انتخابات مبكرة في إسرائيل تثير سجالاً حول الحرب والرهائن

«الليكود» يرد على دعوة غانتس: لا سبب يجعلنا نذهب للاقتراع قبل 2026

بيني غانتس (يمين) وبنيامين نتنياهو في اجتماع موسع مع وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن 12 أكتوبر الماضي بتل أبيب (د.ب.أ)
بيني غانتس (يمين) وبنيامين نتنياهو في اجتماع موسع مع وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن 12 أكتوبر الماضي بتل أبيب (د.ب.أ)
TT

انتخابات مبكرة في إسرائيل تثير سجالاً حول الحرب والرهائن

بيني غانتس (يمين) وبنيامين نتنياهو في اجتماع موسع مع وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن 12 أكتوبر الماضي بتل أبيب (د.ب.أ)
بيني غانتس (يمين) وبنيامين نتنياهو في اجتماع موسع مع وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن 12 أكتوبر الماضي بتل أبيب (د.ب.أ)

كما كان متوقعاً، رفضت أحزاب الائتلاف الحكومي في إسرائيل، دعوة الوزير في مجلس قيادة الحرب، بيني غانتس، تبكير موعد الانتخابات، ورآها حزب «الليكود» الحاكم برئاسة بنيامين نتنياهو «انشغالاً بشؤون حزبية صغيرة في وقت الحرب ضد أعداء شرسين».

وبحسب جهات مقربة منه، فإن نتنياهو أطلق شرارة الحرب على غانتس، وبعث برسائل تهديد بإقالته من الحكومة.

ويرى نتنياهو أن الانتخابات في هذه الظروف هي بمثابة انتحار سياسي له شخصياً ولغالبية الأحزاب في اليمين، على رأسها حزبه «الليكود»؛ إذ تشير استطلاعات الرأي التي نشرت في السنة الأخيرة إلى أن الائتلاف سيمنى بهزيمة نكراء فيخسر الحكم، ويفقد حزب «الليكود» نصف قوته.

وكان غانتس، رئيس حزب «المعسكر الرسمي»، عقد مؤتمراً صحافياً في الكنيست (البرلمان)، دعا خلاله إلى «التوافق على موعد لإجراء الانتخابات العامة يكون معقولاً ولا يتسبب في الإضرار بالمجهود الحربي».

الوزير بيني غانتس (رويترز)

انتخابات في سبتمبر

واقترح أن تنظم الانتخابات في شهر سبتمبر (أيلول) المقبل، بحيث تستغل الفترة حتى ذلك الحين لتهدئة الأوضاع في الشارع، وتخف حدة التوتر والخلافات والشروخ في المجتمع، وتتواصل العمليات الحربية ضد «حماس» ويتم إطلاق سراح المخطوفين.

ومن مضمون خطابه، بدا أن غانتس باشر عملياً حملته الانتخابية، فراح يطلق مقولات تظهره مختلفاً عن نتنياهو من جهة، وعن رئيس المعارضة يائير لبيد وبقية المعارضة من جهة ثانية.

وقال غانتس: «لدينا فرصة لتحقيق تغيير استراتيجي ضد (حماس) وكل من يسعى لإيذائنا، وعلى رأسهم إيران. ومن يريد أن يشعل علينا حرباً إقليمية فعليه أن يجد نفسه في مواجهة تحالف إقليمي. أمر كهذا سيكون جزءاً مركزياً في جهود استبدال سلطة (حماس). سأعمل وأدعم الترويج لهذه المسألة شخصياً في الأسابيع المقبلة».

ورأى غانتس أن إسرائيل «تواجه تحديات هائلة في جميع المجالات»، مشدداً على ضرورة «الوحدة» في مواجهة «كل الصعوبات». وقال: «لا تضعوا الخلافات جانباً، لكن احرصوا على إدارتها بطريقة تسمح لنا بمواصلة القتال معاً. فما يحدث في أروقة الحكومة، في شبكات التواصل الاجتماعي، في الشوارع، أمر خطير ويجب إيقافه».

وعلى خلاف رفاقه في الائتلاف، قال غانتس إنه «كان من الصواب الاستجابة لطلب عائلات الرهائن وإلغاء عطلة الكنيست»، فيما دعا إلى التعامل مع هذه العائلات بـ«حساسية»، وقال: «يمنع إجراء مقارنات بين المتظاهرين وأعدائنا. يجب تدمير أعدائنا، ويجب الاستماع إلى إخواننا».

وقال غانتس إنه «يخجل»؛ لأن الحكومة «لم تتمكن من إعادة الرهائن إلى ديارهم بعد»، وتابع: «يجب على رئيس الحكومة إصدار تصريحات واضحة بهذا الشأن، وتقوية عائلات الرهائن، والتأكد من أن جميع أعضاء الائتلاف يعاملونها بشكل مناسب».

ورأى غانتس أن «الحاجة الأمنية الأهم هي تغيير الواقع في شمال البلاد؛ لأن إسرائيل ستقاتل مع (حماس) لسنوات عديدة. ولا يمكن تحمل ترك سكان الشمال بعيداً عن منازلهم»، وأشار في هذا الصدد إلى أن «الجيش الإسرائيلي يقوم بعمل ممتاز، ويلحق ضرراً جسيماً بـ(حزب الله)، ويجب أن نكمل المهمة».

وتابع غانت تصريحاته المثيرة بالقول: «لن يكون هناك أي إنجاز عسكري أو سياسي يستحق العناء، عندما نسمع آباء وأمهات ثكالى يقولون لنا: إذا انقسمت الأمة، فإن موت ابننا سيكون هباءً. وهذا كلام فظيع ومؤلم».

الوزير بيني غانتس مشاركاً في تحرك لأُسر المحتجزين الإسرائيليين (رويترز)

موعد متفق عليه

وتابع: «دعونا لا نتجاهل كارثة السابع من أكتوبر (تشرين الأول) وما سبقها، ولذلك يجب أن نتوصل إلى موعد متفق عليه للانتخابات خلال شهر سبتمبر، أي قبل عام من الحرب».

وبحسب غانتس، فإن «موعداً متفقاً عليه للانتخابات سيتيح الوقت لمواصلة الجهود الأمنية، فيما سيعلم المواطنون أنهم سيجددون الثقة بيننا قريباً»، وأشار إلى أن «جميع المسؤولين سيسمحون وينضمون إلى حكومة الطوارئ؛ لأن هذه الخطوة ستزيد الثقة والوحدة في الأمة وبين مقاتلينا، وستمنحنا أيضاً دعماً دولياً ضخماً نحن في أمسّ الحاجة إليه».

ويلائم هذا الطرح الشخصية التي يحاول غانتس بناءها لنفسه، حتى يعزز المكانة العالية التي يتمتع بها في أوساط الجمهور.

ولدى غانتس تمثيل بثمانية مقاعد في الكنيست، لكن الاستطلاعات تمنحه الفوز بـ33 - 35 مقعداً، فيما يهبط نتنياهو من 32 إلى 16 - 18 مقعداً، ويعتقد أن سبب هذا التأييد يعود إلى حرصه على الظهور مسؤولاً تهمه الوحدة ويقاتل في أرض المعركة دون أن يلغي نتنياهو، رغم كل ما فعله به وما زال.

وفي رد فوري، هاجم «الليكود»، في بيان صحافي، تصريحات غانتس، وقال: «في لحظة مصيرية لدولة إسرائيل وفي خضم الحرب، يجب على بيني غانتس التوقف عن الانخراط في شؤون سياسية وضيعة؛ لأن حزبه تفكك».

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو المستفيد الأساسي من تفكيك حزب خصمه غانتس (أ.ف.ب)

شلل وانقسام

ورأى «الليكود» أن «الانتخابات (المبكرة) ستؤدي حتماً إلى الشلل والانقسام والإضرار بالقتال في رفح، وتضرب فرص التوصل إلى صفقة (تبادل) رهائن، بينما الحكومة ستواصل عملها حتى تحقيق أهداف الحرب».

وشدد بيان الحزب على أن «الانتخابات ستجري في موعدها، يوم 6 أكتوبر 2026».

وقال رئيس المعارضة، يائير لبيد، إن غانتس يمنح 6 شهور أخرى للحكومة الفاشلة التي تضع إسرائيل في أسوأ مكانة لها.

وقال يائير غولان، من اليسار، إن غانتس الذي دخل الحكومة ليؤثر وليغير نتنياهو يظهر لنا نسخة طبق الأصل من نتنياهو، يمدد في عمر الحكومة من دون أن يحقق شيئاً من أهداف الحرب، ويستر على عورات نتنياهو.

لكن الأحزاب الدينية الحليفة مع نتنياهو سربت موقفاً للإعلام قالت فيه إنها في حال طرح غانتس قانون حل وسط في موضوع التجنيد فإنها مستعدة للتفاهم معه حول تبكير موعد الانتخابات، «ليس بالضرورة في سبتمبر ولكن في موعد معقول».

وسيكون هذا حاسماً، حين يتفق 17 مقعداً للمتدينين في «الكنيست» مع غانتس فسيحقق اختراقاً في المشهد الإسرائيلي، لكن إن خذلوه مجدداً فسيعزز من مكانته فقط في استطلاعات الرأي، لكن بوصفه شخصية ثانوية في حكومة نتنياهو.

وفي الوقت الحاضر، لا يمتلك غانتس أكثرية برلمانية لتقديم موعد الانتخابات، لكن لديه شعبية أكثرية، نظراً لأن عشرات الآلاف من المتظاهرين يرفعون مطلب تبكير الانتخابات.


مقالات ذات صلة

نتنياهو يتلقّى صدمتين: أكبر منافسَيه يندمجان حزبياً... والعفو يبتعد

شؤون إقليمية نتنياهو في المحكمة للإدلاء بإفادته بخصوص تُهم فساد يواجهها (رويترز) p-circle

نتنياهو يتلقّى صدمتين: أكبر منافسَيه يندمجان حزبياً... والعفو يبتعد

تلقّى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الأحد، صدمتين كبيرتين؛ إذ أعلن أكبر منافسين سياسيين له دمج حزبيهما، في حين ابتعدت فرص حصوله على عفو من محاكمته.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
شؤون إقليمية جندي إسرائيلي ينبطح أرضاً لدى سماعه دوي صفارات الإنذار بغلاف غزة في أكتوبر 2023 (أ.ب)

«منذ 7 أكتوبر»... نحو 30 % من الإسرائيليين يعانون اضطرابات ما بعد الصدمة

أظهرت معطيات جديدة عن مؤسسات ودوائر حكومية أن ما بين 20 و30 في المائة من الإسرائيليين يعانون من اضطرابات ما بعد الصدمة، منذ بداية الحرب في 7 أكتوبر 2023.

نظير مجلي (تل أبيب)
شؤون إقليمية وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي التقى رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف في إسلام آباد (رويترز)

نافذة الوساطة تضيق بين الحصار الأميركي ورفض التنازل الإيراني

لم تعد إسلام آباد تبدو، بعد مغادرة وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي العاصمة الباكستانية، محطة مرشحة لاختراق وشيك في مسار وقف الحرب بين واشنطن وطهران.

إيلي يوسف (واشنطن)
المشرق العربي ركاب يقفون عند نقطة تفتيش في مطار بولاية جورجيا الأميركية (إ.ب.أ)

تقرير: إدارة ترمب تأمر برفض منح «غرين كارد» لمنتقدي إسرائيل

أصدرت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب توجيهاتٍ جديدة تقضي برفض منح «غرين كارد» (البطاقة الخضراء) للمهاجرين الذين شاركوا في احتجاجاتٍ مؤيدة للفلسطينيين.

«الشرق الأوسط» (واشنطن )
المشرق العربي رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال مراسم إحياء ذكرى يوم الهولوكوست السنوي في نصب ياد فاشيم التذكاري للهولوكوست بالقدس 14 أبريل 2026 (أ.ب)

نتنياهو: «حزب الله» يحاول تقويض جهود السلام مع لبنان

اتهم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الجمعة، «حزب الله» بمحاولة تقويض جهود الدولة العبرية للتوصل إلى اتفاق سلام مع لبنان.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)

وقف النار في جنوب لبنان يترنح

الدخان يتصاعد جراء غارات إسرائيلية استهدفت النبطية الفوقا في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
الدخان يتصاعد جراء غارات إسرائيلية استهدفت النبطية الفوقا في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
TT

وقف النار في جنوب لبنان يترنح

الدخان يتصاعد جراء غارات إسرائيلية استهدفت النبطية الفوقا في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
الدخان يتصاعد جراء غارات إسرائيلية استهدفت النبطية الفوقا في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

يترنّح اتفاق وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل الذي مدده الرئيس الأميركي دونالد ترمب لثلاثة أسابيع إضافية، إثر تصعيد عسكري سُجّلت خلاله عشرات الضربات الجوية الإسرائيلية، وقصف أطلقه «حزب الله» باتجاه قوات إسرائيلية داخل الأراضي اللبنانية.

ووسع الجيش الإسرائيلي، أمس، إنذارات إخلاء البلدات اللبنانية لتشمل 7 بلدات واقعة شمال نهر الليطاني للمرة الأولى منذ تطبيق الاتفاق قبل عشرة أيام، مما يهدد الهدنة.

واتهم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، «حزب الله»، بـ«تقويض» الاتفاق، وقال: «نحن نعمل بقوة وفق الترتيبات المتفق عليها مع الولايات المتحدة، وبالمناسبة أيضاً مع لبنان»، مشيراً إلى أن ذلك «يعني حرية العمل، ليس فقط للرد على الهجمات».

في المقابل، رفض «حزب الله» تلك الاتهامات، وتوعد بالرد العسكري، قائلاً: «لن ننتظر أو نراهن على دبلوماسية خائبة أثبتت فشلها».


العراق في «فراغ دستوري» حكومياً

العراق في «فراغ دستوري» حكومياً
TT

العراق في «فراغ دستوري» حكومياً

العراق في «فراغ دستوري» حكومياً

يدخل العراق اليوم فراغاً دستورياً على مستوى الحكومة، مع نهاية مهلة الـ15 يوماً اللازمة لتقديم مرشح لرئاسة الوزراء، وعدم تمكن «قوى الإطار التنسيقي» من الاتفاق على اسم واحد، في اجتماعها مساء السبت، رغم مرور أكثر من 5 أشهر على إجراء الانتخابات البرلمانية أواخر العام الماضي، ونحو نصف شهر على انتخاب نزار آميدي رئيساً للجمهورية.

ويتكون «الإطار التنسيقي» من 12 شخصية شيعية متفاوتة الثقل السياسي والانتخابي؛ مما أدى إلى تعقيد عملية اختيار رئيس وزراء جديد يخلف الحالي محمد شياع السوداني، رغم كثرة المرشحين لهذا المنصب وتجاوز عددهم الأربعين.

ويرى مراقبون أن دخول البلاد فراغاً دستورياً أوقع «الإطار» الشيعي في حرج سياسي كبير، فيما يحاول بعض قواه تبريره بالقول إنه لا شروط جزائية جرّاء هذا الفراغ.


«أطفال درعا» يتحدثون لـ«الشرق الأوسط» خلال محاكمة عاطف نجيب

نشطاء رفعوا صور أطفال قُتلوا في بداية الانتفاضة السورية خلال الجلسة الأولى لمحاكمة عاطف نجيب الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا خلال حكم بشار الأسد الأحد (أ.ب)
نشطاء رفعوا صور أطفال قُتلوا في بداية الانتفاضة السورية خلال الجلسة الأولى لمحاكمة عاطف نجيب الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا خلال حكم بشار الأسد الأحد (أ.ب)
TT

«أطفال درعا» يتحدثون لـ«الشرق الأوسط» خلال محاكمة عاطف نجيب

نشطاء رفعوا صور أطفال قُتلوا في بداية الانتفاضة السورية خلال الجلسة الأولى لمحاكمة عاطف نجيب الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا خلال حكم بشار الأسد الأحد (أ.ب)
نشطاء رفعوا صور أطفال قُتلوا في بداية الانتفاضة السورية خلال الجلسة الأولى لمحاكمة عاطف نجيب الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا خلال حكم بشار الأسد الأحد (أ.ب)

الشابة ذات الثمانية والعشرين عاماً كادت ترقص فرحاً وهي تشدو من خلف نقابها الأسود «جاييك الدور يا دكتور» وسط المتجمهرين أمام باب قاعة المحكمة في أثناء انعقاد أولى جلسات محاكمة عاطف نجيب رئيس فرع الأمن السياسي في درعا.

الشابة التي كانت عند اندلاع الاحتجاجات في درعا 2011، بعمر 15 عاماً لم تسعفها الكلمات للتعبير عن مشاعرها لـ«الشرق الأوسط»، ثم قالت: «أنا من عائلة الشيخ أحمد الصياصنة، كل أبناء عمومتي وكل أبناء درعا تعرضوا للاعتقال والملاحقة والقتل، الفرحة كبيرة بمحاكمة القاتل، اليوم انتصرنا، وأتمنى القصاص لكل من انتهك حقوق الإنسان في سوريا».

إغلاق شرطة مكافحة الشغب لقاعة المحكمة الجنائية في دمشق أمام الجمهور خلال الجلسة الأولى لمحاكمة عاطف نجيب الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا (أ.ب)

أمام باب القاعة وفي أروقة القصر العدلي الواقع في شارع النصر، انتشر عناصر حفظ النظام بكثافة، بينما احتلت كاميرات الإعلام معظم مساحة القاعة؛ ما أثار استنكار أطراف الادعاء الشخصي الذين جاءوا من محافظة درعا في ساعات الصباح الباكر، واضطروا إلى الانتظار خارج القاعة إلى أن يُنادى عليهم.

صرخ أحدهم: «هل الإعلاميون أولى بالحضور من أصحاب الادعاء؟ إلا أن أحداً لم يجب وسط ضوضاء القصر العدلي، حيث تابعت دوائره ومحاكمه سير أعمالها الاعتيادي، رغم الحضور الكثيف لعناصر حفظ النظام في الأروقة، وأمام باب القاعة لتنظيم دخول الراغبين بحضور لحظة تاريخية نادرة، يجتمع فيها المتهم مع ضحاياه تحت قوس العدالة».

علا أبا زيد كانت بين الأطفال الذين اعتُقلوا في قضية أطفال الحرية بدرعا 2011 (الشرق الأوسط)

أكثر من 50 شخصاً قدموا من درعا بينهم 6 شبان من الذين اعتقلهم عاطف نجيب في فبراير (شباط )2011 فيما عُرف حينها بقضية «أطفال الحرية»، وذلك بتهمة كتابة عبارة «أجاك الدور يا دكتور» على جدار إحدى المدارس.

في حينها، اعتُقل أكثر من 20 طفلاً بتهمة الكتابة على الجدران «أية كتابة حتى لو كانت اسم شخصي أو ذكرى طفولية بريئة»، وفق ما قالته علا أبا زيد لـ«الشرق الأوسط»، وقد جاءت مع شقيقها عبد الرحمن لحضور المحاكمة بصفة طرف الادعاء، حيث سيواجه شقيقها مع 5 آخرين منهم أحمد وإبراهيم رشيدات وسامر الصياصنة وإياد خليل، المتهم عاطف نجيب بالأدلة على اعتقالهم وتعذيبهم حين كانوا تلاميذ في المدرسة.

شابة من عائلة الشيخ أحمد الصياصنة في درعا تعرضت وأقرانها الصغار للاعتقال والقتل (الشرق الأوسط)

تقول علا إن نجيب ينكر اعتقال الأطفال وتعذيبهم، علماً أن كل من دخل سجون الأسد دون استثناء تعرض لشتى صنوف التعذيب الرهيب. كانوا أطفالاً أكبرهم أربعة عشر عاماً، منهم من استُشهد لاحقاً، ومنهم من هاجر، ومنهم من بقي وجاء ليشهد أمام المحكمة.

وطالبت علا السلطات السورية بالاهتمام أكثر بتنظيم وصول أصحاب الادعاء إلى قاعة المحكمة، متمنية أن ينال نجيب وكل من ارتكب انتهاكات من رموز النظام البائد بحق السوريين الجزاء العادل، وأن «يجربوا طعم المرار الذي تجرعه أهالي المعتقلين والشهداء والمفقودين».

إياد خليل أول معتقل بقضية أطفال الحرية في درعا عام 2011 (الشرق الأوسط)

إياد خليل الذي كان ينتظر مناداته لدخول القاعة والاستماع لشهادته، قال: «أنا أول معتقل في الثورة السورية في 8 فبراير 2011، كان عمري أربعة عشر عاماً»، مشيراً إلى إعاقة جسدية في ساقه: «هذه بسبب التعذيب... أذاقونا كل أنواع التعذيب لانتزاع اعتراف بأن جهات خارجية دفعتنا للكتابة على جدار المدرسة، لكني فعلت ذلك بسبب الظلم».

لا يبدو أياد فرحاً بالمحاكمة بقدر ما هو غاضب ومهتم برد الاعتبار: «عندما سمعت بنبأ اعتقال عاطف نجيب» بادرت فوراً إلى رفع دعوى قضائية عليه، وأنتظر صدور حكم الإعدام بحقه».

الجمهور الذي حضر لمتابعة جلسات محاكمة العميد عاطف نجيب المتهم بحملة القمع العنيفة ضد المتظاهرين بداية الصراع السوري في درعا (إ.ب.أ)

محامٍ من المراجعين للقصر العدلي انضم للحشود أمام قاعة محكمة الجنايات وهو يتابع البث المباشر لوقائع المحكمة عبر شاشة هاتفه المحمول، قال لزميله مستغرباً مشهد بكاء عاطف نجيب لدى وصوله إلى القصر العدلي: «عليه أن يبكي فرحاً؛ لأنه يساق إلى المحكمة باحترام». رد أحد الحضور: «لو أن هناك عقوبة أقسى من الإعدام لطالبنا بها».

العميد الركن عاطف نجيب المسؤول السابق في النظام السوري يدخل إلى جلسة محاكمته في دمشق الأحد (إ.ب.أ)

وتمنى عبد الحكيم السرحان أحد المدعين في قضية اقتحام الجامع العمري عام 2011 الذي تأذى منه كل سكان الحي، أن يكون تقرير مصير عاطف نجيب في الساحة أمام الجامع العمري، وقال: «لقد كان رئيس الفرع السياسي في درعا أي رجل الدولة الأول في محافظة درعا، وكل ما ارتُكب من انتهاكات في درعا حينها كان بأوامر منه».

أحد الحاضرين قال إن «نجيب ارتكب مجزرة أمام باب فرع الأمن السياسي عام 2011 قُتل فيها اثنا عشر شخصاً، وأصيب اثنان وثلاثون شخصا آخرون»، وطالب أن يحاسب عليها هو وكل رؤساء الأفرع الأمنية والشبيحة في درعا.

ياسر عطا عبد الغني من الجولان المحتل فقد اثنين من أشقائه في محافظة درعا (الشرق الأوسط)

أما باسل مريج، فأصيب في مجزرة النفق عام 2013، وقال إنه ضمن فريق الادعاء على رموز نظام الأسد. ويتألف الفريق من أكثر من 46 شخصاً من درعا، جاءوا جميعهم لحضور المحاكمة. رفع باسل كفاً مبتورة الأصابع نتيجة إصابته: «قُتلت عائلتي، زوجة وطفلان، في مجزرة النفق في درعا، مع أكثر من 24 مدنياً بينهم نساء وأطفال». وشدد على وجوب محاكمة كل من أعطى أوامر بالقصف والتدمير والقتل.

في حين أن ياسر عطا عبد الغني المنحدر من الجولان المحتل، ويسكن في حي القدم جورة الشرباتي، رأى أن القبض على المتهم الرئيسي في مجزرة حي التضامن أمجد يوسف، والبدء بمحاكمة رموز النظام المخلوع «فرحة كبيرة لكل أهالي الشهداء والمفقودين والمهجّرين»، متمنياً القصاص من كل من تسبب في تدمير سوريا.

عبد الغني فقد اثنين من أشقائه منذ عام 2012، ولا يعرف عنهما شيئاً، ولا يعرف ماذا يفعل، هل يقوم بإصدار شهادة وفاة لهما أم ينتظر، مؤكداً أن بدء مسار العدالة «يهدئ قلوب المكلومين»، وطالب السلطات السورية بتسريع مسار العدالة الانتقالية رأفة بذوي الضحايا.