أنفاق غزة... «حرب أدمغة» بدأتها إسرائيل قبل «حماس»

تل أبيب أول من دشن مقراً عسكرياً تحت «مجمع الشفاء» أثناء احتلال القطاع

شاب فلسطيني يسير داخل نفق يستخدم للتدريبات العسكرية خلال معرض للأسلحة في مخيم صيفي للشباب تديره «حركة حماس» في مدينة غزة عام 2016 (أ.ب)
شاب فلسطيني يسير داخل نفق يستخدم للتدريبات العسكرية خلال معرض للأسلحة في مخيم صيفي للشباب تديره «حركة حماس» في مدينة غزة عام 2016 (أ.ب)
TT

أنفاق غزة... «حرب أدمغة» بدأتها إسرائيل قبل «حماس»

شاب فلسطيني يسير داخل نفق يستخدم للتدريبات العسكرية خلال معرض للأسلحة في مخيم صيفي للشباب تديره «حركة حماس» في مدينة غزة عام 2016 (أ.ب)
شاب فلسطيني يسير داخل نفق يستخدم للتدريبات العسكرية خلال معرض للأسلحة في مخيم صيفي للشباب تديره «حركة حماس» في مدينة غزة عام 2016 (أ.ب)

قبل 10 سنوات بالضبط، في أكتوبر (تشرين الأول) سنة 2013، أعلن الجيش الإسرائيلي عن اكتشاف ما أسماه «أول نفق هجومي ضد إسرائيل» في قطاع غزة. كان ذلك النفق بطول 800 متر، يبدأ في الحي الشرقي من مدينة خان يونس، ويمتد 100 متر داخل المناطق الإسرائيلية، وعلى عمق 20 متراً تحت الأرض، وبلغ عرضه وارتفاعه مترين.

لكن الإعلان الإسرائيلي عن ذاك النفق لم يتضمن العثور على آثار أسلحة أو عبوات ناسفة، كما حصل مع أنفاق صغيرة سابقة وجدت مفخخة، فقدّر الخبراء العسكريون أن «حماس» استهدفت أن يستخدم هذا النفق لغرض «خطف جنود إسرائيليين». كان تعليق قائد ميداني كبير في الجيش الإسرائيلي لصحيفة «هآرتس»، آنذاك، ما نصه: «سنجعلهم يندمون على هذا الجهد الضخم ويندفعون إلى اليأس والإحباط». وحطم الجيش الإسرائيلي بالفعل هذا النفق في حينه، كما فعل مع سابقه، وبدأ يفتش عن طريقة للقضاء على الأنفاق، وأقيمت وحدة عسكرية خاصة لهذا الغرض، شملت عدداً من العلماء، الذين تم تكليفهم ببناء أجهزة إلكترونية ومجسات حديثة لاستشفاف مكان الأنفاق والقضاء عليها، وعندما سُئل حينها قائد اللواء الجنوبي، يوآف غالانت، عن هذه الوحدة قال: «هذه حرب أدمغة بيننا وبين (حماس)، ونحن نخوضها بهدف واحد وحيد، هو الانتصار عليهم». اليوم صار غالانت وزيراً للدفاع، وباتت الأنفاق منتشرة على طول القطاع وعرضه، إلى حد أنهم يعتبرونها في تل أبيب «إف 35» بالنسبة لـ«حماس»، في إشارة إلى الطائرة الأميركية ذات القدرات الفائقة. لكن في تقدير أكثر تواضعاً يقولون إنها «مفاعل نووي بالنسبة للإرهاب». وما زال غالانت يتحدث عن «الانتصار»، بل عن إبادة.

جندي إسرائيلي في عام 2018 يحرس مدخلاً لنفق من غزة باتجاه المستوطنات الإسرائيلية (رويترز)

خلال السنوات العشر الماضية لاحظ الجيش الإسرائيلي أنه لم يستطع القضاء على ظاهرة الأنفاق، بل زادت واتخذت شكلاً مختلفاً تماماً. ففي البداية أقيمت لكي تتيح لمقاتلي «حماس» صد هجمات إسرائيلية برية، فيفاجئون هذه القوات بنصب الكمائن، ثم حددوا لها هدف خطف جنود.

ونجحوا في ذلك سنة 2014، عندما شنت العملية الحربية «الرصاص المصبوب»، وتم خطف جنديين ما زالا حتى اليوم تحت أسر «حماس»، فقررت عندها إسرائيل بناء جدار ضخم على طول الحدود (65 كيلومتراً)، يمتد فوق الأرض وتحت الأرض، وهكذا لم تعد الأنفاق قادرة على اختراق الحدود الإسرائيلية.

لكن، تبين أن «حماس» تنازلت عن الأنفاق لاختراق الجدار الإسرائيلي، الذي كلف مليار دولار، واخترقتها بجرار وجرافة دفعت أجرتهما لأحد المقاولين 200 دولار، وأما الأنفاق فأخذتها إلى قلب قطاع غزة، وراحت تبني شبكة أنفاق ضخمة، يقال إن مثل هذه الأنفاق للاستخدام الحربي موجودة في كوريا الشمالية فقط، ولا يستبعد الإسرائيليون بدورهم أن تكون كوريا الشمالية شريكة في تخطيطها، وليس إيران فقط. بل إن بعض هذه الأنفاق استفادت من الخبرة الإسرائيلية نفسها في الموضوع. فإسرائيل نفسها كانت قد بنت سنة 1980 طابقاً أرضياً تحت مستشفى الشفاء في قلب مدينة غزة، عندما كانت تحتل القطاع بالكامل.

«غزة التحتا»... وأكثر

لقد انشغلت إسرائيل خلال السنوات العشر الماضية، في متابعة الأنفاق من قطاع غزة إلى داخل الحدود الإسرائيلية، وعندما بنت الجدار الواقي اطمأنت إلى أنها تمكنت من تدمير هذه الفكرة. فقد هدمت هذه الأنفاق وملأتها بمادة سائلة تنفخ حال إطلاقها وتسد كل منطقة فراغ فيها. ومن شدة الاطمئنان، سحبت الأسلحة من أيدي سكان غلاف غزة وخفضت عدد أبراج المراقبة. لكن «حماس» كانت تستغل هذه الفترة لبناء شبكة أنفاق ضخمة داخل القطاع، عددها 1300 نفق، تقع في عمق يصل إلى 70 متراً تحت الأرض، ويبلغ طولها حسب الفلسطينيين 500 كيلومتر، لكن العميد يعقوب نيجل، الرئيس السابق لمجلس الأمن القومي في الحكومة الإسرائيلية، يقول إن الأنفاق أطول، وربما تبلغ ألوف الكيلومترات. وأضاف، خلال مقابلة مع صحيفة «غلوبس»، قبل نحو أسبوعين، أن «الكلام يكون دقيقاً أكثر إذا تحدثنا عن ألوف الكيلومترات، وهذه الأنفاق بُنيت على طريقة كوريا الشمالية، التي تعدّ رابع أو خامس قوة عسكرية في العالم، وأنفاق غزة أكبر شبكة من نوعها في العالم بعد شبكة كوريا الشمالية، وسيكون من الصعب الاعتماد على الروبوت بداخلها، لأن الروبوت لا يعمل بهذا العمق تحت الأرض، والقتال داخل الأنفاق شبه مستحيل».

عناصر من «سرايا القدس» الجناح العسكري لحركة «الجهاد الإسلامي» يحرسون أنفاق قطاع غزة في مارس الماضي (غيتي)

ومع ذلك، فإن الجيش الإسرائيلي يدّعي أن لديه «خرائط مفصلة عن هذه الأنفاق». ويُعد خططاً ملائمة ليجعلها «مقبرة لقادة (حماس)»، فيما يدعي قادة الحركة أن الأنفاق «شهدت تطويراً كبيراً في السنتين الأخيرتين وفقاً لتكنولوجيا عالية ستصدم إسرائيل، وتجعلها مصيدة ضخمة لجنودها. وفي كل الأحوال، تحولت الأنفاق إلى عنوان رئيسي في هذه الحرب، قادة «حماس» في قطاع غزة، ومعهم حوالي 20 ألف مقاتل وأكثر، يستخدمونها حصناً منيعاً تحت الأرض، وتسعى إسرائيل لخنقهم فيها حتى الموت.

فكيف هي الحياة في الأنفاق؟

القول إن «الحياة» في أنفاق غزة ليس دقيقاً؛ لأن هذه لا تسمى حياة فمصاعبها جمة. ومع ذلك، فهذه الأنفاق لم تعد كما يوحي اسمها مجرد ممرات طويلة ذات ارتفاع قليل، وأرضية من التربة. فما بنته «حماس» هو مدينة أخرى تحت الأرض تسمى «غزة التحتا»... وهناك من يقول إن تحت الأرض «غزتين»؛ أي أن هناك بلدة ثالثة تحت طبقة أخرى تحت الأرض. من يسير على طرقاتها يجد أماكن استراحة رحبة، كما الحال في استراحات محطات الوقود، وفيها غرف للاجتماعات، وأخرى للنوم، مجهزة بكل ما يلزم. وهي مزودة بمنظومة تهوية حديثة ومتطورة، وتحتوي على مخازن عدة للأغذية وأخرى للأدوية والوقود. وتعمل فيها شبكة اتصالات مشفرة، لم تنجح إسرائيل في تفكيكها، والدليل على ذلك أنها تدربت على غزوة إسرائيل (طوفان الأقصى) طيلة سنة كاملة مستخدمة هذه الشبكة من دون أن يتم اكتشاف الخطة. وكوادر «حماس» التي تتولى اللوجستيات مدربة على توفير «احتياجات الصمود» على اختلافها.

جنود إسرائيليون يسيرون عبر نفق تم اكتشافه عام 2013 بالقرب من غزة (أ.ب)

بالطبع، من يعيش فيها لا يتمتع بحياة مرفهة، كما الحال في مقرات قيادة الجيش الإسرائيلي، وبالتأكيد ليس كحال قادة «حماس» في الخارج، ومستخدموها يعانون من ظروف غير سهلة. وإسرائيل أعدت خططاً لجعلها حياة لا تطاق ولتحويلها إلى مصيدة ضخمة لرجال «حماس» وقادتها. وبحسب خبراء، فإن إسرائيل تنوي إغراق الأنفاق بمادة لزجة تنفخ وتصبح صلبة حال انطلاقها، وبذلك تغلق مدخل النفق كما لو أنها تضع بوابة حديدية ضخمة، سمكها من عدة أمتار. وستستخدم قنابل فراغية (فاكوم)، لهدمها على رؤوس من فيها، إلا أن «حماس» ومن ساعدها في هذه التقنية يقولون إنهم أخذوا بالاعتبار كل هذه الاعتبارات، وإنهم جاهزون للقتال، وهم يتحدون إسرائيل عبرها.

مجمع الشفاء

«مجمع الشفاء» الطبي القائم في قلب مدينة غزة أصبح هدفاً مركزياً للجيش الإسرائيلي، والحجة أنه يضم طابقاً أرضياً، وأن قيادة «حماس» اتخذت منه مقراً رئيسياً، واعتبرت تل أبيب الأمر «استخداماً للمستشفى ومرضاه دروعاً بشرية يختبئون وراءها». غير أن الحقيقة التي لا يتحدثون عنها في إسرائيل هي أولاً؛ أن إسرائيل نفسها تقيم مقر قيادتها في قلب تل أبيب، بالقرب من عمارات سكنية ومستشفى إيخيلوف، أحد أكبر مستشفيات إسرائيل. والحقيقة الثانية التي يتجاهلونها هي؛ أن إسرائيل نفسها هي التي استغلت هذا المقر (مجمع الشفاء)، فمنذ أن احتلت إسرائيل القطاع سنة 1967 استخدمت مرافقه مقراً لعمل الحاكم العسكري. وفي سنة 1980، بنت الطابق الأرضي ليكون مثل خندق وملجأ للقيادة، وظلت تستخدمه حتى آخر يوم لاحتلالها، سنة 1994. و«مجمع الشفاء» الذي كان مسؤولاً عن تقديم الخدمة الطبية لـ652 ألف فلسطيني يقطنون مدينة غزة، وآلاف من باقي سكان مدن القطاع، كان يعاني الأمرين قبل هذه الحرب، أولاً؛ بسبب الحصار الإسرائيلي، وثانياً؛ بسبب حكم «حماس» الذي لم يوفر له ما يحتاج من أدوية وأدوات طبية، فآلاف العمليات الجراحية مؤجلة، والمرضى بلا أدوية، فضلاً عن الصراع على وصول الكهرباء في ظل الانقطاع الطويل والمتكرر، وفقدان الوقود الذي يفترض أن يشغل مولدات الكهرباء للاستمرار في عمله، وهذا كله يشكل خطراً مباشراً على حياة المدنيين داخل القطاع.

طفلان مصابان جراء الغارات الإسرائيلية بمستشفى «الشفاء» في غزة في 17 أكتوبر الحالي (أ.ب)

ومع خطة إسرائيل لتفريغ شمال القطاع ودفع المواطنين إلى الجنوب، بذريعة حمايتهم، لجأ إلى المستشفى حوالي 100 ألف إنسان، إذ اكتشف الناس أن إسرائيل تقصف قوافل الهاربين، وهم على الطريق، وتقصف أيضاً المناطق الجنوبية التي تدعي إسرائيل أنها مناطق آمنة، والآن يهددون بقصف المستشفى، وتدميره، بدعوى الوصول إلى الأنفاق تحت المشفى والتي تضم قادة «حماس». وفي داخل إسرائيل، يدور حديث أن ما تقوله الحكومة والجيش بشأن وجود قيادات لـ«حماس» في خندق أسفل المستشفى منذ بداية الحرب كان كافياً إن صح ليدفعهم إلى المغادرة، ويبتعدوا إلى مناطق أخرى، ويعتبروا التهديدات الإسرائيلية مجرد «ترويع» للسكان.


مقالات ذات صلة

آلة الحرب الإسرائيلية لا تتوقف قصفاً وتدميراً في غزة

المشرق العربي صبيان فلسطينيان وسط الدمار بعد استهداف مبنى بغارة إسرائيلية غرب جباليا شمال قطاع غزة الجمعة (أ.ف.ب)

آلة الحرب الإسرائيلية لا تتوقف قصفاً وتدميراً في غزة

أكّد مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية، أنه وثّق خلال الأسبوعين الماضيين توسعاً غربياً لمناطق الانتشار العسكري الإسرائيلي.

«الشرق الأوسط» (غزة)
خاص فلسطينيون يتفحصون حطام مركبة دمّرتها غارة إسرائيلية على مخيم المغازي بوسط قطاع غزة الخميس (أ.ب)

خاص هل تُخيّر إسرائيل نشطاء غزة بين قتلهم وحدهم أو مع أسرهم؟

«تلقى اتصالاً خيَّره بين قصفه مع أهله أو قتله وحيداً»... رواية تكررت في الآونة الأخيرة بقطاع غزة على لسان أهالي بعض نشطاء الفصائل الذين استهدفتهم إسرائيل.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي فلسطينيون يتفقدون حطام مركبة دُمرت في غارة جوية إسرائيلية بمخيم المغازي للاجئين وسط قطاع غزة 29 أكتوبر 2026 (أ.ب)

قتيلان فلسطينيان بقصف إسرائيلي استهدف حافلة مدنية وسط غزة

قُتل فلسطينيان وأُصيب آخرون بينهم حالات حرجة، اليوم الخميس، جراء قصف طائرة مُسيّرة تابعة للجيش الإسرائيلي حافلة مدنية قرب مدخل مخيم المغازي وسط قطاع غزة.

«الشرق الأوسط» (غزة)
خاص أطفال فلسطينيون يصطفون في اليوم الأول من العام الدراسي الجديد في مدرسة تديرها الأمم المتحدة في النصيرات وسط قطاع غزة يوم 19 سبتمبر 2026 (أ.ب)

خاص كيف يمكن تعويض سنوات التعليم الضائعة من أطفال غزة؟

يشدّد خبيران على أن تعويض سنوات التعليم الضائعة لأطفال غزة يبدأ بتقييم مهاراتهم، ويتطلّب دراسة منتظمة وبيئة آمنة ودعماً نفسياً وصحياً ومساندة المعلّمين.

شادي عبد الساتر (بيروت)
المشرق العربي رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يلوح لأنصاره خلال فعالية لحزبه «الليكود» يوم الأربعاء (إ.ب.أ)

الغزيون قلقون من احتمال بقاء نتنياهو في الحكم

أبدى سكان بغزة، تحدثت إليهم «الشرق الأوسط»، خشيتهم من أن ينجح بنيامين نتنياهو بتشكيل الحكومة الإسرائيلية المقبلة، الأمر الذي سيكون له أثر كبير على مستقبل القطاع

«الشرق الأوسط» (غزة)

الأمم المتحدة تطالب بالتحقيق في وفاة موظف محتجز لدى الحوثيين باليمن

المفوض السامي لحقوق الإنسان في الأمم المتحدة فولكر تورك خلال الكلمة الافتتاحية للدورة الـ63 لمجلس حقوق الإنسان في جنيف (أ.ف.ب)
المفوض السامي لحقوق الإنسان في الأمم المتحدة فولكر تورك خلال الكلمة الافتتاحية للدورة الـ63 لمجلس حقوق الإنسان في جنيف (أ.ف.ب)
TT

الأمم المتحدة تطالب بالتحقيق في وفاة موظف محتجز لدى الحوثيين باليمن

المفوض السامي لحقوق الإنسان في الأمم المتحدة فولكر تورك خلال الكلمة الافتتاحية للدورة الـ63 لمجلس حقوق الإنسان في جنيف (أ.ف.ب)
المفوض السامي لحقوق الإنسان في الأمم المتحدة فولكر تورك خلال الكلمة الافتتاحية للدورة الـ63 لمجلس حقوق الإنسان في جنيف (أ.ف.ب)

دانت الأمم المتحدة السبت وفاة أحد موظفيها في اليمن أثناء احتجازه لدى سلطات الحوثيين منذ عام 2024، وطالبت بإجراء تحقيق في الواقعة «المفجعة».

وقالت مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان في بيان إن «محمد الشامي، وهو أحد موظفي مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان في اليمن، كان محتجزاً تعسفياً من قبل الحوثيين منذ السادس من يونيو (حزيران) 2024. ووفق معلومات قدمتها عائلته، فقد تُوفي منذ أكثر من شهر، لكن ذويه لم يُبلغوا بذلك إلا مؤخراً».

وقال المفوض السامي فولكر تورك: «أتقدم بأصدق التعازي لعائلة محمد وأحبائه».

وأضاف: «إنها خسارة مفجعة لمكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان وللأمم المتحدة بأكملها. لم تتلقَّ عائلة محمد أي تفسير بشأن سبب وفاته أو ظروفها، ولديها الحق في معرفة الحقيقة».

وتابع البيان: «حثّ المفوض السامي سلطات الأمر الواقع الحوثية على ضمان إجراء تحقيق عاجل».

وطالب المفوض السامي سلطات الحوثيين بالشفافية التامة، وإجراء تحقيق مستقل ومعمّق في الوفاة.

وأوضح أن ذلك يتطلب الكشف عن جميع السجلات الطبية وسجلات الاحتجاز ذات الصلة، والحفاظ على الأدلة، وإجراء فحص مستقل لأي سبب للوفاة يُطرح، مطالباً بتحديد المسؤوليات.

كذلك، أعرب تورك عن «بالغ القلق إزاء سلامة وصحة أفراد آخرين من موظفي الأمم المتحدة لا يزالون رهن الاحتجاز، بمن فيهم سبعة من زملائي في مكتبي، فضلاً عن العاملين في المجال الإنساني وأفراد من المجتمع المدني المحتجزين».

وقال المفوض السامي الأممي: «أطالب مجدداً بإطلاق سراحهم الفوري وغير المشروط».

وفي 14 أكتوبر (تشرين الأول)، صرّح فرحان حق، المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة، للصحافيين في نيويورك بأن 71 من موظفي الأمم المتحدة كانوا لا يزالون محتجزين لدى الحوثيين آنذاك.

وتطالب المفوضية السامية لحقوق الإنسان بأن يضمن الحوثيون، في انتظار الإفراج عنهم، سلامة هؤلاء المحتجزين، ومعاملتهم معاملة إنسانية، وتوفير الرعاية الطبية لهم، والسماح لهم بالتواصل مع عائلاتهم، وتمكين الأمم المتحدة من الوصول إليهم.

وأضاف فولكر تورك السبت أن وفاة محمد الشامي تثير مخاوف عميقة بشأن سلامة موظفي الأمم المتحدة، والظروف التي يمكن للمنظمة في ظلها الحفاظ على وجودها ومواصلة عملها في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين.

وحذّر قائلاً: «إن احتجاز سلطات الأمر الواقع لزملائنا يقوّض بشكل خطير قدرتنا على تقديم المساعدة للشعب اليمني، في وقت تمر فيه البلاد بأزمة إنسانية وحقوقية بالغة الخطورة. لذلك، أحثّها على تغيير نهجها».


الجمود السياسي في إسرائيل يوسع الانقسام الداخلي ويُقلق الخارج

إسرائيليون يسيرون أمام ملصق لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في القدس (أ.ف.ب)
إسرائيليون يسيرون أمام ملصق لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في القدس (أ.ف.ب)
TT

الجمود السياسي في إسرائيل يوسع الانقسام الداخلي ويُقلق الخارج

إسرائيليون يسيرون أمام ملصق لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في القدس (أ.ف.ب)
إسرائيليون يسيرون أمام ملصق لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في القدس (أ.ف.ب)

لا تزال نتائج الانتخابات في إسرائيل تثير الكثير من الانقسامات الحادة بين الأحزاب الإسرائيلية ومع العرب، الذين يحاول رئيس الوزراء الإسرائيلي نيامين نتنياهو وائتلافه وعائلته اتهامهم بمحاولة سرقة الانتخابات، إلى الحد الذي دخل فيه «الموساد الإسرائيلي على الخط من أجل المشاركة في تحقيقات حول نزاهة الانتخابات، وهو مأزق يعيق تشكيل حكومة إسرائيلية، ويثير القلق خارج إسرائيل كذلك.

وقالت صحيفة «يديعوت أحرونوت» إن انتهاء الانتخابات من دون حسم، والجمود السياسي، يثيران القلق حتى خارج إسرائيل، ويتركان حلفاءها أيضاً في حالة ترقب وانتظار. ففي واشنطن، يتعين اتخاذ قرارات بشأن إيران وغزة، وفي أوروبا يخشون استمرار التصعيد وتأخر الدفع بالخطوات الإنسانية، وفي رام الله يأملون أن تتيح الحكومة المقبلة استئناف المفاوضات، أما في الشرق الأوسط فليسوا متحمسين.

زعيم حزب «يشار» غادي آيزنكوت ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (أ.ف.ب)

العالم يراقب

وترى «يديعوت أحرونوت» أنه في الوقت الذي يحاول فيه نتنياهو وزعيم حزب «يشار» غادي آيزنكوت إيجاد سبيل لتشكيل حكومة، يدرس قادة ومسؤولون سياسيون في العالم كيف ستؤثر النتائج على الحرب مع إيران، ومستقبل قطاع غزة، والعلاقات مع الفلسطينيين.

وفيما أوضح الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، أنه لن يستبعد التدخل في الجهود الرامية إلى تشكيل حكومة وحدة، راح رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس ينادي باستئناف مفاوضات السلام، وحذرت ألمانيا من أنه لا يجوز انتظار انتهاء مفاوضات تشكيل الائتلاف الحكومي للمضي في اتخاذ خطوات إنسانية في غزة.

وبحسب «يديعوت أحرونوت»، فإن القضية المركزية بالنسبة لواشنطن هي إيران. فقد طرح ترمب ونتنياهو في الفترة الأخيرة احتمال استئناف الهجمات على طهران، في ظل المواجهة المستمرة واحتمال حدوث تصعيد إضافي بعد انتخابات التجديد النصفي الأميركية، المقررة يوم الثلاثاء المقبل.

إسرائيليون يحتجون أمام منزل زعيم حزب يشار يطالبونه بتشكيل ائتلاف مع الأحزاب العربية الإسرائيلية لمنع نتنياهو من البقاء في منصبه (رويترز)

وإضافة إلى ترمب، تتابع أوروبا أيضاً بقلق التطورات السياسية في إسرائيل، وفي الوقت الذي تقول فيه فرنسا إن تغيير الحكومة لن يغير سياستها تجاه إسرائيل والفلسطينيين، وإنها لن تنتظر حدوث تغيير سياسي لمواصلة الدفع بمواقفها، بما في ذلك اتخاذ خطوات للحد من التجارة مع المستوطنات، تتزايد المخاوف في ألمانيا من تداعيات استمرار مفاوضات تشكيل الائتلاف الحكومي لفترة طويلة، خاصة أن نتنياهو قد يستغل فترة عدم اليقين السياسي لاستئناف الحملة ضد إيران أو توسيع النشاط العسكري في الضفة الغربية، وتسعى إلى ضمان ألا تؤدي الأزمة السياسية إلى تأخير الخطوات العاجلة في غزة.

أما على الساحة الفلسطينية فجاءت النتيجة مختلفة عما كان يأمله جزء من القيادة في رام الله، لكن رئيس السلطة الفلسطينية اختار توجيه رسالة علنية تبدي الاستعداد لاستئناف المفاوضات.

وتقول «يديعوت أحرونوت» إنه في الشرق الأوسط بشكل عام لم تسجل حماسة خاصة في الدول العربية إزاء احتمال تغيير الحكومة في إسرائيل.

وحصلت كتلة نتنياهو على 53 مقعداً في الانتخابات، فيما حصلت الأحزاب اليهودية في الكتلة المعارضة له على 48 مقعداً، والأحزاب العربية على 19 مقعداً، في إنجاز غير مسبوق، وهو وضع يعني أن أي من المعسكرين لا يملكون الأغلبية اللازمة لتشكيل الحكومة، وسيكون على رئيس الدولة إسحاق هرتسوغ تكليف أحد المرشحين بمهمة تشكيلها. وفي هذه الأثناء، وإلى حين تشكيل حكومة جديدة، سيواصل نتنياهو رئاسة حكومة انتقالية، قد تجد نفسها مضطرة لاتخاذ قرارات أمنية وسياسية مهمة.

ولا يزال السؤال بشأن من سيتمكن من الوصول إلى 61 مقعداً مفتوحاً، لكن من الواضح بالفعل أن الحسم السياسي في إسرائيل لن يرسم مستقبل إسرائيل فحسب، بل سيحدد أيضاً طبيعة علاقاتها مع العالم خلال السنوات المقبلة.

لافتة انتخابية لـ«القائمة المشتركة» العربية في بلدة اللد وسط إسرائيل الجمعة (أ.ب)

التحريض ضد عرب إسرائيل

وفيما تواصل الأحزاب الإسرائيلية والعربية مشاورات صعبة من أجل تشكيل حكومة، يضغط اليمين الإسرائيلي بقوة من أجل تثبيت التدخل الخارجي في الانتخابات ويتهم أحزاباً عربية بسرقة الانتخابات.

ويتعرض الفلسطينيون في إسرائيل إلى حملة واسعة من قبل قادة الأحزاب اليمينية في إسرائيل، وعلى رأسهم نتنياهو، الذي اتهمهم بـ«سرقة الانتخابات».

والجمعة، خرج يائير نتنياهو، نجل رئيس الحكومة، واتهم العرب بأنهم الخطر الأكبر على إسرائيل.

وقال نتنياهو الابن: «أثبتت هذه الانتخابات أن الخطر الأكبر على بقاء دولة إسرائيل، باستثناء النووي الإيراني، هو من يُسمّون عرب إسرائيل. فهم أخطر من إخوانهم الفلسطينيين في الضفة الغربية وغزة، وأخطر من تركيا، وحتى من موجة معاداة السامية المتصاعدة في الغرب... لا يمكن لدولة أن تصمد على المدى الطويل عندما يتماهى أكثر من 20 في المائة من سكانها مع أعدائها ويرغبون في تدميرها. فرنسا تشتعل وتنهار من الداخل لأن 10 في المائة من مواطنيها مسلمون».

غادي آيزنكوت يلوح بالعلم الإسرائيلي في المقر الرئيس لحزبه «يشار» بعد إغلاق صناديق الاقتراع الثلاثاء الماضي (د.ب.أ)

وردّ عضو الكنيست أحمد الطيبي على يائير نتنياهو قائلاً: «العاطل عن العمل في ميامي أطلق تصريحاً آخر عنصرياً ومعادياً للسامية، كعادته. على الأقل، العرب هنا يعملون لكسب رزقهم بكرامة، ولا يغردون من مقر إقامتهم في ميامي». أضاف: «سنعمل على تغيير الواقع البائس الذي صنعه نتنياهو الأب».

والارتفاع الحاد في نسب التصويت في المجتمع العربي يقع في صميم النقاش العام في إسرائيل.

وقالت «آي نيوز 24» إن الوسط السياسي في إسرائيل يتساءل عن أسباب هذا التحول في التوجه، هل كان رد فعل على سياسة بن غفير في السجون، أم تداعيات الحرب متعددة الأطراف، أم تصاعد الجريمة والقتل في القطاع، أم ربما استغلالاً لفرصة سياسية للتأثير على الحكومة في ظل الصراع مع رئيس الوزراء؟

الشرطة تفصل بين أنصار نتنياهو وناشطين يساريين يدعون إلى تشكيل حكومة بمشاركة الأحزاب العربية أمام منزل غادي آيزنكوت في هرتسليا بإسرائيل يوم 29 أكتوبر 2026 (أ.ب)

والتحريض على العرب وسرقة الانتخابات متواصل على الرغم من أن مسؤولي إنفاذ القانون قالوا للقناة 12 إن التحقيق في تدخل خارجي محدد لا يُتوقع أن يؤثر على نتائج الانتخابات.

الموساد يدخل خط التحقيقات

ودخل جهاز «الموساد» على الخط لمساعدة لجهاز الأمن العام «الشاباك» في التحقيق حول شبهات تدخل خارجي في الانتخابات الإسرائيلية، حيث سيركز «الموساد» على القضايا التي تقع ضمن نطاق اختصاصه.

وبحسب القناة، لا يزال التحقيق جارياً بشأن التدخل الأجنبي المشتبه به في الانتخابات الإسرائيلية، إلا أن التفاصيل التي تكشف عنه ترسم صورة مختلفة عما تم تقديمه حتى الآن. فخلافاً لما يُزعم، فإن الشكوك المتعلقة بتحويل الأموال أقل بكثير مما يُزعم، ولا تشمل مبالغ تصل إلى عشرات الملايين من الشواقل.

أوضحت مصادر مطلعة على التحقيق أن «هناك مبالغة كبيرة في المبالغ». وفي الوقت نفسه، أوضح رئيس لجنة الانتخابات المركزية، القاضي ناعوم سولبرغ، أن هذه على الأرجح حوادث فردية لم تؤثر على الصورة العامة لنتائج الانتخابات.

وبحسب القناة، «تثير هذه القضية تساؤلات حول سلوك رئيس جهاز الأمن العام (الشاباك) ديفيد زيني، الذي أدت أفعاله إلى كشف تحقيق سري».

وكان زيني طلب من رئيس لجنة الانتخابات المركزية القاضي ناعوم سولبرغ فتح تحقيق، وقال له: «لدينا معلومات، وعلينا التحقيق». جاء ذلك على الرغم من أن التحقيق كان قد بدأ بالفعل قبل الانتخابات، وكان النائب العام يرافقه منذ البداية. وكان زيني وعناصر جهاز الأمن العام (الشاباك) قد زاروا مكتب النائب العام قبل أيام، وبدأ التحقيق دون أي تدخل.


سوريا: ارتفاع عدد وفيات السيول إلى 7 أشخاص بينهم 5 أطفال

سيارة عالقة على طريق دير الزور الذي غابت آثاره نتيجة السيول (محافظة دير الزور)
سيارة عالقة على طريق دير الزور الذي غابت آثاره نتيجة السيول (محافظة دير الزور)
TT

سوريا: ارتفاع عدد وفيات السيول إلى 7 أشخاص بينهم 5 أطفال

سيارة عالقة على طريق دير الزور الذي غابت آثاره نتيجة السيول (محافظة دير الزور)
سيارة عالقة على طريق دير الزور الذي غابت آثاره نتيجة السيول (محافظة دير الزور)

ارتفع عدد ضحايا السيول والفيضانات في سوريا إلى 7 أشخاص بينهم خمسة أطفال، فيما انقطعت السبت الحركة على الطريق الدولي بين الرقة وتل ‏أبيض جراء حصول فجوة كبيرة نتجت عن انهيار عبّارة مائية قريباً من قرية الشيخ حسن في ريف الرقة الشمالي، وقد عادت الحركة بالاتجاهين على طريق حلب - الرقة عند «جسر السلماني» الذي انهار بسبب الفيضانات التي ضربت المنطقة خلال الأيام الثلاثة الماضية.

وقال رئيس مركز بلدية الشيخ حسن، عبد الرزاق الشوق، إن الجهات المعنية بدأت بمعالجة الأضرار وتأمين المرور، نظراً لأهمية ‏الطريق الذي يربط الرقة بسلوك ‏وتل أبيض الممتد باتجاه القامشلي والحسكة.‏ وسط مخاوف من احتمال تجدد ‌‏الأضرار مع استمرار ‏الأمطار، وأهمية إنشاء عبّارة نظامية تستوعب تدفق المياه وتأمين ‌‏تحويلة مرورية خلال التنفيذ.‏ وفق ما أفادت وسائل الإعلام الرسمية.

عودة الحركة على طريق حلب - الرقة بعد انقطاعه بسبب السيول (محافظة الرقة)

وتتواصل عمليات البحث عن المفقودين في قرية السريان شمالي «جسر السلماني» غربي الطبقة. كما تواصلت أعمال سحب الآليات العالقة على طريق دير الزور - دمشق جراء السيول، في الوقت الذي توجهت قافلة مساعدات إنسانية إلى عدد من القرى المتضررة في ريف دير الزور الغربي، لدعم الأهالي المتضررين وتخفيف الأعباء عنهم، والمساهمة في تلبية احتياجاتهم الأساسية.

وشهدت محافظات حلب والرقة ودير الزور والحسكة وحماة وحمص واللاذقية وطرطوس ودرعا خلال ثلاثة أيام، أمطاراً غزيرة أدت إلى سيول جارفة تسببت بقطع عدة طرق حيوية ورئيسية؛ أهمها طريق دير الزور - دمشق حيث حاصرت مياه السيول عشرات المركبات في منطقة الشولة، كما انقطع طريق الرصافة في ريف الرقة، وطريق تدمر – دير الزور.

وقضى 5 أطفال من الضحايا غرقاً في برك مياه تشكّلت نتيجة السيول، فيما جرف السيل أحد الأشخاص في منطقة هريبشة في دير الزور.

شاحنة عالقة بمياه السيول في الرقة (مديرية إعلام الرقة)

وقالت «وزارة الطوارئ وإدارة الكوارث» السورية، في بيان لها، إن فرقها تمكنت من إنقاذ 62 مدنياً بعد أن حاصرت السيول مركباتهم، كما تدخلت لإخلاء الأهالي الذين حاصرتهم المياه إثر انهيار عبارة ترابية في منطقة كسرة سرور بريف الرقة. ونسقت عمليات إخلاء آمن لمدرستين تضمان أكثر من 350 طالباً، إضافة لتنسيق إخلاء 375 عائلة من مخيمات في الرقة، والاستجابة لـ7 مخيمات في ريفي حلب وإدلب.

كما نفذت فرق الدفاع المدني السوري أعمالاً واسعة لشفط المياه المتجمعة وتصريفها من الأحياء السكنية والمنازل والمرافق العامة، شملت نحو 250 منزلاً ومرفقاً عاماً، من بينها مستشفيان ومدارس وأفران. كما استجابت الفرق لبلاغات تتعلق بسحب أكثر من 150 سيارة علقت في السيول، إضافة لتصريف المياه من أكثر من 150 موقعاً في الطرقات الرئيسية. وبلغ عدد الاستجابات الميدانية التي نفذتها فرق الدفاع المدني نحو 600 استجابة، بمساندة الآليات الهندسية والجهات المعنية.