مطالبات عربية ودولية بـ«استدامة» تدفق المساعدات إلى غزة

إغلاق معبر رفح عقب دخول 20 شاحنة... وترقب خروج الأجانب

شاحنات تحمل مساعدات إنسانية لقطاع غزة تعبر بوابة رفح الحدودية (إ.ب.أ)
شاحنات تحمل مساعدات إنسانية لقطاع غزة تعبر بوابة رفح الحدودية (إ.ب.أ)
TT

مطالبات عربية ودولية بـ«استدامة» تدفق المساعدات إلى غزة

شاحنات تحمل مساعدات إنسانية لقطاع غزة تعبر بوابة رفح الحدودية (إ.ب.أ)
شاحنات تحمل مساعدات إنسانية لقطاع غزة تعبر بوابة رفح الحدودية (إ.ب.أ)

أُغْلِقَ معبر رفح سريعاً بعد وقت قصير من فتحه، صباح السبت، ومرور 20 شاحنة فقط، كانت تحمل مساعدات إغاثية إلى قطاع غزة، الذي تحاصره إسرائيل منذ أسبوعين، وسط مطالبات عربية ودولية بوضع آليات تضمن «استدامة» إيصال المساعدات الإنسانية إلى غزة بشكل يومي.

وتحمل الشاحنات الأدوية وإمدادات طبية وكمية محدودة من الأغذية المعلبة، وفق تصريحات فلسطينية. بينما قال المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة، إن الشاحنات التي مرت دفعة أولى تابعة لـ«الهلال الأحمر المصري»، وتسلمها «الهلال الأحمر الفلسطيني».

وتعطل معبر رفح الذي يعد المنفذ الرئيسي للدخول والخروج من قطاع غزة بعد أن فرضت إسرائيل حصاراً كاملاً، وشنت ضربات جوية على غزة رداً على هجوم حركة «حماس» على إسرائيل في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) الحالي.

وقال الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، السبت، إن مصر «لم تَأْلُ

أشخاص على الجانب المصري من معبر رفح يراقبون قافلة من الشاحنات تحمل مساعدات إنسانية تعبر إلى قطاع غزة (أ.ف.ب)

جهداً ليل نهار لإيصال المساعدات لغزة، ولم تغلق معبر رفح يوماً إلا أن القصف الإسرائيلي حال دون عمله». وأضاف خلال افتتاحه قمة القاهرة للسلام، السبت: «دعوني أتساءل... أين قيم الحضارة الإنسانية التي شيدناها تجاه ما يحدث في غزة؟».

بينما شدد العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني، في كلمته خلال قمة القاهرة، على «أولوية إيصال المساعدات الإنسانية والوقود والغذاء والدواء بشكل مستدام، ودون انقطاع إلى قطاع غزة».

وعرض التلفزيون المصري الرسمي لقطات لفتح السلطات معبر رفح في شبه جزيرة سيناء أمام المساعدات الإنسانية، بعد أيام من انتظار أكثر من 200 شاحنة مساعدات أمام المعبر، بينما لا يزال هناك المزيد من مواد الإغاثة مكدسة في المنطقة. وأظهرت اللقطات لحظة بدء دخول أول قافلة مساعدات إنسانية، وسط احتفالات من المتطوعين على الجانب المصري بالزغاريد والهتافات.

صورة من الجو لقافلة شاحنات المساعدات تدخل إلى قطاع غزة من مصر السبت (أ.ف.ب)

ويقول مسؤولون في الأمم المتحدة إن غزة بحاجة إلى 100 شاحنة على الأقل يومياً لتوفير الاحتياجات الضرورية، وإن أي إدخال للمساعدات يجب أن يكون مستمراً وعلى نطاق واسع. وقبل اندلاع الصراع، كانت نحو 450 شاحنة مساعدات تصل إلى غزة يومياً.

وشدد منسق الأمم المتحدة لشئون الإغاثة، مارتن غريفيث، على أن قافلة المساعدات الإنسانية التي دخلت قطاع غزة عبر معبر رفح «يجب ألا تكون الأخيرة». وقال غريفيث، في بيان نشره عبر حسابه الرسمي على موقع «إكس» السبت: «لقد تحمل شعب غزة عقوداً من المعاناة، ولا يمكن للمجتمع الدولي أن يستمر في خذلانه»، معرباً عن ترحيبه بالإعلان عن دخول أول قافلة مساعدات إلى غزة.

وأشار غريفيث إلى أن القافلة المكونة من 20 شاحنة تضم إمدادات حيوية مقدمة من «الهلال الأحمر المصري» والأمم المتحدة، وقد اتُّفِقَ على عبورها وتسلُّمها من قبل «الهلال الأحمر الفلسطيني» بدعم من الأمم المتحدة، ونوه بأن عملية التسليم تأتي بعد أيام من المفاوضات المكثفة مع جميع الأطراف المعنية للتأكد من استئناف عملية المساعدات في غزة في أسرع وقت ممكن، وفي ظل الظروف المناسبة.

عودة شاحنات قافلة المساعدات إلى الجانب المصري بعد إيصال المساعدات إلى قطاع غزة (د.ب.أ)

ووفق برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة، فإن القافلة الأولى من إمدادات الإغاثة إلى قطاع غزة تحتوي على 60 طناً من المواد الغذائية. وقال البرنامج، في بيان السبت، إنه سيجري توزيع علب التونة والدقيق والمعكرونة والفول... وغير ذلك من المواد، على المحتاجين في أقرب وقت ممكن.

ودعت سيندي ماكين، المديرة التنفيذية للبرنامج، في رسالة صادرة من القاهرة إلى «الوصول الفوري والآمن والمستدام للمساعدات الإنسانية إلى غزة». وحذرت من أن هذه المساعدات لن تكفي سوى بضعة أيام، ومن ثم سينفد الطعام، وسيواجه أهل غزة الجوع مجدداً.

وما زال لدى البرنامج 930 طناً أخرى من الغذاء على الجانب المصري من معبر رفح مع غزة، ويهدف إلى مساعدة 1.1 مليون شخص خلال الشهرين المقبلين.

ورحبت رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، بفتح معبر رفح الحدودي مع غزة أمام المساعدات الإنسانية، وكتبت في تغريدة لها عبر موقع «إكس»: «هذه خطوة أولى مهمة من شأنها أن تخفف من معاناة الأبرياء... أتوجه بالشكر إلى جميع المشاركين الذين جعلوا هذا ممكناً».

طفل فلسطيني ينتظر مع أهله من حمَلة الجنسية المزدوجة خارج معبر رفح السبت (رويترز)

وقد وصفت وزيرة الخارجية الألمانية أنالينا بيربوك، دخول أول قافلة مساعدات إنسانية لقطاع غزة بأنها «بارقة أمل في هذه الساعات العصيبة». وقالت بيربوك، التي عادت إلى مصر، عبر منصة «إكس»: «نوجه الشكر لكل من أسهم، ويواصل العمل بأسرع ما يمكن لتوسيع نطاق المساعدات».

بينما ذكرت وزيرة الخارجية الفرنسية كاترين كولونا، السبت، أن «توزيع المساعدات على السكان المدنيين، بدءاً بالأكثر احتياجاً، يستدعي إنشاء ممر إنساني، وهو ما قد يؤدي إلى وقف إطلاق النار»، وذلك خلال قمة القاهرة للسلام.

ووفقاً لمنظمة الصحة العالمية فإنها أرسلت 4 شاحنات تحمل أدوية ومعدات لعلاج الصدمات لعلاج ما يصل إلى 1200 جريح، بالإضافة إلى أدوية لـ 1500 مريض يعانون من أمراض مزمنة. وأضافت المنظمة أن «الإمدادات المتجهة حالياً إلى غزة لن تكفي لتلبية الاحتياجات الصحية المتصاعدة مع استمرار تصاعد الأعمال القتالية، وهناك حاجة ماسة إلى عملية مساعدات موسعة ومحمية».

فلسطينيون من حمَلة الجنسية المزدوجة ينتظرون السماح لهم بعبور رفح إلى مصر السبت (إ.ب.أ)

ومن جهة أخرى، يتجمع عدد من حاملي الجنسيات الأجنبية على معبر رفح بانتظار الخروج من قطاع غزة بعد فتحه فترة وجيزة لدخول المساعدات الإنسانية، قبل إغلاقه مرة أخرى.

وقالت السفارة الأميركية في إسرائيل، في وقت سابق لفتح المعبر، إن «معبر رفح الحدودي بين مصر وقطاع غزة قد يفتح اليوم السبت، ما يشي باحتمال تمكن الرعايا الأجانب من مغادرة القطاع الفلسطيني».

وكان المتحدث باسم وزارة الخارجية المصرية أحمد أبو زيد، قد كتب عبر منصة «إكس»، الجمعة، إن مصر ليست مسؤولة عن إغلاق معبر رفح بينها وبين قطاع غزة «رغم أن إسرائيل استهدفته 4 مرات، ورفضت دخول المساعدات». وقال: «اليوم ستتحمل هي مسؤولية إعاقة خروج رعايا الدول... المعبر مفتوح ومصر ليست مسؤولة عن عرقلة خروجهم».


مقالات ذات صلة

غزة تعيش ليلة جديدة من ليالي الحرب

المشرق العربي فلسطينيات وسط دمار مبنى استهدفته غارة جوية إسرائيلية في دير البلح وسط قطاع غزة الجمعة (د.ب.أ)

غزة تعيش ليلة جديدة من ليالي الحرب

عاش سكان قطاع غزة ليلة عصيبة، مساء الخميس وفجر الجمعة، بعد سلسلة من الغارات الجوية التي أعادت مشاهد الحرب.

المشرق العربي «الشرق الأوسط» تنشر رسالة «حماس» للوسطاء ولقاء مرتقب في القاهرة

«الشرق الأوسط» تنشر رسالة «حماس» للوسطاء ولقاء مرتقب في القاهرة

أرسلت «حماس» الوثيقة للوسطاء في مصر، ووجهت منها نسخة لقطر وتركيا، وعبر تلك الدول نقلت لجهات أخرى منها «مجلس السلام» والإدارة الأميركية.

«الشرق الأوسط» (غزة)
شؤون إقليمية رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (رويترز)

نتنياهو: أمرت الجيش بالسيطرة على 70 % من قطاع غزة

قال رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، الخميس، إنه أمر الجيش الإسرائيلي بالسيطرة على 70 في المائة من قطاع غزة.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
المشرق العربي جنود إسرائيليون في موقع عسكري يطل على ما يسمى الخط الأصفر في وسط قطاع غزة 26 مايو 2026 (أ.ب)

الجيش الإسرائيلي يعلن استهداف مقاتلَيْن رئيسيَيْن من «حماس» في غزة

قال الجيش ‌الإسرائيلي، ‌الأربعاء، ​إنه ‌استهدف ⁠اثنين ​من مقاتلي ⁠حركة ⁠«حماس» ‌الرئيسيين ​في ‌شمال قطاع ‌غزة.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
المشرق العربي فلسطينيون يحملون جثامين محمد عودة القائد في الجناح العسكري لحركة «حماس» وزوجته وابنه خلال جنازتهم بمدينة غزة 27 مايو 2026 (د.ب.أ) p-circle

بالصور: فلسطينيون يشيّعون جثمان قائد «القسام»... وإسرائيل تكثف هجماتها

حمل عشرات الفلسطينيين جثمان محمد عودة القائد الجديد لكتائب القسام الجناح المسلح لحركة «حماس» في جنازة بشوارع مدينة غزة الأربعاء

«الشرق الأوسط» (غزة)

إسرائيل تحبط مسار المفاوضات الأمنية بالإصرار على التمدد العسكري

متطوعون في الدفاع المدني ينقلون نعوش 6 مدنيين قتلوا بغارة إسرائيلية أثناء إخلاء بلدتهم في جنوب لبنان (أ.ب)
متطوعون في الدفاع المدني ينقلون نعوش 6 مدنيين قتلوا بغارة إسرائيلية أثناء إخلاء بلدتهم في جنوب لبنان (أ.ب)
TT

إسرائيل تحبط مسار المفاوضات الأمنية بالإصرار على التمدد العسكري

متطوعون في الدفاع المدني ينقلون نعوش 6 مدنيين قتلوا بغارة إسرائيلية أثناء إخلاء بلدتهم في جنوب لبنان (أ.ب)
متطوعون في الدفاع المدني ينقلون نعوش 6 مدنيين قتلوا بغارة إسرائيلية أثناء إخلاء بلدتهم في جنوب لبنان (أ.ب)

أحبطت إسرائيل مسار المفاوضات الأمنية مع لبنان، الذي انطلق في واشنطن الجمعة، بإعلان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، على مشارف الأراضي اللبنانية المحتلة، توسيع العمليات العسكرية في جنوب لبنان، وعبور قواته نهر الليطاني، فيما قال رئيس الأركان إيال زمير إن «الخط الأصفر لا يقيّدنا»، وإن جيشه سيعمل «في كل مكان نرصد فيه تهديداً».

وبالتزامن مع انطلاق المفاوضات الأمنية بين لبنان وإسرائيل في الولايات المتحدة الجمعة، تلقى الرئيس اللبناني جوزيف عون اتصالاً هاتفياً من وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، جرى خلاله عرض للأوضاع العامة في لبنان والمنطقة والتطورات الراهنة. وأكد الرئيس عون، خلال الاتصال، ضرورة بذل كل الجهود الممكنة من أجل التوصل إلى وقف لإطلاق النار، باعتباره المدخل الأساسي للانتقال إلى أي خطوة أخرى، والممر الضروري لتهيئة الظروف المناسبة لمعالجة مختلف الملفات والقضايا المطروحة.

وقالت الرئاسة اللبنانية إن الوزير روبيو «جدّد التزام الإدارة الأميركية بالاستمرار في مساعيها لتثبيت مخرجات لقاءات واشنطن السابقة، كما دعمها استقرار لبنان واستقلاله وسيادته على كامل أراضيه، وحقّه الطبيعي والكامل في تقرير مصيره».

نتنياهو

وفيما كانت الجلسة تُعقد في واشنطن، بمطلب لبناني حاسم بوقف إطلاق النار، قال نتنياهو خلال زيارة للفرقة 36 على الحدود الشمالية إن «القوات الإسرائيلية تواصل عملياتها ضد (حزب الله) في جنوب لبنان والبقاع ومحيط بيروت»، مؤكداً أن الجيش الإسرائيلي «يعمل دون توقف على مختلف الجبهات».

وأضاف أن القوات الإسرائيلية «عبرت نهر الليطاني وتجاوزته»، مشيراً إلى أن الجيش يواصل تنفيذ ضربات مكثفة ضد أهداف تابعة لـ«حزب الله» ضمن ما وصفه بمنع التهديدات التي تستهدف المستوطنات الشمالية.

رئيس أركان الجيش الإسرائيلي إيال زمير خلال زيارته جنوب لبنان (الجيش الإسرائيلي)

تخطي الخط الأصفر

بالموازاة، قام رئيس الأركان، الجنرال إيال زمير، بزيارة إلى الفرقة 210، حيث أجرى تقييماً للوضع من موقع رصد في المواقع المتقدمة في هار دوف (مزارع شبعا المحتلة) داخل الأراضي اللبنانية، المطلة على وادي عيون وعلى السلاسل الجبلية المسيطرة شمالاً وغرباً في جنوب لبنان، وذلك إلى جانب القادة في الميدان. كما شاهد تشغيل النيران من قبل القوات الإسرائيلية في الميدان، حسبما قال الجيش الإسرائيلي، في بيان.

وقال زمير: «هناك ضربات تراكمية وغير مسبوقة ضد (حزب الله)، من آلاف المخربين حتى قادة كبار وطبقات قيادية متوسطة. لا يوجد مكان يشكل حصناً لـ(حزب الله)، ولا يوجد مكان يتمتع فيه بالحصانة». وتابع: «الخط الأصفر لا يقيّدنا، في كل مكان نرصد فيه تهديداً وفي كل مكان نحتاج فيه إلى إزالة تهديد، سنعمل، وفي كل مكان توجد فيه حاجة عملياتية للمناورة، سنناور. كل ضربة لـ(حزب الله) هي أيضاً ضربة للمحور الإيراني والاستثمار الإيراني في المنطقة. نحن مستعدون لأي تطور، ونحافظ على جاهزية عالية أيضاً في مواجهة إيران».

وقال زمير إن «هدفنا واضح، تعميق ضرب (حزب الله)، وإبعاد التهديد، وتعزيز الدفاع عن بلدات الشمال. هذا هو الهدف المركزي الذي يوجّه كل عمل وكل قرار. حتى في هذه اللحظات قواتنا تتقدم وتعمل. كل إنجاز إضافي على الأرض يعزز أمن السكان ويساهم في خلق ظروف أفضل لترتيبات أمنية مستقبلية محسّنة من موقع قوة».

وإذ أعلن عن قتل 7500 مقاتل في «حزب الله»، بينهم 2500 منذ بدء الحرب الحالية، قال إن «تهديد الطائرات المسيّرة هو تحدٍ، لكننا سننتصر عليه. ساحة المعركة ليست نظيفة، ولن تكون كذلك، لكننا نستثمر فيها أفضل الموارد والعقول والقدرات في جيش الدفاع»، لافتاً الى «حلول عملياتية وتكنولوجية في مراحل التطوير والتطبيق، وسنواصل إدخالها إلى ساحة المعركة بسرعة».

قلق بريطاني

ويثير التصعيد الإسرائيلي قلقاً دولياً. وقال السفير البريطاني لدى لبنان هاميش كول: «نحن قلقون جداً إزاء الوضع في جنوب لبنان»، لافتاً إلى مقتل مدنيين، بينهم مسعفون، وهدم القرى والبنى التحتية المدنية والمخاطر التي تهدد مواقع التراث الثقافي ذات الأهمية العالمية.

وقال، في تصريح: «هناك حاجة ماسة إلى خفض التصعيد، كما على الأطراف جميعهم احترام وقف إطلاق النار والالتزام بالقانون الدولي الإنساني».

وتابع: «تُشكل المحادثات بقيادة الولايات المتحدة فرصة تاريخية للتوصل إلى اتفاق تفاوضي، وهو السبيل الوحيد الذي يُمكّن المجتمعات على جانبي الحدود من العودة بثقة إلى العيش بسلام. وستعمل المملكة المتحدة مع شركائها على دعم إنهاء هذا الصراع غير المرغوب فيه وغير الضروري بشكل دائم».

تداعيات إنسانية

ومع توسع الحرب، رفع منسق الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في لبنان، عمران ريزا، مستوى التحذير من التداعيات الإنسانية للتصعيد، معتبراً أن المدنيين يتحملون العبء الأكبر للأعمال العدائية وأوامر التهجير.

وقال ريزا إن أوامر الإخلاء الواسعة وغير الواضحة في صور والنبطية ومناطق جنوب الزهراني تسببت بحالة واسعة من الذعر والمعاناة، وأجبرت أعداداً كبيرة من العائلات على النزوح مجدداً بحثاً عن الأمان.

وأشار إلى أن القطاع الصحي يتعرض لضغوط غير مسبوقة، موضحاً أن 182 هجوماً استهدفت مرافق وعاملين صحيين منذ الثاني من مارس (آذار)، وأسفرت عن مقتل 125 من العاملين في القطاع الصحي وإصابة 311 آخرين.

وأضاف أن مراكز الإيواء بلغت طاقتها القصوى، فيما لا تزال المدارس تُستخدم لاستضافة النازحين، ما يحرم آلاف الأطفال من حقهم في التعليم.

صورة مركبة لغارة إسرائيلية استهدفت مدينة صور بجنوب لبنان (أ.ف.ب)

بالتوازي مع التحذيرات الإنسانية، حذّر وزير الثقافة اللبناني غسان سلامة من المخاطر التي تهدد مواقع أثرية أساسية في لبنان نتيجة الغارات الإسرائيلية.

ودعا سلامة منظمة «اليونيسكو» إلى تعيين مفوض خاص، وإرسال لجنة تحقيق لتقييم الأضرار التي لحقت بالمواقع الأثرية، فور التوصل إلى هدنة، مشيراً إلى أن لبنان وضع إشارات الحماية الدولية الخاصة بالمواقع المدرجة على قائمة التراث العالمي، إلا أن القصف استمر رغم ذلك.


مفكر مقرّب من نتنياهو: «حزب الله» جر إسرائيل لحرب استنزاف

جنديتان في الجيش الإسرائيلي تبكيان زميلة لهما قتلت في جنوب لبنان الخميس (أ.ف.ب)
جنديتان في الجيش الإسرائيلي تبكيان زميلة لهما قتلت في جنوب لبنان الخميس (أ.ف.ب)
TT

مفكر مقرّب من نتنياهو: «حزب الله» جر إسرائيل لحرب استنزاف

جنديتان في الجيش الإسرائيلي تبكيان زميلة لهما قتلت في جنوب لبنان الخميس (أ.ف.ب)
جنديتان في الجيش الإسرائيلي تبكيان زميلة لهما قتلت في جنوب لبنان الخميس (أ.ف.ب)

في الوقت الذي يطالب فيه الجيش الإسرائيلي بإطلاق يده لتصعيد أكبر في لبنان، خرج البروفسور إيال زيسر، الذي يعدّ اليوم عميد أحزاب اليمين، بموقف سياسي علني ضده؛ يشير فيه إلى أن العمليات الحربية في لبنان باتت خطأ استراتيجياً يلحق أضراراً جسيمة في المصالح الإسرائيلية، ويظهر إخفاقاً شديداً في إدارة الحرب.

وقال زيسر، في مقابلة مع إذاعة إسرائيلية، إن هذه العمليات التي تستهدف بالأساس البيئة الشيعية في لبنان، لن تعود بأي نتيجة إيجابية لإسرائيل، مثلها كمثل المساس بالمواطنين في قطاع غزة؛ فلا هذه أثرت على قيادة «حماس»، ولا تلك أثرت على قيادة «حزب الله». كلاهما عمق الشعور بأنهما ضحية. وهي تؤدي إلى التفاف جماهيري حول «حزب الله» يسهم في إنقاذه من السقوط، بعدما تلقى ضربات قاسية، وتعدّ أيضاً نجاحاً للحزب في جرّ إسرائيل إلى حرب استنزاف غبية لاصطياد جنودها. ويكلف احتلال الأراضي اللبنانية إسرائيل ثمناً باهظاً؛ فقْدها جنودها وأخْذها إلى أماكن بعيدة عن مصالحه.

انتقادات في الجبهة الإيرانية

انتقد زيسر الأداءين الأميركي والإسرائيلي في الجبهة الإيرانية أيضاً، لأنه لم يأخذ في الحسبان مفاهيم وعقائد النظام هناك؛ فقد وضعا هدفاً هو إسقاط النظام، وما دامت الحرب ستنتهي من دون إسقاطه، فإنه سيظهر لشعبه أنه صمد. وهذا الصمود بحد ذاته خطير لأنه يعيد للنظام ثقته بنفسه، رغم كل ما تعرض له من تصفيات وتدمير.

ويكتسب هذا الموقف أهمية خاصة، لأنه جاء مناقضاً بشكل صدامي مع قيادة الجيش الإسرائيلي، التي تتهم الحكومة بتقييد أيديها ومنعها من إكمال مهامها، وتطالب بمنحها فرصة القصف الجارف في بيروت، وعدم اقتصار العمليات على الاغتيالات. وينطلق الجيش في هذا الموقف من ردود الفعل التي تتسم بالنقد الحاد في الشارع الإسرائيلي، حيث يُتهم بالفشل في توفير الأمن لسكان الشمال.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في نادي مارالاغو ببالم بيتش فلوريدا - 29 ديسمبر 2025 (رويترز)

التزام برؤية ترمب

يزعج هذا الموقف رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، لأنه يعارض التصعيد الأكبر؛ ليس بإرادته بل نتيجة لالتزامه بإرادة الرئيس الأميركي دونالد ترمب. وهو يقول إن هذا الرئيس، الأفضل لإسرائيل، الذي أثبت أنه يدعمها أكثر من أي رئيس قبله، ويحتاجه نتنياهو لدعمه شخصياً في معركة البقاء التي يخوضها حتى على صعيد معركته القضائية في محاكمة الفساد.

ويدل خروج البروفسور زيسر بهذا الموقف الحاد ضد خطط الجيش، على أن نتنياهو بدأ يمهد لوقف الحرب؛ ليس لأنه يريد وقفها، فهو أكثر من يريد استمرار الحرب؛ لكنه مقتنع بأن الإدارة الأميركية حسمت أمرها لوقف الحرب، على الأقل في هذه المرحلة، عشية افتتاح المونديال والاحتفالات المقبلة في يوليو (تموز) لمناسبة مرور 250 سنة على تأسيس الولايات المتحدة. وهو لا يريد إحراج الرئيس ترمب، الذي يتعرض لحملة في الشارع الأميركي تتهمه بأنه يندفع لهذه الحرب بتأثير نتنياهو، ويفكر في الالتزام بما يريده الرئيس الآن، و«يثق في أن غرور القيادة الإيرانية سيجعلها تخرب أي اتفاق يتم التوصل إليه، وعندها تنفجر الحرب من جديد بسببها، وليس بسبب إسرائيل».

وفي هذه الأثناء، عاد نتنياهو إلى «عقيدة الشك» ليتهم الجيش والدولة العميقة بالتآمر عليه ومحاولة إسقاطه في الانتخابات القريبة، التي ستجري في أكتوبر (تشرين الأول) المقبل. ويرى أنه في هذا الوقت يجب التركيز على الإنجازات التي تحققت في الحرب على كل الجبهات، وليس التورط في مزيد من العمليات الحربية. وراح يستخدم تعابير يستخدمها اليسار الراديكالي في العادة؛ مثل «توسع الحرب يورط إسرائيل في حرب استنزاف»، و«لا يحقق أهداف الحرب». ويتحدث عن ضرورة وجود نفس طويل في إسرائيل، فالمعركة طويلة ولا تحسم بضربة واحدة، وغير ذلك من المواقف غير المألوفة بقاموس نتنياهو.


لبنان وإسرائيل يتقدمان نحو ترتيبات أمنية برعاية أميركية

الجدار الحدودي الفاصل بين لبنان وإسرائيل (أ.ف.ب)
الجدار الحدودي الفاصل بين لبنان وإسرائيل (أ.ف.ب)
TT

لبنان وإسرائيل يتقدمان نحو ترتيبات أمنية برعاية أميركية

الجدار الحدودي الفاصل بين لبنان وإسرائيل (أ.ف.ب)
الجدار الحدودي الفاصل بين لبنان وإسرائيل (أ.ف.ب)

أجرى الجيشان اللبناني والإسرائيلي الجمعة محادثات مباشرة لا سابق لها في وزارة الحرب الأميركية (البنتاغون)، ضمن مسار أمني موازٍ للمفاوضات السياسية التي بدأت قبل أسابيع، وتشهد جولة جديدة الثلاثاء والأربعاء المقبلين، رغم مضي إسرائيل في احتلال أجزاء واسعة من لبنان في ظل القتال مع مجموعات «حزب الله».

وكانت الولايات المتحدة استضافت مفاوضين لبنانيين وإسرائيليين في ثلاث جولات من محادثات «المسار السياسي» منذ إعلان وقف النار في منتصف أبريل (نيسان) الماضي. ويهدف الاجتماع إلى إحراز تقدم جوهري على اتفاق إطاري يشمل ترتيبات أمنية برعاية أميركية.

ومع بدء محادثات المسار الأمني في «البنتاغون» صباح الجمعة، حضر وفد لبناني رفيع بقيادة مدير العمليات في الجيش العميد الركن جورج رزق الله، وعضوية العميد الركن زياد رزق الله، والعميد الركن شادي أبو كروم، والعميد الركن وائل عباس، والعقيد مازن الحاج، والعقيد وديع رفول، بالإضافة إلى الملحق العسكري اللبناني في واشنطن العميد الركن أوليفر حاكمة. وحضرت السفيرة اللبنانية في الولايات المتحدة ندى حمادة معوض افتتاح هذه المحادثات. في المقابل، قاد الوفد الإسرائيلي رئيس القسم الاستراتيجي لمديرية التخطيط في الجيش عميحاي ليفين.

جنود لبنانيون يحملون نعش الجندي علاء مدلج الذي قتل بغارة إسرائيلية (أ.ف.ب)

وقف النار

ونقلت «وكالة الصحافة الفرنسية» عن مصدر عسكري لبناني أن الوفد «سيشدد على ضرورة وقف إطلاق النار، ويعرض خطة الجيش لحصر السلاح، وبسط سلطة الدولة على الأراضي اللبنانية». وخلال المحادثات، قدم الوفد اللبناني شرحاً مفصلاً عما أدت إليه الاعتداءات الإسرائيلية المتواصلة على الأراضي اللبنانية، والتي لم تقتصر على «حزب الله». واعتبر أحدهم أن «الهجمات لم تؤدِ إلى النتيجة التي تتوخاها إسرائيل. وبالتالي يجب أن تتولى الحكومة اللبنانية زمام الأمور للقيام بواجباتها فيما يتعلق بالحفاظ على السيادة اللبنانية باعتبارها الجهة الوحيدة المخولة باحتكار حمل السلاح». وأضاف أن «المدخل إلى ذلك هو الوقف الثابت لإطلاق النار»، والشروع في عملية «خطوة مقابل خطوة».

جنود إسرائيليون يحملون نعش الجندي نوعام همبرغر الذي قتل بمسيرة أطلقها «حزب الله» (أ.ب)

ومع ذلك، واجه مطلب لبنان وقف النار «تحدياً كبيراً» في ظل الدعم الأميركي الواضح للعمليات العسكرية الإسرائيلية ضد «حزب الله». وكرر المسؤولون الأميركيون في الآونة الأخيرة أنه «من حق إسرائيل أن تدافع عن نفسها، وأن تتحرك بحرية لمواجهة تهديدات (حزب الله)».

ويركز الموقف الإسرائيلي على «ضرورة أن تباشر الدولة اللبنانية فوراً في عملية نزع سلاح (حزب الله)». وتطالب إسرائيل أيضاً بإنشاء لجنة تنسيق مباشر بين الجيشين اللبناني والإسرائيلي. وعلمت «الشرق الأوسط» أن الوسطاء الأميركيين، بالإضافة إلى «معالجة الأوضاع الآنية»، يضعون «خططاً استراتيجية مفصلة» يمكن العمل عليها من الجانبين اللبناني، والإسرائيلي، ولا سيما لجهة العمل على «تفكيك» الجناحين العسكري والأمني لـ«حزب الله» باعتباره «أساساً لترتيبات أمنية مستقبلية» تضمن «استعادة لبنان سيادته على كامل أراضيه»، كما تكفل «الأمن التام لإسرائيل، ولا سيما في مناطقها الشمالية».

وناقش المجتمعون اقتراحات عرضت سابقاً على الطرفين، وتشمل إنشاء «آلية مراقبة» لتنفيذ الاتفاقات الأمنية على غرار القوة متعددة الجنسية التي أنشئت في سيناء بعد التوصل إلى اتفاقات كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل.

اتفاق الهدنة

ويأمل الجانب اللبناني اعتماد اتفاق الهدنة لعام 1949 بين لبنان وإسرائيل، فيما لم يؤكد أي مسؤول أميركي بعض التسريبات اللبنانية عن أن المحادثات شملت إنشاء «مناطق نموذجية» تنسحب منها القوات الإسرائيلية وتسليمها للجيش اللبناني، على سبيل الاختبار. فإذا نجحت، يجري الانسحاب من المزيد من المناطق.