الحرب الأهلية اللبنانية... تدخّل سوري وخطوط حمراء إسرائيلية

المسيحيون طلبوا المساعدة من الولايات المتحدة إما بقوات عسكرية أو بالسلاح... لكن واشنطن أبلغت الأسد أنها لا تدعمهم

الحرب الأهلية اللبنانية... تدخّل سوري وخطوط حمراء إسرائيلية
TT

الحرب الأهلية اللبنانية... تدخّل سوري وخطوط حمراء إسرائيلية

الحرب الأهلية اللبنانية... تدخّل سوري وخطوط حمراء إسرائيلية

زاد اتفاق فضّ الاشتباك الثّاني في سيناء، في سبتمبر (أيلول) 1975، من حدّة الصّراع في لبنان وشدّة التنافس فيه بين مصر وسوريا. شنّت إسرائيل غارات جوية في لبنان لاستباق أي ردٍّ فلسطيني عنيف على اتفاق سيناء الثّاني. سافر وزير الخارجية السّوري عبد الحليم خدّام إلى لبنان، لكنّه فشل في إقامة حوارٍ سياسي، أو وقف إطلاق النّار بين مختلف الفصائل اللبنانية والفلسطينيين. طلب المسيحيون اللبنانيون المساعدة من الولايات المتّحدة إمّا بقوّات عسكرية أو بالسّلاح. تسارعت وتيرة القتال في الحرب الأهلية في أكتوبر (تشرين الأوّل). استعرض فورد وكيسنجر الوضع في 9 و16 أكتوبر؛ وكانا يخشيان من أن يؤدّي التدخّل السّوري في لبنان إلى ردّ فعلٍ إسرائيلي. نُصح كيسنجر بإصرار ضد اعتماد خيار تدخّلٍ أميركي شبيه بعام 1958 عندما طرحه فورد. أعاد المسؤولون الأميركيون التأكيد على أنّ همّهم هو منع وقوع اشتباك سوري - إسرائيلي في لبنان، ما يعني منع أي من الجانبَين من نشر قوّات نظاميّة. ناقش الدّبلوماسيون الأميركيون المشكلة مع القيادات الإسرائيلية والسورية. وأكّد وزير الخارجيّة الإسرائيلي إيغال آلون أنّ إسرائيل لن تقوم بأي تحرّك من دون التشاور مع واشنطن. إنّ طبيعة أي عمليّة سورية وحجمها ومداها الجغرافي والغرض منها؛ ستحدّد ردّ فعل إسرائيل. أبلغ السّفير الأميركي ريتشارد مورفي (..) الأسد أنّ الولايات المتّحدة لا تدعم موقف المتشدّدين المسيحيين، وتحثّ إسرائيل على ضبط الّنفس، لكنّ إسرائيل قد تتحرّك بأي حال ضد تدخّل الجيش السّوري. وفي نوفمبر (تشرين الثاني)، أبلغ الأسد الولايات المتّحدة أنّه في حال طلب فرنجية قوّات سورية «فإنّها سوف تكون تحت تصرّفه». وفي ديسمبر (كانون الأول) 1975 ويناير (كانون الثاني) 1976 تحرّكت الميليشيات المسيحية ضد مخيمات اللاجئين الفلسطينيين الواقعة على خطوط إمدادهم حول بيروت. اِشتدّ النشاط السّوري في يناير، ونشرت سوريا في لبنان مقاتلين فلسطينيين موالين لدمشق. وأصدر كيسنجر تحذيراً ثانياً للأسد، معرباً عن شكوكه في أن تتمكّن الولايات المتّحدة من «منع الإسرائيليين من الردّ على ما قد يستنتجون أنه تدخّلٌ مباشر من قبل سوريا». اِستأنف خدّام المفاوضات بين اللبنانيين، التي أفضت في فبراير (شباط) 1976 إلى «الوثيقة الدستورية» التي وافق عليها الرّئيس فرنجية ورئيس الوزراء كرامي، ودعمتها الكتائب (الميليشيا المسيحية الرّئيسية). سبقت هذه الوثيقة اتفاق الطائف عام 1989 في توزيع المقاعد البرلمانية مناصفة بين المسلمين والمسيحيين. أرسلت الولايات المتّحدة إشارة إلى القادة اللبنانيين؛ تؤكّد دعمها للجهود السورية للإصلاح. رفَضها جنبلاط والفلسطينيون وحلفاؤهم بعدّها غير كافية، وانهار التحالف بين دمشق وحلفائها الفلسطينيين واللبنانيين، فحوّل الأسد شحنات الأسلحة من عرفات إلى ميليشيا عائلة فرنجية. أبلغ رابين فورد أنّه في حال دخول القوّات السورية لبنان، فإن الجيش الإسرائيلي سوف يتقدّم إلى الليطاني. في غضون ذلك، انقسم الجيش اللبناني على أسسٍ طائفية، بعدما فَقَد صورته الحياديّة.

غلاف الكتاب

استعدّ جنبلاط وحلفاؤه لهجومٍ ضد المسيحيين. وأصبحت سوريا الآن متحالفة مع المسيحيين، الذين دعموا الوثيقة الدستورية التي اقترحها الأسد. قدّرت الاستخبارات الأميركية أنّ الأسد قد يخسر السّلطة لمصلحة نظام أكثر تطرّفاً في حال تعثّر في لبنان. وفي منتصف مارس (آذار)، أرسل الجيش السّوري إلى لبنان، بناءً على طلب فرنجية، 1000 جندي نظامي يرتدون الزّي الفلسطيني، فشلوا في وقف الهجوم اليساري. وخلال مارس، أخبر الأميركيون المسؤولين السّوريين؛ أنّهم يدعمون جهود الأسد الدّبلوماسية، لكنّهم حذّروا مرّة جديدة من ردّ فعل إسرائيلي محتمل على التدخّل العسكري السّوري العلني. وفي 15 مارس، منعت الوحدات الفلسطينية الموالية للأسد اليساريين اللبنانيين من احتلال قصر فرنجية، في إشارة واضحة إلى أنّ الأسد سوف يتصرّف بحزمٍ ضد أي تهديد جذري لاستراتيجيته السّياسية في لبنان. في 23 مارس، أبلغ خدّام الولايات المتّحدة أنّ فرنجية «طلب رسمياً من سوريا إرسال قوّات للفصل بين الأطراف المتحاربة في لبنان». وفي 24 مارس، رسم مسؤولون إسرائيليون بعض «الخطوط الحمراء» لواشنطن، ما عنى ضمناً أنّ ما كان مرفوضاً، لم يعد مرفوضاً. ستعارض إسرائيل أي تحرّكٍ عسكري واضح أو علني للقوّات السورية في لبنان، أو لكلّ ما يتجاوز حجم لواء، أو ينقل أسلحة إلى السّاحل، أو يتجاوز الـ10 كيلومترات جنوب طريق بيروت - دمشق. فهم كيسنجر أنّ أي انتهاكٍ سيحمل الإسرائيليين على الاستيلاء على نقاطٍ استراتيجية في جنوب لبنان حتّى مغادرة القوّات السورية. عرض المسؤولون السّوريون السّاعون إلى موافقة الولايات المتّحدة تفاصيل مطمئنة عن خطّتهم في 25 مارس: «سوف تكون قوّاتهم قليلة، وسيبقون خارج الجنوب، ويغادرون خلال أشهر بمجرّد حلّ الأزمة السياسية». عرض الردُ الأميركي ما فهمتِ الولاياتُ المتّحدة أنّه قد يؤدّي إلى ردٍّ عسكري إسرائيلي، فقال الأسد إنّه سوف يبقى خارج الجنوب، لكنّه طلب من الولايات المتّحدة أن تُبقي إسرائيل خارجاً أيضاً.

توجيهات براونظهرت مشكلة في السّفارة الأميركية في بيروت. تم تشخيص سرطان الحلْق لدى غودلي، فغادر منصبه في يناير عام 1976. وبغيابه، افتقرت السّفارة إلى الاتّصالات والمعلومات والتأثير. هذا العامل، والمأزق السّياسي، والعملية السورية الوشيكة، والردّ الإسرائيلي المحتمل، دفعت جميعها كيسنجر إلى إرسال براون مبعوثاً. عدّ كيسنجر مصالح الولايات المتّحدة تقتضي «أننا لا نستطيع السّماح لإسرائيل بالدخول إلى جنوب لبنان»، لأنّ ذلك يعرّض للخطر مقاربته الشّاملة لـ«الشرق الأوسط»، المبنية على التقدّم المتدرّج في ملف السّلام العربي - الإسرائيلي، واحتواء النفوذ السّوفياتي. كما بقي معارضاً للاحتلال السّوري المباشر للبنان، إذ كان، من جهة، يخشى أن يؤدّي ذلك إلى تحرّكٍ إسرائيلي، ومن جهة ثانية، يعدّ التقارب بين واشنطن ودمشق النّاشئ في تلك اللحظة عن المصلحة المشتركة في احتواء منظّمة التحرير الفلسطينية واليساريين اللبنانيين، موقّتاً. لكن ثمّة وجهة نظر أكثر دقّة عن الموقف الإسرائيلي المحتمل قُدّمت إلى كيسنجر. أعرب السّفير الأميركي لدى إسرائيل مالكولم تون في 31 مارس 1976، عن اعتقاده أنّ المسؤولين الإسرائيليين كانوا يصوّرون لكيسنجر موقفاً أكثر تشدّداً ضدّ التدخّل السّوري مما هو في الواقع، فبرأيه؛ سوف يتسامح الإسرائيليون مع الحراك السّوري طالما أنّ إسرائيل لديها إشعار مسبق بالخطط السورية، وأنّ الهدف استعادة الاستقرار، وأنّ القوّات السورية لم تدخل جنوب لبنان.

أعطى كيسنجر توجيهاته إلى براون في 31 مارس. كان عليه أن يساعد في وقف إطلاق النّار، ويدعم الخطّة السّياسية السورية مع إبقاء قوّاتهم خارج لبنان، ويتّصل بمنظّمة التحرير الفلسطينية ويحاول كسر تحالفها مع جنبلاط، ويحول دون الانهيار المسيحي. كُلّف براون أيضاً بإقناع جنبلاط بالتوصّل إلى تسوية، وقبول رزمة الإصلاحات السورية. التقى جنبلاط أوّل مرّة في 2 أبريل (نيسان)، عندما حدّد الزّعيم الدرزي أهدافه المتعلّقة بالإصلاح السّياسي والاجتماعي، بما في ذلك الحكم العلماني. أجاب براون بأنّ هذه الأهداف كانت غير واقعيّة، وأن الولايات المتّحدة تدعم المبادرة السّياسية السورية التي بإمكانها أن تضمن عدم فوز اليساريين إذا لم يتعاونوا. وقال له براون: «إن القبول بالإصلاحات المتواضعة هو السّبيل الوحيد لتجنّب التدخّل السّوري».

ركّز براون على إطلاق المفاوضات بشأن وقف إطلاق النّار، وخروج فرنجية مبكّراً من منصبه قبل أن تنتهي ولايته في سبتمبر (أيلول)، وانتخاب رئيس جديد. واعتقد براون أنّ هذه المقاربة هي الطّريقة الوحيدة الممكنة لمنع دخول القوّات السورية، وقد وافقت واشنطن على ذلك. لكنّه أطلع كيسنجر بشكلٍ منفصل على تشكيكه بقدرة اللبنانيين على التوصّل إلى تسوية. ونصح، في حال ثبتت صحّة وجهة النّظر هذه: «إمّا بحمل إسرائيل على قبول الانتشار السّوري أو التحدّث مباشرة مع عرفات». رفض كيسنجر فكرة براون بالعمل مع عرفات رغم توجيهه الأوّلي بالاتّصال بمنظّمة التحرير الفلسطينية. في 7 أبريل، عارض كيسنجر خلال اجتماع مجلس الأمن القومي الأميركي القبول الضّمني بعملية عسكرية سورية في لبنان، لأنّه لا يزال يخشى من أن تؤدّي حلقة تصعيدٍ مع إسرائيل إلى حظرٍ محتمل للنّفط العربي، وتدخّلٍ سوفياتي للدّفاع عن سوريا. وقال مستشار الأمن القومي الأميركي برنت سكوكروف، إن «الوجود السّوري القوي في لبنان قد يكون السّبيل الوحيد لإنهاء الاقتتال». وفي 10 أبريل، انتشر المزيد من القوّات السورية في لبنان متنكّرين بزي فلسطيني. نقلت الولايات المتّحدة إلى دمشق الموقف الإسرائيلي بأنّ هذا العمل تجاوز الخطّ الذي يستوجب من إسرائيل اتّخاذ إجراءات خاصة بها. رفض السّوريون الإنذار.

(...) اشتكى كيسنجر من أنّ إسرائيل تريد أن يسيطر السّوريون على الفلسطينيين في الجنوب من دون السّماح لهم بالانتشار هناك للقيام بذلك. وأبلغ المسؤولون الأميركيون نظراءهم السّوريين واللبنانيين بأنّهم لا يستطيعون ضمان ردّ فعل إسرائيل على الانتشار السّوري. استمرّت هذه التبادلات حتّى انتهت ولاية فورد. لم ينتشر السّوريون في الجنوب. وكان أحد التداعيات غير المقصودة لهذا الأمر خلق فراغ أمني طويل الأمد في جنوب لبنان، سوف يملأه لاحقاً «حزب الله» المدعوم من إيران.

كارتر و«المأساة» اللبنانيةكان لهذا الوضع غير الواضح في جنوب لبنان نتيجة متوقّعة: عزّز الفدائيون أنفسهم في المكان الوحيد المتبقّي لهم، وهو الجنوب. وفي مايو (أيار) 1977، فاز حزب الليكود اليميني في إسرائيل بأوّل انتخابات للكنيست، وأصبح مناحيم بيغن رئيساً للوزراء. تصرّفت هذه الحكومة الجديدة في جنوب لبنان بشكل أكثر عدوانية من سابقتها، واتّخذت خطوات للسّيطرة على المنطقة من خلال جيش لبنان الجنوبي. وفي مواجهة بيغن المتشدّد، والضّغط السّوري، وتهميشه في عملية السّلام المصرية - الإسرائيلية، والمعارضة الدّاخلية الدّائمة، لجأ عرفات إلى العنف لإثبات وجوده. وفي نوفمبر (تشرين الثاني) 1977، قصفت فتح بلدة نهاريا الإسرائيلية بالصّواريخ. فقامت الزوارق الحربية الإسرائيلية بهجومٍ مضاد في جنوب لبنان. في 11 مارس 1978، هاجم إرهابيو فتح إسرائيل عن طريق البحر، ونزلوا في جنوب حيفا، واختطفوا حافلة، وأطلقوا النّار باتّجاه تل أبيب. وقتلت الشّرطة تسعة من الإرهابيين الأحد عشر. وقُتل أربعة وثلاثون إسرائيلياً وأميركياً. وعُدّت العملية إشارة من عرفات إلى أنّ استبعاد المصالح الفلسطينية من محادثات السّلام لن يؤدّي إلى السّلام.

كان من المقرّر أن يزور بيغن واشنطن في 14 مارس 1978، لكنّه أجّل سفره في الوقت الذي كان فيه الجيش الإسرائيلي يتحرّك إلى جنوب لبنان لتدمير قواعد منظّمة التحرير الفلسطينية. أدلى كارتر بتعليقٍ غاضب على الغزو في سيرته الذاتية، عكس إحباطه من بيغن ومضيعة الوقت في منطقة الشرق الأوسط، وكتب «إن ذلك تعارض مع خمس عشرة أولويّة أخرى. تراوحت هذه الأولويّات بين دفع مجلس الشّيوخ إلى التصويت على معاهدة قناة بنما، والتعامل مع إضراب عمّال المناجم على الصّعيد الوطني، إلى وضع اللمسات الأخيرة على اتفاق الحدّ من الأسلحة الاستراتيجية SALT II مع موسكو، وإعداد زيارة رسمية للديكتاتور اليوغوسلافي جوزيف تيتو». بدأت العملية الإسرائيلية «حجر الحكمة»، في 15 مارس. وفي نهاية اليوم الأوّل، كان الجيش الإسرائيلي قد أمّن منطقة عازلة بعمقٍ يتراوح بين 5 و20 كيلومتراً. وصف كارتر العملية بأنّها «ردّ فعل مبالغ فيه رهيب»، أسفر عن مقتل 1000 مدني وتشريد 100 ألف شخص.

أخبر وزير الخارجية الأميركي سايروس فانس الإسرائيليين أنّ الولايات المتّحدة ستسعى إلى استصدار قرار عن مجلس الأمن ضدّ ما قاموا به، وقال إن «كارتر منزعج بشكلٍ خاص من استخدام الأسلحة الأميركية، بما في ذلك القنابل العنقودية، لأنّه خرق لاتفاق مسبق، وللقانون الأميركي». وتقرّر التصويت في الأمم المتّحدة في 19 مارس. دعا النّص الأميركي إلى إنهاء فوري لعمل الجيش الإسرائيلي والانسحاب الكامل، وإنشاء القوات الدّولية العاملة في لبنان (اليونيفيل). استغلّ الجيش الإسرائيلي فارق التوقيت، وتقدّم، قبل موعد التصويت يوم الأحد، إلى نهر الليطاني، واستولى على أكبر قدرٍ ممكن من الأراضي قبل صدور القرار 425، معزّزاً بذلك موقع إسرائيل التفاوضي. التقى مسؤولو وزارة الدّفاع الإسرائيلية مع قائد اليونيفيل الجديد في 20 مارس. تنازلوا لليونيفيل عن الأراضي المحتلّة في 19 مارس مقابل حزامٍ أمني على طول الحدود لميليشيا حدّاد، وطلبوا وقتاً لانسحاب إسرائيلي بطيء. غادرت القوّات الإسرائيلية لبنان في يونيو (حزيران).

بعد ذلك، علم المسؤولون الأميركيون أنّ الجيش الإسرائيلي قدّم عتاداً عسكرياً أميركياً إلى جيش لبنان الجنوبي. نفت الحكومة الإسرائيلية ذلك، ما دفع كارتر إلى إرسال مذكّرة «مقتضبة وصريحة» إلى بيغن تطلب منه إزالة المعدّات، تحت طائلة إبلاغ الكونغرس بالمخالفة، وهذا ما يمكن أن يعرّض المساعدة العسكرية لإسرائيل للخطر. مرّت المذكّرة عبر قناة شخصية، فاسحة المجال أمام بيغن لسحب المعدّات بهدوء.

خلال مأدبة عشاء في أثناء محادثات كامب ديفيد في سبتمبر (أيلول) 1978، سأل السّادات كارتر عمّا إذا كان قد خصّص كثيراً من الوقت للبنان. وأجاب كارتر بأنّ «الاهتمام الأميركي أثير في المقام الأوّل في لحظات الأزمات، (لذلك) لم نبذل جهوداً متضافرة لإيجاد حلٍّ دائم للمأساة اللبنانية المستمرّة». ولم يخض كارتر في التفاصيل. يوحي هذا التعليق بأنّ اهتماماً أميركياً أكبر بلبنان قبل اندلاع الأزمات المتعلّقة بالأمن الإسرائيلي؛ قد يخدم المصالح الأميركية بشكل أفضل. وصف باحثان مقاربة كارتر: «كان لبنان وعاءً يغلي، وهو يحاول إبقاء الغطاء عليه، حتّى لا يفسد الطّبق الرئيسي: السّلام الشامل». عشية كامب ديفيد، كان القلق شديداً من أن يستغلّ السّوريون القمة لتوسيع سيطرتهم على لبنان. أرسل فانس رسالة إلى الأسد: «نحثّ الإسرائيليين على ممارسة أقصى درجات ضبط النّفس والحكمة لتجنّب الصّراع مع القوّات السورية، ونحثّ سوريا على فعل الشّيء نفسه».

سوريا وأميركا... تلاقي مصالح في لبنانتميّزت هذه الفترة بالتلاقي الأوّل بين المصالح الأميركية والسورية في لبنان. كانت تعليمات براون بتسهيل التسوية السّياسية السورية لدى اللبنانيين والفلسطينيين من أجل تفادي نشر القوّات السورية التي قد تؤدّي إلى غزوٍ إسرائيلي، وحربٍ أوسع نطاقاً. حقّقت هذه المقاربة نجاحات قصيرة الأجل في تحقيق الاستقرار في لبنان وإضعاف منظّمة التحرير الفلسطينية. بأي حال، احتلّت سوريا جزءاً كبيراً من لبنان، ما أنهى على المدى الطويل سيادة لبنان؛ لكن ليس حربه الأهلية. أدّى هذا العنف وعدم الاستقرار إلى مشكلات أمنيّة وطنيّة لعقود عدّة لإسرائيل والولايات المتّحدة، وخلقِ وكيلٍ إيراني على المتوسّط بعد ست سنوات فقط من مهمّة براون، كما لاحظ أحد الباحثين «عدم معالجة صلب القضايا التي يعاني منها لبنان، وبدلاً من محاولة احتوائها عبر القوّة السورية، ربما تكون إدارة فورد قد فاقمت من مشكلات طويلة الأجل في الشرق الأوسط».

ربما كان الدّعم السّريع العملي والرمزي لمؤسّسات الدولة اللبنانية عامَي 1968 و1969 قد أفضى إلى تصلّب الرّئيس (شارل) حلو في الوقت الذي كان يقاوم فيه الضّغوط لمنح عرفات والفدائيين حرّيات أكبر. لم تلقَ طلباته للحصول على الدّعم الدّبلوماسي والمساعدات العسكرية استجابة في واشنطن والعواصم العربية المعتدلة، ما جعله معزولاً سياسياً في المنطقة، على الرّغم من نجاح الجيش اللبناني حتّى ذلك الحين في احتواء الفدائيين. ونظراً لافتقاره إلى الدّعم الخارجي الذي يتمتّع به الفلسطينيون، لم يجد حلو خياراً قابلاً للتّطبيق سوى التسوية. ومكّن اتفاق القاهرة الفلسطينيين من بناء دولة داخل الدّولة اللبنانية، بالتحالف مع المسلمين واليساريين الذين يسعون إلى تغيير ميزان القوى الذي يحكم لبنان منذ عام 1943. كانت للحرب الأهلية في لبنان أسباب عديدة، لكن الانحدار نحوها تسارع في القاهرة عام 1969.

كانت لدى واشنطن انشغالات مختلفة. سعى نيكسون وكيسنجر إلى تجنّب التورّط في الشرق الأوسط، وقد جرى التعبير عن الأولويّة المنخفضة بوضوح من خلال تفويض البيت الأبيض وزارة الخارجية بهذه السّاحة، وهو نادراً ما يحصل. ركّز روجرز على إطلاق مقاربة شاملة لتحقيق السّلام العربي - الإسرائيلي. لم تحظَ خطّته الطّموح بدعمٍ لا في المنطقة ولا في واشنطن. وتلاشت، كما أمَلُ اللبنانيين في التخلّص من العبء الفلسطيني، وأتت المساعدة القليلة التي قدّمتها الولايات المتّحدة لمساندة الجيش اللبناني في تلك المرحلة متأخّرة جداً.

اعتقد كيسنجر أنّ الشرق الأوسط يحتاج إلى أن يختمر حتّى تنجح المبادرة الدبلوماسية الأميركية. إلّا أنّ ما اختمر كان حرباً مفاجئة عام 1973؛ انحدر لبنان بها إلى حربٍ أهلية سنة 1975. أعطت دبلوماسيّة الخطوة خطوة الأولويّة للانسحابات الإسرائيلية المحدودة في سيناء ومرتفعات الجولان مقابل اتفاقات موقّتة لوقف إطلاق النّار. وأمل كيسنجر، عبر تحقيق أهداف غير مستحيلة، في خلق مناخ مواتٍ للتّصدّي للقضايا الأكثر صعوبة المتعلّقة بالضّفّة الغربية وغزة، في وقت لاحق. كانت مقاربته مذهلة من حيث واقعيتها ونفعها، وتشكيلها أساساً لجميع جهود السّلام اللاحقة. لكنّ الفلسطينيين المهمّشين الذين فقدوا صبرهم، أحكموا قبضتهم على لبنان.

عندما بدأت الحرب الأهلية في لبنان؛ كان التركيز الأميركي في مكانٍ آخر؛ كان على سقوط سايغون. أمل كيسنجر في احتواء القتال في لبنان حتّى لا يضرّ باتفاقات إسرائيل الموقّتة مع مصر وسوريا. عندما اشتدّ خطر نشوب حرب إسرائيلية - سورية في لبنان، أرسل كيسنجر مبعوثاً مخضرماً، دين براون. فور وصوله، حوّل براون التوجيهات الأوّلية المعطاة له إلى أهدافٍ عملية وقابلة للتّحقيق. ملأ الفراغ الذي خلّفته علاقات غودلي المتوتّرة بفرنجية وإجلاؤه الطبي. وساعد في إقناع فرنجية باتّخاذ مسار يخفّف من حدة المأزق السّياسي في البلد، فالدبلوماسية المبنية على المعرفة الوافية والعلاقة المباشرة والحضور الجسدي تُحدث فرقاً. لكن بينما تمّ تجنّب الاشتباك الإسرائيلي - السّوري؛ قبلت إدارة فورد بالاحتلال السّوري للبنان بعدما انكشف هذا التدخّل. تحقّق الاستقرار على المدى القصير، لكن المشكلات التي بقيت بلا حلول تفاقمت على المدى الطّويل، لا سيّما مصير الحركة الفلسطينية، ومطالب المسلمين واليساريين اللبنانيين بالإصلاح. لم تستطع إدارة فورد الضّعيفة إقناع المسؤولين الإسرائيليين بالسّماح للجيش السّوري بتطهير جنوب لبنان من المسلّحين الفلسطينيين، فاستمرت حالة انعدام الأمن هناك إلى حين لم يعد القادة الإسرائيليون قادرين على تحمّلها بحلول أوائل الثّمانينات.


مقالات ذات صلة

مذكرات ضحايا الاغتصاب: كيف نكتب عن العنف؟

كتب مذكرات ضحايا الاغتصاب: كيف نكتب عن العنف؟

مذكرات ضحايا الاغتصاب: كيف نكتب عن العنف؟

لم يكن بريمو ليفي يعلم، حين أمسك بقلمه ليروي ما عاشه خلف أسلاك أوشفيتز في كتابه «هل هذا إنسان؟» عام 1947، أنه يُؤسِّس لتقليد أدبي سيكون من أشد الأجناس إلزاماً

أنيسة مخالدي (باريس)
كتب فتنة القراءة... فتنة الكتابة

فتنة القراءة... فتنة الكتابة

عن دار «صفصافة للنشر والتوزيع والدراسات»، القاهرة، 2026، صدر للروائي المصري سعد القرش كتاب جديد عنوانه «فتنة القراءة... أربعون كتاباً ورواية».

«الشرق الأوسط» (لندن)
كتب نص مغربي نادر من القرن الـ19

نص مغربي نادر من القرن الـ19

صدر حديثاً عن «دار سليكي أخوين للنشر» كتاب «النور اللامع في بيان الأصل الجامع»، بتحقيق الباحث خالد طحطح؛ بهدف إعادة الاهتمام بأحد النصوص المغربية النادرة...

«الشرق الأوسط» (الرباط)
ثقافة وفنون ليلى سليماني

ليلى سليماني وسؤال يطاردها دائماً: لماذا لا أتحدث العربية؟

في كتاب لا يتجاوز ثمانين صفحة بعنوان «هجوم على الحدود»، تناقش الكاتبة ليلى سليماني مسألةَ الهوية المغاربية المتشظّية بين لغتين ومرجعيتين.

أنيسة مخالدي (باريس)
ثقافة وفنون «منام القيلولة»... تمثيل سردي لتحولات سياسية حادة

«منام القيلولة»... تمثيل سردي لتحولات سياسية حادة

تتمحور رواية «منام القيلولة»، للروائي والأكاديمي الجزائري أمين الزاوي، حول أسرة ريفية بسيطة، تنتمي لمناضل سابق ضد الاحتلال

عمر شهريار

وزير خارجية إسرائيل: ناشطو «أسطول الصمود» سيُنقلون إلى اليونان

قوارب «أسطول الصمود» متجهة إلى قطاع غزة تغادر برشلونة 12 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
قوارب «أسطول الصمود» متجهة إلى قطاع غزة تغادر برشلونة 12 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

وزير خارجية إسرائيل: ناشطو «أسطول الصمود» سيُنقلون إلى اليونان

قوارب «أسطول الصمود» متجهة إلى قطاع غزة تغادر برشلونة 12 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
قوارب «أسطول الصمود» متجهة إلى قطاع غزة تغادر برشلونة 12 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

أعلن وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر، الخميس، أن النشطاء الذين كانوا على متن «أسطول الصمود العالمي» المتجه إلى غزة واعترضته بحرية الدولة العبرية، سيُنقلون إلى اليونان.

وكتب ساعر على منصة «إكس»: «بالتنسيق مع الحكومة اليونانية، سيتم إنزال المدنيين الذين نُقلوا من سفن الأسطول إلى السفينة الإسرائيلية، في البرّ اليوناني خلال الساعات المقبلة»، شاكراً للحكومة اليونانية «إبداء استعدادها لاستقبال المشاركين في الأسطول».

وكان منظّمو «أسطول الصمود» العالمي، الذي كان متجهاً إلى قطاع غزة لكسر الحصار المفروض على القطاع، أعلنوا في وقت سابق الخميس، أن الجيش الإسرائيلي «اختطف» 211 ناشطاً، من بينهم مستشارة في بلدية باريس، خلال عملية نفّذها في المياه الدولية قبالة اليونان، وفق ما نشرت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وقالت المتحدثة باسم منظمة «غلوبال صمود - فرنسا»، هيلين كورون، الخميس في مؤتمر صحافي عبر الإنترنت، إن العملية جرت قرب جزيرة كريت، بعيداً من السواحل الإسرائيلية.

وكان منظمو هذا الأسطول الذي يضم ناشطين مؤيدين للفلسطينيين يسعون إلى كسر الحصار الذي تفرضه إسرائيل على قطاع غزة، وتوصيل المساعدات إليه، قد أفادوا في وقت سابق بأن سفناً عسكرية إسرائيلية حاصرت قواربهم لدى وجودها قبالة سواحل جزيرة كريت اليونانية.

تُظهر لقطات كاميرات المراقبة أفراد طاقم الأسطول الثاني الذي أبحر من ميناء برشلونة الإسباني حاملاً مساعدات إنسانية للفلسطينيين في غزة وهم يرفعون أذرعهم بينما الجيش الإسرائيلي اعترض السفينة (أ.ب)

وكان الأسطول قد أبحر في الأسابيع الأخيرة من مرسيليا في فرنسا وبرشلونة في إسبانيا وسيراكيوز في إيطاليا.

وخلال ليل الأربعاء إلى الخميس، قال المنظّمون إن القوارب «حوصرت بشكل غير قانوني» من قبل سفن إسرائيلية.


كبرى وسائل الإعلام الدولية تطالب إسرائيل بإتاحة الوصول لغزة

سترات واقية من الرصاص وكاميرات على جثث صحافيين قُتلوا في غزة (رويترز)
سترات واقية من الرصاص وكاميرات على جثث صحافيين قُتلوا في غزة (رويترز)
TT

كبرى وسائل الإعلام الدولية تطالب إسرائيل بإتاحة الوصول لغزة

سترات واقية من الرصاص وكاميرات على جثث صحافيين قُتلوا في غزة (رويترز)
سترات واقية من الرصاص وكاميرات على جثث صحافيين قُتلوا في غزة (رويترز)

دعا مسؤولون في نحو ثلاثين وسيلة إعلام دولية، خلال رسالة مفتوحة مشتركة، إسرائيل إلى إتاحة الوصول بحُرّية إلى قطاع غزة، المغلق أمام الصحافيين الأجانب منذ بداية الحرب ضد حركة «حماس» قبل أكثر من عامين. وتحمل الرسالة توقيع مسؤولي هيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي»، وشبكة «سي إن إن»، وصحيفة «نيويورك تايمز»، وصحيفة «واشنطن بوست»، وصحيفة «الغارديان»، وصحيفة «إل باييس»، وصحيفة «لوموند»، ووكالتَي الأنباء «أسوشييتد برس»، و«رويترز»، و«وكالة الصحافة الفرنسية». وجاء في نص الرسالة: «في كل نزاع، يواجه الصحافيون قيوداً على وصولهم إلى ساحة المعركة. لكن الوضع مختلف في غزة، فمنذ أكثر من 930 يوماً، تمنع إسرائيل الصحافيين من دخول القطاع بشكل مستقل»، مطالبين برفع القيود «فوراً». ودأب الصحافيون الأجانب والهياكل الممثلة لهم على المطالبة بإتاحة الوصول إلى غزة منذ بداية الحرب المدمِّرة، على أثر هجوم حركة «حماس» على إسرائيل في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023. ورفعت رابطة الصحافة الأجنبية في القدس القضية إلى المحاكم الإسرائيلية، لكن دون جدوى حتى الآن. ولم تسمح إسرائيل إلا لبضع عشرات من الصحافيين بدخول القطاع بمرافقة الجيش الإسرائيلي، وبقيود لا تسمح بالعمل الصحافي المستقل. وتتذرع السلطات الإسرائيلية بـ«أسباب أمنية»، حتى بعد بدء وقف إطلاق النار الهش في أكتوبر الماضي. وأضاف الموقِّعون على الرسالة المفتوحة أنه بسبب حظر الدخول الحالي، تقع تغطية الحرب وتداعياتها «بشكل شبه كامل على عاتق زملائنا الفلسطينيين»، الذين «عملوا في ظروف قاسية - الجوع، والنزوح، وفقدان الأحبّة، والقيود المستمرة، والهجمات المميتة. ينبغي ألا يتحملوا هذا العبء وحدهم، ويجب حمايتهم». ووفق لجنة حماية الصحافيين، قُتل أكثر من 200 صحافي فلسطيني في غزة منذ بداية الحرب.


«العدالة الانتقالية» لملاحقة فادي صقر المتهم بجرائم حرب في سوريا

ورود وأعلام سورية وصور ضحايا في دمشق 24 أبريل بعد القبض على أمجد يوسف المتهم الرئيسي بارتكاب «مجزرة التضامن» (إ.ب.أ)
ورود وأعلام سورية وصور ضحايا في دمشق 24 أبريل بعد القبض على أمجد يوسف المتهم الرئيسي بارتكاب «مجزرة التضامن» (إ.ب.أ)
TT

«العدالة الانتقالية» لملاحقة فادي صقر المتهم بجرائم حرب في سوريا

ورود وأعلام سورية وصور ضحايا في دمشق 24 أبريل بعد القبض على أمجد يوسف المتهم الرئيسي بارتكاب «مجزرة التضامن» (إ.ب.أ)
ورود وأعلام سورية وصور ضحايا في دمشق 24 أبريل بعد القبض على أمجد يوسف المتهم الرئيسي بارتكاب «مجزرة التضامن» (إ.ب.أ)

كشفت تقارير إعلامية عن أن لجنة سورية مختصة تعمل على ملف قضائي ضد فادي صقر، القيادي السابق في «قوات الدفاع الوطني»، وهي ميليشيا رديفة كانت تابعة للنظام السابق، بجرائم تتعلق بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، وذلك في إطار مسار العدالة الانتقالية بعد سقوط نظام الأسد.

ونشرت صحيفة «الغارديان» البريطانية، الخميس، أن صقر متهم بالتورط في عمليات قتل جماعي وإخفاء قسري للمدنيين، خصوصاً في حي التضامن بدمشق، إلى جانب مناطق أخرى في دمشق.

ولفت التقرير إلى أن تعاون الحكومة السورية الجديدة مع صقر في ملفات أمنية بعد عام 2024 أثار غضباً واسعاً بين الضحايا وذويهم، الذين طالبوا بمحاسبته وعدم منحه أي دور رسمي.

القيادي في الدفاع الوطني بالنظام المخلوع فادي صقر (متداولة)

تعاونت الحكومة السورية الجديدة مع صقر في ملفات أمنية، بعد الإطاحة ببشار الأسد، في ديسمبر (كانون الأول) 2024، مما أثار غضب الضحايا الذين طالبوا بمحاسبته على جرائمه. وقالت زهرة البرازي، نائبة رئيس اللجنة الوطنية للعدالة الانتقالية والمستشارة في وزارة الخارجية السورية، إن اللجنة تعمل مع الضحايا لبناء قضية ضد صقر. وأوضحت أن «هناك أدلة كافية ضد صقر. لقد كان مفيداً لأسباب معينة، ولكنه لم يعد كذلك. لا أحد فوق القانون».

فحص ما يُعتقد أنها مقبرة جماعية في حي التضامن بدمشق بعد بلاغ من الأهالي 4 فبراير الماضي (الهيئة الوطنية للمفقودين)

وأشار تقرير «الغارديان» إلى أن الإجراءات القضائية ضد قائد الميليشيا السابق علامة فارقة مهمة لسوريا، التي عانت طويلاً في سبيل إرساء العدالة الانتقالية بعد أكثر من عقد من الحرب التي خلّفت مئات الآلاف من القتلى وأدت إلى صراعات في المدن والأحياء.

وسبق أن صرّح خبراء بأن عملية عدالة انتقالية سليمة من شأنها أن تُسهم في الحد من العنف الطائفي في البلاد، التي شهدت مجازر طائفية وعمليات قتل متفرقة منذ سقوط الأسد.

ألقت السلطات السورية القبض، الأسبوع الماضي، على أمجد يوسف، أحد أبرز منفذي «مجازر التضامن».

ووثّقت مقاطع فيديو عُثر عليها في حاسوب محمول لضابط مخابرات سابق وسُرّبت خارج البلاد، مقتل ما يقرب من 300 مدني على يد قوات النظام في حي التضامن عام 2013.

كانت صحيفة «الغارديان» قد كشفت في عام 2022 عن مجموعة من اللقطات أظهرت يوسف وهو يأمر مدنيين معصوبي الأعين بالركض إلى الأمام بينما كان يطلق النار عليهم، ويدفعهم إلى حفرة، ويعدمهم، ويحرق جثثهم.

فحص الأدلة والبقايا البشرية الناتجة عن مجزرة التضامن عام 2013 في الحي الدمشقي الثلاثاء (هيئة العدالة الانتقالية)

وأصر سكان التضامن منذ فترة طويلة على وجود عديد من الجناة الآخرين، بمن فيهم أعضاء في قوات الدفاع الوطني بقيادة صقر، طالبوا باحتجاز صقر.

صقر، من جانبه، نفى مسؤوليته عن المجازر. وصرح لصحيفة «الغارديان» بأنه «لم يعلم بالمجزرة إلا من خلال وسائل الإعلام»، وأنه «يثق بالإجراءات القضائية».

وأضاف: «تجب معاقبة كل من تثبت إدانته بارتكاب جرائم ضد الإنسانية». وتابع: «صمتي حيال الحملات المرفوعة ضدي نابع من رغبتي في عدم التأثير في مسار التحقيقات».

متزعم ميليشيا الدفاع الوطني في عهد نظام الأسد فادي صقر (سوشيال ميديا)

وقال صقر إنه أصبح قائداً لقوات الدفاع الوطني في دمشق في يونيو (حزيران) 2013، أي بعد شهرين من تسجيل لقطات مصورة علنية لإعدامات يوسف للمدنيين قرب الحفرة. ومع ذلك، اطَّلعت صحيفة «الغارديان» على مقاطع فيديو غير منشورة لعمليات قتل إضافية نفَّذها يوسف وعناصر من قوات الدفاع الوطني، بما في ذلك لقطات مصوَّرة في أكتوبر (تشرين الأول) 2013، أي بعد أربعة أشهر من تولي صقر منصبه.

وحسب «الغارديان»، بررت الحكومة الجديدة تعاونها مع شخصيات مثل صقر، بالقول إنها تسعى إلى تحقيق التوازن بين ضرورة تحقيق العدالة والاعتبارات العملية لضمان استقرار سوريا خلال مرحلتها الانتقالية. وساعد صقر الحكومة على التواصل مع فلول نظام الأسد الذين شنوا تمرداً محدوداً منذ سقوط الرئيس السوري السابق.

وقالت زهرة البرازي إن إعداد قضية ضد صقر قائمة منذ بضعة أشهر، وخلال هذه الفترة ازدادت التكلفة السياسية لإبقاء قائد الميليشيا السابق في صفوفها، وإن هناك إدراكاً حقيقياً لأن أي مكاسب قد تُجنى منه، مقارنةً بالتوتر الذي كان يخلقه مع الرأي العام، لا تستحق العناء. مضيفةً أن اعتقال يوسف «ساعد على دفع هذه القضية إلى الواجهة».