يوميات امرأة في غزة... القهر في التفاصيل

نور السويركي في مهمة عمل في غزة بداية الحرب (الشرق الأوسط)
نور السويركي في مهمة عمل في غزة بداية الحرب (الشرق الأوسط)
TT

يوميات امرأة في غزة... القهر في التفاصيل

نور السويركي في مهمة عمل في غزة بداية الحرب (الشرق الأوسط)
نور السويركي في مهمة عمل في غزة بداية الحرب (الشرق الأوسط)

انتهيت لتوي من جولة في سوق مخيم النازحين في مواصي رفح جنوب قطاع غزة. رافقتني ابنتي علياء. حملت شنطة قماشية وزّعتها إحدى المؤسسات الإغاثية على النازحين، وأصبحت شنطة التسوق خاصتنا. اشترينا بعض الحاجيات بأسعار نارية وعدنا أدراجنا إلى ملجأنا واجمتين، لأبدأ مهمة تنقيح مقال وأرسله في محاولة للالتزام بموعد تسليم مؤجل. فقد باغتتني نوبة من الإحباط ورغبة هائلة في الهرب. ولكني لا أملك هذا الترف فأحاول ألا أستسلم لأستطيع أيضاً الاستمرار في أداء أدواري المتعددة. فأنا صحافية وأم وزوجة ونازحة، وهي أدوار تتقاطع فيها تجربتي الممتدة على مدار الأشهر الخمسة الماضية، هي عمر هذه الحرب.

نهاري أبدأه مبكراً لحجز موقع متقدم في طابور الحمام الذي يبدأ منذ ساعات صلاة الفجر الأولى ويشتد ازدحامه مع بزوغ الشمس. ثم تأتي مهمة ترتيب الفِراش فأنا وطفلاي محظوظون بحصولنا على أغطية نقوم بطيها كل صباح ووضعها في زاوية المكان. نفطر بعضاً مما توفّر من طعام، قبل أن أتركهما وأنتقل لتقمص الدور الثاني؛ صحافية تتابع مستجدات الأوضاع؛ الميداني والعسكري والسياسي والإنساني. أغرق في تفاصيل الأخبار وأتجهز بخلفيات معلوماتية، فأرتدي ملابس العمل التي اشتريت معظمها من أحد محلات ملابس الرجال حين كنت نازحة في خان يونس، وحصلت على سترة شتوية من أحد طرود المساعدات.

في مهمة عمل عند معبر رفح بانتظار المساعدات (الشرق الأوسط)

أنطلق مشياً على الأقدام في طريق تمتد من الملجأ المقابل للبحر وحتى أقرب نقطة يمكن فيها الحصول على وسيلة مواصلات عامة. تستغرق رحلة المشي بين 30 و45 دقيقة أحياناً، قبل أن يحالفني الحظ في إيجاد مقعد في إحدى الشاحنات. عادة يُسمح للنساء بالجلوس بجانب السائق بينما يقف الرجال طوال الطريق في خلفية الشاحنة، وهكذا أصل لمكان عملي بعد ساعة ونصف الساعة من الإرهاق، ألتقط أنفاسي وأعيد تجديد معلوماتي قبل أن أقف أمام الكاميرا.

ظروف العمل في الحرب لا يختصرها الخطر الشديد، واللوجيستيات القليلة والمتوفرة بحدها الأدنى. أما إمكانية أخذ قسط من الراحة خلال اليوم فهي بحاجة لتنسيق يبدأ بالحصول على كرسي من زملائي أضعه أمام باب خيمة فريق العمل. أجلس أراقب الطريق وقد تحول الأطفال فيها باعة جوالين ينادون على المارة بدلاً من رفع أصواتهم الرقيقة في ترديد الدروس في الفصول الدراسية. أشهد انطلاق سيارات الإسعاف ووصول الإصابات والقتلى، وأسمع صراخ المكلومين، ثم أقوم عن كرسيّ أتفقد صوتي وأستجمع قواي لأنقل ما حدث، في مهمة هي الأصعب. ولكن على الرغم من الإرهاق فإن شعوراً بالفخر لا يفارقني كلما ارتديت تلك الدرع الزرقاء، فكنت صوتاً لهؤلاء الضحايا.

نور السويركي مع زوجها وزميلها في خيمة الصحافيين في غزة (الشرق الأوسط)

في ميدان الحرب الذي تحوّل مكان عمل، ألتقي زوجي، هو زميل صحافي أيضاً. لكم أن تتخيلوا بيتاً يرعاه صحافيان في هذا الوقت. 150 يوماً لم يرافقنا فيها الزوج والأب لانتقاله للإقامة في تجمعات الصحافيين وأداء عمله. أقابله بين رسالتين فنتحدث عن الوضع بوصفنا متحاورَين، ثم عن أنفسنا بوصفنا زوجين، وعن أطفالنا بوصفنا والدَين، يعطيني كيساً من ملابسه المتسخة لأغسلها. بين الحين والآخر أدعوه على الغداء فنأكل ما توفّر في سيارتنا الصغيرة على ناصية الشارع. يغادر فأبقى أنا أحتضن هلع علياء وجمال في الليالي الصعبة وخوفهما تحت القصف والنار، أبكي معهما أحياناً وأشد من أزرهما أحياناً أخرى، ليبزغ فجر جديد فننجو ونعيد تكرار أيامنا.

خلال عملي واجهت لحظات اعتقدت فيها بأني مت، ليأتي صوت زملائي يقنعني بأنني ما دمت سمعت صوت الانفجار فأنا على قيد الحياة. لكني قابلت الموت في جثث الضحايا والأطفال، وبين ركام المنازل التي لا يزال سكانها تحت الأنقاض. وقابلته أيضاً عندما سجّلت شهادات معتقلات تعرضن للتعذيب والتنكيل والتحرش الجنسي على يد أفراد الجيش الإسرائيلي. بكيت بحرقة المكلومين سراً، فقد عاهدت نفسي ألا أبكي أمام الكاميرا، وكنت حذرةً جداً في نقل المعلومات. نقلت أخبار غارات قتل فيها الجيش الإسرائيلي أفراداً من عائلتي. ثم عاينت المجاعة في شمال قطاع غزة وأنا أرى وجه جدتي ووجوه أعمامي وعماتي وأبنائهم... فالجوع ينهش ما تبقى من لحمهم هناك. رثيت مدينةً ألقبها بـ«سِت الحُسن» وأنا أعلم أن الغارات الجوية والمدفعية والعملية البرية للجيش الإسرائيلي دمّرت كل مَواطن حُسنها، والأدهى أني رحت أتحدث عن عودة النازحين وأنا النازحة التي تتوق إلى عودة قريبة وأدعو بها.

«غداء عائلي» في السيارة حين كان بعض الطعام متوفراً (الشرق الأوسط)

أنا الصحافية الأم التي تترك طفليها في الملجأ لساعات، وهي قلقة حول مصيرهما، فالغارات الإسرائيلية لا تعي تعريف المدنيين العُزّل، وكابوسي الأكبر أن أجدهما يوماً بين الضحايا وأنا بعيدة، حملتهما معي إلى مواقع العمل المختلفة التي عملت بها، لكنهما لم يتحمّلا المشقة والخوف وفضّلا انتظاري في الملجأ، وأنا الصحافية الزوجة التي تتقاسم أعباء رعاية طفلين تحت النار مع زوج يعتز بمهنته كما أعتز أنا وأسارع لمهاتفته كلما كان القصف قريباً لخيام الصحافيين أو استهدفهم، وتنتابني نوبة من القلق، كلما شاهدت ظهوره عبر «واتساب» حتى ساعات الفجر في الليالي الصعبة، من أن يصيبه الإرهاق، فقد سبق أن أُغمي عليه ونحن نسير في محيط موقع عملينا بعد عمله ليومين متتاليين دون نوم في ليالي القصف الدامي على رفح، ولا أرغب في عيش هذه اللحظة مجدداً.

في هذه الحرب، أنا امرأة من غزة تحاول السيطرة على اضطراباتها الجسدية والنفسية طوال تلك الأيام، ولكن أيضاً عند اقتراب موعد الدورة الشهرية. أيام بحثت فيها بلا جدوى عن قطعة شوكولاته أو أي حلويات أو سكر مفتاحاً لهذه السيطرة. ثم يبدأ الخوف الآخر مع همّ توفير الفوط الصحية ومسكنات الألم واستخدام الحمام... فذلك كابوس يطارد كل امرأة وفتاة هنا. أعمل وزميلاتي في الشارع وغالباً نبقى فيه طوال اليوم، من دون قدرة للوصول إلى الحمّام فنلجأ إلى المستشفيات. في إحدى المرات وقفت في الطابور لأكثر من رُبع ساعة وكان موعد البث قد اقترب، فعندما علمت النسوة بأنني صحافية قلنّ للسيدة التي تستحم في الداخل «هذه عليها شغل... افتحي!» فأدارت ظهرها وأدخلتني معها لنتشارك الحمّام في لحظة قهر هائل لنا بوصفنا نساء نازحات.

يرهقني الحديث عن هذه الحرب، أشعر بالاضطراب كلما فكرت بإنسانيتي المفقودة فيها، وكرامتي المهدورة على عتبات النزوح. ينفطر قلبي أكثر على أنني أنتمي لفئات يفترض أنها محمية بموجب القانون الدولي الإنساني، ولكن هذه الحماية تحوّلت أشلاء مع كل قذيفة اخترقت جسد امرأة وطفل. 8900 من بنات جنسي قُتلن حتى تاريخ الكتابة، و13 ألفاً و330 طفلاً، و132 من زملاء المهنة، عدا آلاف المفقودين وغالبيتهم أيضاً نساء وأطفال.

فكيف لا تفزع نساء العالم لنا، نحن النساء الفلسطينيات الجريحات، المعتقلات، النازحات، المقتولات؟ كيف لا تفزع الإنسانية لكل هذا الألم؟ وكيف يسقط حقنا في الحماية بلا مساءلة أو محاسبة أو تعويض؟!


مقالات ذات صلة

حراك مرتقب في القاهرة بشأن غزة... وتصعيد ميداني إسرائيلي

المشرق العربي عامل فلسطيني يكسر الخرسانة في أثناء إزالة الأنقاض في خان يونس جنوب قطاع غزة (رويترز) p-circle

حراك مرتقب في القاهرة بشأن غزة... وتصعيد ميداني إسرائيلي

تشهد القاهرة، خلال الأيام المقبلة، حراكاً سياسياً جديداً بشأن اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة؛ بينما واصلت إسرائيل تصعيدها الميداني، وتوسيع نطاق سيطرتها.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي رجل يحمل جثمان طفل أمس السب تقتل جرَّاء قصف مدفعي إسرائيلي على منازل سكنية قرب مستشفى كمال عدوان في بيت لاهيا شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)

مقتل 4 فلسطينيين على الأقل في غارات إسرائيلية على غزة

قال مسؤولو صحة في قطاع غزة إن هجمات للجيش الإسرائيلي أسفرت عن مقتل أربعة فلسطينيين على الأقل اليوم الأحد.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي أقام مسؤولون انتخابيون فلسطينيون مركز اقتراع في خيمة لإجراء الانتخابات البلدية بدير البلح (أ.ف.ب)

الأولى منذ اندلاع الحرب... بدء التصويت في الانتخابات البلدية بالضفة ووسط غزة

فتحت مراكز التصويت صباح اليوم (السبت)، في جميع مناطق الضفة الغربية ووسط قطاع غزة، أمام الناخبين الفلسطينيين لانتخاب المجالس البلدية.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي أحد عناصر هندسة المتفجرات التابعة لشرطة غزة يتعامل مع قذيفة غير منفجرة (الشرطة الفلسطينية)

الأمم المتحدة تحذّر من تهديد الذخائر غير المنفجرة في غزة لجهود إعادة الإعمار

حذّرت الأمم المتحدة، من أنّ قطاع غزة الذي دمّرته الحرب، ملوّث بشدّة بذخائر غير منفجرة تقتل المدنيين وتشوههم بانتظام، وتهدّد جهود إعادة الإعمار على المدى الطويل.

«الشرق الأوسط» (جنيف)
المشرق العربي فلسطينيون يتجمَّعون حول سيارة مُدمَّرة بعد استهدافها بغارة إسرائيلية في شارع صلاح الدين جنوب مخيم البريج بقطاع غزة (أ.ف.ب)

غارات إسرائيلية تقتل 10 أشخاص في غزة

 قال مسؤولون فلسطينيون في قطاع الصحة إن نيراناً إسرائيلية قتلت ما لا يقل ​عن 10 أشخاص، بينهم شرطيان، في أنحاء قطاع غزة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

عون يتهم «حزب الله» بـ«الخيانة»

لقطة من فيديو وزعها الجيش الإسرائيلي أمس قال إنها تظهر تدمير بنى تحتية لـ«حزب الله» في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
لقطة من فيديو وزعها الجيش الإسرائيلي أمس قال إنها تظهر تدمير بنى تحتية لـ«حزب الله» في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
TT

عون يتهم «حزب الله» بـ«الخيانة»

لقطة من فيديو وزعها الجيش الإسرائيلي أمس قال إنها تظهر تدمير بنى تحتية لـ«حزب الله» في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
لقطة من فيديو وزعها الجيش الإسرائيلي أمس قال إنها تظهر تدمير بنى تحتية لـ«حزب الله» في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

ردّ الرئيس اللبناني، جوزيف عون، على حملة الانتقادات والتخوين التي شنّها «حزب الله» ضده على خلفية خيار التفاوض المباشر مع إسرائيل، مؤكداً أن «ما نقوم به ليس خيانة، بل الخيانة يرتكبها من يأخذ بلده إلى الحرب تحقيقاً لمصالح خارجية»، وشدد على أن التوجه إلى المفاوضات يهدف إلى حماية البلاد، رافضاً استمرار دفع اللبنانيين، لا سيما في الجنوب، ثمن صراعات لا تصب في المصلحة الوطنية، ومتسائلاً عمّا إذا كان قرار الحرب حظي يوماً بإجماع وطني.

وجاء موقف عون بعد إعلان تجديد الأمين العام لـ«حزب الله»، نعيم قاسم، موقفه الرافض التفاوض المباشر مع إسرائيل وعدّ نتائجه «كأنها غير موجودة»، مع تأكيد تمسكه بسلاحه.

ولاقت مواقف قاسم رداً من قبل وزير الدفاع الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، الذي رفع من لهجة تهديده، محذراً بأن استمرار تنظيم «حزب الله» سيؤدي إلى حرق لبنان، قائلاً: «إذا واصلت الحكومة اللبنانية الاحتماء تحت جناح منظمة (حزب الله) الإرهابية، فستندلع النار وتحرق أرز لبنان».


رئيس الجمهورية العراقي يكلف علي الزيدي بتشكيل الحكومة الجديدة

رئيس الجمهورية العراقي يكلف علي الزيدي بتشكيل الحكومة الجديدة
TT

رئيس الجمهورية العراقي يكلف علي الزيدي بتشكيل الحكومة الجديدة

رئيس الجمهورية العراقي يكلف علي الزيدي بتشكيل الحكومة الجديدة

كلف رئيس الجمهورية العراقي نزار آميدي رجل الأعمال علي الزيدي بتشكيل الحكومة الجديدة.

واختار الإطار التنسيقي الشيعي بأغلبية أعضائه مساء اليوم الاثنين، الزيدي مرشحا لتشكيل الحكومة الجديدة.

وذكرت محطة تلفزيون (العهد) التابعة لحركة «عصائب أهل الحق» بزعامة الشيخ قيس الخزعلي أن ترتيبات مراسم تكليف الزيدي تجري الآن داخل المبنى الحكومي بحضور رئيس الحهورية نزار آميدي ورئيس البرلمان العراقي هيبت الحلبوسي ورئيس مجلس القضاء الأعلى في العراق فائق زيدان.

المحامي والمصرفي علي الزيدي (الشرق الأوسط)

وقال الإطار التنسيقي في بيان: «بعد تدارس أسماء المرشحين، جرى اختيار علي الزيدي، ليكون مرشح كتلة الإطار التنسيقي، بوصفها الكتلة الأكبر في مجلس النواب، لشغل منصب رئيس مجلس الوزراء وتشكيل الحكومة المقبلة».

كما ثمن الاطار التنسيقي «المواقف التاريخية المسؤولة لرئيس ائتلاف دولة القانون نوري المالكي، ورئيس ائتلاف الإعمار والتنمية السيد محمد شياع السوداني، عبر التنازل عن الترشيح لرئاسة وتشكيل الحكومة المقبلة، في خطوة تؤكد الحرص على المصالح الوطنية العليا، وتيسير تجاوز الانسداد السياسي، ولإتاحة الفرصة امام الاطار التنسيقي لاختيار المرشح الذي تتوافق معه المواصفات المطلوبة لشغل منصب رئيس مجلس الوزراء، ويتناسب مع متطلبات المرحلة وتحدياتها».


شاب سوري متهم بالتخطيط لتنفيذ هجوم «إرهابي» في برلين

ضباط الشرطة يقفون على أهبة الاستعداد خلال عملية كبرى وسط مدينة مانهايم بألمانيا بعد وقوع حادث خطير في مارس 2025 (أ.ب)
ضباط الشرطة يقفون على أهبة الاستعداد خلال عملية كبرى وسط مدينة مانهايم بألمانيا بعد وقوع حادث خطير في مارس 2025 (أ.ب)
TT

شاب سوري متهم بالتخطيط لتنفيذ هجوم «إرهابي» في برلين

ضباط الشرطة يقفون على أهبة الاستعداد خلال عملية كبرى وسط مدينة مانهايم بألمانيا بعد وقوع حادث خطير في مارس 2025 (أ.ب)
ضباط الشرطة يقفون على أهبة الاستعداد خلال عملية كبرى وسط مدينة مانهايم بألمانيا بعد وقوع حادث خطير في مارس 2025 (أ.ب)

تتهم السلطات الألمانية شاباً سورياً بالتخطيط لتنفيذ هجوم في العاصمة برلين بدوافع «إسلاموية متطرفة».

وبعد نحو ستة أشهر من اعتقاله، أقر الشاب (22 عاماً) أمام المحكمة الإقليمية في برلين بالتهم الموجهة إليه من حيث المبدأ، وقال إنه اتجه إلى «الفكر المتطرف» عن طريق الإنترنت، وأصبح في النهاية «مصمماً تماماً» على تنفيذ الهجوم، مضيفاً: «كنت محظوظاً لأنه تم القبض عليّ».

وبحسب لائحة الاتهام، فإن الشاب كان يفكر منذ مارس (آذار) 2025 على أبعد تقدير في تنفيذ هجوم «إرهابي» يستهدف بالدرجة الأولى اليهود المقيمين في برلين، إضافة إلى من وصفهم بـ«الكفار»، وإنه كان يخطط لقتل أكبر عدد ممكن من اليهود وغير المسلمين باستخدام سكين، قبل أن ينفذ هجوماً انتحارياً بواسطة حزام ناسف.

ويواجه المواطن السوري اتهامات بالتحضير لعمل عنيف خطير يهدد أمن الدولة، وتمويل «الإرهاب». كما تشمل لائحة الاتهام نشر مواد دعائية لتنظيمات «إرهابية» في أربع حالات.

وأشارت صحيفة الدعوى إلى أنه قام، في مارس، وأكتوبر (تشرين الأول) 2025 بنشر مقاطع فيديو على وسائل التواصل الاجتماعي مرفقة بأناشيد يستخدمها تنظيم «داعش».

عناصر من جهاز مكافحة الإرهاب في ألمانيا (أرشيفية - متداولة)

وفي مستهل المحاكمة قال الشاب إنه وصل إلى ألمانيا في نهاية عام 2023 لـ«العمل وكسب المال»، لكن أحلامه وأهدافه تغيرت لاحقاً. وأضاف أنه اتجه على نحو متزايد لـ«اعتناق الفكر المتطرف» عبر منصات على الإنترنت مثل «تيك توك»، حيث اطلع في محادثات على أفكار تتعلق بـ«الاستشهاد»، وشاهد مواد صادرة عن التنظيم. وقال: «كان الشيطان يقبع في رأسي. وقد استقيت أفكاري من تنظيم (داعش)».

وبحسب التحقيقات، تبادل الشاب عبر محادثات مع أطراف مجهولة معلومات حول كيفية صنع عبوة ناسفة، وناقش تنفيذ هجوم محتمل. ويُعتقد أنه اشترى سكيناً، وعدة مواد عبر الإنترنت يمكن استخدامها في صنع عبوة ناسفة أو حارقة.

موقع الجريمة بمدينة مانهايم غرب ألمانيا حيث تعرض سياسي من اليمين المتطرف لعملية طعن في مارس 2024 (رويترز)

وجاء في لائحة الاتهام أنه «كان على وشك صنع عبوة ناسفة»، وأنه بدأ بالفعل في تجارب أولية. ووفق تصوراته، كان يعتقد أن تنفيذ الهجوم «سيكفّر عن ذنوبه»، وسيتم الاحتفاء به بوصفه «شهيداً» وفق «الفكر المتطرف».

يُذكر أن المتهم، الذي قال إنه كان يقيم لدى أحد أقاربه في حي نويكولن في برلين، ويعمل في وكالة سفر تابعة له، يقبع في الحبس الاحتياطي منذ الأول من نوفمبر (تشرين الثاني) 2025.

وخلال عمليات التفتيش، عُثر بحوزته على عدة أدلة ثبوتية. ومن المقرر عقد أربع جلسات إضافية للمحاكمة حتى الخامس من يونيو (حزيران) المقبل.