرج آلاف المتظاهرين إلى الشوارع في عدة مدن حول العالم، السبت، للمطالبة بوقف إراقة الدماء بقطاع غزة مع اقتراب حلول الذكرى السنوية الأولى للصراع.

«الشرق الأوسط» (لندن)
المشرق العربي جنازة فلسطينيين قُتلوا في غارة إسرائيلية على مقهى شعبي في طولكرم بالضفة الغربية (رويترز)

إسرائيل: قتلنا 12 «عنصراً إرهابياً» في غارة على طولكرم

قال الجيش الإسرائيلي وجهاز الأمن الداخلي (شين بيت) إنهما تمكنا من تحديد على الأقل 12 «عنصراً إرهابياً» بين القتلى في غارة شنتها طائرة حربية ليل الخميس بطولكرم.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)

«من الحياة المريحة إلى الخراب»... قصة أسرة فلسطينية وعام من النزوح

الفلسطيني نعمان أبو جراد وأسرته (أ.ب)
الفلسطيني نعمان أبو جراد وأسرته (أ.ب)
TT

«من الحياة المريحة إلى الخراب»... قصة أسرة فلسطينية وعام من النزوح

الفلسطيني نعمان أبو جراد وأسرته (أ.ب)
الفلسطيني نعمان أبو جراد وأسرته (أ.ب)

قضى الفلسطيني نعمان أبو جراد وزوجته ماجدة وبناتهما الست العام الماضي بأكمله في نزوح على طول قطاع غزة، محاولين البقاء على قيد الحياة، في حين كانت القوات الإسرائيلية تلحق الدمار من حولهم.

وأدى القصف الإسرائيلي المستمر على قطاع غزة إلى نزوح 1.9 مليون من أصل 2.3 مليون فلسطيني من سكان القطاع، ومقتل أكثر من 41 ألف شخص، وفقاً لوزارة الصحة في غزة.

ومنذ بدء الحرب في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، فرت أسرة أبو جراد سبع مرات، وانتقلت من «حياة الطبقة المتوسطة المريحة إلى الخراب»، وفقاً لوصفها.

وقال أبو جراد لوكالة أنباء «أسوشييتد برس»: «حياتنا الآن تختلف تماماً عن حياتنا في منزلنا في بيت حانون بشمال غزة. منزلنا كان مليئاً بالراحة والحب والعاطفة والأمان. كان المكان الذي يجتمع فيه الأحباء حول طاولة المطبخ أو على السطح في أمسيات الصيف وسط رائحة الورود وأزهار الياسمين».

وأضاف: «إن منزلك هو وطنك. كل شيء جيد في حياتنا كان في المنزل، كل شيء، الأسرة، والجيران، وإخوتي الذين كانوا حولي. إننا نفتقد كل ذلك».

قبل الحرب: حياة مريحة

كانت حياة أسرة أبو جراد في بيت حانون هادئة قبل الحرب. فقد كان أبو جراد يخرج كل صباح للعمل سائق تاكسي. وكانت زوجته تقضي معظم يومها في الأعمال المنزلية. وكانت أصغر بناتهما، لانا، قد بدأت الصف الأول الابتدائي، في حين أن هدى، التي تبلغ من العمر 18 عاماً، كانت في سنتها الأولى في الجامعة. أما أكبرهن، بلسم، فقد أنجبت طفلها الأول قبل بدء الحرب مباشرة.

7 أكتوبر: الهجوم

في صباح يوم 7 أكتوبر، سمعت الأسرة أخبار هجوم «حماس» على إسرائيل، الذي قُتل فيه نحو 1200 شخص واختُطف 250.

وأدركت الأسرة حينها أن الرد الإسرائيلي سيكون سريعاً وأن منزلهم، الذي يبعد نحو 2 كيلومتر فقط عن السياج الحدودي مع إسرائيل، سيكون على خط المواجهة.

وبحلول الساعة 9 صباحاً، حزم أبو جراد وزوجته وبناتهما وشقيقته ما في وسعهم وهربوا، حيث أصدر الجيش الإسرائيلي أحد أوامره الأولى بالإخلاء.

أدى القصف الإسرائيلي المستمر على قطاع غزة إلى نزوح 1.9 مليون شخص (أ.ب)

7 - 13 أكتوبر: الإقامة مع والدي الزوجة

مثل العديد من الأسر الفلسطينية التي نزحت من منازلها، حاولت أسرة أبو جراد في البداية البقاء بالقرب من البيت. وذهبوا للإقامة مع والدي الزوجة، في بيت لاهيا على بعد كيلومتر واحد.

وقالت الزوجة: «كان المكان مريحاً للغاية، لأكون صادقة. شعرت وكأنني في المنزل. لكننا كنا نعيش في خوف ورعب».

وبالفعل، تعرضت بيت لاهيا لقصف كثيف. على مدار الأيام الستة التي قضوها هناك، فقد قامت إسرائيل بـ9 غارات على البلدة على الأقل، مما أسفر عن مقتل العشرات.

واخترقت الشظايا خزانات المياه في منزل والدي الزوجة. وتحطمت النوافذ بينما تجمعت العائلة في الداخل، الأمر الذي دفع الأسرة للنزوح مرة أخرى.

13- 15 أكتوبر: اللجوء إلى المستشفى

توجهت الأسرة إلى مستشفى القدس للإقامة بها بعد ترك منزل أسرة الزوجة.

وكان المبنى ومحيطه مكتظاً بآلاف الأشخاص. ففي جميع أنحاء شمال غزة، لجأت الأسر إلى المستشفيات، على أمل أن يكونوا في مأمن.

ووجدت الأسرة مساحة صغيرة على الأرض، بالكاد يكفي للنوم ​​وسط الطاقم الطبي المحموم الذي يكافح مع الجرحى.

وقالت الزوجة: «كانت ليلة سوداء وكانت هناك ضربات إسرائيلية متواصلة، ورأينا القتلى والجرحى متناثرين على الأرض».

وفي اليوم التالي لوصولهم، أصابت ضربة إسرائيلية منزلاً على بعد بضع مئات من الأمتار من المستشفى، مما أسفر عن مقتل طبيب بارز وحوالي عشرين فرداً من عائلته، الكثير منهم من الأطفال.

وأمر الجيش الإسرائيلي جميع المدنيين بعد ذلك بمغادرة شمال غزة، مما أدى إلى توجه مئات الآلاف من الأشخاص جنوباً، من بينهم أسرة أبو جراد.

15 أكتوبر - 26 ديسمبر (كانون الأول): مدرسة مكتظة

سارت الأسرة 10 كيلومترات حتى وصلت إلى مدرسة إعدادية للبنات تديرها الأمم المتحدة في مخيم النصيرات للاجئين.

وكان كل فصل دراسي وممر مكتظاً بالعائلات القادمة من الشمال. ووجدت الأسرة مساحة صغيرة في فصل دراسي يضم بالفعل أكثر من 100 امرأة وطفل. وللحفاظ على الخصوصية، انتقل أبو جراد للعيش مع الرجال في خيام بالخارج، في ساحة المدرسة.

كان هذا مكان إقامتهم لأكثر من 10 أسابيع. كانت الزوجة وبناتها ينمن على الأرض، دون مساحة كافية حتى لتمديد أرجلهن. ومع حلول الشتاء، لم يكن هناك ما يكفي من البطانيات.

وقالت الزوجة إن الحمامات كانت أسوأ شيء في الأمر. فلم يكن هناك سوى عدد قليل من المراحيض التي يستخدمها الآلاف من الناس.

وأشارت إلى أن الاستحمام كان بمثابة «معجزة». فقد ظل الناس عاجزين عن الاستحمام لأسابيع. وانتشرت الأمراض الجلدية على نطاق واسع.

ويومياً، كانت البنات يذهبن عند الفجر للانتظار في الطوابير أمام المخابز القليلة الموجودة بالمنطقة، ويعدن بعد الظهر، وفي بعض الأحيان يحملن رغيف خبز واحداً فقط. وفي أحد الأيام، سار أبو جراد وبناته مسافة 5 كيلومترات إلى مدينة دير البلح، بحثاً عن مياه صالحة للشرب.

وقال أبو جراد: «لولا أهل دير البلح الطيبين الذين أشفقوا علينا وأعطونا نصف غالون من المياه، لكنا عدنا بلا شيء».

ومع استمرار الضربات، قررت الأسرة الذهاب إلى أبعد مدى ممكن، فساروا مسافة 20 كيلومتراً إلى رفح، في أقصى جنوب غزة.

26 ديسمبر - 14 مايو (أيار): الحياة في خيمة

ذاقت أسرة أبو جراد طعم العيش في خيمة لأول مرة في رفح، وقد أقامت خيمتها وسط عشرات الآلاف من الخيام على مشارف المدينة.

وقالت الزوجة: «في الشتاء، كان الأمر أشبه بالجحيم، حيث غمرتنا المياه. وكنا ننام على الأرض، لا شيء تحتنا، ولا أغطية».

وأضافت: «لم يكن لدينا المال لشراء الطعام من الأسواق، حيث ارتفعت الأسعار. وأصيبت بناتنا بنزلات البرد والإسهال، ولم تكن هناك صيدلية قريبة لشراء الدواء. وعشنا بالكامل على المساعدات التي تقدمها الأمم المتحدة من الدقيق وغيره من المواد الأساسية».

وقال أبو جراد: «كان شراء حبة طماطم أو خيارة أشبه بالحلم».

ومثل كثيرين غيرهم، كانوا يعتقدون أن رفح هي آخر مكان آمن في غزة. ولكنها لم تكن كذلك.

وفي الأسبوع الأول من شهر مايو، أمرت إسرائيل بإخلاء رفح بالكامل. ثم توغلت قواتها في المدينة. واشتد القصف.

وحاولت الأسرة البقاء لأطول فترة ممكنة هناك. ولكن غارة جوية ضربت مكاناً قريباً، فقتلت أربعة من أبناء عم أبو جراد وفتاة صغيرة.

أسرة فلسطينية تحمل أغراضها أثناء النزوح من قطاع غزة (أ.ب)

16 مايو - 16 أغسطس (آب): «منطقة إنسانية»

نزح أكثر من مليون شخص من رفح هرباً من الهجوم الإسرائيلي، وتفرقوا في جنوب ووسط غزة. وملأت الخيام شواطئ المدن والحقول والأراضي الفارغة وساحات المدارس والمقابر وحتى مكبات النفايات.

وتوجهت أسرة أبو جراد إلى المواصي، التي كانت في السابق بلدة ساحلية، بعد أن أعلنت إسرائيل إنها «منطقة إنسانية» ـ رغم قلة المساعدات أو الغذاء أو الماء.

وفي هذا المكان، كانت الأسرة تستخدم أكواماً من العصي لإشعال النار وطهي الطعام، واستخدموا دلواً من الماء للاستحمام من حين لآخر. وكان الصابون باهظ الثمن. وتسللت العناكب الكبيرة والصراصير والحشرات الأخرى إلى الخيمة.

16 - 26 أغسطس: الفرار إلى البحر

أجبرت غارة شنتها إسرائيل على بعد أقل من كيلومتر أسرة أبو جراد على النزوح مرة أخرى. وتوجهت الأسرة نحو ساحل البحر الأبيض المتوسط، دون أن تعرف أين ستقيم.

لكن، لحسن الحظ، وجدت الأسرة بعض المعارف في إحدى الخيام.

وقال أبو جراد: «باركهم الله، لقد فتحوا خيمتهم لنا وسمحوا لنا بالعيش معهم لمدة 10 أيام».

أواخر أغسطس: لا نهاية في الأفق

عندما عادت الأسر إلى المواصي، وجدت أسرة أبو جراد أن خيمتها قد سُرِقَت وأن طعامها وملابسها اختفت بالكامل.

ومنذ ذلك الحين، تتكرر الأيام دون أي جديد. وتجد الأسرة أن البقاء على قيد الحياة يفقد معناه في صراع يبدو أنه لا نهاية له.

وأصبح العثور على الطعام أكثر صعوبة مع انخفاض الإمدادات التي تدخل غزة إلى أدنى مستوياتها خلال الحرب.

أصبح العثور على الطعام أكثر صعوبة مع انخفاض الإمدادات التي تدخل غزة (أ.ب)

وتحلق الطائرات المسيرة الإسرائيلية فوق رؤوس الأسرة باستمرار، حيث يعيش الجميع في رعب وضغط نفسي مستمر.

وتحلم الأسرة بالعودة إلى منزلها. وقال أبو جراد إنه علم أن منزل شقيقه المجاور دُمر في غارة، وأن منزله تضرر، لكنه لا يعرف حجم الضرر الذي لحق به.