نتنياهو يتورط في «صدامات» مع الجيش... ثم يعتذر

ازدياد أعداد من يرونه «غير صالح للحكم ولإدارة حرب»

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (رويترز)
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (رويترز)
TT

نتنياهو يتورط في «صدامات» مع الجيش... ثم يعتذر

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (رويترز)
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (رويترز)

يزداد عدد الإسرائيليين، الذين يعتبرون رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو «غير صالح للحكم ولإدارة حرب»، بل حتى رفاقه في معسكر اليمين بدأوا يشعرون بأنه لم يعد ذلك القائد المحنَّك، وينظرون إلى تصرفاته منذ هجوم «حماس» قبل ثلاثة أسابيع، ويستغربون قراراته المتقلبة وتصريحاته المتناقضة. ويرى هؤلاء أن نتنياهو يحاول بث مظاهر قوة فتتحول إلى ضعف، وأن أداءه يقوّي خصومه في الداخل وأعداءه في الخارج، والجمهور الذي منحه أكثرية المقاعد في الحكم، ينفضّ عنه بسرعة ويطالبه بالاستقالة، وكل ذلك في خضم الحرب الدائرة منذ 7 أكتوبر (تشرين الأول). وحتى عندما اعتذر خطياً وكتب: «أعتذر، لقد أخطأت»، لم يصدّقوه.

جنود إسرائيليون يستعدّون لعملية برية في مكان غير معلوم بالقرب من الحدود مع غزة (إ.ب.أ)

مواجهة الصحافيين

كان ذلك عندما عقد مؤتمراً صحافياً مشتركاً مع عضويْ قيادة الحرب؛ وزير الدفاع يوآف غالانت، ووزير الدولة بيني غانتس، في ساعة متأخرة من الليل. ولأول مرة منذ بداية الحرب، جرى إبلاغ الصحافيين بأنه سيُسمح لهم بتوجيه الأسئلة. وقد وُجّهت الأسئلة له وحده. أحدها طرحه مراسل إذاعة الجيش الإسرائيلي حول «التقارير التي أشارت إلى أنه كان قد تلقّى قبل الحرب وثائق من رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية (أمان)، أهرون حليوة، ورئيس المخابرات العامة (الشاباك)، رونين بار، يحذران فيها من ازدياد احتمال نشوب الحرب». وقد بدا الارتباك على مُحيّاه ونبرة صوته، وقال: «كل الأمور التي تُطرح ستُفحَص. الجميع يتعرضون لاستجواب، وأنا أيضاً. الآن كلُّنا مجنَّدون لإحباط مهمات العدو الذي يريد محونا جميعاً عن الخريطة».

هذا الجواب لم يُعجب المقرَّبين منه، واعتبروه ضعيفاً ومتهرِّباً، ولديه مقرَّبون يستخدمون خطاب عربدة وتبجّح. فقالوا إنه كان عليه أن يردّ فوراً ويقول ما يؤمن به بأن أحداً لم يحذّره. ولم يستطع النوم. وفي الساعة الواحدة وعشر دقائق بعد منتصف الليل، ظهر منشور على صفحته في الشبكات الاجتماعية قال فيه: «لم يجرِ تحذير رئيس الحكومة نتنياهو، تحت أي ظرف من الظروف وفي أية مرحلة، من نيات حماس شن الحرب، بل على العكس، قدَّر جميع المسؤولين الأمنيين، بمن فيهم رئيس أمان ورئيس الشاباك، أن حماس مرتدعة وستلجأ إلى التسوية». وأضاف أن «هذه هي التقديرات التي قدّمتها جميع الأجهزة الأمنية الاستخباراتية، إلى رئيس الحكومة والكابينيت، مرة تلو الأخرى، حتى لحظة اندلاع الحرب».

فلسطينيون يُخلون منازلهم المدمرة بفعل القصف الإسرائيلي على قطاع غزة (أ.ب)

عاصفة مجلجلة

وعندما استيقظ نتنياهو من النوم، وجد أصداء هذه التغريدة عاصفة مجلجلة. فقد هاجمته المعارضة وبعض المقرَّبين من الائتلاف. وأجمعت الصحافة على أنه تصرَّف بشكل غير مسؤول ولا يليق برئيس حكومة، وتساءلوا أي رئيس وزراء هو الذي يهاجم قادة الجيش والمخابرات وهو يقود معهم حرباً يعتبرها هو مصيرية.

وبدا واضحاً أن هذه الهجمة عليه فاقت التصور، واتسمت بكثير من المبالغة والتضخيم، وأنها «خطأ يُستغلّ ضدّه بشكل مكشوف». وبرز في مهاجمته رئيس المعارضة، يائير لبيد، وقادة حركة الاحتجاج ضد خطته «لإصلاح القضاء». وقال لبيد إن «نتنياهو تجاوز خطّاً أحمر. ففي الوقت الذي يقاتل فيه الجنود وقادة الجيش الإسرائيلي ضد حماس وحزب الله، هو منشغل في محاولات لتحميلهم الذنب، بدلاً من منحهم الدعم. والمحاولات للتهرب من المسؤولية وتحميل الذنب على جهاز الأمن تُضعف الجيش الإسرائيلي، في الوقت الذي يحارب فيه أعداء إسرائيل. وعلى نتنياهو الاعتذار عن أقواله».

وجاء في بيان صادر عن حركة احتجاجات عناصر الاحتياط «إخوة في السلاح»، أنه «في الوقت الذي يتكتل فيه الشعب خلف الجيش ويعمل على مدار الساعة من أجل الانتصار على حماس، يختار نتنياهو الانشغال بسياسة حزبية وبلجنة التحقيق (التي يتوقع تشكيلها بعد الحرب على غزة)، وهو ليس قادراً على القول أنا مسؤول. لوكان زعيماً حقيقياً لقام بمساندة قوات الأمن ولتحمّل مسؤولية».

مدفعية الجيش الإسرائيلي تطلق قذائف صوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

نصيحة بالتراجع والاعتذار

وقد سارع إليه المخلصون له ناصحين إياه بالتراجع والاعتذار. ومحا التغريدة التي أثارت الضجة. وأمام هول الهجوم عليه، نشر اعتذاراً جزئياً يقول فيه: «أخطأت، أنا أعتذر. ما كان ينبغي الإدلاء بهذه الكلمات»، لكنه أضاف هنا أنه لم يتلقّ تحذيرات، بل طمأنوه بأن «حماس» مرتدعة وتخشى من خوض حرب، لذلك، لم يجرِ تخفيف الضجة ضده، وراحوا يفتحون ملفات أخرى له مرتبطة بالحرب. وذكّروه بأن قادة الجيش والمخابرات نشروا في الصحف أيضاً تحذيرات، قبل أسبوع من الحرب، يقولون فيها إن سياسة الحكومة والمستوطنين ضد الفلسطينيين، مثل الاقتحامات للأقصى واعتداءات المستوطنين على البلدات والممتلكات الفلسطينية، وخطة إساءة شروط حياة الأسرى في السجون، سوف تفجر تصعيداً أمنياً خطيراً. ومع ذلك لم يغير نتنياهو هذه السياسة ولم يُجرِ حتى بحثاً فيها في الحكومة.

يُشار إلى أن نتنياهو يدير سياسة تناقضات تلفت نظر كثيرين. وهناك من يتهمه بالاستمرار في تقوية «حماس» حتى اليوم، عندما يتحدث عن أنه يخوض حرباً وجودية أخطر من حرب الاستقلال (1948). فيسألون: «ألا يفهم أنه بهذه الكلمات يرفع من شأن حماس ويصدّرها على أنها شيء قوي وضخم وكبير، وهي تنظيم لا يزيد عدد مقاتليه عن 30 ألفاً؟!».

وكتب ناحوم بارنياع، في صحيفة «يديعوت أحرونوت»، يوم الأحد، قائلاً: «هذه بعيدة جداً عن أن تكون حرب الاستقلال الثانية، كما ادعى نتنياهو وزملاؤه في الكابينيت. ففي حرب الاستقلال قاتلت إسرائيل في سبيل وجودها، أما الآن فهي لا تقاتل في سبيل وجودها. هي تقاتل كي تعيد المخطوفين، كي تزيل التهديد من جانب منظمة إرهاب إجرامية وترمّم قوة ردعها تجاه أعداء في المنطقة. هذه ثلاث مهام ثقيلة مشكوك أن تنجح الحكومة في تحقيقها». وبهذه الروح خرج عدد من الخبراء يتفوهون ضد نتنياهو يقولون إنه لم يعد صالحاً للحكم ولا لإدارة حرب.


مقالات ذات صلة

كيف غيَّر «هجوم محمد صلاح» خطط تأمين الحدود المصرية - الإسرائيلية؟

شمال افريقيا رئيس أركان الجيش المصري الفريق أحمد خليفة يتفقد إحدى نقاط تأمين خط الحدود الدولية على الاتجاه الاستراتيجي الشمالي الشرقي (أرشيفية - المتحدث العسكري)

كيف غيَّر «هجوم محمد صلاح» خطط تأمين الحدود المصرية - الإسرائيلية؟

تحدثت تقارير عبرية عن تحولات جذرية لدى الجيش الإسرائيلي في التعامل مع الملف الحدودي مع مصر في ظل مخاوف من تكرار «هجوم محمد صلاح» الذي وقع قبل 3 سنوات.

هشام المياني (القاهرة)
شؤون إقليمية الرئيس التركي رجب طيب إردوغان خلال كلمة في البرلمان الأربعاء (الرئاسة التركية)

إردوغان: الهجمات الإسرائيلية على سوريا ولبنان بلغت حداً يهدد أمن تركيا أيضاً

«أمن تركيا لا يبدأ من هطاي، بل من حلب ودمشق وبيروت، ولن نتسامح مع فرض الأمر الواقع في دول إخواننا».

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شمال افريقيا المُسيرة المصرية «جبار 150» من تصنيع مجموعة «أمستون» الدولية خلال عرضها بمعرض «إيديكس» في 3 ديسمبر 2025 (رويترز)

«جبار 150» المصرية... قدرات نوعية ورسائل ردع تؤرق إسرائيل

أبدت تقارير إعلامية إسرائيلية مخاوف من تنامي وتطور القدرات العسكرية المصرية النوعية، وسط توتر علاقات البلدين بسبب ملف غزة والتصعيد في المنطقة.

محمد محمود (القاهرة)
المشرق العربي حركة مرور كثيفة على الطرقات مع فرار الناس من الضواحي الجنوبية لبيروت (رويترز) p-circle

موجة نزوح بعد أوامر نتنياهو بقصف الضاحية الجنوبية لبيروت

أمر رئيس الوزراء الإسرائيلي ‌بنيامين ‌نتنياهو ​في ‌بيان، ⁠اليوم ​الاثنين، ⁠الجيش بمهاجمة أهداف ⁠في ‌الضاحية ‌الجنوبية ​للعاصمة ‌اللبنانية بيروت.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
شمال افريقيا الحدود المصرية - الإسرائيلية (رويترز)

تحركات تنموية مصرية في سيناء تُقلق إسرائيل وتعيد جدل «اشتراطات السلام»

حذّرت وسائل إعلام عبرية من توسعات تجري في «مطار الجورة» بشمال سيناء، زاعمة أن الهدف منها هو «تقليص زمن الوصول الجوي لأهداف إسرائيلية إلى دقائق معدودة».

هشام المياني (القاهرة)

«داعش» يتبنى استهداف مسؤول قضائي سوري

القبض على أحد عناصر «خلية داعش» في داريا بريف دمشق (أرشيفية - سانا)
القبض على أحد عناصر «خلية داعش» في داريا بريف دمشق (أرشيفية - سانا)
TT

«داعش» يتبنى استهداف مسؤول قضائي سوري

القبض على أحد عناصر «خلية داعش» في داريا بريف دمشق (أرشيفية - سانا)
القبض على أحد عناصر «خلية داعش» في داريا بريف دمشق (أرشيفية - سانا)

أعلن تنظيم «داعش» الإرهابي، في بيان نشرته مواقع تابعة له، تبنيه عملية تفجير عبوة لاصقة استهدفت آلية رئيس قسم القصر العدلي في بلدة ببيلا، صلاح أحمد الصالح، أثناء مروره في «حي دف الشوك»، جنوب دمشق.

ووفق بيان التنظيم، على ما أفادت «شبكة شام»، فإن التفجير أدّى إلى إصابة المسؤول القضائي بإصابة بالغة نتج عنها بتر إحدى ساقيه، في حين أشارت مصادر محلية إلى أن الحادثة تمثل محاولة اغتيال وقعت صباح الثلاثاء.

وأفادت مصادر إعلامية بأن المصاب نجا من محاولة اغتيال سابقة خلال يومين، في ظل تكرار استهدافات مماثلة، من بينها انفجار عبوة ناسفة داخل سيارة في مدينة الباب بريف حلب الشرقي.

وكانت وزارة الداخلية السورية أعلنت تكثيف جهودها في مجال مكافحة الإرهاب، عبر عمليات أمنية مشتركة مع جهاز الاستخبارات العامة، وإدارة مكافحة الإرهاب، خلال الأشهر الثلاثة الماضية الممتدة بين مارس (آذار) وأبريل (نيسان) ومايو (أيار). وأظهرت الحصيلة الرسمية توقيف 235 إرهابياً ومتورطاً.


إسرائيل تستبق اتفاق واشنطن - طهران بمحاولة التقدم بجنوب لبنان

إسرائيلية تنظر إلى الأراضي اللبنانية حيث يتصاعد الدخان جراء غارة استهدفت جنوب لبنان (رويترز)
إسرائيلية تنظر إلى الأراضي اللبنانية حيث يتصاعد الدخان جراء غارة استهدفت جنوب لبنان (رويترز)
TT

إسرائيل تستبق اتفاق واشنطن - طهران بمحاولة التقدم بجنوب لبنان

إسرائيلية تنظر إلى الأراضي اللبنانية حيث يتصاعد الدخان جراء غارة استهدفت جنوب لبنان (رويترز)
إسرائيلية تنظر إلى الأراضي اللبنانية حيث يتصاعد الدخان جراء غارة استهدفت جنوب لبنان (رويترز)

دفعت الغارات الجوية الإسرائيلية والقصف المدفعي، مئات العائدين إلى مدينة النبطية لمغادرتها، حيث كثفت القوات الإسرائيلية قصفها للمنطقة، رغم دخول اتفاق وقف إطلاق النار الهشّ، حيّز التنفيذ، في محاولة لفرض وقائع ميدانية، أبرزها التقدم باتجاه تلة علي الطاهر الاستراتيجية الواقعة شرق مدينة النبطية، ومحاولة التقدم باتجاه حداثا في القطاع الأوسط.

ولم تتوقف التحركات الإسرائيلي شمال الخط الأصفر وعلى أطرافه، منذ يوم الاثنين الماضي، رغم دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ. وقال مصدر أمني لـ«الشرق الأوسط» إن الجانب الإسرائيلي «يضغط بقوة باتجاه منطقة كفرتبنيت في القطاع الشرقي، ومنطقة حداثا في القطاع الأوسط، في محاولة لتغيير وقائع ميدانية، وفرضها قبل يوم الجمعة»، وهو موعد توقيع الاتفاق بين إيران والولايات المتحدة، والذي ينص على وقف إطلاق النار على جميع الجبهات، بما فيها لبنان.

رجل يعبر بين الركام على متن دراجة نارية في مدينة النبطية بجنوب لبنان (رويترز)

ومنذ الاثنين، نفّذت القوات الإسرائيلية تحركات في وادي الحجير وعلى أطرافها، كما في كفرتبنيت قرب المعبر، إضافة إلى تحركات أخرى في القطاع الأوسط باتجاه بلدة حداثا، إلى جانب تحركات على أطراف وادي حسن في القطاع الغربي. وأفادت مصادر ميدانية في جنوب لبنان بأن الجيش الإسرائيلي حاول التقدم في محيط منطقة كفرتبنيت باتجاه تلة علي الطاهر، مشيرة إلى أن مقاتلي «حزب الله» أطلقوا رشقات صاروخية في الليلة الأولى، كما استهدفوا إحدى الآليات بصاروخ موجه ليل الثلاثاء - الأربعاء، ما عرقل وصول القوات الإسرائيلية إلى تلة علي الطاهر من الجانبين الغربي والشرقي.

اشتباكات بمحيط كفرتبنيت

وقالت المصادر إن المحاولة للوصول إلى التلة الاستراتيجية «تكررت، وتتزامن مع قصف مدفعي كثيف، قبل أن تستأنف إسرائيل القصف الجوي»؛ إذ أفادت «الوكالة الوطنية للإعلام» الرسمية بأن الطيران الحربي الإسرائيلي نفذ غارات استهدفت بلدة النبطية الفوقا، قرب مدينة النبطية، إحدى أكبر مدن جنوب لبنان، والأطراف الشرقية لبلدة كفرتبنيت المجاورة.

وتحدثت وسائل إعلام محلية عن أن «حزب الله» أطلق رشقة من نحو 10 صواريخ من جنوب لبنان باتجاه قوات إسرائيلية متمركزة في محيط بلدة كفرتبنيت بقضاء النبطية، بالتزامن مع استهداف تحشدات عسكرية إسرائيلية في مناطق التوغل.

ولم يصدر الحزب أي بيان يتحدث عن عملياته، منذ يوم الثلاثاء، لكن مقربين منه يقولون إنه يعمل على صد التوغلات الإسرائيلية «منعاً لتكرار تجربة العام الماضي، ورفضاً للعودة إلى ما قبل 2 مارس (آذار) الماضي»، في إشارة إلى حرية الحركة الإسرائيلية في الجنوب.

محور القطاع الأوسط

بالتزامن مع التحركات في النبطية، أفادت «الوكالة الوطنيّة للإعلام»، بأنّ «قوّةً إسرائيليّةً مؤلّفةً من عدد من الآليّات العسكريّة، تتقدّمها جرّافة من نوع (D9) ودبّابتان من طراز ميركافا، توغّلت باتجاه بلدة ​حداثا​ في قضاء بنت جبيل جنوبي لبنان، ثمّ تراجعت لاحقاً إلى ملعب البلدة».

وتمثل حداثا نقطة استراتيجية في القطاع الأوسط، كونها تقع على تقاطع يربط مدينة بنت جبيل وقراها، بالعمق اللبناني، وكانت القوات الإسرائيلية تقيم معبراً قريباً منها، يُدعى معبر بيت ياحون قبل انسحابها من جنوب لبنان في عام 2000.

ويعد هذا التحرك، من الخروقات التي فاق عددها الـ100 خرق منذ يوم الاثنين، حسبما يقول «حزب الله»، وتمثل في تحركات وقصف مدفعي وغارات جوية بالطيران الحربي والمسير. وشن الطيران المسير الإسرائيلي ثلاث غارات على بلدات المنصوري والعزية في قضاء صور، كما استهدفت مسيرة بلدة برعشيت في قضاء بنت جبيل . كذلك، استهدف القصف المدفعي الإسرائيلي محيط دار المعلمين عند تقاطع النبطية - النبطية الفوقا، فيما استهدفت المدفعية منطقة القطراني وسجد في جزين. كما أطلقت القوات الإسرائيلية النار على سيارة عند أطراف كفرشوبا، واستهدفت مسيرة، مسيرة إسرائيلية أخرى كانت سقطت في بلدة أنصارية في العمق، بغرض تفجيرها.

مقاتلون في «حزب الله» خلال مسيرة «يوم القدس» في ضاحية بيروت الجنوبية (أرشيفية - رويترز)

ورغم تراجع حدّة الضربات عقب إعلان الاتفاق بين الولايات المتحدة وإيران لإنهاء الحرب في الشرق الأوسط، الاثنين، قُتل خمسة أشخاص على الأقل في جنوب لبنان، أربعة منهم، الثلاثاء، جراء غارات إسرائيلية، وفق «الوكالة الوطنية». ولا تزال القوات الإسرائيلية تحتل مساحات من جنوب لبنان.

وأعلن الجيش الإسرائيلي، الثلاثاء، أنه نفذ غارة جوية بعد أن رصد مركبة مشبوهة في منطقة كان جنوده يوجدون فيها، من دون تحديد موقعها. وأشار إلى أن قواته اعترضت صواريخ عدة أُطلقت على جنود إسرائيليين في جنوب لبنان، مضيفاً: «بُعيد ذلك، قصف سلاح الجو ودمّر منصة كان أطلق منها عدد من الصواريخ».

تريث بالعودة

هذا التوتر الأمني دفع السكان العائدين إلى مدينة النبطية ومحيطها، لمغادرة المنطقة، ودعت البلديات العائدين للحذر والتريث، وانتظار تعليمات الجيش اللبناني، فيما لم يُسجل استئناف للأعمال التجارية في سوق النبطية بعد.

وتفاقمت المخاوف نتيجة التصريحات الإسرائيلية، وأكد وزير الطاقة الإسرائيلي إيلي كوهين، أن «إسرائيل سترد بقوة على أي هجوم ينطلق من الأراضي اللبنانية أو السورية، محذراً من أن بيروت والضاحية الجنوبية ليستا خارج بنك الأهداف إذا تعرضت إسرائيل لصواريخ أو طائرات مسيّرة أو قذائف».

وقال في تصريح تلفزيوني إن إسرائيل «لا يمكنها القبول باستمرار ما وصفه بعجز الجيش اللبناني عن التحرك ضد (حزب الله)». كذلك، دعا كوهين الحكومة اللبنانية والجيش اللبناني إلى اغتنام «فرصة تاريخية» للتحرك ضد «حزب الله»، معتبراً أن الحزب بات في وضع صعب نتيجة العمليات العسكرية الإسرائيلية الأخيرة، وأن لبنان يحظى بدعم أميركي وأوروبي في هذا الاتجاه.


لبنان يتمسك بفصل مساره عن طهران بمواجهة محاولات إعادة الربط

الرئيس اللبناني جوزيف عون مستقبلاً وفداً من المطارنة الموارنة في الاغتراب (الرئاسة اللبنانية)
الرئيس اللبناني جوزيف عون مستقبلاً وفداً من المطارنة الموارنة في الاغتراب (الرئاسة اللبنانية)
TT

لبنان يتمسك بفصل مساره عن طهران بمواجهة محاولات إعادة الربط

الرئيس اللبناني جوزيف عون مستقبلاً وفداً من المطارنة الموارنة في الاغتراب (الرئاسة اللبنانية)
الرئيس اللبناني جوزيف عون مستقبلاً وفداً من المطارنة الموارنة في الاغتراب (الرئاسة اللبنانية)

أكد الرئيس اللبناني جوزيف عون أن «التأكيدات التي بلغتنا وما نصرّ عليه هو أن لبنان مساره مستقل في المفاوضات، وإن كنا بالتأكيد مع وقف إطلاق النار، ومع أي دولة تساعدنا، ومن ضمنها إيران»، مشدداً على أن «التفاوض تقوم به الدولة اللبنانية، وهي سيدة قرارها، وما من أحد يأخذ مكانها، وهذا بات موضع قناعة لدى الجميع»، ومطمئناً اللبنانيين إلى أنه «لا أحد يربطنا بأي دولة أخرى، وأي تسوية ستتم من خلالنا لا على حسابنا».

ويأتي موقف عون في وقت تسعى فيه الدولة اللبنانية إلى تكريس الفصل بين الملف اللبناني ومسار التفاهم الأميركي-الإيراني الذي أُعلن عنه أخيراً، وسط مؤشرات إلى محاولات إعادة الربط بين الساحتين اللبنانية والإيرانية. فبينما تعمل بيروت على تثبيت استقلالية مفاوضاتها مع الولايات المتحدة بشأن وقف إطلاق النار، والانسحاب الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية المحتلة، برزت خلال الأيام الأخيرة مواقف إيرانية وأخرى صادرة عن «حزب الله» توحي باعتبار أن ما نتج عن «إعلان واشنطن» يشكل «انتصاراً» لمحور المقاومة، ويفتح الباب أمام تعزيز الحضور الإيراني في لبنان، في مقابل إصرار رسمي على أن لبنان يفاوض باسمه، ومن أجل مصالحه الوطنية، وأن أي تسوية تخصه تمر عبر مؤسساته الدستورية لا عبر التفاهمات الإقليمية

الخارجية اللبنانية: لا أحد يفاوض باسم لبنان

وفي هذا السياق، قالت مصادر وزارة الخارجية لـ«الشرق الأوسط» إن لبنان لم يُطلع حتى الآن على مضمون مذكرة التفاهم التي تحدث عنها الرئيس الأميركي دونالد ترمب، مشيرة إلى أنه «من المبكر اتخاذ أي موقف نهائي قبل الاطلاع على تفاصيل الاتفاق الذي لا تزال حتى الآن بنوده النهائية غير معروفة».

سيارة ترفع علمي إيران و«حزب الله» خلال رحلة العودة إلى الجنوب بعد الإعلان عن وقف إطلاق النار (أ.ب)

ولم تنفِ المصادر أن هناك هواجس لدى البعض من محاولة إيرانية لإعادة الإمساك بالملف اللبناني من خلال التفاهمات الإقليمية، إلا أنها شددت على أن «ما يمكن تأكيده حتى الآن هو نجاح لبنان في تثبيت الفصل بين المسارين اللبناني والإيراني، وهو أمر أصرّ عليه رئيس الجمهورية، ورئيس الحكومة، والسلطة اللبنانية منذ بداية المفاوضات».

وأضافت: «ذهاب لبنان الأسبوع المقبل إلى جولة جديدة من المفاوضات يشكل دليلاً إضافياً على أن الملف اللبناني يُدار بشكل مستقل، وأن لبنان يفاوض باسمه، ومن أجل مصالحه الوطنية، ولا أحد يفاوض نيابة عنه». ورأت المصادر أن أي حديث عن انعكاسات مباشرة للتفاهم الأميركي-الإيراني على الوضع اللبناني يبقى سابقاً لأوانه قبل اتضاح صورة الاتفاق، وآليات تنفيذه.

«حزب الله» يعوّل على المفاوضات الإيرانية

ومنذ الإعلان عن مذكرة التفاهم بين إيران وأميركا يطلق «حزب الله» مواقف تعكس محاولة إعادة الربط بين الملفين اللبناني والإيراني. وهو ما أشار إليه البيان الأخير الذي صدر عن العلاقات الإعلامية يوم الثلاثاء، وقال إن «طهران لن تبرم اتفاقاً نووياً مع واشنطن من دون معالجة ملف الوجود الإسرائيلي في جنوب لبنان»، معتبراً أن إيران ستضغط خلال المرحلة المقبلة من المفاوضات من أجل انسحاب إسرائيل. كما تحدث الحزب عن تلقيه تأكيدات إيرانية أن أي خرق إسرائيلي في لبنان ستكون له تداعيات على المفاوضات المقبلة بين طهران وواشنطن.

وتقاطعت هذه المواقف مع تصريحات وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي الذي أكد أن إنهاء الحرب في المنطقة لن يكتمل من دون انسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي اللبنانية التي احتلتها خلال الحرب، معتبراً أن استمرار هذا الوجود يشكل انتهاكاً لمذكرة التفاهم.

سيدة وابنتها تنتظران بجوار أمتعتهما للعودة إلى قريتهما في العباسية جنوب لبنان بعد الإعلان عن إطار عمل مبدئي بوساطة أميركية-إيرانية لوقف إطلاق النار (إ.ب.أ)

لبنان جزء من شبكة معقدة

ويعتبر أستاذ العلوم السياسية في الجامعة اللبنانية الأميركية عماد سلامة أنه «من الصعب الحديث عن مسار تفاوضي لبناني مستقل بالكامل عن إيران، أو عن بقية التفاعلات الإقليمية، لأن لبنان يبقى جزءاً من شبكة معقدة من المصالح، والتوازنات التي تشمل إيران، وإسرائيل، والولايات المتحدة، والدول العربية، وجميعها تمتلك تأثيراً مباشرا أو غير مباشر على مستقبله السياسي، والأمني». ويضيف لـ«الشرق الأوسط»: «لذلك فإن استقلالية التفاوض اللبنانية تبقى مسألة نسبية أكثر منها مطلقة، وترتبط بقدرة الدولة اللبنانية على استعادة دورها المركزي كممثل شرعي وحيد للمصالح الوطنية، وفي الوقت نفسه إدارة التوازنات الإقليمية، والتعبير عن مصالح مختلف الأطراف دون الانحياز الكامل لأي محور»، مؤكداً: «وكلما نجحت الدولة في ترسيخ موقعها كوسيط محايد، وشريك موثوق لجميع الفاعلين الإقليميين، والدوليين، ازدادت قدرتها على انتهاج مسار تفاوضي أكثر استقلالية يحمي مصالح لبنان، ويحدّ من ارتهانه للصراعات الخارجية».

تحذير من إعادة الوصاية

وبانتظار اتضاح صورة الاتفاق، يعبّر المعارضون لـ«حزب الله» عن محاولات استثمار التفاهم الأميركي-الإيراني لإعادة تكريس النفوذ الإيراني في لبنان. وفي هذا الإطار، اعتبر النائب غياث يزبك أن بعض قوى الممانعة تتصرف وكأن الاتفاق يشكل تفويضاً جديداً لها داخل لبنان، مؤكداً أن غالبية اللبنانيين تتمسك بالدولة، وسيادتها، وباستمرار المفاوضات التي تجريها السلطة اللبنانية بعيداً من أي وصايات، أو ارتباطات خارجية.

دبابات إسرائيلية تتجمع عند الحدود مع لبنان (إ.ب.أ)

وختم بالتشديد على أن المرحلة المقبلة ستشكل اختباراً فعلياً لقدرة الدولة اللبنانية على تثبيت استقلالية قرارها السياسي، وترجمة مبدأ الفصل بين المسارين اللبناني والإيراني إلى واقع عملي في المفاوضات والتسويات المرتقبة.