«قسد» تتعرض إلى ضربة مميتة من أذرع «الحرس الثوري»

محلل استراتيجي يتوقع بدء مرحلة تصفية حسابات بين الأطراف شرق سوريا

دورة تدريبية لعناصر «قسد» يناير الماضي في المنطقة الشرقية (المركز الإعلامي)
دورة تدريبية لعناصر «قسد» يناير الماضي في المنطقة الشرقية (المركز الإعلامي)
TT

«قسد» تتعرض إلى ضربة مميتة من أذرع «الحرس الثوري»

دورة تدريبية لعناصر «قسد» يناير الماضي في المنطقة الشرقية (المركز الإعلامي)
دورة تدريبية لعناصر «قسد» يناير الماضي في المنطقة الشرقية (المركز الإعلامي)

قال مدير «المرصد السوري لحقوق الإنسان»، رامي عبد الرحمن: إن استهداف عناصر من «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) شرق سوريا، من قِبل ميليشيات موالية لإيران، «ليس الأول من نوعه، ولكنه الأعنف»، منذ تجاورت الفصائل العسكرية المختلفة في سوريا في أعقاب اندلاع الحرب السورية.

وفي اتصال مع «الشرق الأوسط»، أعاد عبد الرحمن التأكيد على أن حصيلة القتلى من قوات المهام الخاصة «الكوماندوز» التابعة لـ«قسد» قرب قاعدة حقل العمر النفطي الأميركية بريف دير الزور الشرقي، ارتفعت إلى 7 (رغم تمسك معرفات «قسد» بـ6 قتلى)، إضافة إلى إصابة 18 آخرين بجراح بعضها خطير.

ونقلت «رويترز» عن فرهاد الشامي، المتحدث باسم «قوات سوريا الديمقراطية» في تدوينة على منصة «إكس»، أن الطائرة المسيّرة انفجرت في أكاديمية للقوات الخاصة تابعة لـ«قوات سوريا الديمقراطية» في قاعدة أميركية في حقل العمر النفطي؛ مما أدى إلى «استشهاد ستة من مقاتلينا من القوات الخاصة».

قاعدة حقل العمر (أرشيفية - المرصد)

يذكر أن الموقع الذي انطلقت منه المسيّرة لم يحسم تماماً، وبدا أن هناك تضارباً بين جهتين؛ إذ أفادت «قسد» على موقعها، الاثنين، بأن ستة من مقاتليها لقوا حتفهم في هجوم بطائرة مسيّرة نفذته جماعات مسلحة مدعومة من إيران، وأن تحقيقاتها تقول إن المسيّرة انطلقت من مناطق في دير الزور خاضعة لسيطرة الحكومة السورية.

في وقت أعلنت ما يسمى «المقاومة الإسلامية في العراق»، التي تنضوي تحت لوائها جماعات مسلحة عراقية عدة مدعومة من إيران، يوم الاثنين، مسؤوليتها عن هجوم بطائرة مسيّرة على حقل العمر.

الضربة الأولى من نوعها، والتي أسقطت ضحايا لقوات «قسد»، تفتح باب التساؤل حول احتمال تصعيد عسكري بين جماعات موالية لإيران وأخرى موالية للولايات المتحدة الأميركية في سوريا.

صورة أرشيفية لمجموعة من الميليشيات التابعة لإيران في دير الزور (المرصد السوري لحقوق الإنسان)

الباحث في الشؤون العسكرية والاستراتيجية، عبد الناصر العايد، يقول لـ«الشرق الأوسط»: إن الضربات الأميركية الأخيرة التي تلقتها الميليشيات الإيرانية شرق سوريا، أوقعت خسائر بين القادة العسكريين، إضافة إلى تدمير معظم مستودعات الأسلحة والذخيرة، في ظل صعوبة كبيرة في جلب قادة جدد وأسلحة جديدة إلى المنطقة، إضافة إلى هروب أو ترك عدد كبير من العناصر عملها مع هذه الميلشيات ووصول العشرات منهم إلى مناطق سيطرة «قسد» شرق الفرات، ونقلهم صورة قاتمة للميليشيات في غربه. لذلك؛ يعتقد العايد، أن إيران تعمل على استجماع قواها للقيام بضربات «صاروخية أو عبر مسيّرات»، تحاول من خلالها إثبات وجودها وقوتها في المنطقة، واستمرار استخدامها «ورقة ضغط».

محاكاة الذئاب المنفردة

ويميل المحلل السوري (العسكري السابق)، إلى عدّ أن تلك الضربات أذرع إيران في سوريا والعراق «أشبه ما تكون بضربات الذئاب المنفردة التي اعتمدتها (داعش) في أواخر ايامها، وأنها إيذان بأفول قوتها في المنطقة.

ويتوقع العايد أن تنفجر الاشتباكات بين قوات النظام السوري والميليشيات التابعة لها من جهة، مع الميليشيات الإيرانية من جهة أخرى شرق سوريا. مشدداً على أن المناوشات بدأت فعلياً؛ إذ هاجمت قوات النظام في اليومين الفائتين ميليشيات محلية تتبع إيران، مثل تلك التي يقودها إبراهيم الهفل، أو التي يقودها زعيم قبلي يدعى ماهر الحمود الذي أودع مع مقاتليه في السجن وصودرت أملاكه.

ويختتم العايد كلامه قائلاً: بالخلاصة نحن أمام «مرحلة تصفية حسابات شرق سوريا»، وسنشهد صراعاً في معسكر النظام وروسيا وإيران، وهو قائم أصلاً والجميع يتستر عليه، لكنه سينفجر إعلامياً في الأيام المقبلة لا محالة خاصة ضد روسيا».

وتتهم واشنطن الجماعة بالضلوع في هجوم بطائرة مسيّرة على موقع عسكري أميركي في الأردن، في وقت سابق من هذا الشهر أدى إلى مقتل ثلاثة جنود أميركيين. وشنّت الولايات المتحدة عشرات الضربات الجوية مطلع الأسبوع ضد جماعات مدعومة من إيران في العراق وسوريا؛ مما أسفر عن مقتل نحو 40 شخصاً تقول تقارير: إن غالبيتهم من المسلحين.

ومع اشتداد الحرب بين إسرائيل وحركة «حماس»، دخلت جماعات متحالفة مع طهران على خط الصراع في أنحاء المنطقة تعلن دعمها للفلسطينيين في غزة. وأطلقت جماعة «حزب الله» اللبنانية النار على أهداف إسرائيلية على الحدود اللبنانية - الإسرائيلية، وقصفت فصائل عراقية القوات الأميركية في العراق وسوريا والأردن، كما يستهدف الحوثيون في اليمن السفن في البحر الأحمر.

اقرأ أيضاً


مقالات ذات صلة

​وفد من «وحدات حماية المرأة» يلتقي وزير الدفاع في دمشق

المشرق العربي روهلات عفرين وسوزدار حاجي ديرك

​وفد من «وحدات حماية المرأة» يلتقي وزير الدفاع في دمشق

شهدت العاصمة دمشق، الأربعاء، لقاء وفدٍ من «وحدات حماية المرأة» بوزير الدفاع السوري، مرهف أبو قصرة...

سعاد جرَوس (دمشق)
المشرق العربي الرئيس أحمد الشرع اجتمع مع محافظ الحسكة نور الدين أحمد بحضور المبعوث الرئاسي العميد زياد العايش ومحافظ الرقة عبد الرحمن السلامة في قصر الشعب السبت الماضي (مديرية إعلام الحسكة)

28 ضابطاً من «قسد» يلتحقون بالكلية الحربية السورية لإعداد قادة للألوية والكتائب

يتوجه 28 ضابطاً من «قوات سوريا الديمقراطية»، خلال الأيام الثلاثة المقبلة، إلى دمشق للتدريب، ليتسلموا مناصب قادة الألوية التي يجري تشكيلها.

«الشرق الأوسط» (لندن)
المشرق العربي بدأ أهالي ناحية الشيوخ في منطقة عين العرب بريف حلب بالعودة إلى منازلهم بعد 12 عاماً (سانا)

عقب إزالة الألغام... أهالي «الشيوخ» قرب «عين العرب» ينهون نزوح 12 عاماً

سكان بلدة الشيوخ، الواقعة قرب عين العرب شمال سوريا، يعودون تدريجياً إلى منازلهم عقب اتفاق أمني وإزالة الألغام، رغم الدمار الواسع ونقص مقومات الحياة.

شؤون إقليمية لفت تقرير لمفوضية حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة إلى ضرورة إنقاذ الأطفال الموجودين في مخيم «روج» (أ.ف.ب)

تركيا تفاوض دمشق لنقل أكثر من 250 امرأة وطفلاً من عوائل «داعش» في «روج»

كشفت مصادر تركية عن مفاوضات مع دمشق لنقل أكثر من 250 امرأة وطفلاً من الجنسية التركية من مخيم «روج» في الحسكة شمال شرقي سوريا خلال الأشهر المقبلة.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
المشرق العربي تعيين القيادي الكردي حجي محمد نبو المعروف باسم «جيا كوباني» معاوناً لقائد «الفرقة 60» في الجيش السوري (أرشيفية)

مسؤول سوري لـ«الشرق الأوسط»: «جيا كوباني» معاوناً لقائد «الفرقة 60»

أكد المتحدث باسم الفريق الرئاسي لمتابعة تنفيذ اتفاق 29 يناير مع «قسد» تعيين حجي محمد نبو المشهور بـ«جيا كوباني» معاوناً لقائد «الفرقة 60» بمحافظتَي الحسكة وحلب.

سعاد جرَوس (دمشق)

هل تعاود إسرائيل احتلال مساحات واسعة من جنوب لبنان؟

آلية إسرائيلية بالقرب من الحدود مع لبنان - 30 مارس 2026 (رويترز)
آلية إسرائيلية بالقرب من الحدود مع لبنان - 30 مارس 2026 (رويترز)
TT

هل تعاود إسرائيل احتلال مساحات واسعة من جنوب لبنان؟

آلية إسرائيلية بالقرب من الحدود مع لبنان - 30 مارس 2026 (رويترز)
آلية إسرائيلية بالقرب من الحدود مع لبنان - 30 مارس 2026 (رويترز)

تتقدم القوات الإسرائيلية منذ اندلاع الحرب مع «حزب الله»، في مناطق لبنانية محاذية لحدودها؛ ما يثير مخاوف من عزمها على احتلال مساحات واسعة من جنوب لبنان، وهو ما سبق أن قامت به لعقدين، قبل انسحابها في عام 2000.

ومنذ بدأت الحرب في الثاني من مارس (آذار)، كرّر مسؤولون إسرائيليون أن الدولة العبرية تعتزم إقامة «منطقة أمنية» داخل لبنان، وصولاً إلى نهر الليطاني (على مسافة نحو 30 كلم من الحدود)، هدفها المعلن هو وضع حد لتهديد «حزب الله» لمناطق شمال إسرائيل، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

في المقابل، يرى لبنان أن ما تقوم به إسرائيل يعكس «نية واضحة لفرض احتلال جديد لأراض لبنانية»، بحسب ما قال وزير الدفاع، ميشال منسى.

وسبق للجيش الإسرائيلي أن اجتاح جنوب لبنان بداية عام 1978، وأتبعه باجتياح أوسع نطاقاً في 1982 وصل حتى بيروت، بهدف معلَن، هو إبعاد منظمة التحرير الفلسطينية. وتراجعت القوات الإسرائيلية تباعاً، خلال الأعوام التالية، إلى أن أقامت ما عُرِف بمنطقة «الحزام الأمني» في جنوب البلاد.

إلى أي مدى يمكن أن يذهب التوغل الإسرائيلي هذه المرة؟

صورة من مدينة صور الساحلية الجنوبية تُظهر دخاناً يتصاعد من موقع غارة إسرائيلية استهدفت قرية المنصوري - 31 مارس 2026 (أ.ف.ب)

ما الذي يجري على الأرض؟

تتقدم أربع فرق عسكرية في جنوب لبنان، بحسب مصدر في الجيش الإسرائيلي.

وقال مصدر عسكري غربي في جنوب لبنان إن «الإسرائيليين يتقدمون على محور تلو الآخر، ويدمرون القرى الحدودية أثناء تقدمهم»، مشيراً إلى أن القوات الإسرائيلية سيطرت على بلدة الخيام المحاذية للحدود، في جنوب شرقي البلاد.

في المقابل، يعلن «حزب الله» يومياً تنفيذ هجمات متكررة ضد القوات الإسرائيلية. لكن المصدر الغربي قال إن هذه الهجمات لا تصد تقدم القوات، وإن الحزب يسعى «إلى تحقيق انتصارات رمزية، مثل تدمير دبابات (ميركافا)».

ويشرح الباحث المتخصص بالملف اللبناني في مجموعة الأزمات الدولية، ديفيد وود، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، أنه كلما مضت إسرائيل أعمق داخل لبنان، فإنها «تدخل نمطاً من الحرب قد يلائم (حزب الله) أكثر، أي حرب العصابات القائمة على الكر والفر».

وفي مقابل التقدُّم الإسرائيلي، أعلن الجيش اللبناني «إعادة تموضع وانتشار» قواته في أجزاء من جنوب لبنان. وأوضح مصدر عسكري لبناني أن الجيش ذا الإمكانيات المحدودة يخشى أن يتعرض للاستهداف أو الحصار، مشيراً إلى أن القوات الإسرائيلية توغلت في بعض الأماكن حتى 10 كيلومترات.

وأسفر القصف الإسرائيلي عن مقتل جندي لبناني في نقطة عسكرية بالجنوب. أما قوات الأمم المتحدة (يونيفيل)، فهي غير قادرة على وقف الاشتباكات، وقد خسرت ثلاثة من جنودها منذ بدء الحرب.

ماذا تريد إسرائيل؟

صرّح وزير الدفاع الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، الأسبوع الماضي، أن إسرائيل تريد السيطرة على جنوب نهر الليطاني، محذّراً من أن مئات الآلاف من السكان الذين نزحوا منها لن يعودوا قبل ضمان أمن شمال إسرائيل. كما توعّد بأنه «سيتم هدم كل المنازل في القرى المتاخمة للحدود في لبنان، على غرار نموذج رفح وبيت حانون في غزة».

وحذر وكيل الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية، توم فليتشر، من أن جنوب لبنان قد يصبح «أرضاً محتلة» أخرى في الشرق الأوسط.

ومنذ بدء الحرب، أصدر الجيش الإسرائيلي إنذارات للسكان بإخلاء مناطق واسعة في جنوب لبنان تتجاوز نهر الليطاني، وتمتد إلى شماله.

يرى الخبير بشؤون لبنان في جامعة تل أبيب، إيال زيسر، أنه ينبغي عدم التعامل مع تصريحات كاتس على أنها مسلّمات.

وقال في تصريحات لمكتب «وكالة الصحافة الفرنسية» في القدس إن كاتس «بارع في إطلاق التصريحات، لكن يجب دائما التحقق أولاً مما إذا كانت تتوافق كلياً» مع موقف رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو.

وكان نتنياهو أمر القوات بـ«توسيع نطاق» ما يُسمى «المنطقة الأمنية» في جنوب لبنان «من أجل تحييد خطر التسلل نهائياً (من جانب مقاتلي حزب الله) وإبعاد نيران الصواريخ المضادة للدروع عن الحدود».

ولم يأتِ رئيس الوزراء على ذكر احتلال طويل الأمد لجنوب لبنان، أو تهجير سكانه لفترات ممتدة.

شاحنة عسكرية إسرائيلية تحمل دبابة في منطقة الجليل الأعلى شمال إسرائيل بالقرب من الحدود مع لبنان في 31 مارس 2026 (أ.ف.ب)

هل يبدو الاحتلال ممكناً؟

احتلت إسرائيل أنحاء من جنوب لبنان اعتباراً من عام 1978، ووسّعت نطاق ذلك خلال اجتياح 1982، وقد تراجعت تدريجياً، لكنها أبقت على احتلالها لشريط داخل الأراضي اللبنانية بعمق يصل إلى 20 كيلومتراً حتى عام 2000.

وأتى الانسحاب الأخير بعد أعوام طويلة من المواجهات مع مقاتلي «حزب الله» الذي نشأ عقب اجتياح عام 1982، ونفّذ هجمات على مواقع القوات الإسرائيلية والمتعاملين معها في جنوب لبنان.

وقبل الحرب الراهنة، خاضت إسرائيل والحزب مواجهة بدأت في أكتوبر (تشرين الأول) 2023، وانتهت باتفاق لوقف إطلاق النار في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، وحتى بعد الاتفاق، ألحقت القوات الإسرائيلية أضراراً واسعة بقرى وبلدات حدودية أو دمرتها، عبر القصف والتفجير وتجريف مساحات زراعية. كما أبقت على قواتها في خمس نقاط لبنانية، وواصلت تنفيذ الغارات الجوية في مناطق عدة، مؤكدة أنها لن تسمح للحزب بترميم قدراته.

يشير المحلل وود إلى أن أي احتلال جديد لجنوب لبنان سيخلق «تهديدات أمنية جديدة» للدولة العبرية. ويقول: «إذا حرمت إسرائيل السكان من حق العودة إلى منازلهم وأراضيهم، فستظهر مجموعات مقاومة مسلحة، أو ستواصل مجموعات قائمة بالفعل خوض هذا النضال».


الحرب تفقد لبنان شريان الدولار: التحويلات تتراجع وخسائر بمئات الملايين

المصرف المركزي اللبناني (الوكالة الوطنية للإعلام)
المصرف المركزي اللبناني (الوكالة الوطنية للإعلام)
TT

الحرب تفقد لبنان شريان الدولار: التحويلات تتراجع وخسائر بمئات الملايين

المصرف المركزي اللبناني (الوكالة الوطنية للإعلام)
المصرف المركزي اللبناني (الوكالة الوطنية للإعلام)

بين 600 دولار كانت تصلها شهرياً، و200 دولار وصلتها في الشهر الأخير، تختصر أمّ لبنانية مسار الانحدار الذي أصاب أحد آخر مصادر دخلها التي توفر لها الاستقرار المالي. تقول: «كان ابني يرسل لي 600 دولار شهرياً، أعيش منها وأؤمّن دوائي وحاجاتي الأساسية. بعد الحرب، صار التحويل لا يتجاوز 200 دولار».

تختصر هذه الأم، أحوال اللبنانيين الذين تراجعت تحويلات ذويهم لهم من الاغتراب، إلى نسبة تتراوح بين 10 و15 في المائة، وذلك خلال الحرب التي تركت آثارها على دول كثيرة، كما على لبنان، لناحية التضخم والعراقيل التي تضغط على التحويلات. وحضر الملف المالي في اللقاء الذي جمع الرئيس اللبناني جوزيف عون بحاكم مصرف لبنان كريم سعيد، حيث تم عرض الأوضاع المالية والنقدية الراهنة، ومستوى الاستقرار النقدي، والإجراءات الاحترازية التي يتخذها المصرف المركزي بهدف الحفاظ على الاستقرار وتأمين السيولة في الأسواق.

انكماش متسارع وضغوط متزايدة

وصلت أصداء هذا الملف إلى الحكومة، حيث عرض وزير الاقتصاد اللبناني عامر البساط أمام مجلس الوزراء، الخميس، «تقديرات محدثة وفق معطيات الحرب»، مشيراً إلى «انكماش اقتصادي وتراجع في المداخيل بفعل النزوح الكثيف، مع ارتفاع ملحوظ في معدلات البطالة». وكشف عن «دراسات قطاعية وميدانية تُظهر تدهور المؤشرات، مقدّرة الانكماش بين 7 و10 في المائة، بالتوازي مع تباطؤ تدفق الأموال إلى البلاد».

وأكد أن «الوضع لا يزال مضبوطاً نسبياً، مع استمرار وزارة الاقتصاد في ملاحقة الاحتكار والغش عبر عشرات المحاضر والإحالات القضائية ومصادرة السلع المخالفة». وحذّر «من أن إطالة أمد الحرب سترفع المخاطر الاقتصادية»، لافتاً إلى أن التضخم يشكّل تحدياً حقيقياً، فيما لا يزال ميزان المدفوعات ضمن حدود مقبولة.

تأثير على حياة اللبنانيين

وتقول الأم اللبنانية لـ«الشرق الأوسط»: «كنت أرتّب حياتي على المبلغ الذي أتقاضاه شهرياً على أنه تحويل من ابني وهو 600 دولار، أدفع ثمن الدواء أولاً، ثم أؤمّن حاجات البيت. اليوم صرت أقنّن المصروف. حتى فاتورة الكهرباء لم أعد قادرة على دفعها بانتظام».

وتضيف: «أصبحت أشتري كميات أقل من كل شيء، وأؤجّل ما يمكن تأجيله. أحياناً أطلب الدواء بالدَّين من الصيدلية، لم أكن أتخيّل أن أصل إلى هنا».

في البقاع، يروي أبو محمد تجربة مشابهة: «ابني كان يرسل 400 دولار شهرياً، اليوم بالكاد تصل 200». ويضيف: «كنت أعتمد على هذا المبلغ لتغطية الإيجار والمصاريف الأساسية. الآن، كل شيء تغيّر. صرنا نعيش على التقسيط اليومي... نشتري بالحد الأدنى، ونؤجل كل شيء، الإيجار، الفواتير، حتى بعض الحاجات الأساسية». ويتابع «أحياناً نجتمع كعائلة لنقرّر ما الذي يمكن دفعه هذا الشهر وما الذي نؤجّله. هذا لم يكن موجوداً سابقاً. اليوم أصبح جزءاً من حياتنا اليومية».

العمود الفقري للاقتصاد يتآكل

ويؤكّد الخبير الاقتصادي وليد أبو سليمان، أنّ التحويلات المالية شكّلت «العمود الفقري للاقتصاد اللبناني منذ أزمة عام 2019»، مشيراً إلى أنّ «الاقتصاد يعتمد عليها بشكل أساسي لتأمين العملات الصعبة، في ظل استيراد لبنان نحو 85 في المائة من حاجاته الاستهلاكية».

ويوضح لـ«الشرق الأوسط» أنّ «حجم التحويلات السنوية يُقدّر بنحو 6 مليارات دولار، بينها نحو 3 مليارات من دول الخليج»، لافتاً إلى أنّ هذه التحويلات «بدأت تشهد تراجعاً ملموساً، حيث سُجّل انخفاض لا يقل عن 5 في المائة خلال الشهر الأول من الأزمة». مضيفاً: «تداعيات الأزمات لا تظهر فوراً، بل تبدأ بالتصاعد تدريجياً في الأشهر التالية، ما يعني أنّ الانخفاض مرشّح للتفاقم».

خسائر بمئات الملايين

ويتوقّع أبو سليمان أن «تتراجع التحويلات بنسبة تتراوح بين 10 و15 في المائة، أي ما يعادل خسارة سنوية تتراوح بين 450 و500 مليون دولار، وهو ما يوازي نحو 40 مليون دولار شهرياً»، مشيراً إلى أنّ «هذه الخسارة تترافق مع فقدان عدد من اللبنانيين وظائفهم في الخليج، ما يفاقم الضغوط الداخلية مع عودتهم إلى لبنان».

ويشير إلى أنّ الحرب أثّرت أيضاً على موارد العملة الصعبة الأخرى، ولا سيما القطاع السياحي، قائلاً إن «المواسم التي كانت تضخ دولارات إلى السوق، مثل فترة عيد الفصح، غابت هذا العام، ما يزيد من وتيرة نزف العملات الأجنبية». مضيفاً أنّ «ارتفاع أسعار النفط عالمياً يفاقم الأزمة، إذ إن لبنان من أكثر الدول تضرراً من تكلفة الطاقة»، موضحاً أنّ «الخزينة تتحمّل أعباء إضافية تُقدّر بنحو 18 في المائة نتيجة هذه الزيادات».

جمعية مصارف لبنان (الوكالة الوطنية للإعلام)

ويشدّد على أنّ التضخم العالمي ينعكس مباشرة على لبنان، قائلاً: «نحن لا نستورد السلع فقط، بل نستورد معها التضخم، في ظل غياب الإنتاج المحلي والاكتفاء الذاتي». محذراً من أنّ «الواقع الاقتصادي مرشح لمزيد من التدهور إذا استمرت الحرب». معتبراً أنّ لبنان «يواجه اليوم مزيجاً من أزمات محلية وإقليمية وعالمية، تشمل تداعيات النزاعات في المنطقة وارتفاع أسعار النفط عالمياً، إضافة إلى عبء النزوح، ما يجعل الوضع الحالي أسوأ من أزمات سابقة شهدها البلد».

تراجع مستمر وأُفق ضبابي

في المقابل، يرى الخبير الاقتصادي البروفسور جاسم عجاقة، أنّ «التحويلات المالية إلى لبنان سجّلت تراجعاً ملحوظاً»، مشيراً لـ«الشرق الأوسط» إلى أنّ «الانخفاض كان بحدود 5 في المائة في الأسبوع الماضي، لكن مع استمرار التطورات قد نكون اليوم بين 5 و10 في المائة، من دون وجود رقم دقيق بسبب تغيّر المعطيات بشكل مستمر».

ويوضح أنّ «هذا التراجع له تفسير منطقي، إذ إنّ اللبنانيين العاملين في دول الخليج وأوروبا تأثروا بدورهم بتباطؤ الأوضاع الاقتصادية هناك»، لافتاً إلى أنّ «الأزمة لم تعد محصورة ببلد أو منطقة، بل هي أزمة عالمية تطال مختلف الدول، وإن كانت تداعياتها تختلف من مكان إلى آخر».

ويشدّد على أنّ «تحويلات المغتربين تُعدّ عنصراً أساسياً وجوهرياً، إلى جانب السياحة التي يساهم فيها المغتربون بالدرجة الأولى»، مضيفاً أنّ «القطاع السياحي متوقف بالكامل تقريباً، ويمكن القول إن الموسم قد طار، وحتى الموسم الصيفي المقبل ليس مضموناً، إذ إن التعافي لن يكون سريعاً حتى في حال انتهاء الحرب».

ويشير إلى أنّ «إيرادات السياحة كانت تُقدّر بين 4 و4.5 مليار دولار سنوياً، وهي تُعدّ مصدراً مهماً للعملة الصعبة»، لافتاً إلى أنّ «الصادرات أيضاً ستتراجع، مع توقّعات بانخفاضها بنحو 10 في المائة، نتيجة تضرر القطاع الزراعي في الجنوب والبقاع، وارتفاع تكلفة الإنتاج الصناعي بسبب ارتفاع أسعار النفط».

الدولار ينكمش... والمخاطر تتوسع

ويعتبر عجاقة أنّ «تحويلات المغتربين تُشكّل اليوم عنصر الصمود الأخير لكثير من العائلات اللبنانية، إلا أنّ هذا العنصر بدأ يتعرض للضرب مع التراجع الحالي»، محذراً من أنّ «أخطر التداعيات تتمثل في نقص الدولارات في السوق، ما يطرح تساؤلات حول القدرة على تمويل الاستيراد من محروقات ومواد غذائية وأدوية».

ويوضح أنّ «أي حل مرحلي قد يكون عبر تدخل مصرف لبنان وتمويل الاستيراد من احتياطاته بالعملات الأجنبية، لكن ذلك يضع الاقتصاد فيما يشبه إدارة الأزمة، حيث كلما طال أمدها تفاقمت التداعيات». مشيراً إلى أنّ «الضغوط لا تقتصر على العوامل الاقتصادية، بل تشمل أيضاً إجراءات تؤدي إلى الحد من تدفق الدولار إلى الداخل، ما ينعكس مزيداً من التراجع في الكتلة النقدية بالدولار».


لبنان يحتوي أزمة السفير الإيراني: المعالجة بين عون وبري... و«الثنائي» يعود إلى الحكومة

رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام يتحدث مع وزير الصحة راكان ناصر الدين أحد ممثلي «حزب الله» في الحكومة قبل جلسة مجلس الوزراء (رئاسة الحكومة)
رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام يتحدث مع وزير الصحة راكان ناصر الدين أحد ممثلي «حزب الله» في الحكومة قبل جلسة مجلس الوزراء (رئاسة الحكومة)
TT

لبنان يحتوي أزمة السفير الإيراني: المعالجة بين عون وبري... و«الثنائي» يعود إلى الحكومة

رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام يتحدث مع وزير الصحة راكان ناصر الدين أحد ممثلي «حزب الله» في الحكومة قبل جلسة مجلس الوزراء (رئاسة الحكومة)
رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام يتحدث مع وزير الصحة راكان ناصر الدين أحد ممثلي «حزب الله» في الحكومة قبل جلسة مجلس الوزراء (رئاسة الحكومة)

احتوى لبنان، الخميس، الأزمة المترتبة على إبعاد السفير الإيراني، محمد رضا شيباني، من بيروت، إذ استأنف وزراء الثنائي «حزب الله» و«حركة أمل» المشاركة في جلسات مجلس الوزراء، فيما تُرك أمر معالجة التداعيات لتواصلٍ بين رئيسَي؛ الجمهورية جوزيف عون، والبرلمان نبيه بري، كما أُرجئت أزمة أخرى متصلة بقرار فصل جناحَي «حزب الله»؛ «العسكري» و«السياسي»، إلى ما بعد الحرب، رغم مناقشة ملف متصل به، في جلسة الحكومة الخميس.

جانب من جلسة مجلس الوزراء في السراي الحكومي برئاسة سلام (رئاسة الحكومة)

وترأس رئيس الحكومة، نواف سلام، جلسة لمجلس الوزراء شارك فيها وزراء «الثنائي الشيعي» الذين قاطعوا الجلسة الماضية على خلفية قرار وزارة الخارجية الذي عدّ السفير الإيراني، محمد رضا شيباني، «شخصاً غير مرغوب فيه»؛ مما أثار أزمة سياسية بين «الثنائي الشيعي» وباقي مكونات الحكومة. وأثمرت الاتصالات السياسية في الأسبوع الماضي ما تشبه «تسوية»؛ تقوم على أن وزارة الخارجية لا تتراجع عن قرارها، فيما لا يغادر السفير الإيراني الأراضي اللبنانية.

وقالت مصادر وزارية شاركت في جلسة مجلس الوزراء لـ«الشرق الأوسط»، إن قرار وزارة الخارجية بحق السفير الإيراني «تُرك للمعالجة بالتواصل السياسي بين الرئيس اللبناني جوزيف عون، ورئيس البرلمان نبيه بري»؛ مما يعني أن هذه الأزمة حُيّدت للمعالجة من خارج مجلس الوزراء، فيما تٌستأنف المشاركة في الجلسات. وجاء هذا المخرج، بعد اتصالات بين القوى السياسي ورئيسَي الجمهورية والحكومة لإيجاد الحل.

وفي حين ناقشت الجلسة الوزارية «بنوداً عادية»، مثل الموافقة على قرضين لمصلحة وزارة المال ووزارة الصحة، طُرح للنقاش ملف إرسال وزارة الخارجية إلى مجلس الأمن والأمين العام للأمم المتحدة، رسالة مرفقة بنص قرار الحكومة الصادر في 2 مارس (آذار) الماضي، الذي يحظر الأنشطة العسكرية لـ«حزب الله».

وقالت المصادر الوزارية إن هذا الملف طُرح للنقاش، «وأوضح وزير الخارجية، يوسف رجّي، ورئيس الحكومة أن هذه الرسالة روتينية، لا تبعات قانونية لها، وهي مرتبطة بالقرار (1701)» الصادر عن مجلس الأمن بعد حرب يوليو (تموز) 2006.

من جهته، قال وزير يمثّل «الثنائي الشيعي» لـ«الشرق الأوسط» إن القرار نفسه الذي اتخذته الحكومة في جلسة 2 مارس، لم يُبحث، مضيفاً أن النقاش فيه «لن يكون في ظل الحرب، أما بعدها؛ فلكل حادث حديث».

ويشير ذلك إلى أن القرار المذكور، الذي يفرق بين جناحي «حزب الله»؛ «السياسي» و«العسكري»، هو مادة خلافية، ويُفهم على أنه أزمة مؤجلة إلى ما بعد الحرب، بالنظر إلى أن «حزب لله» يرفض هذا القرار.

لبناني نزح مع عائلته من الضاحية الجنوبية إلى وسط بيروت (رويترز)

وكانت وزارة الخارجية بعد جلسة مجلس الوزراء يوم 2 مارس الماضي، بعثت برسالة إلى الأمم المتحدة ومجلس الأمن، أبلغتهما فيها أنه «في ضوء الأوضاع المستجدّة بالمنطقة؛ بما في ذلك في لبنان، نودعكم؛ ربطاً، القرار الذي اعتمده مجلس الوزراء بشأن حظر الأنشطة العسكريّة والأمنية لـ(حزب الله)، وإلزامه بتسليم سلاحه». وطالبت وزارة الخارجية اللبنانية الأمم المتحدة بتعميم الرسالة والقرار الحكومي المرفق، بوصفهما «وثيقةً من وثائق الجمعيّة العامّة في إطار (البند الـ34) من جدول الأعمال، ومن وثائق مجلس الأمن».

سلام

وكان رئيس الحكومة قال في مستهل الجلسة: «انقضى شهرٌ على حربٍ مدمّرة، حذّرنا منها، وخشيَ معظم اللبنانيين اندلاعها، ورأوا أنّها فُرضت على بلدنا... لقد مضى شهرٌ على إعلان مجلس الوزراء رفضه التام أي عملٍ عسكري خارج مؤسسات الدولة الشرعية، وتأكيده أنّ قرار الحرب والسلم يجب أن يبقى حصراً بيد الدولة». وتابع: «أرى لزاماً عليَّ، وعلى مجلس الوزراء، أن نُجدّد حرصنا على تجنيب لبنان المزيد من المآسي والخسائر جرّاء الاعتداء على سيادته وعلى مدنه وقراه. كما أُجدّد التزامنا العمل بالوسائل المتاحة كافةً من أجل وقف الحرب. لذلك؛ لن نألو جهداً في سبيل حشد الدعم العربي والدولي، بظلّ الأوضاع الإقليمية المتفجّرة التي حوّلت لبنان مرّةً أُخرى ساحةً من ساحات النزاع المحتدم في المنطقة كلّها».

وتابع: «لقد أصبح لبنان ضحيةَ حربٍ لا يمكن أن يجزم أحدٌ بنتائجها أو موعد انتهائها. وهذا ما يدعونا إلى مضاعفة مساعينا السياسية والدبلوماسية لجهة وقف التعديات المتواصلة على سيادتنا وسلامة أراضينا، وإدانة الخروقات الفاضحة للقانون الدولي والقانون الدولي الإنساني»، مشدداً على أنّه «لا شيء يكرّس ربط الصراع على أرضنا بحروب الآخرين، التي لا مصلحة وطنية لنا فيها لا من قريبٍ ولا من بعيد، أكثر ممّا يُعلن عنه من أعمالٍ عسكرية كعملياتٍ مشتركة ومتزامنة مع (الحرس الثوري) الإيراني».