لبنان يصطدم برفض سوري لترسيم الحدود لملاحقة «أصحاب النفوذ»

بعد أن تحولت المناطق المتداخلة إلى ملجأ «آمن» للعصابات يهدد استقراره

أحد أبراج المراقبة على الحدود اللبنانية- السورية (موقع قيادة الجيش)
أحد أبراج المراقبة على الحدود اللبنانية- السورية (موقع قيادة الجيش)
TT

لبنان يصطدم برفض سوري لترسيم الحدود لملاحقة «أصحاب النفوذ»

أحد أبراج المراقبة على الحدود اللبنانية- السورية (موقع قيادة الجيش)
أحد أبراج المراقبة على الحدود اللبنانية- السورية (موقع قيادة الجيش)

يُفترض أن تؤدي جريمة مقتل منسق حزب «القوات اللبنانية» في منطقة جبيل (شمال بيروت)، باسكال سليمان، إلى فتح الباب على مصراعيه أمام ضرورة ضبط الحدود اللبنانية - السورية، وصولاً إلى ترسيمها الذي يلقى حتى الساعة معارضة من النظام السوري، على الرغم من أن «مؤتمر الحوار الوطني الأول» الذي استضافه رئيس المجلس النيابي نبيه بري في مارس (آذار) 2006، كان قد أجمع على ضرورة تحديدها، وجرت محاولات من قبل الرئيس سعد الحريري، خلال توليه للمرة الأولى رئاسة الحكومة؛ لكنه اصطدم بترحيل دمشق البحث في ترسيمها، بعد أن كانت قد وافقت على تشكيل لجنة أوكلت إليها مهمة التفاوض مع الجانب اللبناني، للتوصل إلى اتفاق في هذا الخصوص؛ لكنها عادت وطلبت التريُّث بذريعة انشغالها بترسيم الحدود السورية الأردنية.

فمؤتمر الحوار الوطني الأول أجمع، بمشاركة أمين عام «حزب الله» حسن نصر الله، على استبدال عبارة ترسيم الحدود اللبنانية- السورية بـ«تحديدها»، بذريعة أن الترسيم يُستخدم بين دولتين على خصومة ونزاع حدودي، وهذا لا ينطبق على بلدين شقيقين كلبنان وسوريا.

محاولات للترسيم لم تكلل بالنجاح

وجرت أول محاولة لترسيم الحدود اللبنانية- السورية، الممتدة من شمال لبنان إلى بقاعه على امتداد 370 كيلومتراً، على هامش الاجتماع الذي عُقد في دمشق برئاسة الوزير جان أوغسبيان مع الجانب السوري، بتكليف من رئيس الحكومة سعد الحريري، خُصص لإعادة النظر في عدد من الاتفاقيات المعقودة بين البلدين، بموجب «معاهدة الأخوّة والتعاون والتنسيق».

ولم يلقَ طلب الوزير أوغسبيان في حينه أي اعتراض من الجانب السوري، وتكرّر الأمر في الاجتماع الوزاري الموسّع بين البلدين، بحضور الحريري ونظيره السوري، الذي خُصّص للتصديق على التعديلات التي أُدخلت على عدد من الاتفاقيات المعقودة بين البلدين.

ومع أن الجانب السوري لم يعترض -كما في السابق- على اقتراح أوغسبيان بضرورة توسيع ترسيم الحدود البرية لتشمل المنطقة الاقتصادية البحرية؛ فإن التحضير اللبناني للخرائط الجوية والوثائق الخاصة بترسيم الحدود البرية بقي حبراً على ورق، على الرغم من أن الجانب السوري كان قد أعلم أوغسبيان بأنه استكمل تحضيراته للبدء في مفاوضات الترسيم، واقترح في حينه أن يبدأ من منطقة جنوب الليطاني التي تقع فيها مزارع شبعا وتلال كفرشوبا المحتلة.

إلا أن الجانب السوري عاد وعدل عن مطالبته بشمول الترسيم الحدودي للمزارع في ظل الاحتلال الإسرائيلي لها، ووافق على أن يبدأ من الشمال إلى البقاع، ليتراجع لاحقاً ويطالب بتأجيل المفاوضات، إلى أن قررت دمشق بصورة رسمية صرف النظر عنها من دون أن تحدد موعداً لانطلاقها.

وإزاء تعذُّر الدخول في ترسيم الحدود البرية، تقرر بموافقة البلدين التوصل إلى اتفاق يتعلق بحل الإشكالات الناجمة عن التداخل الحدودي في عدد من البلدات الواقعة في معظمها في البقاع، وصولاً إلى سلسلة الجبال الشرقية والمشاعات.

وكان يُفترض أن يوكل أمر حل هذه الإشكالات إلى لجنة يرأسها عن الجانب اللبناني أوغسبيان، وتضم المحافظين من البلدين التي تقع هذه الأراضي المتداخلة ضمن المناطق الخاضعة لمسؤولياتهم الإدارية؛ خصوصاً أن هناك عشرات المنازل التي يقع نصفها في الأراضي اللبنانية ونصفها الآخر في الأراضي السورية، إضافة إلى المشاعات، في ضوء ما تبين أن معظمها يتبع الأراضي اللبنانية، وإن كانت مسجّلة في الدوائر العقارية السورية.

تداخل الحدود شجع النزوح غير الشرعي

ويشمل التداخل أكثر من بلدة لبنانية لا يمكن الوصول إليها إلا من خلال الأراضي السورية، أو مشياً على الأقدام من داخل الأراضي اللبنانية.

لذلك، فإن النزوح السوري إلى لبنان تحوّل إلى عبءٍ لا يستطيع البلد تحمُّله، في ظل ظروفه الاقتصادية والمالية الصعبة غير المسبوقة من جهة، وعدم تجاوب النظام السوري معه بوجوب التوصل إلى اتفاق لتحديد الحدود البرية من جهة ثانية، ما سمح بتسلُّل ألوف النازحين إلى داخل الأراضي اللبنانية عبر المعابر غير الشرعية التي يقع معظمها في المناطق المتداخلة في البقاع، والتي تستخدم أيضاً لتهريب البضائع والمحروقات إلى سوريا، نظراً لصعوبة الإمساك بها من قبل الأمن اللبناني، وعدم تجاوب السلطات السورية مع الدعوة للإمساك من جانبه بهذه المعابر، لقطع الطريق على تحويلها إلى ممرات «آمنة» لتهريب البضائع والمحروقات، وكل ما هو مدعوم من قبل الحكومة اللبنانية إلى سوريا، والذي يتفاقم تدريجياً مع حلول الشتاء، كون تلك المناطق جردية يصعب الوصول إليها وخارجة عن السيادة اللبنانية، وتحظى بغض نظر من الوحدات السورية المكلفة ضبط الحدود.

معابر خارجة على القانون اختصاصها التهريب

فالمعابر غير الشرعية تقع تحت إشراف خليط من مجموعات لبنانيّة وسورية خارجة على القانون، وتحظى برعاية من جهات نافذة في النظام السوري، كما تقول مصادر في المعارضة لـ«الشرق الأوسط»، مع أن أفرادها ملاحقون من السلطات اللبنانية بموجب مئات مذكرات التوقيف الصادرة بحقهم من قبل القضاء اللبناني بتُهم عدة، من قتل وتهريب يشمل كل ما هو ممنوع، بما في ذلك حبوب «الكبتاغون» التي تُصنّع في سوريا وتصدّر إلى لبنان كممر عبور لتهريبها إلى الدول العربية وعلى رأسها الخليجية، وهذا ما أساء للعلاقات اللبنانية- الخليجية، وكان وراء اضطرار معظم الدول العربية إلى فرض قيود مشددة على تصدير المنتوجات اللبنانية إلى أسواقها.


مقالات ذات صلة

لبنان يتطلع لتمديد الهدنة وتحديد موعد التفاوض لإيحاد «حل دائم» مع إسرائيل

المشرق العربي من مراسم تشييع مدنيين قُتلوا بغارات إسرائيلية في بلدة البازورية بجنوب لبنان (أ.ب)

لبنان يتطلع لتمديد الهدنة وتحديد موعد التفاوض لإيحاد «حل دائم» مع إسرائيل

تتجه الأنظار إلى اللقاء الثاني الذي يجمع سفيري لبنان وإسرائيل لدى الولايات المتحدة في واشنطن؛ لتمديد وقف إطلاق النار وتحديد موعد وموقع المفاوضات المباشرة

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي نساء في مدينة النبطية يتفقدن الدمار الناتج عن غارات إسرائيلية استهدفت المدينة خلال الحرب (أ.ف.ب)

إسرائيل تدمر البنى التحتية في الجنوب اللبناني منعاً لإعادة السكان إليه

تواصل إسرائيل تصعيدها في جنوب لبنان، في مسار لا يقتصر على العمليات العسكرية المباشرة، بل يتعداه إلى اعتماد سياسة تدمير ممنهج للبنى التحتية

يوسف دياب (بيروت)
المشرق العربي طفلة أمام مبنى تعرَّض لغارات إسرائيلية في الضاحية الجنوبية لبيروت (أ.ب)

سكان جنوب لبنان وضاحية بيروت يترددون في العودة بظلّ هدنة هشّة

تفرض الهدنة المؤقتة في لبنان واقعاً ضاغطاً على السكان؛ إذ تدفعهم إلى العودة الخاطفة من دون أن تمنحهم شعوراً فعلياً بالأمان أو الاستقرار.

صبحي أمهز (بيروت)
المشرق العربي دخان يتصاعد من قرية الخيام اللبنانية القريبة من الحدود مع إسرائيل كما يُرى من شمال الدولة العبرية 18 مارس 2026 (رويترز)

جنوب لبنان: تطويق كامل وتدمير ممنهج وتكريس تدريجي لـ«المنطقة العازلة»

تحوّلت بنت جبيل والخيام إلى مركز الثقل في المشهد الميداني جنوب لبنان، حيث تتقدّم الوقائع العسكرية على إيقاع مختلف.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
خاص رئيس مجلس النواب مستقبلاً السفير الأميركي لدى لبنان ميشال عيسى (الرئاسة اللبنانية)

خاص لبنان مُصرّ على استغلال «الثقل الأميركي» في المفاوضات مع إسرائيل

كشف رئيس البرلمان اللبناني نبيه بري عن وجود مسعى أميركي لتمديد وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل.

ثائر عباس (بيروت)

المستوطنون يباغتون رام الله بـ«مجزرة»


والدة الفلسطيني جهاد أبو نعيم تبكي بعد مقتله بنيران مستوطنين إسرائيليين في قرية المغير شرق رام الله بالضفة الغربية أمس (أ.ف.ب)
والدة الفلسطيني جهاد أبو نعيم تبكي بعد مقتله بنيران مستوطنين إسرائيليين في قرية المغير شرق رام الله بالضفة الغربية أمس (أ.ف.ب)
TT

المستوطنون يباغتون رام الله بـ«مجزرة»


والدة الفلسطيني جهاد أبو نعيم تبكي بعد مقتله بنيران مستوطنين إسرائيليين في قرية المغير شرق رام الله بالضفة الغربية أمس (أ.ف.ب)
والدة الفلسطيني جهاد أبو نعيم تبكي بعد مقتله بنيران مستوطنين إسرائيليين في قرية المغير شرق رام الله بالضفة الغربية أمس (أ.ف.ب)

باغت مستوطنون إسرائيليون قرية المغير شرق رام الله بالضفة الغربية، أمس (الثلاثاء)، بهجوم مسلح أسفر عن مقتل فلسطينيين اثنين، أحدهما طالب في مدرسة.

وأدانت وزارة الخارجية والمغتربين الفلسطينية بأشد العبارات «الهجوم الإرهابي، والمجزرة التي نفذتها عصابات المستوطنين، التي تعد أبشع أدوات الاحتلال الإسرائيلي، وبتنسيق كامل مع جيش الاحتلال».

وشوهد مستوطنون قبل ظهر أمس وهم يقتحمون قرية المغير، ثم فتحوا النار على مدرستها، قبل أن يهب الأهالي لإنقاذ أبنائهم.

وقال أحد المسعفين إنه شاهد 3 مستوطنين على الأقل ممن شاركوا في الهجوم كانوا يتعمدون إطلاق النار على الأطفال الذين حاولوا الفرار من الصفوف المدرسية.

وأعلنت وزارة الصحة الفلسطينية أن الطفل أوس النعسان (14 عاماً)، وهو طالب، وجهاد أبو نعيم (32 عاماً)، قُتلا برصاص المستوطنين، وأصيب 4 آخرون في الهجوم.


إسرائيل تُسابق المفاوضات بتدمير جنوب لبنان

نساء في مدينة النبطية يتفقدن الدمار الناتج عن غارات إسرائيلية استهدفت المدينة خلال الحرب (أ.ف.ب)
نساء في مدينة النبطية يتفقدن الدمار الناتج عن غارات إسرائيلية استهدفت المدينة خلال الحرب (أ.ف.ب)
TT

إسرائيل تُسابق المفاوضات بتدمير جنوب لبنان

نساء في مدينة النبطية يتفقدن الدمار الناتج عن غارات إسرائيلية استهدفت المدينة خلال الحرب (أ.ف.ب)
نساء في مدينة النبطية يتفقدن الدمار الناتج عن غارات إسرائيلية استهدفت المدينة خلال الحرب (أ.ف.ب)

تُسابق إسرائيل اللقاء الثاني الذي يُفترض أن يجمع سفيري لبنان وإسرائيل لدى الولايات المتحدة في واشنطن، غداً (الخميس)، بتدمير جنوب لبنان عبر نسف المنازل والمنشآت المدنية، في وقت أطلق «حزب الله»، للمرة الأولى منذ وقف النار، صواريخ ومسيّرة باتجاه جنوب إسرائيل، انطلاقاً من شمال الليطاني، حسبما قال مصدر أمني لبناني، وردت عليه إسرائيل باستهداف منصة الإطلاق حسبما أعلن جيشها.

ومن المزمع أن تناقش المحادثات، تمديد وقف النار، وتحديد موعد وموقع المفاوضات.

وقال رئيس الحكومة اللبناني نواف سلام بعد لقائه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، في باريس، «إننا سنتوجه إلى واشنطن بهدف الانسحاب الكامل للقوات الإسرائيلية من لبنان». وأضاف: «لا نسعى لمواجهة مع (حزب الله) لكننا لن نسمح له بترهيبنا».


الجيش الإسرائيلي يعاقب جنديين بعد تحطيم تمثال للمسيح في جنوب لبنان

جنود إسرائيليون قرب الحدود اللبنانية (رويترز)
جنود إسرائيليون قرب الحدود اللبنانية (رويترز)
TT

الجيش الإسرائيلي يعاقب جنديين بعد تحطيم تمثال للمسيح في جنوب لبنان

جنود إسرائيليون قرب الحدود اللبنانية (رويترز)
جنود إسرائيليون قرب الحدود اللبنانية (رويترز)

أعلن الجيش الإسرائيلي، اليوم (الثلاثاء)، احتجاز جنديين لمدة 30 يوماً، واستبعادهما من الخدمة العسكرية، على خلفية إلحاق ضرر بتمثال للمسيح في جنوب لبنان.

وجاء القرار عقب موجة إدانة لفيديو مصور انتشر عبر الإنترنت، أكّد الجيش صحته، ويُظهر جندياً يستخدم مطرقة ثقيلة لضرب رأس تمثال المسيح المصلوب الذي سقط عن صليبه.

ويقع التمثال في بلدة دبل المسيحية في جنوب لبنان قرب الحدود مع إسرائيل.

وقال الجيش، في خلاصة تحقيقه، إن «الجندي الذي ألحق الضرر بالرمز المسيحي والجندي الذي صوّر الواقعة سيُستبعدان من الخدمة العسكرية وسيمضيان 30 يوماً في الاحتجاز العسكري». وأضاف أنه استدعى 6 جنود آخرين «كانوا حاضرين ولم يمنعوا الحادث أو يبلغوا عنه»، مشيراً إلى أنهم سيخضعون لـ«جلسات توضيحية».

وسيطرت إسرائيل على مناطق إضافية في جنوب لبنان بعدما أطلق «حزب الله» صواريخ باتجاه الدولة العبرية دعماً لطهران.

وأسفرت الحرب عن مقتل أكثر من 2400 شخص، ونزوح نحو مليون من الجانب اللبناني. وأودت بحياة 15 جندياً إسرائيلياً في جنوب لبنان و3 مدنيين في إسرائيل.

وجاء في بيان الجيش أن «التحقيق خلُص إلى أن سلوك الجنود انحرف بشكل كامل عن أوامر وقيم الجيش الإسرائيلي»، مضيفاً أن «عملياته في لبنان موجهة ضد منظمة (حزب الله) الإرهابية وغيرها من الجماعات الإرهابية فقط، وليس ضد المدنيين اللبنانيين».

وفي منشور على منصة «إكس»، قال الجيش الإسرائيلي إن التمثال المتضرر في دبل بدّله الجنود «بالتنسيق الكامل مع المجتمع المحلي»، ونشر صورة لتمثال جديد ليسوع المصلوب.

وكان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، قال الاثنين: «لقد صدمت وحزنت عندما علمت أن جندياً من الجيش الإسرائيلي ألحق ضرراً برمز ديني كاثوليكي في جنوب لبنان». وتعهد باتخاذ «إجراءات تأديبية صارمة» بحقّ المتورطين، وفق وكالة الصحافة الفرنسية.