لبنان يصطدم برفض سوري لترسيم الحدود لملاحقة «أصحاب النفوذ»

بعد أن تحولت المناطق المتداخلة إلى ملجأ «آمن» للعصابات يهدد استقراره

أحد أبراج المراقبة على الحدود اللبنانية- السورية (موقع قيادة الجيش)
أحد أبراج المراقبة على الحدود اللبنانية- السورية (موقع قيادة الجيش)
TT

لبنان يصطدم برفض سوري لترسيم الحدود لملاحقة «أصحاب النفوذ»

أحد أبراج المراقبة على الحدود اللبنانية- السورية (موقع قيادة الجيش)
أحد أبراج المراقبة على الحدود اللبنانية- السورية (موقع قيادة الجيش)

يُفترض أن تؤدي جريمة مقتل منسق حزب «القوات اللبنانية» في منطقة جبيل (شمال بيروت)، باسكال سليمان، إلى فتح الباب على مصراعيه أمام ضرورة ضبط الحدود اللبنانية - السورية، وصولاً إلى ترسيمها الذي يلقى حتى الساعة معارضة من النظام السوري، على الرغم من أن «مؤتمر الحوار الوطني الأول» الذي استضافه رئيس المجلس النيابي نبيه بري في مارس (آذار) 2006، كان قد أجمع على ضرورة تحديدها، وجرت محاولات من قبل الرئيس سعد الحريري، خلال توليه للمرة الأولى رئاسة الحكومة؛ لكنه اصطدم بترحيل دمشق البحث في ترسيمها، بعد أن كانت قد وافقت على تشكيل لجنة أوكلت إليها مهمة التفاوض مع الجانب اللبناني، للتوصل إلى اتفاق في هذا الخصوص؛ لكنها عادت وطلبت التريُّث بذريعة انشغالها بترسيم الحدود السورية الأردنية.

فمؤتمر الحوار الوطني الأول أجمع، بمشاركة أمين عام «حزب الله» حسن نصر الله، على استبدال عبارة ترسيم الحدود اللبنانية- السورية بـ«تحديدها»، بذريعة أن الترسيم يُستخدم بين دولتين على خصومة ونزاع حدودي، وهذا لا ينطبق على بلدين شقيقين كلبنان وسوريا.

محاولات للترسيم لم تكلل بالنجاح

وجرت أول محاولة لترسيم الحدود اللبنانية- السورية، الممتدة من شمال لبنان إلى بقاعه على امتداد 370 كيلومتراً، على هامش الاجتماع الذي عُقد في دمشق برئاسة الوزير جان أوغسبيان مع الجانب السوري، بتكليف من رئيس الحكومة سعد الحريري، خُصص لإعادة النظر في عدد من الاتفاقيات المعقودة بين البلدين، بموجب «معاهدة الأخوّة والتعاون والتنسيق».

ولم يلقَ طلب الوزير أوغسبيان في حينه أي اعتراض من الجانب السوري، وتكرّر الأمر في الاجتماع الوزاري الموسّع بين البلدين، بحضور الحريري ونظيره السوري، الذي خُصّص للتصديق على التعديلات التي أُدخلت على عدد من الاتفاقيات المعقودة بين البلدين.

ومع أن الجانب السوري لم يعترض -كما في السابق- على اقتراح أوغسبيان بضرورة توسيع ترسيم الحدود البرية لتشمل المنطقة الاقتصادية البحرية؛ فإن التحضير اللبناني للخرائط الجوية والوثائق الخاصة بترسيم الحدود البرية بقي حبراً على ورق، على الرغم من أن الجانب السوري كان قد أعلم أوغسبيان بأنه استكمل تحضيراته للبدء في مفاوضات الترسيم، واقترح في حينه أن يبدأ من منطقة جنوب الليطاني التي تقع فيها مزارع شبعا وتلال كفرشوبا المحتلة.

إلا أن الجانب السوري عاد وعدل عن مطالبته بشمول الترسيم الحدودي للمزارع في ظل الاحتلال الإسرائيلي لها، ووافق على أن يبدأ من الشمال إلى البقاع، ليتراجع لاحقاً ويطالب بتأجيل المفاوضات، إلى أن قررت دمشق بصورة رسمية صرف النظر عنها من دون أن تحدد موعداً لانطلاقها.

وإزاء تعذُّر الدخول في ترسيم الحدود البرية، تقرر بموافقة البلدين التوصل إلى اتفاق يتعلق بحل الإشكالات الناجمة عن التداخل الحدودي في عدد من البلدات الواقعة في معظمها في البقاع، وصولاً إلى سلسلة الجبال الشرقية والمشاعات.

وكان يُفترض أن يوكل أمر حل هذه الإشكالات إلى لجنة يرأسها عن الجانب اللبناني أوغسبيان، وتضم المحافظين من البلدين التي تقع هذه الأراضي المتداخلة ضمن المناطق الخاضعة لمسؤولياتهم الإدارية؛ خصوصاً أن هناك عشرات المنازل التي يقع نصفها في الأراضي اللبنانية ونصفها الآخر في الأراضي السورية، إضافة إلى المشاعات، في ضوء ما تبين أن معظمها يتبع الأراضي اللبنانية، وإن كانت مسجّلة في الدوائر العقارية السورية.

تداخل الحدود شجع النزوح غير الشرعي

ويشمل التداخل أكثر من بلدة لبنانية لا يمكن الوصول إليها إلا من خلال الأراضي السورية، أو مشياً على الأقدام من داخل الأراضي اللبنانية.

لذلك، فإن النزوح السوري إلى لبنان تحوّل إلى عبءٍ لا يستطيع البلد تحمُّله، في ظل ظروفه الاقتصادية والمالية الصعبة غير المسبوقة من جهة، وعدم تجاوب النظام السوري معه بوجوب التوصل إلى اتفاق لتحديد الحدود البرية من جهة ثانية، ما سمح بتسلُّل ألوف النازحين إلى داخل الأراضي اللبنانية عبر المعابر غير الشرعية التي يقع معظمها في المناطق المتداخلة في البقاع، والتي تستخدم أيضاً لتهريب البضائع والمحروقات إلى سوريا، نظراً لصعوبة الإمساك بها من قبل الأمن اللبناني، وعدم تجاوب السلطات السورية مع الدعوة للإمساك من جانبه بهذه المعابر، لقطع الطريق على تحويلها إلى ممرات «آمنة» لتهريب البضائع والمحروقات، وكل ما هو مدعوم من قبل الحكومة اللبنانية إلى سوريا، والذي يتفاقم تدريجياً مع حلول الشتاء، كون تلك المناطق جردية يصعب الوصول إليها وخارجة عن السيادة اللبنانية، وتحظى بغض نظر من الوحدات السورية المكلفة ضبط الحدود.

معابر خارجة على القانون اختصاصها التهريب

فالمعابر غير الشرعية تقع تحت إشراف خليط من مجموعات لبنانيّة وسورية خارجة على القانون، وتحظى برعاية من جهات نافذة في النظام السوري، كما تقول مصادر في المعارضة لـ«الشرق الأوسط»، مع أن أفرادها ملاحقون من السلطات اللبنانية بموجب مئات مذكرات التوقيف الصادرة بحقهم من قبل القضاء اللبناني بتُهم عدة، من قتل وتهريب يشمل كل ما هو ممنوع، بما في ذلك حبوب «الكبتاغون» التي تُصنّع في سوريا وتصدّر إلى لبنان كممر عبور لتهريبها إلى الدول العربية وعلى رأسها الخليجية، وهذا ما أساء للعلاقات اللبنانية- الخليجية، وكان وراء اضطرار معظم الدول العربية إلى فرض قيود مشددة على تصدير المنتوجات اللبنانية إلى أسواقها.


مقالات ذات صلة

محاور القطع والتطويق: إسرائيل توسّع «السيطرة النارية» في جنوب لبنان

المشرق العربي وحدة مدفعية إسرائيلية تعمل وسط تصاعد الأعمال العسكرية عند الحدود بين إسرائيل و«حزب الله» (رويترز)

محاور القطع والتطويق: إسرائيل توسّع «السيطرة النارية» في جنوب لبنان

تتبدّل ملامح المواجهة في جنوب لبنان من معركة تقدّم بري مباشر إلى سباق للسيطرة على «التلال الجغرافية» الحاكمة حيث تسعى إسرائيل إلى إعادة رسم خريطة الاشتباك.

صبحي أمهز (بيروت)
المشرق العربي عسكريان في الجيش اللبناني بعد استهداف مركزهما بغارة إسرائيلية ما أدى إلى مقتل جندي (أ.ف.ب)

إسرائيل تطلق رسائل بالنار تتجاوز خطوط القتال في جنوب لبنان

في تحوّل يتجاوز قواعد الاشتباك التقليدية بدأت تتخطى الضربات الإسرائيلية الأهداف العسكرية المباشرة لتطول مؤسسات يفترض أنها محيّدة بموجب القوانين الدولية.

كارولين عاكوم (بيروت)
المشرق العربي جنود إسرائيليون في مربض مدفعية بالجليل الأعلى على الحدود مع لبنان (أ.ف.ب)

إسرائيل تقطع خط إمداد «حزب الله» من البقاع إلى الخيام جنوباً

قطعت إسرائيل، الأحد، محور الخيام في جنوب لبنان عن خط الإمداد الوحيد المتبقي من جهة البقاع الغربي في شرق لبنان عبر غارات جوية استهدفت طريق دبين - إبل السقي.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو (الوكالة الوطنية للإعلام)

بارو يحمّل «حزب الله» مسؤولية جرّ لبنان إلى الحرب

يتزايد الضغط الدولي والدعوات الداخلية لتحييد لبنان عن أتون الحرب، مع اتساع رقعة المواجهة، وتفاقم الخسائر البشرية والمادية.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي الجامعة الأميركية في بيروت (أرشيفية - رويترز)

التهديد الإيراني للمنشآت التعليمية يربك مجتمع «الأميركية» في بيروت

أربك التهديد الإيراني باستهداف منشآت أكاديمية أميركية في الشرق الأوسط، القطاع التعليمي في لبنان.

«الشرق الأوسط» (بيروت)

ميرتس يعلن في مؤتمر صحافي مع الشرع سعيه لإعادة 80% من اللاجئين السوريين

استقبل المستشار الألماني فريدريش ميرتس الرئيس السوري أحمد الشرع في مقر المستشارية الاتحادية ببرلين يوم الاثنين (د.ب.أ)
استقبل المستشار الألماني فريدريش ميرتس الرئيس السوري أحمد الشرع في مقر المستشارية الاتحادية ببرلين يوم الاثنين (د.ب.أ)
TT

ميرتس يعلن في مؤتمر صحافي مع الشرع سعيه لإعادة 80% من اللاجئين السوريين

استقبل المستشار الألماني فريدريش ميرتس الرئيس السوري أحمد الشرع في مقر المستشارية الاتحادية ببرلين يوم الاثنين (د.ب.أ)
استقبل المستشار الألماني فريدريش ميرتس الرئيس السوري أحمد الشرع في مقر المستشارية الاتحادية ببرلين يوم الاثنين (د.ب.أ)

أعلن المستشار الألماني فريدريش ميرتس، اليوم الاثنين، خلال زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع أنه يسعى إلى إعادة 80 في المائة من السوريين المقيمين في ألمانيا، والذين يتجاوز عددهم 900 ألف شخص، إلى وطنهم.

وخلال مؤتمر صحافي مشترك مع الشرع، قال رئيس «الحزب المسيحي الديمقراطي» الألماني في برلين الاثنين: «على المدى البعيد خلال السنوات الثلاث المقبلة، وبناء على رغبة أعرب عنها الرئيس الشرع أيضاً، من المفترض أن يعود نحو 80 في المائة من السوريين والسوريات المقيمين حالياً في ألمانيا إلى وطنهم».

وقال ميرتس إن غالبية السوريين والسوريات الذين لجأوا إلى ألمانيا إبان فترة حكم الرئيس المخلوع بشار الأسد يرغبون في العودة إلى بلدهم لإعادة بنائه والعيش هناك بأمان وحرية وكرامة، وأضاف المستشار الألماني مخاطباً الرئيس السوري: «هؤلاء الأشخاص (...) موضع ترحيب لديكم»، معرباً عن تقديره لتعبير الشرع عن ذلك أيضاً، وأردف: «ولربما كانت هذه هي الرسالة الأساسية لزيارتكم اليوم في برلين».

اجتماع الرئيس السوري أحمد الشرع والوفد المرافق مع رئيس جمهورية ألمانيا الاتحادية فرانك فالتر شتاينماير في قصر بيلفيو في العاصمة الألمانية الاثنين (حساب الرئاسة السورية)

وصرّح الرئيس السوري خلال المؤتمر الصحافي: «نعمل مع شركائنا في الحكومة الألمانية على إرساء برنامج الهجرة الدائرية الذي يتيح للكفاءات السورية المساهمة في إعادة إعمار وطنهم دون التخلي عن حياتهم التي بنوها في ألمانيا، لمن يرغب منهم في البقاء». وأشار إلى أن «سوريا تمثّل ببعدها الحضاري وموقعها الهام فرصة مثالية لشراكة سورية أوروبية تقودها ألمانيا» وهي «تعود اليوم إلى العالم وأوروبا بقوة أكبر وإرادة صلبة».

سوريون في ألمانيا رفعوا علم سوريا في برلين ترحيباً بزيارة الرئيس السوري أحمد الشرع والوفد المرافق (أ.ف.ب)

واعتبر أنه «لا يمكن الحديث عن التعافي وإعادة الإعمار من دون الحديث عن السوريين في ألمانيا»، مستطرداً: «لدينا 1.3 مليون سوري بينهم 6 آلاف طبيب يعملون في المستشفيات الألمانية وأكثر من ربع مليون إنسان يساهمون في عجلة الاقتصاد الألماني».

وأعلن ميرتس عن نيّة ألمانيا «دعم» إعمار سوريا بعد الحرب، مشيراً إلى أن وفداً من الحكومة الألمانية سيزور دمشق لهذا الغرض في الأيّام القليلة المقبلة. لكنه كشف أنه أوضح لضيفه خلال لقائهما أن هذه المشاريع المشتركة تبقى رهن التطوّر المحرز في تمتين أسس دولة القانون في سوريا. وصرّح ميرتس: «كلّي ثقة بعد هذا اللقاء بأن ذلك سيتحقّق في سوريا».

في سياق آخر للزيارة، عقد الرئيس أحمد الشرع، اليوم، اجتماعاً على طاولة مستديرة مع عدد من ممثلي الشركات الألمانية، بحضور وزراء الخارجية والمغتربين والاقتصاد والطاقة والطوارئ وإدارة الكوارث، أكد خلاله أن الحكومة أجرت تعديلات واسعة على قانون الاستثمار، بهدف تسهيل وتشجيع الاستثمارات في سوريا، مشيراً إلى الفرص الكبيرة المتاحة في مختلف القطاعات الاقتصادية.

مظاهرة لسوريين ضد الرئيس السوري أحمد الشرع في برلين (رويترز)

وأكد الرئيس أحمد الشرع أن العلاقة بين سوريا وألمانيا يعاد بناؤها على أسس من الثقة المتبادلة، ومرتكزات اقتصادية مهمة، بما يعزز فرص التعاون في المرحلة المقبلة.

وأوضح الرئيس الشرع في تصريح لقناة «الإخبارية» السورية، على هامش اجتماع الطاولة المستديرة، أنه لمس اهتماماً متزايداً من تلك الشركات بتعزيز العلاقات الاقتصادية مع سوريا، مشيراً إلى أن اللقاءات التي جرت معها تعكس توجهاً نحو توسيع التعاون، ولا سيما في المجالات الاقتصادية التي تشكل أساساً متيناً لأي علاقة سياسية.

ولفت إلى أن السياسة تحتاج إلى روابط متينة، وفي مقدمتها الروابط الاقتصادية، مشيراً إلى أن هذا المسار بدأ يتحقق في العلاقات السورية الألمانية.

وقدمت الشركات الألمانية عروضاً في عدد من القطاعات الاقتصادية شملت الطاقة والتمويل والأمن والتحول الرقمي، إضافة إلى البناء والرعاية الصحية والخدمات اللوجيستية، كما شهد الاجتماع توقيع عدد من مذكرات التفاهم بين الجانب السوري وعدد من الشركات المشاركة.


«تُسجل حتى 500 متر»... فصائل غزة تكثف ملاحقة أجهزة التجسس الإسرائيلية

جنود إسرائيليون أثناء عملية عسكرية قرب مستشفى الشفاء في مدينة غزة نوفمبر 2023 (أ.ف.ب)
جنود إسرائيليون أثناء عملية عسكرية قرب مستشفى الشفاء في مدينة غزة نوفمبر 2023 (أ.ف.ب)
TT

«تُسجل حتى 500 متر»... فصائل غزة تكثف ملاحقة أجهزة التجسس الإسرائيلية

جنود إسرائيليون أثناء عملية عسكرية قرب مستشفى الشفاء في مدينة غزة نوفمبر 2023 (أ.ف.ب)
جنود إسرائيليون أثناء عملية عسكرية قرب مستشفى الشفاء في مدينة غزة نوفمبر 2023 (أ.ف.ب)

تكثف أجهزة أمن الفصائل الفلسطينية المسلحة في غزة عمليات البحث عن أجهزة تجسس إسرائيلية تشمل كاميرات متطورة، وأجهزة تنصت فائقة «تُسجل في نطاق يصل إلى 500 متر» لتحليل البصمات الصوتية للمطلوبين للجيش الإسرائيلي.

ووفق مصادر من الفصائل تحدثت إلى «الشرق الأوسط»، فقد تمكنت إسرائيل عبر عملاء ميدانيين أو في فترات وجود الجيش داخل بعض المناطق، من زرع تلك الأجهزة في مناطق عدة بالقطاع.

وحتى أيام قريبة، كانت عمليات الملاحقة لتلك الأجهزة تجري سراً، قبل أن ينفجر أحد الأجهزة بشكل مفاجئ، الأسبوع الماضي، بعد كشفه من قبل عناصر تتبع لأحد الفصائل الفلسطينية في مخيم للنازحين بمنطقة دير البلح وسط قطاع غزة، وبعد ساعات قليلة من الانفجار، هاجمت طائرة حربية الموقع بصاروخين.

نيران تتصاعد من مكان استهدفته ضربة إسرائيلية قرب مخيم للنازحين في دير البلح وسط قطاع غزة الأربعاء الماضي (أ.ب)

وأكدت مصادر ميدانية من «حماس» و«الجهاد الإسلامي» وفصائل أخرى لـ«الشرق الأوسط» أن عناصرها كشفواً عدداً من تلك الأجهزة من أنواع مختلفة خلال الشهور الماضية، وتحدث أحد المصادر عن أن «بعضها كان مزروعاً بشكل مختلف من مكان إلى آخر؛ إذ تم الكشف عنها أثناء الحرب بعد اغتيال بعض النشطاء الميدانيين، وأخرى كشفت لاحقاً بعد وقف إطلاق النار».

وبيّنت المصادر أن تلك الأجهزة تشمل كاميرات وأجهزة تنصت سمعي، وكذلك مجسات مختلفة بعضها بهدف تدميرها ذاتياً عند محاولة كشفها، أو لمنح مشغليها إنذاراً أو إشارة بكشفها ما يدفعهم لتدميرها.

ووفق المصادر فقد تطابقت تقديرات فنيين من الفصائل أن «غالبية الأجهزة التي كشفت حتى الآن كانت مرتبطة بشكل أساسي بطائرات مسيرة إسرائيلية لنقل المعلومات أو الصور أو التسجيلات إلى غرف عمليات أمنية».

ورجح مصدر ميداني أن «يكون هناك اعتماد على الأقمار الصناعية في تدعيم تلك الأجهزة بالإنترنت بدعم من متعاونين بشريين مع جيش الاحتلال، أو باستخدام الإنترنت الذي توفره الأقمار الصناعية».

أين وُجدت الأجهزة؟

توضح المصادر لـ«الشرق الأوسط» أن بعض الأجهزة «عُثر عليها في مستشفيات كان الجيش الإسرائيلي قد اقتحمها وسط الحرب مثل (مجمع الشفاء الطبي) وغيره».

وشرح أحد المصادر أن عمليات البحث توصلت إلى «وجود بعض الأجهزة داخل قطع حجرية كبيرة أو صغيرة، وأخرى داخل قطع أثاث في أقسام طبية، وكانت تحتوي على كاميرات صغيرة ذات دقة عالية وتصور مسافات لا تقل عن 800 متر».

جنود إسرائيليون ينفذون عمليات داخل مستشفى الشفاء بمدينة غزة نوفمبر 2023 (أ.ف.ب)

وتابع المصدر الذي اطلع عن قرب على عمليات العثور على الأجهزة أنه «أحدها كان متطوراً للغاية ومخصصاً للتنصت؛ إذ تبين أنه يُسجل من مسافة تصل إلى 500 متر»، مرجحاً أنه «يمكن من خلال التسجيلات التعرف على بعض الشخصيات المطلوب عبر بصمة الصوت الموجودة لدى أجهزة الأمن الإسرائيلية بسبب الاعتقالات السابقة أو الاتصالات الشخصية المسجلة والمرصودة عبر الهاتف النقال أو غيره».

الأمطار تلعب دوراً

ولعبت الصدفة دوراً في كشف بعض الأجهزة، وفق ما قال مصدر لـ«الشرق الأوسط»، موضحاً أنه «تم اكتشاف أجهزة تجسس في مخيمات للنازحين في منطقة مواصي خان يونس، وتبين أن متعاونين مع الاحتلال وضعوها هناك، فيما اكتشفت أخرى في فصل الشتاء بعد غرق الخيام بمياه الأمطار، وتكرر أيضاً وجود أجهزة داخل صناديق خشبية مموهة على شكل حجارة، أو صناديق خشبية ممزقة للتغطية على فكرة كشفها».

وبسبب طول فترة الحرب، توصل عناصر الفصائل المسلحة إلى أن بعض الطائرات المسيّرة ألقت أجهزة تجسس في «مناطق ميتة أمنياً» لإيصالها إلى المتعاونين مع إسرائيل.

جنود إسرائيليون خلال الحرب في قطاع غزة (أرشيفية - أ.ف.ب)

وشرح أحد المصادر أنه بعد العودة إلى مناطق دخلها الجيش الإسرائيلي أثناء الحرب «اكتشفنا زرع أجهزة تجسسية في شوارع عامة ومنازل مُدمرة، ومنها كاميرات حرارية وتسجيلية وغيرها، وكانت على الأغلب تستهدف رصد تحركات النشطاء والتعرف عليهم». وتابع أنه «تم العثور على بعض الأجهزة في مناطق بساحات مفتوحة داخل (جالونات) يعتقد البعض للوهلة الأولى أنها مجرد (خردة)، وتبين أنها كانت تستهدف محاولات رصد القائمين على عمليات تسليم الأسرى الإسرائيليين».

التجسس قبل الحرب

لم يبدأ مسار التجسس، بالتأكيد، في الحرب التي بدأت في 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، لكن المصادر في حديثها إلى «الشرق الأوسط» توقفت عند وقائع بعينها قبل الحرب.

وأكد أحد المصادر أنه تم العثور على أجهزة في مكاتب للفصائل، وحتى منازل لنشطاء وغيرهم، عبارة عن «كاميرات صغيرة تحمل أجهزة تنصت، داخل أجهزة راوتر الإنترنت أو شبكات الكهرباء، وكان يتم وضعها عبر متعاونين مع الاحتلال يتسلمون تلك الأجهزة مع البضائع التجارية التي كانت تدخل للقطاع ويتسلمونها بطرق مختلفة».

مسلحون من حركتي «حماس» و«الجهاد» ينتشرون في غزة (أ.ف.ب)

وفي مايو (أيار) عام 2018، قتل 6 من مهندسي «كتائب القسام» الجناح المسلح لحركة «حماس» إثر انفجار وقع أثناء فحصهم جهاز تجسس عُثر عليه وأوصلت التحليلات الأمنية للجهاز، إلى العثور على ثغرات أمنية كبيرة تمثلت في وضع أجهزة تجسس داخل شبكة الاتصالات الداخلية لـ«القسام»، وقالت «القسام» حينها إنها «أفشلت أخطر عملية تجسس إسرائيلية في القطاع».

وبعد ذلك الحدث بنحو شهر ونصف الشهر، اكتشف جهاز تجسس داخل «حجر جرانيت» أدخله أحد التجار إلى القطاع بتعليمات من المخابرات الإسرائيلية بهدف نقله لاحقاً إلى داخل موقع عسكري لأحد الفصائل، وفعلاً تم إدخاله إلى هناك وكشف الجهاز بعد أيام قليلة فقط.


واشنطن: المطلوب نزع سلاح «حزب الله» ولا مشكلة مع الشيعة

أحد المسعفين في موقع غارة جوية إسرائيلية على قرية حناويه جنوب لبنان شرق مدينة صور (أ.ف.ب)
أحد المسعفين في موقع غارة جوية إسرائيلية على قرية حناويه جنوب لبنان شرق مدينة صور (أ.ف.ب)
TT

واشنطن: المطلوب نزع سلاح «حزب الله» ولا مشكلة مع الشيعة

أحد المسعفين في موقع غارة جوية إسرائيلية على قرية حناويه جنوب لبنان شرق مدينة صور (أ.ف.ب)
أحد المسعفين في موقع غارة جوية إسرائيلية على قرية حناويه جنوب لبنان شرق مدينة صور (أ.ف.ب)

يصطدم لبنان الرسمي والسياسي بانسداد الأفق، حتى الساعة، في وجه الجهود الحثيثة التي يتصدرها رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون لوقف الحرب بين «حزب الله» وإسرائيل، التي بلغت ذروتها مع ارتفاع منسوب المخاوف من تمادي الدولة العبرية في إفراغ جنوب لبنان من الجيش اللبناني وقوات الطوارئ الدولية (يونيفيل) من خلال الاعتداء على أماكن وجودهما. تأتي هذه التصرفات الإسرائيلية في غياب أي تدخل دولي، بالأخص من الولايات المتحدة التي يبدو أنها ماضية بإعطاء الضوء الأخضر لتل أبيب، حسب ما يقول مصدر دبلوماسي غربي لـ«الشرق الأوسط»، لاستئصال الجناح العسكري لـ«حزب الله» ونزع سلاحه كونه يربط لبنان بإيران التي تتصرف على أنها وحدها تمسك بالورقة اللبنانية للتفاوض بالإنابة عن صاحب الشأن، أي الحكومة اللبنانية.

وتبدو الحرب المشتعلة في جنوب لبنان متروكة للميدان بعد تعذُّر التوصل إلى وقف النار. ولم يعد من همّ لحكومة الرئيس نواف سلام سوى الالتفات لتحصين الجبهة الداخلية للحفاظ على السلم الأهلي في البلد، وهذا يكمن وراء تعاونها مع القوى المضيفة للنازحين استعداداً لاستيعاب تدفق موجات جديدة منهم، في ظل تمادي إسرائيل بتهجيرها سكان البلدات الجنوبية والضاحية الجنوبية لبيروت وتدميرها الممنهج لبيوتهم.

مصطفى السيد نازح من بيت ليف في جنوب لبنان يقيم مع عائلته في مدرسة ببيروت تحولت إلى مركز للإيواء (رويترز)

نزول الحكومة بثقلها لاستيعاب موجات جديدة من النازحين وتوفير الإيواء لهم لا يعني أن الرئيسين عون وسلام استسلما للأمر الواقع المفروض على البلد، بل هما مستمران في التواصل مع المجتمع الدولي للضغط على إسرائيل لوقف النار شرط أن يتلازم ذلك بتجاوب من «حزب الله» بدل الاحتكام للميدان الذي حوّل جنوب نهر الليطاني امتداداً إلى البلدات الواقعة في شماله والمطلة عليه إلى أرض محروقة لا تصلح للعيش أو للإقامة فيها، ولو بصورة مؤقتة، في ظل الهجمات الإسرائيلية المتواصلة.

تأتي المواكبة الرسمية للوضع المشتعل في الجنوب في سياق الجهود التي يقوم بها عون بالتعاون مع الحكومة لوقف العدوان وعودة الاستقرار إلى البلد، بغياب أي تحرك للسفير الأميركي في بيروت ميشال عيسى الذي يكاد يغيب عن السمع، بالمعنى الرسمي للكلمة، من دون أن ينقطع عن التواصل مع سفراء في اللجنة «الخماسية» وآخرين من المجموعة الأوروبية، فيما لم يسجّل له أي تواصل مع الجهات الرسمية.

ورغم أن عيسى يلوذ بالصمت علناً، علمت «الشرق الأوسط» من مصدر دبلوماسي غربي، فضل عدم ذكر اسمه، أن السفير الأميركي كان قد قال كلمته ورسم خريطة الطريق لوقف الحرب في الجنوب، لكنه لم يلق الاستجابة المطلوبة التي تتيح لبلاده التدخل لوقفها.

مواطنون يتفقدون مبنى في بيروت استهدف بغارة إسرائيلية (رويترز)

في هذا السياق، نقل المصدر عن دبلوماسي أميركي بارز في سفارة بلاده في بيروت قوله إن لا مشكلة بين الولايات المتحدة والشيعة الذين «ننظر إليهم على أنهم كانوا ولا يزالون يشكلون مكوناً سياسياً أساسياً في البلد لا يمكن لأي جهة، أكانت خارجية أو داخلية، أن تتجاهل دورهم في الحياة السياسية وحجمهم في المعادلة التي تحكم لبنان، وإنما المشكلة هي مع (حزب الله) الذي ينفّذ أجندة خارجية بارتباطه الوثيق بالحرس الثوري في إيران وتلقيه التعليمات منه». كما ينقل المصدر عنه أن «حزب الله» هو من عطّل استكمال تنفيذ الخطة التي أعدتها قيادة الجيش وتبنّتها الحكومة لتطبيق حصرية السلاح بيدها، حتى أنه رفض الاستجابة لاحتواء سلاحه وبادر إلى تبنّي إطلاق الدفعة الأولى من الصواريخ على إسرائيل، برغم أنه نفى شفهياً علاقته بذلك، لكنه أحجم عن إصدار بيان في هذا الخصوص لإعفاء «الحرس الثوري» من المسؤولية عن إطلاقها، في أول خرق لوقف النار من الجانب اللبناني بعد التزام استمر لسنة وأكثر من 3 أشهر.

كان السفير عيسى قد أُبلغ رسمياً بعدم تدخّل «حزب الله» عسكرياً لإسناد إيران، وهذا ما تعهد به الحزب لرئيس المجلس النيابي نبيه بري. لكن «حزب الله» اضطر للتراجع بإصداره بياناً اعتبر فيه أن إطلاق الصواريخ على إسرائيل جاء انتقاماً لاغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي.

حسب المصدر الدبلوماسي، «حزب الله» هو من تسبب بإقحام لبنان في حرب لا يريدها بإسناده أولاً لغزة ولاحقاً لإيران، مشيراً إلى أن عيسى كان قد حمل تطمينات للبنان بأن إسرائيل ليست في وارد توسعة الحرب في حال لم يتدخل الحزب عسكرياً إسناداً لإيران.

وأضاف أن واشنطن أيدت دعوة عون للتفاوض مباشرة مع إسرائيل، وإن كانت اشترطت تسمية وفد مدني لتمثيل لبنان في المفاوضات على أن يضم ممثلاً وازناً للشيعة يحظى بتأييد بري الذي أبدى تفهماً لمبادرة رئيس الجمهورية لكنه ربطها أولاً بوقف النار وعودة النازحين إلى قراهم ليكون في وسعه أن يبني على الشيء مقتضاه. ولم يلق هذا المقترح التجاوب المطلوب من إسرائيل، برغم أن رئيس حكومتها بنيامين نتنياهو كان كلّف الوزير السابق رون ديرمر بملف التفاوض مع لبنان.

ولفت المصدر إلى أن واشنطن، وإن كانت لا تستفيض في تبريرها لعدم تجاوب إسرائيل، فهي في المقابل تحمّل «حزب الله» مسؤولية الإطاحة بمبادرة عون بذريعة إعلان الأمين العام للحزب نعيم قاسم رفضه المفاوضات تحت النار استسلاماً لإرادة الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإصراراً منه على ربط لبنان بإيران من جهة ثانية.