بعد محادثات غير حاسمة حول الهدنة... الفلسطينيون في رفح محبطون

«الصحة العالمية»: الهجوم العسكري على رفح سيتسبب في كارثة لا يمكن تصورها

النازحون الفلسطينيون الذين فروا من منازلهم بسبب الضربات الإسرائيلية يحتمون في مخيم (رويترز)
النازحون الفلسطينيون الذين فروا من منازلهم بسبب الضربات الإسرائيلية يحتمون في مخيم (رويترز)
TT

بعد محادثات غير حاسمة حول الهدنة... الفلسطينيون في رفح محبطون

النازحون الفلسطينيون الذين فروا من منازلهم بسبب الضربات الإسرائيلية يحتمون في مخيم (رويترز)
النازحون الفلسطينيون الذين فروا من منازلهم بسبب الضربات الإسرائيلية يحتمون في مخيم (رويترز)

عبر الفلسطينيون المكدسون في آخر ملجأ لهم في قطاع غزة عن مخاوفهم المتزايدة اليوم (الأربعاء) من أن إسرائيل ستشن قريبا هجوما تخطط له على مدينة رفح جنوب القطاع بعد اختتام محادثات في القاهرة حول الهدنة من دون تحقيق انفراجة، بحسب «رويترز».

وانتهت المحادثات التي جرت في القاهرة، والتي شاركت فيها الولايات المتحدة وإسرائيل ومصر وقطر، من دون أي مؤشر على تحقيق انفراجة أمس (الثلاثاء) ولم يتم الإعلان عن موعد للاجتماع التالي.

ووجه عدم التوصل إلى اتفاق ضربة جديدة لأكثر من مليون فلسطيني متكدسين في رفح على الحدود مع مصر حيث يعيش كثيرون في مخيمات وأماكن إيواء مؤقتة بعد الفرار من القصف الإسرائيلي في أماكن أخرى في غزة.

ويقول الجيش الإسرائيلي إنه يريد إخراج المسلحين الفلسطينيين من مخابئهم في رفح وتحرير الرهائن الإسرائيليين المحتجزين هناك منذ هجوم حركة «حماس» على إسرائيل في السابع من أكتوبر (تشرين الأول)، لكنه لم يقدم تفاصيل عن خطة مقترحة لإجلاء المدنيين.

نازحون فلسطينيون يجمعون أمتعتهم لمغادرة مخيم رفح جنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)

وقال سعيد جابر، وهو رجل أعمال من غزة يعيش في رفح مع أسرته، لـ«رويترز» عبر تطبيق للتراسل: «الأخبار كانت محبطة، كنا نتأمل يكون في صفقة في القاهرة، هلقيت بلشنا نعد تنازلي لاجتياح الدبابات الإسرائيلية، إن شاء الله ما بيصير طبعا، لكن مين اللي يقدر يمنعهم؟».

وأضاف: «خسرنا بيوتنا وأعمالنا، مش كفاية؟ بيكفي حرب، لسه بدنا عشرات سنين لنعيد بناء غزة ونرجع حياتنا من تاني».

وفي أحدث نداء دولي لإسرائيل لوقف الهجوم على رفح، حذرت منظمة الصحة العالمية من زج النظام الصحي في القطاع ليقترب أكثر من حافة الهاوية.

وقال ريتشارد بيبركورن ممثل منظمة الصحة العالمية في غزة والضفة الغربية إن «العمليات العسكرية في هذه المنطقة، هذه المنطقة المكتظة، ستكون بالطبع كارثة لا يمكن تصورها... بل وستزيد من حجم الكارثة الإنسانية إلى ما هو أبعد من الخيال».

وتقول إسرائيل إنها تتخذ خطوات لتقليل الخسائر بين المدنيين إلى أقل مستوى وتتهم مقاتلي حماس بالاندساس بين المدنيين بما في ذلك في المستشفيات والملاجئ، وهو ما تنفيه «حماس».

وقالت وزيرة الخارجية الألمانية أنالينا بيربوك، التي من المتوقع أن تعقد محادثات مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو اليوم الأربعاء، إن من شأن أي هجوم عسكري إسرائيلي على رفح أن «يعرض الوضع الإنساني للخطر تماما».

وقالت في بيان صدر في برلين: «لأن الناس في رفح لا يمكن أن يتبخروا ببساطة في الهواء. فهم بحاجة إلى أماكن آمنة وممرات آمنة لتجنب الوقوع في مرمى النيران بشكل أكبر. إنهم بحاجة إلى المزيد من المساعدات الإنسانية. ويحتاجون إلى وقف لإطلاق النار».

قصف خلال الليل

وقال شهود فلسطينيون إن قوات إسرائيلية قصفت مناطق بشرق رفح خلال الليل.

وأوضحت وزارة الصحة في القطاع الذي تديره «حماس» أن قوات إسرائيلية تواصل عزل المستشفيين الرئيسيين في خان يونس، وإن رصاص القناصة الذي يستهدف مستشفى ناصر بالمدينة قتل وأصاب عددا كبيرا في الأيام القليلة الماضية.

وأشار أحد الأطباء وهو يتحدث في مقطع فيديو من داخل مستشفى ناصر إلى أن المستشفى تحت حصار القوات الإسرائيلية منذ 22 يوما، وأن جرافات تحميها دبابات هدمت البوابة الشمالية للمستشفى.

وقال الدكتور هيثم أحمد في مقطع الفيديو الذي لم يتسن لـ«رويترز» التحقق منه حتى الآن «حالات من الهلع خاصة بعدما استيقظنا صباح اليوم على قصف عنيف وانفجارات عنيفة واشتباكات حادة في المنطقة الشمالية للمستشفى. الأمر مخيف والغذاء قليل».

ورفح متاخمة لحدود مصر، لكن القاهرة أوضحت أنها لن تسمح بنزوح جماعي عبر الحدود.

وذكرت وزارة الصحة في غزة اليوم الأربعاء أن ما لا يقل عن 28576 فلسطينيا قتلوا وأصيب 68291 آخرون في الحملة الإسرائيلية على القطاع منذ السابع من أكتوبر (تشرين الأول).

وأضاف بيان الوزارة أنه خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية، قتل 103 فلسطينيين وأصيب 145 آخرون.

وهناك اعتقاد بأن كثيرين غيرهم مدفونون تحت أنقاض المباني المدمرة في أنحاء قطاع غزة المكتظ بالسكان، والذي أصبح معظمه في حالة خراب. وتنفد إمدادات الغذاء والماء وغيرها من الضروريات، فيما تنتشر الأمراض.

وتشير إحصائيات إسرائيلية إلى مقتل ما لا يقل عن 1200 إسرائيلي واحتجاز نحو 250 رهينة في الهجوم الذي شنته حماس على جنوب إسرائيل في السابع من أكتوبر.

إردوغان في مصر

وأثارت الحرب في غزة مخاوف من توسع الصراع في أنحاء الشرق الأوسط وزادت من التوتر على طول الحدود الشمالية لإسرائيل مع لبنان.

وقال الجيش الإسرائيلي اليوم الأربعاء إنه رد على إطلاق صواريخ عبر الحدود من لبنان أدى إلى إصابة سبعة أشخاص في شمال إسرائيل. وقال مصدر أمني في لبنان إن الضربات الإسرائيلية أصابت بالفعل ثلاث بلدات على الأقل في جنوب لبنان لكنه لم يذكر تفاصيل عن وقوع أضرار أو ضحايا. ولم يصدر تعليق فوري من «حزب الله» اللبناني.

السيسي يلتقي إردوغان على هامش القمة العربية الإسلامية بالرياض في نوفمبر الماضي (الرئاسة المصرية)

ومن المقرر أن يناقش الرئيس التركي رجب طيب إردوغان الحرب في قطاع غزة خلال أول زيارة له لمصر منذ أكثر من عشر سنوات اليوم.

وبدأ الرئيس التركي زيارته للقاهرة بعد يوم واحد من لقاء الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي مع رئيس وكالة المخابرات المركزية الأميركية وليام بيرنز ورئيس الوزراء القطري خلال محادثات جرت أمس الثلاثاء بهدف التوصل لاتفاق هدنة في غزة وحماية المدنيين وإيصال المزيد من المساعدات إلى القطاع، حسبما نقلت الهيئة العامة للاستعلامات المصرية عن بيان للرئاسة.

وأوضح البيان أنه «تم تأكيد استمرار التشاور والتنسيق المكثف» بشأن القضايا الرئيسية، في إشارة إلى عدم تحقيق أي تقدم.

ولم يحمل البيان أي إشارة إلى إسرائيل. وقالت «رويترز» إن الوفد الإسرائيلي غادر القاهرة عائدا إلى بلاده. ولم يرد مكتب نتنياهو على طلب للتعليق.

ووصف مصدر مطلع المحادثات بأنها «جيدة» وقال إن الجانبين اتفقا على مواصلة المناقشات، لكنه رفض تحديد مكان وموعد الجولة الجديدة من المحادثات.

وقال مسؤول فلسطيني إن مصر وقطر ستواصلان التحدث مع الطرفين المتحاربين بشكل منفصل.

وأشار المسؤول إلى أنه «لا يوجد أي خيار سوى مواصلة الجهود من أجل وقف هذه الحرب، هذا موقف مشترك من قبل كل من مصر وقطر وتدعمه الولايات المتحدة أيضا»، داعيا إسرائيل إلى تخفيف موقفها.

وتعهدت إسرائيل بمواصلة القتال حتى القضاء على «حماس» وإعادة كل الرهائن. وتقول «حماس» إن إسرائيل يجب أن تلتزم بإنهاء الحرب والانسحاب من غزة.


مقالات ذات صلة

تحرُّك مصري عاجل للحد من تفاقم أزمة الخبز في غزة

المشرق العربي شاحنة دقيق في طريقها الأحد لقطاع غزة لتجاوز أزمة الخبز (صفحة الهلال الأحمر المصري على فيسبوك)

تحرُّك مصري عاجل للحد من تفاقم أزمة الخبز في غزة

جرَت تحركات مصرية عاجلة للحد من تفاقم أزمة الخبز في غزة؛ حيث تم توجيه قافلة مساعدات تضم 280 شاحنة دقيق وسلال غذائية لتشغيل المخابز.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
المشرق العربي فلسطينيون يحاولون إخماد حريق في مركبة دُمِّرت جرَّاء غارة جوية إسرائيلية جنوب مدينة غزة (إ.ب.أ)

إسرائيل تعلن مقتل عنصرين في غزة كانا يموِّلان «حماس» من إيران وتركيا

أعلن الجيش الإسرائيلي مقتل عنصرين في غزة، كانا متورطَين في تسهيل تحويل ملايين الشواقل من إيران وتركيا إلى الجناح العسكري لحركة «حماس».

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
شؤون إقليمية أعضاء من اليمين الإسرائيلي ينتمون إلى منظمة «نحالا» الاستيطانية يحضرون درساً في حقل بالقرب من كيبوتس «ناحال عوز» جنوب إسرائيل (أ.ف.ب) p-circle

هجوم 7 أكتوبر يزعزع الأمل بالسلام في كيبوتس «ناحال عوز» الإسرائيلي

ما زال داني رحاميم يؤمن بفكرة السلام، بخلاف كثيرين من جيرانه في كيبوتس «ناحال عوز» الإسرائيلي، الذين فقدوا الأمل بتحسُّن العلاقات مع سكان غزة بعد هجوم 2023.

«الشرق الأوسط» (ناحال عوز (إسرائيل))
المشرق العربي الأطباء يجرون عملية جراحية لمريض في غرفة العمليات الجراحية بمجمع ناصر الطبي في خان يونس جنوب قطاع غزة في 9 أغسطس 2025 حيث تعاني مستشفيات غزة من نقص في الغذاء والإمدادات الأساسية بما في ذلك الأدوية والوقود (أ.ف.ب)

«الصحة» في غزة تحذر من توقف مولدات المستشفيات بسبب نقص الزيوت وقطع الغيار

حذّرت وزارة الصحة في قطاع غزة اليوم (السبت)، من خطر تعطّل مولدات الكهرباء في المستشفيات المتبقية عن العمل بسبب النقص الحاد في الزيوت اللازمة لتشغيل المحركات.

«الشرق الأوسط» (غزة)
شمال افريقيا الرئيس السيسي خلال لقاء سابق مع غوتيريش على هامش «قمة بريكس» في الهند سبتمبر الماضي (الرئاسة المصرية)

غوتيريش في مصر... حراك أممي بشأن أزمات المنطقة

زيارة جديدة للأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، إلى القاهرة، بدأت السبت، على أمل أن تسهم في حل أزمات المنطقة.

محمد محمود (القاهرة)

آلاف العراقيين يحيون الذكرى السابعة لـ«مظاهرات تشرين»

عراقيون تجمعوا في ساحة التحرير لإحياء الذكرى السابعة لحركة احتجاجات أكتوبر 2019 مطالبين بالقضاء على الفساد وحصر السلاح بيد الدولة (د.ب.أ)
عراقيون تجمعوا في ساحة التحرير لإحياء الذكرى السابعة لحركة احتجاجات أكتوبر 2019 مطالبين بالقضاء على الفساد وحصر السلاح بيد الدولة (د.ب.أ)
TT

آلاف العراقيين يحيون الذكرى السابعة لـ«مظاهرات تشرين»

عراقيون تجمعوا في ساحة التحرير لإحياء الذكرى السابعة لحركة احتجاجات أكتوبر 2019 مطالبين بالقضاء على الفساد وحصر السلاح بيد الدولة (د.ب.أ)
عراقيون تجمعوا في ساحة التحرير لإحياء الذكرى السابعة لحركة احتجاجات أكتوبر 2019 مطالبين بالقضاء على الفساد وحصر السلاح بيد الدولة (د.ب.أ)

أحيا آلاف العراقيين في بغداد وبعض مدن ومحافظات وسط البلاد وجنوبها الذكرى السابعة لاحتجاجات أكتوبر (تشرين الأول) 2019، وسط إجراءات أمنية مشددة وانتقادات وجهتها هيئة «الحشد الشعبي» للذكرى، ووصفتها بـ«اليوم الأسود».

وتوافد المئات من الشباب والناشطين، منذ ساعات الصباح الأولى، إلى ساحة التحرير وسط بغداد، وهي الساحة التي كانت المعقل الرئيسي للاحتجاجات عام 2019، والتي نجحت في الإطاحة بحكومة رئيس الوزراء الأسبق عادل عبد المهدي، لكن ليس من دون ثمن باهظ من الأرواح، إذ سقط نحو 600 قتيل، وأصيب أكثر من 20 ألف متظاهر آنذاك.

ولا يزال الشعار والمطلب الرئيسي الذي يرفعه الناشطون يتمثل في محاسبة الجماعات المتورطة في قتل المتظاهرين، ولا تزال أصابع الاتهام تُشير إلى بعض الشخصيات والفصائل المسلحة وأجنحة في هيئة «الحشد الشعبي». ومن هذه الزاوية، يمكن النظر إلى البيان الذي أصدرته الهيئة، ووصفت فيه الذكرى بـ«اليوم الأسود».

«اليوم الأسود»

وقالت هيئة «الحشد الشعبي»، في بيان الأحد، إنه «في مثل هذا اليوم الأسود، امتدت يد الغدر والخيانة لتغتال القائد في (الحشد الشعبي) الشهيد وسام العلياوي وأخاه، في جريمة وحشية كشفت الوجه الحقيقي للعصابات الهمجية التي تجردت من كل القيم الإنسانية».

وقُتل العلياوي، مسؤول مكتب «عصائب أهل الحق» في مدينة العمارة، مركز محافظة ميسان الجنوبية، بعدما حاصره مجموعة من الغاضبين، يُعتقد على نطاق واسع أنهم ينتمون إلى جماعة دينية سياسية منافسة في المدينة، ولا علاقة لهم بجماعات الحراك المدني.

وفي سبتمبر (أيلول) 2022، أدان القضاء سجاد أسعد علي بجريمة قتل وسام العلياوي وشقيقه، وأصدرت محكمة جنايات ميسان حكماً بالإعدام عليه.

ورغم مرور 7 سنوات على الاحتجاجات، لا تزال حالة التوتر قائمة بين الناشطين من جهة، والفصائل والأحزاب السياسية من جهة أخرى، ولا يفوّت أي من الطرفين فرصة لتوجيه الاتهامات إلى الآخر. ففي حين يتهم الناشطون الفصائل والأحزاب السياسية بالفساد والتبعية لإيران، تتهم تلك الجهات الناشطين بالولاء لأميركا والقوى المرتبطة بها.

ورغم طابعها السلمي، لم تخلُ مظاهرات الأحد من شعارات وهتافات مناهضة لإيران والفصائل والأحزاب المرتبطة بها.

إجراءات أمنية مشددة

قوات الأمن تتابع متظاهرين عراقيين تجمعوا لإحياء الذكرى السابعة للاحتجاجات المناهضة للحكومة في 2019 (أ.ف.ب)

وأعلنت قيادة عمليات بغداد، مساء السبت، الشروع في اتخاذ إجراءات أمنية وتنظيمية لتأمين المظاهرات السلمية في ساحة التحرير.

وذكرت القيادة، في بيان، أنها «شرعت في اتخاذ إجراءات أمنية تنظيمية لتأمين الحماية للمظاهرات السلمية التي ستنطلق صباح الأحد، الموافق 25 أكتوبر 2026 في ساحة التحرير وسط العاصمة، والحفاظ على أمن وسلامة المتظاهرين».

وأضافت أن الإجراءات تضمنت التفتيش الدقيق للأشخاص في الطرق المؤدية إلى ساحة التحرير، بهدف توفير أعلى مستويات الأمن للمتظاهرين والحفاظ على الممتلكات العامة والخاصة، مع مراعاة مبادئ حقوق الإنسان، وعدم الإخلال بالنظام العام.

وأكدت عدم إغلاق الطرق المؤدية إلى الساحة من قبل القطعات الأمنية، مشيرة إلى أن الإغلاق، عند الضرورة، سيكون بموجب أوامر تصدر حصراً من مقر القيادة.

وتابعت أنه «يُمنع منعاً باتاً مرور التكاتك والدراجات النارية بكل أنواعها على (سريع محمد القاسم - سريع قناة الجيش - سريع صلاح الدين/الشعلة) والطرق المؤدية إلى ساحة التحرير، بدءاً من الساعة الثانية عشرة بعد منتصف ليلة السبت».

وأهابت قيادة عمليات بغداد بالمتظاهرين التعاون مع القوات الأمنية والالتزام بالتعليمات حفاظاً على أمنهم وسلامتهم.

في المقابل، تحدّث ناشطون وصلوا إلى ساحة التحرير عن إجراءات وصفوها بـ«التعسفية والمتشددة» ارتكبتها الأجهزة الأمنية، شملت، حسب قولهم، منع الصحافة والقنوات التلفزيونية من تغطية المظاهرة، إلى جانب منع التصوير بالهواتف النقالة ومصادرة الأجهزة الشخصية في بعض الحالات.

ورغم إعلان قيادة العمليات عدم إغلاق الطرق المؤدية إلى ساحة التحرير ومداخلها، شهدت العاصمة بغداد ازدحامات مرورية شديدة منذ ساعات الصباح الأولى، واستمرت لاحقاً.

عودة محتملة لـ«تشرين»

متظاهرون يحيون الذكرى السابعة لاحتجاجات أكتوبر 2019 في مدينة النجف وسط العراق (أ.ف.ب)

ورغم الطابع السلمي للمظاهرات لا تزال المخاوف قائمة من احتمال تفجر الأوضاع بين المتظاهرين والأجهزة الأمنية إذا استمرت الاحتجاجات، على غرار ما حدث في مظاهرات سابقة.

واستبق رئيس الوزراء علي الزيدي المظاهرات بتوجيه رسالة إيجابية إلى المتظاهرين، السبت، في مسعى للحيلولة دون تصاعد التوتر، إذ قال: «التظاهر حق كفله الدستور والقانون، وسأستمع إلى جميع مطالب المتظاهرين، وسنفعل كل ما يمكننا تقديمه. هذا شعبنا، وواجبنا خدمته، لا الاعتراض على المظاهرات».

كما قررت حكومته منح 120 ألف وظيفة دائمة للمتعاقدين مع الوزارات الحكومية، رغم الأزمة المالية، في مسعى لامتصاص الغضب الشعبي الناجم عن نقص فرص العمل.

ولا يُعرف على وجه الدقة ما إذا كانت المظاهرات ستستمر على غرار ما حدث عام 2019، أم ستقتصر على يوم واحد لإحياء الذكرى. لكن بعض المصادر ترجح استمرارها، خصوصاً في ظل الغضب الشعبي من ارتفاع أسعار السلع والمواد الغذائية نتيجة خفض سعر صرف الدينار مقابل الدولار، إلى جانب عدم الرضا العام عن الأداء الحكومي والتشكيلة الوزارية التي تضخمت مناصبها في هذه الدورة، رغم الأزمة المالية الخانقة التي تواجهها البلاد.

وقال الأكاديمي وأستاذ الصحافة كاظم المقدادي، في تدوينة عبر «فيسبوك»، إن «(تشرين) عادت بقوة، قلنا إن الأفكار لم ولن تموت، هي تتجدد باستمرار».

وأضاف أن «انتفاضة (تشرين) التي أسقطت حكومة عادل عبد المهدي وجاءت بمصطفى الكاظمي، وغيّرت بعض القوانين والإجراءات التعسفية، قادرة على أن تغيّر أي حكومة لا تستمد قوتها من الشعب».


إغلاق منفذ «الشيب» العراقي يصعّد التوتر مع إيران

صورة متداولة على المنصات الاجتماعية لمنفذ «الشيب» العراقي على الحدود مع إيران
صورة متداولة على المنصات الاجتماعية لمنفذ «الشيب» العراقي على الحدود مع إيران
TT

إغلاق منفذ «الشيب» العراقي يصعّد التوتر مع إيران

صورة متداولة على المنصات الاجتماعية لمنفذ «الشيب» العراقي على الحدود مع إيران
صورة متداولة على المنصات الاجتماعية لمنفذ «الشيب» العراقي على الحدود مع إيران

أثار قرار الحكومة العراقية إغلاق منفذ الشيب الحدودي مع إيران تداعيات سياسية واقتصادية وأمنية، بعدما خرج محتجون في محافظة ميسان، جنوب البلاد، للمطالبة بإعادة فتحه، وسط تحذيرات من تصعيد الاحتجاجات، وتعطل حركة الشركات النفطية. وتزامن ذلك مع تصاعد الخلاف بين بغداد وطهران بشأن أسباب الإغلاق، واتهامات أطلقتها فصائل عراقية مسلحة موالية لإيران للولايات المتحدة بالتدخل في القرارات الحكومية المتعلقة بالمنافذ الحدودية والمطارات، بما يفتح جبهة جديدة من التجاذبات الداخلية والإقليمية.

احتجاجات وتهديدات بالتصعيد

وقطع عشرات العراقيين في محافظة ميسان، الأحد، الطريق الرئيسي المؤدي إلى الشركات النفطية، احتجاجاً على قرار الحكومة الاتحادية إغلاق منفذ الشيب الحدودي مع إيران حتى إشعار آخر.

وذكرت وكالة «شفق نيوز» العراقية أن المحتجين أغلقوا طريق بازركان الحيوي، ورددوا شعارات تطالب الحكومة بالتراجع عن القرار، وسط انتشار أمني مكثف في محيط التظاهرة.

وفي تصعيد سياسي، أمهل رئيس مجلس محافظة ميسان، مصطفى دعير المحمداوي، الحكومة الاتحادية حتى الخميس المقبل لإعادة فتح المنفذ، محذراً من اتخاذ خطوات تصعيدية، بينها العصيان المدني وقطع الطرق، إذا لم تستجب لمطالب المحافظة. وذهب المحمداوي إلى التلويح بفصل ميسان عن العراق إذا استمر الإغلاق، في موقف يعكس حجم الاعتراض المحلي على القرار.

وتكتسب الاحتجاجات أهمية إضافية بالنظر إلى ارتباط منفذ الشيب بالحركة التجارية بين العراق وإيران، فضلاً عن موقعه في محافظة تعتمد قطاعات واسعة من نشاطها الاقتصادي على التجارة والأنشطة النفطية. ووفقاً لما أوردته «شفق نيوز»، شهدت أسواق المحافظة ارتفاعاً حاداً في أسعار الخضراوات والفواكه عقب الإغلاق؛ ما دفع مواطنين إلى المطالبة عبر منصات التواصل الاجتماعي باستئناف حركة التبادل التجاري.

بغداد تبرر القرار وطهران تعترض

وكانت الحكومة العراقية قد قررت، الثلاثاء 20 أكتوبر (تشرين الأول)، إغلاق منفذ الشيب حتى إشعار آخر. وعزا الناطق باسم الحكومة، حيدر العبودي، القرار إلى عدم استكمال المتطلبات الفنية والتقنية والتطويرية اللازمة لتشغيل المنفذ.

وقال العبودي، لوكالة الأنباء العراقية، إن إيقاف العمل يمثل خطوة لرفع مستوى الجاهزية التقنية واللوجستية، مشيراً إلى وجود منافذ حدودية أخرى تشهد انسيابية في التبادل التجاري مع إيران.

لكن القرار أثار استياء طهران، التي قالت وزارة داخليتها إنها لم تتلقَّ إخطاراً مسبقاً من بغداد بشأن الإغلاق. كما دخلت السفارة الإيرانية في بغداد على خط الخلاف، رداً على تصريحات لعبد الأمير تعيبان، مستشار رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي لشؤون العشائر والأهوار، اتهم فيها منفذي الشيب والشلامجة بالتسبب في أضرار لجنوب العراق، وربطهما بتهريب المخدرات والعملة المزيفة من إيران.

ونددت السفارة، في بيان، بما وصفته بـ«الادعاءات الكاذبة»، مطالبة الجهات العراقية المعنية باتخاذ موقف من تصريحات قالت إنها تضر بالعلاقات بين البلدين.

ولم يصدر، وفق المعلومات الواردة، رد حكومي عراقي على بيان السفارة، كما لم تعلن بغداد تراجعها عن قرار الإغلاق. ويأتي ذلك في وقت تزداد فيه حساسية الملفات الحدودية والتجارية بين البلدين، في ظل تداعيات المواجهة الإقليمية والضغوط المرتبطة بأمن الملاحة والتبادل الاقتصادي.

الفصائل تتهم واشنطن بالتدخل

صورة لمبنى السفارة الأميركية في بغداد (وكالة الأنباء العراقية)

بالتوازي مع الاحتجاجات في ميسان، صعّدت فصائل عراقية مسلحة موالية لإيران خطابها تجاه الولايات المتحدة، متهمة واشنطن بالتأثير على قرار الحكومة العراقية إغلاق المطارات والمنافذ الحدودية مع إيران.

وقالت الفصائل إنها وثقت 171 خرقاً جوياً، قالت إن طائرات حربية واستطلاعية أميركية نفذتها في الأجواء العراقية خلال الفترة الممتدة من 30 سبتمبر (أيلول) إلى 23 أكتوبر (تشرين الأول) الحالي.

ورأت أن استمرار هذه الطلعات يمثل انتهاكاً للسيادة العراقية وإخلالاً بالالتزامات والاتفاقيات المبرمة بين بغداد وواشنطن، مطالبة الحكومة بتوضيح موقفها من التحركات الجوية والكشف عن طبيعة التفاهمات القائمة مع الجانب الأميركي.

كما ربطت الفصائل بين ما وصفته بالخروقات الجوية والقرارات الحكومية المتعلقة بالمنافذ والمطارات، معتبرة أن هذه الإجراءات تثير تساؤلات بشأن استقلالية القرار العراقي ومدى قدرة بغداد على ممارسة سيادتها.

ولم يتضمن البيان تفاصيل عن مواقع الخروقات الجوية المعلنة أو طبيعة الطائرات المشاركة فيها، كما لم ترد في المعلومات المتاحة تفاصيل مستقلة تؤكد الاتهامات المتعلقة بالتدخل الأميركي في قرار إغلاق المنفذ.

ويضع هذا التصعيد الحكومة العراقية أمام معادلة معقدة؛ إذ يتعين عليها التعامل مع اعتراضات محلية تتعلق بالتجارة والأسعار، في وقت تواجه فيه ضغوطاً سياسية من فصائل مسلحة تربط قراراتها الحدودية بعلاقات بغداد مع واشنطن وطهران.

الهدنة مع الفصائل أمام اختبار جديد

معبر «الشلامجة» الحدودي مع إيران في محافظة البصرة جنوب العراق (أ.ف.ب)

ويأتي التصعيد في وقت تزداد فيه المخاوف من اتساع المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، بينما تحاول الحكومة العراقية احتواء التوتر الداخلي ومنع انعكاساته على الأمن والاستقرار.

وكانت بغداد قد أعلنت التوصل، عبر وسطاء من قوى الإطار التنسيقي الشيعي، إلى تفاهمات مع فصائل مسلحة ترفض تسليم سلاحها. وتتضمن هذه التفاهمات، وفق المعلومات الواردة، هدنة أولى تستمر حتى نهاية العام الحالي، تلتزم الفصائل بموجبها عدم استهداف المصالح الأميركية في العراق أو دول الجوار، وأخرى تنتهي في يونيو (حزيران) 2027، وترتبط بترتيبات لسحب السلاح والانخراط في العملية السياسية.

غير أن البيان الأخير للفصائل، إلى جانب إعلان حركة النجباء أنها غير معنية بالمشاركة في العملية السياسية مقابل سحب سلاحها، أثارا تساؤلات بشأن قدرة هذه التفاهمات على الصمود. ولم يصدر تعليق رسمي عراقي على هذه التطورات، بما يوضح ما إذا كانت الهدنة لا تزال قائمة أو دخلت مرحلة التعثر.

وفي هذا السياق، لا يقتصر الخلاف حول منفذ الشيب على مسألة فنية تتعلق بجاهزيته، كما تقول الحكومة، أو على تداعيات اقتصادية محلية، بل يتداخل مع التنافس الإقليمي وضغوط الفصائل المسلحة على القرار الحكومي.

وبين مطالب سكان ميسان بإعادة فتح المنفذ، وتمسك بغداد بمبرراتها الفنية، واعتراض طهران واتهامات الفصائل لواشنطن، تبدو الحكومة العراقية أمام اختبار جديد لقدرتها على إدارة علاقاتها المتشابكة، واحتواء الاحتجاجات، ومنع تحول خلاف حدودي وتجاري إلى أزمة سياسية وأمنية أوسع.


هل تتمكن دمشق من إفشال «استراتيجية الشطرنج» الإسرائيلية بالسويداء؟

دخان يتصاعد خلال مواجهات في السويداء بين مقاتلين دروز وآخرين من عشائر بدوية وعربية وقوات الأمن السورية في يوليو الماضي (رويترز)
دخان يتصاعد خلال مواجهات في السويداء بين مقاتلين دروز وآخرين من عشائر بدوية وعربية وقوات الأمن السورية في يوليو الماضي (رويترز)
TT

هل تتمكن دمشق من إفشال «استراتيجية الشطرنج» الإسرائيلية بالسويداء؟

دخان يتصاعد خلال مواجهات في السويداء بين مقاتلين دروز وآخرين من عشائر بدوية وعربية وقوات الأمن السورية في يوليو الماضي (رويترز)
دخان يتصاعد خلال مواجهات في السويداء بين مقاتلين دروز وآخرين من عشائر بدوية وعربية وقوات الأمن السورية في يوليو الماضي (رويترز)

تبرز إسرائيل مجدداً كعامل رئيسي في احتمال اندلاع مواجهات بين دمشق والسويداء؛ إذ يرى مراقبون أن تل أبيب نجحت في إيهام كل من الحكومة السورية وأهالي السويداء بأن «الطرف الآخر على وشك شن هجوم كبير وحاسم وغير مسبوق»، في مخطط تهدف من خلاله حكومة بنيامين نتنياهو إلى تكرار سيناريو الأحداث الدامية التي شهدتها المحافظة في يوليو (تموز) 2025.

في ظل هذه التطورات، تُطرح أسئلة من بينها: هل ستتمكن إسرائيل مجدداً من إشعال حرب بين الحكومة و«الحرس الوطني»؟ وهل ستنجح دمشق في إفشال مخططها؟ وبحسب الخبير الأمني والعسكري الاستراتيجي السوري عصمت العبسي، فإن الحكومة السورية واعية تماماً لمؤامرات إسرائيل.

يشرح المحلل السياسي رامي نخلة، ابن محافظة السويداء الذي يعمل على الوساطة بين الحكومة والدروز لحل أزمة المحافظة المستمرة منذ أحداث 2025، طبيعة الدور الذي تلعبه إسرائيل منذ وصول الحكومة الجديدة إلى السلطة قبل نحو عامين، مشيراً إلى أن ثمة استراتيجية تُعرف باسم «زوغزفانغ» (Zugzwang) في لعبة الشطرنج، ترجمتها «الإجبار على الحركة»، وتقوم على ترتيب أحجار اللاعب بطريقة لا تترك للخصم أي نقلة دون إيذاء نفسه. وتكمن قسوة هذه الاستراتيجية في أن اللاعب مضطر للمضي قدماً بحركات يعلم يقيناً أنها تقوده إلى التهلكة.

نساء درزيات السبت خلال تشييع قتلى سقطوا في مواجهات بالسويداء جنوب سوريا (أ.ف.ب)

يوضح نخلة لـ«الشرق الأوسط» أنه منذ وصول الحكومة الجديدة إلى السلطة في دمشق بدأت إسرائيل تتبع هذه الاستراتيجية مع سوريا، ورغم أن دمشق تأخرت في فهم اللعبة، فإنها بعد أحداث «تموز الأسود» الدامية أدركت طبيعتها، وتنبهت إلى أن هناك فارقاً جوهرياً بين السياسة والشطرنج. ففي السياسة لست ملزماً بتحريك قطعتك في كل جولة، لافتاً إلى أن «عدم التحرك هذا أو الامتناع عن الرد هو ما تلام عليه دمشق كثيراً في وسائل الإعلام، رغم أنه بحسب تقديري الخيار الأكثر حكمة ضمن الظروف الراهنة».

ما فرص دمشق؟

أحجار الشطرنج التي يمكن لإسرائيل تحريكها تمتد من جيش جرار، إلى بعض «البيادق» في السويداء، وصولاً إلى وزراء في مراكز صنع القرار في واشنطن، وفق نخلة، الذي يذكر أن إسرائيل تضغط اليوم، بشدة، وقد أعادت ترتيب الرقعة بدهاء قد يجبر دمشق مجدداً على اتخاذ حركة تؤذيها في العمق.

ولا شك أن ما يخدم المصلحة الإسرائيلية في هذه المرحلة، بدءاً من المكاسب الانتخابية، إلى إضعاف دمشق دولياً، وصولاً إلى إعادة الالتفاف حول شيخ العقل حكمت الهجري الذي يتبع له «الحرس الوطني»، وإظهار إسرائيل نفسها مجدداً حامية الدروز، هو برأي نخلة، حرب أهلية جديدة تصورها تل أبيب على أنها مجازر يرتكبها «الإسلام المتطرف» ضد أقلية دينية.

وحسب نخلة، فالحقيقة تقول إن إسرائيل نجحت في إيهام كل من الحكومة وأهالي السويداء بأن «الطرف الآخر على وشك شن هجوم كبير وحاسم وغير مسبوق». وقد تمكنت، من تحقيق ذلك فعلياً بعدة خطوات، أهمها الإيعاز بفتح باب التطوع في «الحرس الوطني»، وتكثيف الطلعات الجوية المروحية الإسرائيلية، ونشر أخبار عن عمليات إنزال أسلحة ثقيلة ومسيّرات متطورة ومضادات لـ«الدرونز» في مناطق سيطرة «الحرس الوطني»، وصولاً إلى شائعات توسيع مظلة «القبة الحديدية» لتشمل السويداء.

ورغم أن معظم هذه الأخبار ثبت بطلانها بعد التحري الميداني؛ إذ أكدت مصادر استخباراتية مفتوحة وصور الأقمار الاصطناعية عدم صحتها، بل شكك فيها المبعوث الأميركي إلى سوريا توم برّاك نفسه، فإن الجهة الوحيدة المراد لها أن تصدق هي دمشق.

ويضيف نخلة: «من خلال محادثاتي مع شخصيات في الحكومة السورية، يبدو أنهم صدقوها بالفعل. وتكمن براعة هذه الحركة في أنه حتى لو لم تصدق دمشق الشائعات بنسبة 100 بالمائة، فإن كل ما تريده إسرائيل هو أن تزرع الشك في احتماليتها فقط، مما لا يترك خياراً أمام دمشق سوى الحشد والتحضيرات الدفاعية، وهذا ما حدث بالفعل».

إسرائيل من جانبها، استغلت هذه التعزيزات الدفاعية واستخدمتها لإقناع السويداء بكاملها (وليس بيادقها فحسب)، بأن «الحكومة السورية تحضّر لذبحكم مجدداً»، وفق نخلة، الذي يؤكد أنه اطلع على عدد لا يستهان به من الرسائل الصوتية المرسلة من جهات إسرائيلية تحرّض الدروز وتقول لهم: «تحضّروا، فإنهم قادمون»، وتحثهم على ما تسميه «تحرير قراهم»، مع تقديم وعود بـ«الدعم والدفاع عنهم»، موضحاً أن «هذه هي ترتيبات رقعة الشطرنج، وهذه الوقائع القائمة على الأرض اليوم».

سيناريو المواجهات القادمة

سيناريو التحركات القادمة لا يمكن البت فيه، ولكنه عبارة عن خيارات تضعها الجهات الإسرائيلية المختصة على الطاولة أمام نتنياهو ليختار منها ما يحلو له. يختارها أو يعزف عنها، بناء على حساباته الخاصة، «ولكن من واجبنا الاستراتيجي التفكير بحذر بكل الحركات القادمة التي يمكن لإسرائيل اتخاذها».

والسؤال في ظل هذه الحال: إذا شاء أصحاب القرار في إسرائيل تفجير حمام دم جديد في سوريا خدمة لمصالحهم الانتخابية أو غيرها، فكيف يمكنهم إجبار الحكومة السورية على القيام بحركة خاطئة لا مفر منها؟

مشيعون يحملون السبت صورة قتيل سقط في مواجهات بين مقاتلين دروز وقوات الحكومة في السويداء (أ.ف.ب)

في هذا الصدد، يذكر نخلة أن الحركة الأولى ستكون من إسرائيل برسالة صوتية على «واتساب» إلى شخص في «المكتب الأمني» التابع لـ«الحرس الوطني» توعز له بخرق اتفاق وقف إطلاق النار. والحركة التالية تكون من الحكومة السورية التي لن يكون أمامها سوى الرد على مصادر النيران، في حين تكون الحركة التالية من السويداء، حيث لن يجد «الحرس الوطني» خياراً سوى المؤازرة والرد، معتقداً أن هذه هي «ساعة الصفر» التي طالما حذرت منها أو وعدت بها إسرائيل لتبدأ الفصائل المسلحة المعبأة والمجهزة باسترجاع قراها.

مسلحون دروز سوريون يشاركون السبت في تشييع قتلى سقطوا خلال مواجهات مع القوات الحكومية السورية بالسويداء (أ.ف.ب)

برأي الباحث نخلة، فإن «هذه حركة لا يمكن لدمشق الامتناع عن لعبها، وإسرائيل تدرك ذلك جيداً؛ إذ لا يمكن للحكومة أن تسمح لعدة فصائل بهزيمتها واستعادة أراضٍ تقع تحت سيطرتها اليوم، والخيار الوحيد الذي تعد دمشق له فعلياً هو الرد بكل قوتها، وفي هذه المرة ستحظى بفرصة مواجهة (الحرس الوطني) في منطقة خالية من المنازل المأهولة بالمدنيين، ونتيجتها حتماً ستكون سفك الكثير من الدماء السورية بغالبية لمصلحة الحكومة نتيجة تفوقها بالعدة والعتاد والتنظيم والخبرة.

بمجرد بدء وصول الجثامين (ستُطلب الفزعة)، ولا يوجد أدنى شك في أن كل شاب قادر حتى على حمل معول سيخرج للتصدي لما يعتقده تكراراً لأحداث يوليو السابقة، وهنا ستشتعل الهواتف نحو إسرائيل طلباً للدعم والحماية الموعودة، في حين أن التدخل الإسرائيلي سيتمثل في شن طلعة جوية أو اثنتين لقصف المواقع الخلفية للقوات الحكومية، بهدف إجبارها على الالتحام المباشر مع الدروز (بغية الحصول على مقاطع فيديو تظهر مشاهد «الذبح»)، في حين لن يتبقى أمام القوات الحكومية أي خيار لحماية قواتها من القصف الإسرائيلي سوى الالتحام بالحرب القريبة مع الدروز، وهنا ربما في مثل هذه الظروف قد تسمح دمشق للقبائل والعشائر بالمؤازرة، إن لم تشجعهم على الانضمام كما فعلت سابقاً. عند هذه النقطة، وحين تشعر إسرائيل بأنها حصلت على شلال الدماء الكافي لتحقيق أهدافها السياسية، المتمثلة في إعادة التفاف الدروز حول الهجري، وتجديد الحقد الطائفي، وكسب أصوات الدروز الإسرائيليين، واستجرار التنديدات الدولية بالحكومة السورية، وزعزعة شرعيتها، والتظاهر بمظهر (المخلّص للأقليات)... حينها فقط ستتصل إسرائيل بأميركا و(الرئيس أحمد) الشرع والأردن) لترتيب اتفاق جديد لوقف إطلاق النار».

ويختم نخلة حديثه قائلاً إن «رقعة اللعب مهيأة تماماً اليوم، وتنتظر إشارة من أصبع نتنياهو، فهل ستتمكن الحكومة السورية من إتقان الشطرنج الثلاثي الأبعاد وإفشال استراتيجية (زوغزفانغ) إذا قررت إسرائيل تحريك بيادقها في هذا الاتجاه؟ لنرَ ما ستؤول إليه الأيام».

استثمار نتنياهو للسويداء

من جهته، يرى الخبير الأمني والعسكري الاستراتيجي السوري عصمت العبسي أن الحكومة السورية واعية تماماً لمؤامرات إسرائيل، وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن المعلومات التي بحوزة دمشق تتضمن تحضيراً وحشوداً على خطوط التماس، إضافة إلى تصريحات علنية لزعامات درزية عن نيتها استعادة القرى قريباً.

صورة نشرها الجيش الإسرائيلي لجنود ينفذون عمليات بالقرب من جبل الشيخ بين سوريا ولبنان في يوليو 2025

وأوضح أن المؤامرة باتت واضحة المعالم. فعشرات الطائرات المروحية الإسرائيلية نقلت رادارات وأنظمة مراقبة وعتاداً إلى قمم استراتيجية في المحافظة، بما يوحي بالتحضير لإقامة قاعدة عسكرية دائمة، في حين أضاف «الحرس الوطني» التابع للهجري عشرة تلال محيطة بالمدينة إلى سيطرته، ودمشق تتهم تل أبيب بتسليح هذه الميليشيا بالسلاح والذخيرة والمال والاستخبارات، وبأن دورها في أحداث يوليو 2025 كان «كبيراً ومخططاً له» بهدف إثارة الفوضى وجر سوريا إلى حرب واسعة.

واللافت أن هذا التصعيد، حسب العبسي، يتزامن مع الانتخابات الإسرائيلية، وقد رفضت الحكومة السورية ما وصفته باستثمار نتنياهو أحداث السويداء في دعايته الانتخابية، مؤكدة أن المكون الدرزي جزء أصيل لا يتجزأ من النسيج الوطني.

وذكر الخبير الأمني والعسكري الاستراتيجي أن الإجراءات المتخذة تتوزع على ثلاثة مسارات؛ الأول عسكري، ويتمثل في إرسال تعزيزات عسكرية إلى خط التماس الغربي خلال أسبوعين، بما يوازن الحشد الإسرائيلي - الميليشياتي دون استفزاز؛ إذ لا يريد أي طرف التضخيم إلى حرب شاملة. في حين أن المسار الثاني دبلوماسي، بمطالبة المجتمع الدولي بالتدخل والضمان لاتفاق فصل القوات لعام 1974 الذي تخرقه طائرات إسرائيل يومياً. أما المسار الثالث فهو مجتمعي عبر محافظ السويداء مصطفى البكور الذي جدد دعوة القوى الأهلية للحوار، محذراً من أن التدخلات الخارجية و«المجموعات الخارجة عن القانون» هي من يعرقل الحل.

ووفق العبسي، تبقى النقطة الحرجة أن الأمم المتحدة قالت في يونيو (حزيران) إن خطة إعادة إدماج السويداء في الدولة لم تحقق تقدماً، وهذا الفراغ هو ما تحاول إسرائيل أن تجعل منه حاضرة عسكرية دائمة.