سوريا تواجه دوامة جديدة من الصراع في ظل حرب غزة

مسؤول دولي يناشد المجتمع الدولي ألا تغيب الأزمة السورية عن باله

بحث قوات الأمن وعمال الدفاع المدني عن الضحايا تحت أنقاض مبنى دمرته غارات إسرائيلية على حمص سوريا فجر الأربعاء (أ.ف.ب)
بحث قوات الأمن وعمال الدفاع المدني عن الضحايا تحت أنقاض مبنى دمرته غارات إسرائيلية على حمص سوريا فجر الأربعاء (أ.ف.ب)
TT

سوريا تواجه دوامة جديدة من الصراع في ظل حرب غزة

بحث قوات الأمن وعمال الدفاع المدني عن الضحايا تحت أنقاض مبنى دمرته غارات إسرائيلية على حمص سوريا فجر الأربعاء (أ.ف.ب)
بحث قوات الأمن وعمال الدفاع المدني عن الضحايا تحت أنقاض مبنى دمرته غارات إسرائيلية على حمص سوريا فجر الأربعاء (أ.ف.ب)

*باولو بينيرو

إن حجم ووحشية الصراع في غزة والمعاناة التي لا توصف للمدنيين في القطاع، قد أثارا عن حق الغضب في العالم. ولكن في سوريا، يحدث تصعيد حاد للعنف أجبر عشرات الآلاف من الأشخاص على الفرار، فيما لا تزال تشكل أكبر أزمة نزوح في العالم، وهو أمر لا يلحظه أحد إلى حد كبير خارج المنطقة.

سوريا - أيضاً - تحتاج بشدة إلى وقف أعمال العنف. ولكن بدلاً من ذلك، فإن الحرب المستمرة منذ أكثر من 12 عاماً هناك، تزداد حدة، وتمتد الآن على طول خمس جبهات في نطاق صراع مماثل؛ إذ تقاتل الحكومة السورية والقوات الروسية جماعات المعارضة المسلحة في الشمال الغربي؛ ويكثف تنظيم «داعش» هجماته في جميع أنحاء البلاد، وتهاجم تركيا القوات التي يقودها الأكراد في الشمال الشرقي، وتقاتل القوات التي يقودها الأكراد القبائل المحلية، وتتصدى الولايات المتحدة وإسرائيل للقوات المرتبطة بإيران.

في ظل الاضطرابات التي تمر بها المنطقة، من الضروري بذل جهود دولية جادة لاحتواء القتال على الأراضي السورية. إن أكثر من عقد من إراقة الدماء يحتاج إلى «نهاية دبلوماسية».

كما أن الهدنة الدائمة في غزة من شأنها أن تهدئ إلى حد كبير من الوضع في سوريا، وتخفض حدة التوتر بين القوى الأجنبية - بما في ذلك الولايات المتحدة، وإسرائيل، وإيران من خلال وكلائها - التي تنشط عسكرياً داخل البلاد.

في حمص، وسط غرب سوريا، أدى هجوم بطائرة مسيرة نفذه مجهولون إلى مقتل وجرح العشرات من طلاب الكلية الحربية وأفراد أسرهم وآخرين، في حفل تخرج في الأكاديمية العسكرية يوم 5 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي. ورد الجيش السوري والقوات الروسية التي تدعم الرئيس بشار الأسد، بشن هجمات على 2300 موقع على الأقل شمال غربي سوريا، الذي تسيطر عليه المعارضة، شملت المدارس والمستشفيات والأسواق ومخيمات السوريين الذين أجبروا على ترك منازلهم.

دمار خلّفته غارة جوية روسية على مخيم للنازحين بقرية الحمامة بريف إدلب الغربي أكتوبر الماضي (أ.ف.ب)

نزوح متعدد الأسباب

اضطر نحو 120 ألف شخص إلى الفرار - العديد منهم نزح عدة مرات بما في ذلك بسبب الزلزال الهائل الذي وقع في فبراير (شباط) الماضي، وأصيب أو قتل 500 مدني على الأقل في الحوادث التي تعقبتها لجنتنا منذ أكتوبر، وشملت الأسلحة الذخائر العنقودية المحظورة دولياً، وهي أنماط مدمرة مستمرة وثّقتها لجنتنا منذ بدء الحرب الأهلية في سوريا في عام 2011.

في الماضي، كانت هذه الاكتشافات تؤدي إلى غضب واسع النطاق، فما الفارق الآن؟ أن انتباه العالم مصوب نحو مكان آخر. كما يكثف تنظيم «داعش» نشاطاته المميتة داخل سوريا، حيث يهاجم أهدافاً مدنية وعسكرية على حد سواء، ويواصل إثبات قدرته العملياتية وآيديولوجيته المتطرفة.

في شمال شرقي البلاد، سرّعت القوات التركية عملياتها ضد «قوات سوريا الديمقراطية»، بزعم أنها مرتبطة بالنشاط الإرهابي على الأراضي التركية. كما كانت تلك الجماعة المعارضة نفسها تحارب العشائر في دير الزور، أكبر مدينة في شرق سوريا، في صراع أجّجته المظالم القديمة بأن الإدارة المحلية التي يقودها الأكراد فشلت في توفير الخدمات الأساسية أو تأمين الحقوق الأساسية. ولا يزال عدد القتلى المدنيين الذين سقطوا نتيجة لذلك غير محسوب.

قصف مسيّرة تركية لعناصر من «قسد» في الحسكة (أرشيفية)

الأمر الأكثر إزعاجاً أن التوترات الإقليمية المتصاعدة الناجمة عن الهجوم على غزة، أدت إلى زيادة الهجمات على الأراضي السورية من قبل إسرائيل والميليشيات الإيرانية. وقد تعرضت القواعد الأميركية في سوريا لأكثر من 50 هجوماً من قبل الميليشيات منذ أكتوبر الماضي.

وقبل وقت طويل من الهجوم الذي وقع في 28 يناير (كانون الثاني) في الأردن، وأسفر عن مقتل 3 جنود أميركيين، شنت الولايات المتحدة هجمات انتقامية على المنشآت التي يُقال إن الجماعات المرتبطة بإيران تستخدمها، وأدى الهجوم الأخير في الأردن (من ميليشيات عراقية)، إلى موجة جديدة من الهجمات الأميركية الانتقامية في سوريا والعراق واليمن، ما خلق مخاوف من صراع أوسع نطاقاً.

أرشيفية لرئيس الوزراء السوري حسين عرنوس يتفقد أعمال إصلاح الأجزاء المتضررة في مدرجات مطار دمشق بعد ضربة إسرائيلية (أ.ف.ب)

وفي الوقت نفسه، فإن الغارات الجوية الإسرائيلية التي استهدفت ظاهرياً أصولاً مرتبطة بإيران، قد جعلت المطارات المدنية السورية، التي هي في أمسّ الحاجة إليها لتسليم المساعدات الإنسانية، خارج الخدمة.

في خضم كل ذلك، يواجه السوريون صعوبات متزايدة لا يمكن تحملها. ويحتاج نحو 17 مليوناً منهم إلى مساعدات إنسانية مثل الغذاء والماء والرعاية الطبية. ومع ذلك، لا تزال عمليات تسليم المساعدات معلقة في خيط رفيع، ويعتمد ذلك على تعسف الحكومة السورية، وتعرقله العقوبات.

موظفو «برنامج الأغذية العالمي» يسلمون طرود الإغاثة للنازحين السوريين قبل توقف تسليم المساعدات في مخيم أطمة على مشارف إدلب 6 ديسمبر 2023 (أ.ف.ب)

وفي الوقت نفسه، أجبر النقص الحاد في أموال المانحين «برنامج الأغذية العالمي» التابع للأمم المتحدة، على تعليق المساعدات الغذائية المنتظمة في سوريا، مما وضع الملايين في قبضة الجوع. وأودت واحدة من أكثر الحروب الأهلية وحشية في هذا القرن، بحياة أكثر من 300 ألف مدني في سوريا في السنوات العشر الماضية. وليس من المستغرب أن يصل عدد السوريين طالبي اللجوء في أوروبا في أكتوبر الماضي، إلى أعلى مستوى مسجل منذ 7 سنوات.

كل جرائم الحرب

لقد ارتُكبت في سوريا الآن، تقريباً، كل جرائم الحرب، والجرائم ضد الإنسانية التي تغطيها المحكمة الجنائية الدولية: الاستهداف المتعمد للمستشفيات والعاملين في مجال الصحة، والهجمات المباشرة والعشوائية على المدنيين (بعضها يشمل أسلحة كيميائية) تحت ستار مكافحة «الإرهابيين»، وعمليات الإعدام بإجراءات موجزة، والتعذيب والاختفاء القسري لعشرات الآلاف من الناس، إضافة إلى الإبادة الجماعية للإيزيديين خلال فترة سلطة تنظيم «داعش» في أجزاء من سوريا.

رجل يبكي شقيقه الذي أصيب بقصف مدفعي من الجيش السوري على إدلب في شمال سوريا يوم 30 ديسمبر الماضي (د.ب.أ)

إن عدم احترام حقوق الإنسان الدولية الأساسية والقانون الدولي الإنساني في سوريا، منذ أمد بعيد، لم يمكّن من قتل وتشويه الضحايا من جميع أطراف النزاع فحسب، بل قوض أيضاً جوهر نظام الحماية الدولية. ونحن نشهد مثل هذا التجاهل للقانون الدولي في قائمة متزايدة من الصراعات، بما في ذلك في أوكرانيا والسودان، والآن في غزة..

سوريون أمام محكمة العدل الدولية في لاهاي في أثناء نظرها في قضية مرفوعة من كندا وهولندا ضد ارتكاب جرائم حرب في سوريا

يتعين على الدول الأعضاء أن تعمل على وجه السرعة لوقف هذا الاتجاه المنذر بالخطر. وفي نوفمبر (تشرين الثاني)، أمرت محكمة العدل الدولية سوريا بوقف التعذيب. وفي السنوات الأخيرة، دانت النيابة العامة في أوروبا أكثر من 50 من مرتكبي جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية التي ارتكبت في سوريا. ولا بد من مواصلة هذه الجهود ودعمها وتوسيع نطاقها فيما يتصل بارتكاب الفظائع، ليس في سوريا فحسب، وإنما في كل مكان.

في غضون ذلك، يمكن أن تنتهي أفظع الانتهاكات إذا توقف القتال. إننا نناشد المجتمع الدولي ألا تغيب عن باله الأزمة السورية. إن سوريا تحتاج إلى دبلوماسيين شجعان، ومانحين جريئين، ومدعين عامين حازمين أكثر من أي وقت مضى.

وأكثر من أي شيء آخر، وبعد ما يقرب من 13 عاماً من الصراع، تحتاج سوريا إلى وقف إطلاق النار في جميع أنحاء البلاد الآن.

*خدمة «نيويورك تايمز»

*يشغل «باولو بينيرو» منصب رئيس لجنة التحقيق التابعة للأمم المتحدة بشأن سوريا.


مقالات ذات صلة

مسعفون: غارة إسرائيلية تقتل 3 في غزة

المشرق العربي فلسطينيون يتجمَّعون حول سيارة مُدمَّرة بعد استهدافها بغارة إسرائيلية في شارع صلاح الدين جنوب مخيم البريج بقطاع غزة (أ.ف.ب)

مسعفون: غارة إسرائيلية تقتل 3 في غزة

قال مسؤولون فلسطينيون، في قطاع الصحة، إنَّ ​غارةً إسرائيليةً أسفرت عن مقتل 3 أشخاص على الأقل في قطاع غزة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
المشرق العربي فلسطينيون يشيعون قتلى سقطوا في هجوم إسرائيلي أمام مستشفى الشفاء بمدينة غزة الخميس (أ.ف.ب)

«حماس» و«الجهاد» تحصيان خسائرهما البشرية خلال حرب غزة

دشنت «كتائب القسام» الجناح المسلح لـ«حماس»، صفحة عبر تطبيق «تلغرام»، للكشف عن قيادات ونشطاء ميدانيين قتلوا خلال الحرب وفي الخروق المستمرة بالقطاع.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي فلسطينيون في موقع استهداف سيارة بغارة جوية إسرائيلية في شارع صلاح الدين جنوب مخيم البريج وسط غزة الخميس (أ.ف.ب)

تصعيد إسرائيلي في غزة يواكب مزاعم بتعافي «حماس»

تواصل القوات الإسرائيلية تصعيدها الميداني في مناطق مختلفة من قطاع غزة عبر استهدافها لنشطاء في الفصائل، متذرعةً باتهامات عن تجديد نشاطهم.

«الشرق الأوسط» (غزة)
شؤون إقليمية مقاتلون فلسطينيون خلال الهجوم على جنوب إسرائيل في السابع من أكتوبر 2023 (أ.ب)

المحكمة العليا الإسرائيلية تنظر في التماسات تشكيل لجنة تحقيق بهجوم أكتوبر

نظرت المحكمة العليا في إسرائيل في التماسات لإلزام الحكومة بتشكيل لجنة تحقيق رسمية في هجوم السابع من أكتوبر 2023.

المشرق العربي سيدتان فلسطينيتان تقرآن تعليمات التصويت بالانتخابات المحلية في مدينة دير البلح بوسط غزة يوم الثلاثاء (أ.ف.ب)

استعدادات لأول انتخابات في غزة منذ 2005

تُجري لجنة الانتخابات المركزية الفلسطينية، استعدادات مكثفة لإجراء أول انتخابات محلية على مستوى قطاع غزة منذ عام 2005، تنطلق السبت المقبل بالتزامن مع الضفة.

«الشرق الأوسط» (غزة)

نتنياهو: «حزب الله» يحاول تقويض جهود السلام مع لبنان

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال مراسم إحياء ذكرى يوم الهولوكوست السنوي في نصب ياد فاشيم التذكاري للهولوكوست بالقدس 14 أبريل 2026 (أ.ب)
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال مراسم إحياء ذكرى يوم الهولوكوست السنوي في نصب ياد فاشيم التذكاري للهولوكوست بالقدس 14 أبريل 2026 (أ.ب)
TT

نتنياهو: «حزب الله» يحاول تقويض جهود السلام مع لبنان

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال مراسم إحياء ذكرى يوم الهولوكوست السنوي في نصب ياد فاشيم التذكاري للهولوكوست بالقدس 14 أبريل 2026 (أ.ب)
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال مراسم إحياء ذكرى يوم الهولوكوست السنوي في نصب ياد فاشيم التذكاري للهولوكوست بالقدس 14 أبريل 2026 (أ.ب)

اتهم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الجمعة، «حزب الله» بمحاولة تقويض جهود الدولة العبرية للتوصل إلى اتفاق سلام مع لبنان.

وقال، في أول تصريح له بعد تمديد وقف إطلاق النار مع لبنان: «بدأنا مساراً للتوصل إلى سلام تاريخي بين إسرائيل ولبنان، ومن الواضح لنا أن (حزب الله) يحاول تقويض ذلك»، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

واندلعت الحرب الأخيرة بين «حزب الله» وإسرائيل في الثاني من مارس (آذار) بعد إطلاق الحزب صواريخ رداً على مقتل المرشد الإيراني علي خامنئي في اليوم الأول من الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران.

وعقد البلدان اللذان هما في حالة حرب رسمياً منذ عام 1948، جولة محادثات في واشنطن في 14 أبريل (نيسان)، وكانت الأولى من نوعها منذ عام 1993، في محاولة لإنهاء الحرب.

بعد هذه المحادثات بيومين، أعلنت الولايات المتحدة هدنة لمدة عشرة أيام في الحرب التي أدّت إلى مقتل أكثر من 2400 شخص في لبنان ونزوح أكثر من مليون. وأعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الخميس، تمديد الهدنة 3 أسابيع.


إسرائيل تسحب قسماً كبيراً من قواتها في لبنان رضوخاً لمطلب ترمب

جنود إسرائيليون يعملون في القطاع الغربي داخل الأراضي اللبنانية (الجيش الإسرائيلي)
جنود إسرائيليون يعملون في القطاع الغربي داخل الأراضي اللبنانية (الجيش الإسرائيلي)
TT

إسرائيل تسحب قسماً كبيراً من قواتها في لبنان رضوخاً لمطلب ترمب

جنود إسرائيليون يعملون في القطاع الغربي داخل الأراضي اللبنانية (الجيش الإسرائيلي)
جنود إسرائيليون يعملون في القطاع الغربي داخل الأراضي اللبنانية (الجيش الإسرائيلي)

على الرغم من اعتراض الجيش الإسرائيلي على قرار حكومته وقف النار، فقد سحب قسماً كبيراً من قواته من الجنوب اللبناني؛ رضوخاً لإرادة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، في حين خرج سكان الشمال بعمليات احتجاج، ورفعوا العَلم الأميركي؛ تعبيراً عن رفضهم الانصياع لإرادة واشنطن. وهاجموا الحكومة قائلين إنها باعت سكان الشمال.

وقالت مصادر سياسية في تل أبيب إن قرار ترمب وقف إطلاق النار في لبنان لمدة ثلاثة أسابيع يخدم «حزب الله»، الذي من جهة لا يلتزم ويواصل إطلاق المُسيرات، ومن جهة ثانية يستغلّ ذلك لإعادة تعزيز قواته. وأشارت إلى أنه جاء بضغوط من السعودية ومصر على الرئيس الأميركي، لكن الحكومة قالت إنه يشبه وقف إطلاق النار الذي وقَّع عليه لبنان وإسرائيل في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، إذ يتضمن بنداً صريحاً ينصّ على حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها والرد على أي هجوم من «حزب الله». وللدلالة على ذلك، أشارت إلى الرد الصارم على قيام «حزب الله» بمهاجمة مستعمرة شتولا في الجليل، وقالت إن الجيش ردّ بقصف مواقع عسكرية للحزب في الجنوب اللبناني.

اختلاف القيادتين العسكرية والسياسية

ونقلت صحيفة «هآرتس» تصريحات للجنرال رافي ميلو، قائد اللواء الشمالي بالجيش الإسرائيلي، تُظهر مدى الاختلاف بين القيادتين السياسية والعسكرية، ونهج الجيش في إظهار هذا الخلاف علناً بواسطة تسريبات إلى وسائل الاعلام. وقالت إن تصريح ميلو الأخير، في كلمةٍ ألقاها خلال مراسم إحياء ذكرى «يوم الشهداء» في قرية فراديم بالجليل، كان مذهلاً ويجب ألا نمر عليه مرور الكرام، فقد قال إنه «يوجد الآن مئات المقاتلين داخل لبنان ينفّذون عمليات عسكرية ويشنّون هجمات لإزالة أي تهديد من الشمال». وقال المحرِّر العسكري عاموس هرئيل: «النقطة المهمة هنا تتعلق بمئات المقاتلين. حتى الأسبوع الماضي، كان الجيش الإسرائيلي يتحدث عن خمس فرق عسكرية تنتقل على الأرض في جنوب لبنان. كان هذا مبالغة كبيرة، ففي الواقع نادراً ما أدخل الجيش وحدات احتياط إلى لبنان. وهذه المرة، وتحت قيادة كل فرقة عملت تشكيلات جزئية من فرق القتال التابعة للواء، معظمها من القوات النظامية».

جندي إسرائيلي في وضعية قتالية بجنوب لبنان (الجيش الإسرائيلي)

وكشف هرئيل أنه «بعد وقف إطلاق النار الذي فرضه ترمب، غادر جزء كبير من القوات. وما زال الجيش الإسرائيلي يسيطر على خط من المواقع على التلال الموجودة على بُعد 8 - 10 كم شمال الحدود الدولية مع لبنان، بهدف معلَن هو منع الصواريخ المضادة للدروع من إصابة البلدات على الحدود. لكن حجم القوات وعبء المهمات انخفضا بشكل كبير. لذلك جرى ذكر مئات المقاتلين وليس الآلاف أو عشرات الآلاف، مثلما اعتقد الإسرائيليون خطأ».

وكشف أيضاً أن «هذه المبالغة تُميز كل التصريحات السياسية والعسكرية، فما يحدث على الأرض يخالف ما يقوله المسؤولون. على سبيل المثال، صرحت الحكومة بأنها أرسلت قوات عسكرية حربية، في بداية شهر مارس (آذار) الماضي، إلى الجنوب اللبناني، وهنا أيضاً كانت المشكلة الرئيسية تتعلق بحجم القوات. فالقوات التي دخلت إلى القتال انتشرت بشكل غارات على مستوى كتائب على القرى في جنوب لبنان، ولم تسيطر، بشكل متواصل، على خط دفاع محدد، بل كانت تتحرك في المنطقة وخارجها وفق الحاجة. ويكمن خلف ذلك فهم - لا يُقره الرأي العام في العادة - أن الوحدات النظامية ووحدات الاحتياط منهَكة، وأنه لا يمكن تكليفها بمهمات طموحة جداً».

نشاط أميركي

ويعزو مراقبون إسرائيليون هذه التطورات إلى النشاط الأميركي، الذي يجري بالشراكة مع السعودية ومصر، لإنهاء الصراع في لبنان بمعزل عن الدور الإسرائيلي. ويشيرون إلى تصريحات ترمب حول احتواء «حزب الله» على أنها دليل بوجود خطة أميركية عربية للتوصل إلى تفاهمات لبنانية داخلية، بإرادة إيران أو بغير إرادتها، تضع حداً للدور العسكري للحزب وضم قوى من بيئته الشيعية إلى مفاوضات واشنطن بين لبنان وإسرائيل. وتضع هذه الجهود مهمة مقدّسة على رأس الأولويات هي حماية لبنان من استئناف الحرب والدمار والترحيل ووضع حد للهجمات الإسرائيلية عليه. والتقدير في تل أبيب هو أن الخيار الأفضل في لبنان هو التوصل إلى اتفاق سلام مع إسرائيل، لكن الخيار الواقعي أكثر هو التوصل لاتفاق حول تفاهمات أمنية.


في جنوب لبنان... البحث عن الذكريات تحت الركام

محمّد علي حجازي يبحث عن تذكارات من عائلته التي قُتل 5 أفراد منها بغارة إسرائيلية في مدينة صور (أ.ف.ب)
محمّد علي حجازي يبحث عن تذكارات من عائلته التي قُتل 5 أفراد منها بغارة إسرائيلية في مدينة صور (أ.ف.ب)
TT

في جنوب لبنان... البحث عن الذكريات تحت الركام

محمّد علي حجازي يبحث عن تذكارات من عائلته التي قُتل 5 أفراد منها بغارة إسرائيلية في مدينة صور (أ.ف.ب)
محمّد علي حجازي يبحث عن تذكارات من عائلته التي قُتل 5 أفراد منها بغارة إسرائيلية في مدينة صور (أ.ف.ب)

بين الركام، يبحث محمّد علي حجازي ممسكاً بألبوم صور يكسوه الغبار، عن تذكارات من عائلته التي قُتل خمسة أفراد منها بغارة إسرائيلية في مدينة صور قبل دقائق من بدء الهدنة بين «حزب الله» وإسرائيل.

ويقول حجازي (48 عاماً) المقيم منذ 16 عاماً في فرنسا، لوكالة الصحافة الفرنسية، بينما لا يقوى على حبس دموعه، «أحاول أن أعثر على فرشاة شعر أمي... أن أجد عبوة العطر التي تحبّها».

ويضيف: «أفتش عن آخر ما أرسلته لها لأحتفظ به إذا بقيت حياً... لم أستوعب هول ما حصل. تدمّرت حياتي. منذ خمسة أيام لم أنم (...) أشعر بأن قلبي سيتوقف عن الخفقان».

قبل دقائق من سريان وقف إطلاق النار في 16 أبريل (نيسان)، شنّت إسرائيل ضربات على ستة أبنية سكنية في مدينة صور الجنوبية قرب الكورنيش البحري سوّتها بالأرض على رؤوس العشرات من قاطنيها، ما أسفر عن مقتل 27 شخصاً على الأقل، وفق السلطات المحلية.

بين هؤلاء خمسة من أفراد عائلة حجازي: شقيقة محمد علي الصغرى غزوى مع طفليها فضل وناتالي، ابن عمه محمّد ووالدته إخلاص التي توفيت في المستشفى متأثرة بجروحها. ونجا والده مع ابن شقيقته.

ويروي والحزن يطغى على وجهه وعلى نبرة صوته المتهدّج كيف «انهار» بعدما علم عبر «فيسبوك» بالغارة.

ويتابع: «حين رأيت الدمار، توقعت أن أعثر عليهم أشلاء، وبالفعل وجدتهم أشلاء. ما من جسم كامل»، مشيراً إلى أن ما عاينه بدا أشبه بـ«فيلم رعب».

رغم مرور أكثر من أسبوع على وقف إطلاق النار، كانت جرافات لا تزال تعمل، الخميس، في موقع الضربات الإسرائيلية على إزالة أكوام من الركام والحجارة، تبعثرت بينها بقايا ستائر ووسائد وفرش.

اللبناني محمّد علي حجازي ممسكاً بصور يكسوها الغبار انتشلها من أنقاض منزله في مدينة صور اللبنانية (أ.ف.ب)

وكان الغبار يتصاعد من المكان بينما تتحرّك الجرافات، فيما لا تتوقف مسيّرة عن التحليق في أجواء المدينة. في البعيد، يمكن رؤية سحب دخان على طول الساحل حيث تواصل القوات الإسرائيلية تنفيذ هجمات وعمليات تفجير وتوغل.

«مواطنون أبرياء»

بتأثر شديد، يقول حجازي بعدما تسلّق أكوام الركام حيث عثر على ألبوم صور عائلي، «ذكرياتي كلها» في هذا المكان الذي اعتاد زيارته في الإجازات مع زوجته الفرنسية وطفلتيه. ويضيف: «كلنا مواطنون أبرياء... لا شيء في المنزل له علاقة بأحزاب».

وأسفرت الضربات التي قتلت عائلة حجازي عن مقتل إجمالي 27 شخصاً وإصابة نحو 75 آخرين بجروح، تم سحب 35 منهم من تحت الأنقاض، وفق ما قال نائب رئيس بلدية صور علوان شرف الدين لوكالة الصحافة الفرنسية. ولا يزال شخص على الأقل في عداد المفقودين.

أمام متجر تحطّم زجاجه، يجلس فضل حجازي (66 عاماً)، والد محمّد علي، مراقباً الجرافات تعمل فوق الركام فيما آثار الجروح على ذراعيه.

ويستعيد الرجل القوي البنية ذو العينين الزرقاوين كيف حاول إضحاك أفراد عائلته قبل دقائق من حدوث الغارات، وكان تحليق طائرات حربية إسرائيلية في الأجواء أصابهم بالذعر. ويروي أنه دخل بعدها إلى غرفته حيث كان حفيده ينام قربه في السرير.

محمّد علي حجازي ممسكاً بصور يكسوها الغبار انتشلها من أنقاض منزله في مدينة صور اللبنانية (أ.ف.ب)

ويقول لوكالة الصحافة الفرنسية: «لم أكن قد أغمضت عيني بعد إلا وشعرت وكأن زلزالاً» حدث، مضيفاً: «انهار السقف على خزانة... ونجونا». بعد نحو ثلاث ساعات، تمكّن رجال الإنقاذ من إخراجه وحفيده من تحت الردم، ليكتشف بعدها حجم خسارته.

وبينما يتوقّف عابرون في الطريق لتعزيته، يوضح الرجل بصوت أجش: «هنا خسرت عائلتي، خسرت الأحباب الذين كنت أتصبّح وأتمسّى بهم في كل يوم». ويتابع: «خسرت كل شيء. خسرت بيتي، خسرت سيارتي. لم أعد أملك شيئاً. أخرجوني حافياً، تصدّق الناس عليّ بثياب وحذاء».

خلال جولة الحرب الأخيرة، وجّه الجيش الإسرائيلي نداءات إخلاء متكررة لسكان مناطق عدة، بينها مدينة صور قبل تنفيذه غارات. لكن تلك التي استهدفت الأبنية الستة حيث منزل عائلة حجازي لم يسبقها أي تحذير.

«أحرقوا قلوبنا»

ويسأل الرجل المكلوم بغضب: «لماذا شنّوا علينا هذه الضربات؟ أحرقوا قلوبنا. هل من مسلحين هنا أو من صواريخ؟»، في إشارة إلى بيانات الجيش الإسرائيلي الذي يقول إن ضرباته في لبنان تطول «حزب الله» وبناه العسكرية.

ويتابع بحرقة: «لم نتوقع أن يحصل ذلك قبل وقف إطلاق النار... أن يبيدوا حيّاً بأكلمه» فضّل قاطنوه الصمود في منازلهم لعدم قدرتهم على النزوح باتجاه مناطق أخرى.

من شرفة منزلها المطلة على ساحة الركام، تستعيد فادية مليجي (53 عاماً)، قريبة عائلة حجازي، يومياتها قبل الحرب مع جيرانها الذين كانوا يبادلونها التحية لدى مرورهم في الشارع المكتظ. وتقول: «لا أقوى اليوم على رؤية هذا المشهد، إنه لأمر صعب للغاية ولا يصدق».

وتتابع: «حيّنا الذي عشنا فيه وترعرعنا به اختفى كله بلحظة مع ناسه ومفروشاته وحجارته».

وتسأل على غرار آخرين من سكان الحي: «لمَ ارتكبوا هذه المجزرة؟ كان الناس نياماً في أسرّتهم»، مضيفة: «لا طائرات لدينا هنا ولا دبابات ولا صواريخ».