هدنة غزة: قرار مجلس الأمن «بلا أنياب»... والتنفيذ «محل شك»

المفوض العام لوكالة «أونروا» فيليب لازاريني مخاطباً أعضاء مجلس الأمن عبر دائرة تلفزيونية مغلقة (أ.ب)
المفوض العام لوكالة «أونروا» فيليب لازاريني مخاطباً أعضاء مجلس الأمن عبر دائرة تلفزيونية مغلقة (أ.ب)
TT

هدنة غزة: قرار مجلس الأمن «بلا أنياب»... والتنفيذ «محل شك»

المفوض العام لوكالة «أونروا» فيليب لازاريني مخاطباً أعضاء مجلس الأمن عبر دائرة تلفزيونية مغلقة (أ.ب)
المفوض العام لوكالة «أونروا» فيليب لازاريني مخاطباً أعضاء مجلس الأمن عبر دائرة تلفزيونية مغلقة (أ.ب)

بعد أربع محاولات فاشلة لإصدار قرار بشأن غزة في مجلس الأمن الدولي، جاءت المحاولة الخامسة لتتبنى قراراً يدعو إلى «إقامة هُدن وممرات إنسانية عاجلة في جميع أنحاء قطاع غزة والإفراج الفوري عن جميع الرهائن»، وسط امتناع أميركي سواء عن التصويت، أو عن استخدام حق النقض «فيتو».

القرار الذي انتظرته الأوساط الفلسطينية والعربية على مدى 6 أسابيع من بدء العدوان الإسرائيلي على غزة، في أعقاب عملية «طوفان الأقصى» التي نفذتها حركة «حماس»، وعناصر من فصائل المقاومة الفلسطينية ضد إسرائيل في 7 أكتوبر (تشرين الأول)، لاقى قبولاً عربياً «فاتراً» ورفضاً إسرائيلياً «قاطعاً»، فيما شكك دبلوماسيون سابقون وخبراء بالقانون والمنظمات الدولية في قابليته للتنفيذ، وعدّوه «بلا أنياب»، بحسب إفادات لـ«الشرق الأوسط».

وصدر قرار مجلس الأمن، مساء الأربعاء، بتأييد 12 عضواً وامتناع الولايات المتحدة وروسيا والمملكة المتحدة عن التصويت، وفقاً لموقع الأمم المتحدة، فيما رفضت وزارة الخارجية الإسرائيلية فكرة السماح بـ«فترات توقف إنسانية ممتدة» في قطاع غزة، والتي دعا إليها قرار مجلس الأمن «ما دامت حركة (حماس) تحتجز 239 رهينة».

وأوضح المجلس أنه يجب أن تستمر فترات التوقف المؤقت «لعدد كاف من الأيام لتمكين الوصول الإنساني الكامل والسريع والآمن، ودون عوائق للوكالات الإنسانية التابعة للأمم المتحدة وشركائها المباشرين». ولم يذكر القرار، الذي عرضته مالطا، إسرائيل بالاسم في النص بأكمله، ولم تُذكر حركة «حماس» إلا في مطالبة بإطلاق سراح الرهائن الإسرائيليين المختطفين في قطاع غزة.

قرار «بلا قيمة»

الدكتور سعيد الصديقي، أستاذ العلاقات الدولية والقانون الدولي بجامعة «سيدي محمد بن عبد الله» بفاس، أعدّ قرار مجلس الأمن بـ«بلا قيمة كبيرة»، متوقعاً ألا تنفذه إسرائيل، التي يصفها بأنها «اعتادت انتهاك القانون الدولي، وصاحبة باع طويل في التملص من القرارات الدولية وبخاصة المتعلقة بالقضية الفلسطينية».

مندوب فلسطين رياض منصور يلقي كلمة خلال الجلسة مساء الأربعاء (إ.ب.أ)

وقال الصديقي لـ«الشرق الأوسط» إنه في أحسن الأحوال فإن إسرائيل قد «تنفذه جزئياً»، أو تسعى إلى التنصل من التنفيذ عبر اتهام فصائل المقاومة الفلسطينية بأنها انتهكت الهدن المحدودة، مشيراً إلى أن القرار «لا يوفر حماية لسكان غزة، ولا يعدو كونه استراحة مؤقتة من القصف والتدمير الإسرائيلي».

ويرى الدكتور محمد محمود مهران، المتخصص في القانون الدولي العام، وخبير النزاعات الدولية، قرار مجلس الأمن «خطوة إيجابية نحو حماية المدنيين ووقف معاناتهم، رغم ما يكتنفه من نقص واضح بعدم الدعوة لوقف إطلاق النار»، مشدداً على أنه «يتعين الآن الضغط من أجل تنفيذه بحزم، وضمان وصول المساعدات، وإنهاء الحصار».

وقال مهران لـ«الشرق الأوسط» إن الإضافة التي اقترحها مندوب روسيا للنص الأصلي للقرار، والتي يدعو فيها إلى هدنة إنسانية دائمة تؤدي إلى وقف إطلاق النار، كانت ستعزز من فاعلية القرار، لكن هذا التعديل لم يحظَ بالتأييد الكافي داخل مجلس الأمن، ورفضته الولايات المتحدة، وهو ما يكشف استمرار الانقسامات العميقة بين الدول دائمة العضوية، وتمسكها بمواقفها من الأزمة.

حماية أميركية لإسرائيل

في المقابل، يبدي السفير بركات الفرا، الدبلوماسي الفلسطيني السابق وخبير المنظمات الدولية، تشاؤماً واضحاً من إمكانية إلزام إسرائيل بتنفيذ القرار، الذي يصفه بأنه «بلا أنياب، ولا يتضمن أي إشارة لوقف إطلاق النار»، ورغم أنه حتى لم يسمِ إسرائيل لكنها سارعت إلى رفضه.

وتوقع الفرا، الذي فقدت عائلته 43 شهيداً في مدينة خان يونس بقطاع غزة، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن تبادر الولايات المتحدة بالتحرك لحماية حكومة الاحتلال من أي مساءلة في مجلس الأمن، بينما ستواصل إسرائيل قصف المدنيين بلا هوادة وحصارهم بلا رحمة.

ولم يفلح مجلس الأمن على مدى الأسابيع الماضية في تبني موقف مشترك حتى يوم الأربعاء. وفشلت المسودات السابقة لقرارات تتعلق بالحرب في غزة بسبب استخدام الولايات المتحدة حق «الفيتو» من جهة، وروسيا والصين من جهة أخرى. فيما مررت الجمعية العامة للأمم المتحدة، نهاية الشهر الماضي، بأعضائها الـ193 بأغلبية كبيرة قراراً تقدمت به المجموعة العربية في الجمعية العامة كان أكثر انتقاداً لإسرائيل، إلا أن القرار غير ملزم بموجب القانون الدولي.

مندوب الصين ورئيس مجلس الأمن تشانغ جون يلقي كلمة خلال الجلسة مساء الأربعاء (إ.ب.أ)

شكوك حول التنفيذ

ولم يكن سؤال «تنفيذ القرار» مؤرقاً لسكان غزة والمتعاطفين معهم فحسب، بل كان محل اهتمام من رئيس مجلس الأمن نفسه، إذ ذكر تشانغ جون، مندوب الصين الدائم لدى الأمم المتحدة، الذي تتولى بلاده الرئاسة الحالية للمجلس، أن فاعلية قرارات مجلس الأمن «تكمن في تنفيذها، والمفتاح يكمن في أن تُنفذ الأطراف المعنية أحكام القرار بحذافيرها».

وقال المندوب الصيني، في توضيح للتصويت عقب اعتماد القرار، إن من الضروري أن ينشئ مجلس الأمن آلية لاتخاذ إجراءات متابعة لمراقبة التنفيذ والإبلاغ عنه.

وهنا يرى الدكتور سعيد الصديقي ضرورة تنظيم «حملة دولية منسقة» تستهدف حلفاء إسرائيل، وبخاصة الولايات المتحدة، لتضغط على سلطات الاحتلال لوقف هجماتها واجتياحها البري لغزة، يوافقه في ذلك السفير بركات الفرا، الذي يعتقد أن ممارسة الضغط الرسمي والشعبي على المصالح الأميركية في المنطقة هو «المسار الصحيح»؛ لدفع واشنطن إلى التجاوب، معتبراً أن المضي في المسار القانوني في المنظمات الدولية التي باتت تجسيداً لازدواجية المعايير «إضاعة وقت».

في المقابل، يقول الدكتور مهران إن قرارات مجلس الأمن «ملزمة لإسرائيل حتى ولو رفضتها»، مستشهداً بالمادة 25 من ميثاق الأمم المتحدة، التي تنص على إلزامية قرارات مجلس الأمن، ويشدد على ضرورة اتخاذ المجلس إجراءات جادة لضمان التزام إسرائيل بتنفيذ القرار، بما في ذلك فرض عقوبات عليها، وفقاً للفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة.

ويلفت الخبير الدولي إلى عدة إجراءات قانونية وسياسية يكفل القانون الدولي اتخاذها ضد إسرائيل، في حال امتناعها عن تنفيذ قرار مجلس الأمن، منها إصدار قرار يدين إسرائيل، ويمكن فرض عقوبات اقتصادية عليها وفق الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة والتي تصل لاستخدام القوة.

كما يمكن، بحسب مهران، فرض عقوبات دبلوماسية مثل طرد إسرائيل أو تعليق عضويتها في المنظمات والهيئات الدولية، بالإضافة إلى دعوة الدول إلى سحب السفراء وقطع العلاقات الدبلوماسية معها، وإحالة الوضع للمدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية بشأن الجرائم المرتكبة في غزة، وانتهاك القانون الدولي الإنساني، ويمكن أيضاً طلب تدخل الجمعية العامة للأمم المتحدة وفق المادة 12 من ميثاق الأمم المتحدة؛ لاتخاذ مزيد من الإجراءات.

إلا أن كل تلك الإجراءات، رغم حجيتها القانونية، لكنها تصطدم بواقع «الحماية الأميركية» لإسرائيل، حسبما يرى الفرا والصديقي، والتي ضمنت لتل أبيب الإفلات من أي مساءلة دولية على مدى 7 عقود.


مقالات ذات صلة

أميركا لـ«تحالف شركاء»... وعشرات الدول تطالب بفتح «هرمز»

شؤون إقليمية اجتماع مجلس الأمن حول الممرات المائية (رويترز)

أميركا لـ«تحالف شركاء»... وعشرات الدول تطالب بفتح «هرمز»

طالبت عشرات الدول بإعادة فتح مضيق هرمز، الذي أغلقته إيران، التي تصادمت أيضاً مع الولايات المتحدة على خلفية اختيار طهران لعضوية مؤتمر منع الانتشار النووي.

علي بردى (واشنطن)
الولايات المتحدة​  الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش (د.ب.أ)

مرشحون لخلافة غوتيريش يعرضون برامجهم أمام الأمم المتحدة هذا الأسبوع

يَمْثل المرشحون الأربعة لخلافة الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش هذا الأسبوع، أمام ممثلي الدول الأعضاء في الأمم المتحدة للردّ على أسئلتهم وعرض برامجهم.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
شمال افريقيا مبعوثة الأمم المتحدة في ليبيا هانا تيتيه خلال إحاطة أمام مجلس الأمن الدولي في فبراير الماضي (البعثة الأممية)

ماذا تحمل إحاطة تيتيه من مقاربات أمام مجلس الأمن لحلحلة الأزمة الليبية؟

تتجه الأنظار لإحاطة المبعوثة الأممية إلى ليبيا هانا تيتيه، أمام مجلس الأمن الدولي في 22 أبريل (نيسان) الجاري، وسط ترقب سياسي لما يمكن أن تحمله من مقاربات جديدة.

علاء حموده (القاهرة)
شمال افريقيا جلسة مجلس الأمن بشأن ليبيا في نيويورك الثلاثاء (لقطة من تسجيل مصور)

شكوك وتساؤلات حول جدوى القيود الأممية على تهريب النفط الليبي

أثار قرار مجلس الأمن الدولي القاضي بتمديد التدابير والقيود الخاصة بمكافحة تهريب النفط الليبي حتى أغسطس 2027 شكوكاً متجددة حول جدوى هذه الإجراءات

علاء حموده (القاهرة)
شؤون إقليمية المندوب الروسي فاسيلي نيبينزيا رافعاً يده خلال استخدام حق النقض (الفيتو) ضد مشروع قرار قدَّمته البحرين حول الملاحة في هرمز (أ.ف.ب)

روسيا والصين تجهضان بـ«الفيتو» مشروع «هرمز» في مجلس الأمن

فشل مجلس الأمن في التعامل مع واحدة من أخطر الأزمات العالمية منذ انشائه إذ استخدمت كل من روسيا والصين حق النقض «الفيتو» لتعطيل نص حول حرية الملاحة في هرمز.

علي بردى (واشنطن)

إصابة جنديين اثنين بغارة إسرائيلية على قوات لبنانية وفِرق إنقاذ

جنود إسرائيليون في منطقة حدودية لبنانية أصابها الدمار (أ.ف.ب)
جنود إسرائيليون في منطقة حدودية لبنانية أصابها الدمار (أ.ف.ب)
TT

إصابة جنديين اثنين بغارة إسرائيلية على قوات لبنانية وفِرق إنقاذ

جنود إسرائيليون في منطقة حدودية لبنانية أصابها الدمار (أ.ف.ب)
جنود إسرائيليون في منطقة حدودية لبنانية أصابها الدمار (أ.ف.ب)

أعلن الجيش اللبناني، اليوم الثلاثاء، إصابة اثنين من جنوده بـ«استهداف إسرائيلي مُعادٍ»، أثناء عملية إنقاذ في جنوب لبنان، حيث تُواصل إسرائيل شنّ ضربات، رغم وقف إطلاق النار مع «حزب الله».

وأورد الجيش اللبناني، في بيان، أن «عسكريَّين أُصيبا بجروحٍ جراء استهداف إسرائيلي مُعادٍ لدورية للجيش، مع عناصر من الدفاع المدني وجرافتين مدنيتين في بلدة مجدل زون - صور أثناء عملية إنقاذ مواطنين».

وأفاد جهاز الدفاع المدني اللبناني بأن 3 من عناصره محاصرون تحت الأنقاض بعد الغارة الإسرائيلي.


متحدث «حماس»: ربط ملادينوف كل المسارات بملف السلاح يشوه خطة ترمب

مشيعون يبكون بجوار جثة طفل في مستشفى بمدينة غزة (أ.ف.ب)
مشيعون يبكون بجوار جثة طفل في مستشفى بمدينة غزة (أ.ف.ب)
TT

متحدث «حماس»: ربط ملادينوف كل المسارات بملف السلاح يشوه خطة ترمب

مشيعون يبكون بجوار جثة طفل في مستشفى بمدينة غزة (أ.ف.ب)
مشيعون يبكون بجوار جثة طفل في مستشفى بمدينة غزة (أ.ف.ب)

انتقد متحدث حركة «حماس»، حازم قاسم، أفكار الممثل الأعلى لغزة في «مجلس السلام»، نيكولاي ملادينوف، وذلك قبيل محادثات مرتقبة بالقاهرة، مؤكداً أن ربط كل المسارات بملف السلاح يشوه خطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب.

ودعا قاسم واشنطن للضغط على إسرائيل لوقف خروقات وقف إطلاق النار بالقطاع، مضيفاً: «نتعاطى باهتمام مع طروحات الوسطاء الأخيرة، وسيجري نقاشها معهم، وبحضور الفصائل الفلسطينية».

ورأى قاسم، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، الثلاثاء، أن الأفكار التي طرحها ملادينوف سابقاً «تتعارض مع الإطار العام لخطة ترمب، وتربط بشكل مشوه كل المسارات بالتعامل مع موضوع السلاح الفلسطيني».

ويُعدّ نزع سلاح «حماس» أبرز بنود «خطة ملادينوف» التي أعلنها في «مجلس الأمن» أواخر مارس (آذار) الماضي. وتتضمن، حسب بنود نشرتها وسائل إعلام أميركية وإقليمية، موافقة الحركة الفلسطينية على تدمير شبكة الأنفاق، والتخلي عن السلاح على مراحل خلال 8 أشهر، على أن تنسحب القوات الإسرائيلية من القطاع بالكامل عند «التحقق النهائي من خلو غزة من السلاح».

ومن المنتظر عقد لقاءات في الأيام المقبلة بين الوسطاء والحركة، بعد وصول متوقع لوفد من الحركة، برئاسة خليل الحية إلى القاهرة، الثلاثاء.

إغلاق الملف «دُفعة واحدة»

دعا متحدث «حماس» الولايات المتحدة إلى «الضغط الجادّ» على حكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لإلزامها باتفاق وقف إطلاق النار الذي رعاه ترمب، «بما في ذلك تنفيذ كامل للمرحلة الأولى، ووقف الخروقات».

ومن المنتظر أن تُعقد في غضون شهر تقريباً جولة محادثات ثالثة بالقاهرة، يقول خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» إنها يجب أن تشهد ضمانات على إغلاق ملف الحرب في المنطقة، سواء مع إيران أو لبنان أو غزة، دُفعة واحدة؛ لافتين إلى إمكانية التوصل للإعلان عن جاهزية الفصائل لنزع السلاح ثم ترك التفاصيل للنقاش لاحقاً.

فلسطينيون ينتظرون الطعام من مطبخ خيري في مخيم النصيرات للاجئين وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

وفي مقابلة مع قناة «فوكس نيوز»، قال وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو: «نحن نولي هذا الأمر (غزة) اهتماماً بالغاً، وأُحرز بعض التقدم في هذا الملف رغم التصريحات العلنية من (حماس)، ولكن في نهاية المطاف علينا أن نرى هذا الاتفاق يتحقق، ونأمل أن نسمع أخباراً سارة في الأيام القليلة المقبلة».

وأضاف: «أعلم أن شركاءنا في مصر وتركيا يشاركون في هذه العملية، وظهرت بعض المؤشرات الواعدة خلال عطلة نهاية الأسبوع تُشير إلى أننا نقترب من التوصل إلى اتفاق بشأن نزع سلاحهم، ولكن هذا أمر لا بد منه، فنجاح هذا المشروع برمته مرهون بنزع سلاح (حماس)، وإلى أن يحدث ذلك، سيبقى كل شيء موضع شك»، بحسب ما نقلته «سي إن إن» الأميركية، الثلاثاء.

حراك مكثف

المحلل السياسي الفلسطيني أيمن الرقب قال إنه على مدار شهر تقريباً عُقد أكثر من اجتماع بالقاهرة، وطالبت الفصائل الفلسطينية بضرورة تطبيق باقي المرحلة الأولى قبل الذهاب للمرحلة الثانية، وقدَّم الوسطاء مقترحاً بدمج المرحلتين من أجل تجاوز كل القضايا الخلافية، حيث برز ملف نزع سلاح غزة كأساس للانتقال للمرحلة الثانية.

ولفت الرقب، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن الفصائل الفلسطينية «أوضحت خشيتها من أن يدفع نزع السلاح إلى حرب أهلية، وطلبت تأجيل تنفيذ هذا الملف حتى يتم ترتيب الوضع الأمني الداخلي الفلسطيني مع توافق فلسطيني».

ويخشى الرقب أن «تعتبر إسرائيل هذا الموقف بمثابة رفض لتنفيذ خطة ترمب»، مضيفاً أنه «من الأفضل أن تعلن الفصائل الفلسطينية جاهزيتها لنزع السلاح ثم تترك التفاصيل للنقاش لاحقاً».

ويعتقد الرقب أن تصريحات روبيو قد تكون دوافعها نجاح جهد الوسطاء في إقناع حركة «حماس» وباقي الفصائل «بالإعلان عن موافقتها المبدئية على نزع السلاح وترك التفاصيل وآلية التنفيذ خلال جلسات نقاش لاحقة».

تفاؤل حذر

وكانت مصادر قد لفتت في حديث إلى «الشرق الأوسط»، الاثنين، إلى أن ملادينوف سيزور إسرائيل لعدة ساعات قبل وصوله القاهرة، ظهر الثلاثاء، كما هو متفق عليه في جدول الأعمال.

وقالت المصادر إن ملادينوف سيبحث مع مسؤولين إسرائيليين تطورات المحادثات التي جرت مع «حماس» مؤخراً، إلى جانب الاستماع لأي ملاحظات إسرائيلية على المقترحات الجديدة التي صيغت بالتنسيق مع الوسطاء.

وبرأي المحلل في الشأن الإسرائيلي بمركز «الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية»، سعيد عكاشة، فإنه عند ضم حديث روبيو المتفائل مع تحركات ملادينوف والوسطاء «نستشعر أن ثمة محاولات دولية لغلق ملف الحرب الأميركية الإسرائيلية مع إيران وغزة ولبنان مرة واحدة».

وأضاف عكاشة، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «ملف السلاح معقد، وإيجاد اختراقات بشأنه يتوقف على التنازلات والضمانات التي ستُقدم، وهذه ستكون أموراً شاقة في التفاوض»، مشيراً إلى أن اتفاق غزة في وضع صعب، والتفاؤل يجب أن يكون حذراً لنجاح مسار السلام نجاحاً حقيقياً.


تسريب مقاطع كاميرات المراقبة في سجن صيدنايا يثير الريبة في توقيته

صور مقتطعة من الفيديوهات المسربة لمسؤولين أمنيين وحرس في سجن صيدنايا الثلاثاء
صور مقتطعة من الفيديوهات المسربة لمسؤولين أمنيين وحرس في سجن صيدنايا الثلاثاء
TT

تسريب مقاطع كاميرات المراقبة في سجن صيدنايا يثير الريبة في توقيته

صور مقتطعة من الفيديوهات المسربة لمسؤولين أمنيين وحرس في سجن صيدنايا الثلاثاء
صور مقتطعة من الفيديوهات المسربة لمسؤولين أمنيين وحرس في سجن صيدنايا الثلاثاء

أثارت مقاطع فيديو بثها مجهولون، فجر الثلاثاء، لمشاهد من داخل سجن صيدنايا، سُجلت قبل أيام قليلة من الإطاحة بنظام الأسد، جدلاً واسعاً حول هوية الجهة التي استولت على الأرشيف الرقمي لكاميرات المراقبة في سجن صيدنايا، وتوقيت نشرها.

وطالب نشطاء وأهالي ضحايا وجهات حقوقية الحكومة السورية بالتحرك السريع لمعالجة هذه المسألة البالغة الحساسية محذرين من استمرار تداول المقاطع بشكل مريب، والاستهانة بمشاعر مئات الآلاف من الضحايا وذوي الشهداء والمفقودين.

وتداولت منصات التواصل الاجتماعي، الثلاثاء، على نطاق واسع صوراً قيل إنها تعود لسجانين من داخل سجن صيدنايا، وذلك ضمن مقاطع فيديو مسربة من أرشيف كاميرات مراقبة داخل السجن تُنشر للمرة الأولى، حيث ظهر تاريخ أحدها في الثاني من ديسمبر (كانون الأول) 2024، أي قبل نحو 6 أيام من الإطاحة بنظام بشار الأسد.

رجل يحمل حبليْ مشنقة تم العثور عليهما في «سجن صيدنايا» العسكري شمال دمشق... 9 ديسمبر (أ.ب)

وبحسب المعلومات المتداولة، فإن حساباً مجهولاً على «فيسبوك» باسم «حيدر التراب»، نشر 3 مقاطع ثم قام بحذفها، إلا أنها كانت قد انتشرت بسرعة، وأُعيد تداولها على نطاق واسع في المنصات السورية المحلية.

وتظهر المقاطع تفاصيل غرف الانتظار والاستقبال وقاعة المراقبة المزودة بعشرات الشاشات لرصد الزنازين وجميع أقسام سجن صيدنايا. ويرجح ناشطون أن مجهولين استولوا على وحدات التخزين «الهاردات» في السجن ليلة سقوط النظام، في 8 ديسمبر 2024 والتي شهدت فُتح سجن صيدنايا، أكبر السجون السورية وأكثرها إثارة للرعب، فقد ارتبط اسمه بآلاف المعتقلين والمفقودين منذ عام 2013.

ولم يصدر رد فعل رسمي لغاية كتابة التقرير حول تلك التسريبات التي وصفت بـ«الحساسة والخطيرة» لارتباطها بأحد أكثر الملفات السورية تعقيداً، الأمر الذي زاد الالتباس حول الغاية من نشر التسريبات على هذا النحو المريب، وإذا كان الهدف ابتزازاً مالياً أو سعياً وراء الشهرة وشغل الرأي العام وافتعال الجدل للضغط على السلطات السورية بخصوص التعامل مع ملف السجون.

وتداول ناشطون مقطعاً صوتياً منسوباً لشخص يدعى أبو عمر الشامي، قال فيه إنه تواصل مع صاحب الحساب المجهول المدعو حيدر التراب الذي وضع رقم واتس للتواصل في الفيديو قبل حذفه، وقد استفسر منه عن سبب نشر فيديوهات صيدنايا ثم حذفها، فادّعى أنه حصل على هذه الفيديوهات من أحد أقاربه الذي يعمل في الأمن العام، وقد أخذ (من الموقع) جهاز كمبيوتر، وعثر فيه على 7 فيديوهات، قام بنشر 3 منها، وسيقوم بنشر 4 فيديوهات لاحقاً دون تحديد موعد لذلك.

وبحسب التسجيل الصوتي لم يُفصح حيدر التراب «عما إذا كانت الفيديوهات المتبقية تحتوي على مشاهد تعذيب مباشر، أو إن كانت تُظهر وجود معتقلين».

لاحقاً، جرى تداول مقطع مصور لناشطيْن قالا فيه إن 96 غيغا بايت من تسجيلات كاميرات المراقبة في سجن صيدنايا الأحمر، أصبحت بيد الجهات المختصة، وقريباً «سيتم كشف حقائق لا تقل في أهميتها عن القبض على أمجد يوسف ومحاكمة عاطف نجيب.

أحد عناصر الأمن السوري في سجن صيدنايا العسكري على مشارف دمشق يناير 2025 (أ.ب)

وعُرف سجن صيدنايا بـ«المسلخ البشري»، بحسب شهادات معتقلين سابقين فيها ومنظمات حقوقية بسبب حجم الانتهاكات التي شهدها، لا سيما بعد عام 2011، وبحسب «الشبكة السورية لحقوق الإنسان»، بلغ عدد المختفين قسرياً في سجون النظام البائد منذ عام 2011 أكثر من 96 ألف شخص، بينما وثقت منظمة العفو الدولية إعدام نحو 13 ألف معتقل بين عامي 2011 و2015، عبر عمليات شنق جماعية كانت تُنفذ بشكل دوري وسري في سجن صيدنايا.