«حزب الله» يستمد موقفه من نتائج المواجهة الميدانية في غزة

مصدر في «الثنائي الشيعي» يؤكد تعاطيه بواقعية في رسم خياراته

مناصرون لـ«حزب الله» في الضاحية الجنوبية لبيروت (أ.ف.ب)
مناصرون لـ«حزب الله» في الضاحية الجنوبية لبيروت (أ.ف.ب)
TT

«حزب الله» يستمد موقفه من نتائج المواجهة الميدانية في غزة

مناصرون لـ«حزب الله» في الضاحية الجنوبية لبيروت (أ.ف.ب)
مناصرون لـ«حزب الله» في الضاحية الجنوبية لبيروت (أ.ف.ب)

تبقى الأنظار الدولية والمحلية مشدودة إلى ما سيؤول إليه الوضع العسكري على امتداد الجبهة الشمالية في جنوب لبنان ومدى استعداد «حزب الله» للدخول في مواجهة مفتوحة مع إسرائيل، في حال أنها قررت اجتياح قطاع غزة، وهل أنه يحتفظ لنفسه بكلمة السر ولا يبوح بها للذين يتواصلون معه، مباشرة أو بالواسطة، بمن فيهم رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي، كونه محور الاتصالات الدولية والإقليمية التي تسدي نصائحها للبنان بعدم الانجرار إلى المواجهة برفضه استدراج العروض التي يراد منها توسيع دائرة التوتر لتشمل حدوده مع إسرائيل لمنعها من الاستفراد بحركة «حماس» في غزة.

فالرئيس ميقاتي، وإن كان لا يملك حتى الساعة كلمة السر، برغم أنه على احتكاك مباشر مع رئيس المجلس النيابي نبيه بري، والمعاون السياسي للأمين العام لـ«حزب الله» حسين خليل، فإن هذا لا يعني أن الحزب يحجبها عنه، بمقدار ما أنه لا يزال يدرس مجموعة من الخيارات العسكرية التي يفترض، كما يقول مصدر في الثنائي الشيعي لـ«الشرق الأوسط»، بأن تكون مفتوحة على مجريات المواجهة الدائرة بين «حماس» وإسرائيل التي تواصل استعداداتها العسكرية لغزو غزة مع دخول الحرب أسبوعها الثالث.

ويكشف المصدر نفسه، الذي يواكب الاتصالات الدولية والعربية والإقليمية، ويتواصل باستمرار مع الرئيس ميقاتي، أن اجتياح إسرائيل لغزة، في حال حصوله، لا يعني بالضرورة أن «حزب الله» سيبادر إلى توسيع المواجهة في جنوب لبنان، وصولاً إلى تحريك الجبهة الشمالية التي ستدفع بتل أبيب إلى استقدام وحدات عسكرية إضافية لرفع منسوب المواجهة، ما يؤدي إلى تخفيف الضغط العسكري على غزة.

توسيع المواجهة

ويؤكد أن الحزب لن يبادر إلى توسيع المواجهة فور بدء الاجتياح الإسرائيلي لغزة، ويقول إن ذلك يترتب على ما ستؤول إليه النتائج الميدانية ليكون في مقدوره أن يبني على الشيء مقتضاه، طالما أن لديه من المعطيات والمعلومات ما يدعوه للاطمئنان بأن تل أبيب ستواجه مقاومة، يمكن أن تشكل مفاجأة لها، على غرار تلك التي أحدثها اجتياح «حماس» للمستوطنات الإسرائيلية الواقعة ضمن غلاف غزة.

ويلفت المصدر في الثنائي الشيعي إلى أن الصدمة التي أصابت رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو كانت وراء قيام الرئيس الأميركي جو بايدن بزيارة تل أبيب وما أعقبها من زيارات لعدد من كبار المسؤولين في دول الاتحاد الأوروبي، في محاولة لتعويمه سياسياً من جهة، ولردّ الاعتبار للجيش الإسرائيلي، ويقول إن الحزب تبلّغ من قيادة «حماس» أن لديها كل الإمكانات العسكرية للصمود لأشهر في مقاومتها للعدوان الإسرائيلي على غزة، وهذا ما أكده وزير خارجية طهران حسين أمير عبداللهيان في لقاءاته التي عقدها في بيروت.

ويقول إن المواجهة في غزة يمكن أن تتحول إلى حرب إقليمية لا تقتصر على ما هو فوق الأرض، بل تمتد إلى ما تحتها في الأنفاق التي أقامتها «حماس»، وإن كان لا يزال يراهن على التحرك العربي الضاغط للانتقال إلى مرحلة البحث عن تسوية.

وإلى أن تنجلي الصورة في حال قيام إسرائيل بغزو غزة في حرب تعترف بأنها ستكون طويلة، لا بد من التوقف أمام استمرار تسخين الجبهة الشمالية بالتزامن مع الحرب الدائرة فيها من خلال قراءة الثنائي الشيعي الذي يصنّفها في خانة تبادل التحذيرات العسكرية بين تل أبيب و«حزب الله» التي تبقى حتى الساعة تحت السيطرة، من دون أن تتطور باتجاه تبادل القصف العشوائي.

جبهة الشمال

ويرى المصدر أنه لا نية لتوسيع رقعة التصعيد العسكري على الجبهة الشمالية، إلا في حال لجأت إسرائيل إلى توسيعها، ويقول إن الحزب يخوض مواجهة محدودة تحت سقف الضغط على تل أبيب لسحب وحدات عسكرية من جبهة غزة إلى الجنوب.

ويؤكد أن المواجهة في الجبهة الشمالية تبقى تحت سقف إشغال إسرائيل عسكرياً إلى أن يتوضّح الوضع العسكري على جبهة غزة، ويقول إنها تقتصر على تبادل الضربات وتسديد الرميات الصاروخية من دون أن تشهد حتى الساعة تحوُّلاً في المواجهة، يدفع باتجاه تدحرج الوضع بشكل يصعب استيعابه والسيطرة عليه.

لكن المصدر نفسه لا يزال يراهن على أن «حزب الله» يتصرف بواقعية، وهذا ما يدعوه إلى عدم البوح بكلمة السر، لأنه لا يزال يبلور موقفه، ويدرس خياراته، وإلا لكان بادر أمينه العام حسن نصر الله إلى إحاطة جمهور الحزب بالموقف الذي يتخذه، والذي سيكون بمثابة أمر عمليات يتطلع من خلاله إلى رسم خريطة طريق، يضيء بها على طبيعة المهام الملقاة على الحزب، سواء أكانت عسكرية أم سياسية.

ويضيف بأن صمت الحزب يأتي في سياق دراسته لأكثر من خيار يستمده من تسارع الوضع الميداني على الأرض في غزة، ويقول إن الحزب يقف وراء دخول «حماس» و«الجهاد الإسلامي» على خط تبادل القصف التحذيري على طول الجبهة الشمالية، بغية تمرير رسالة لإسرائيل ولمن يدعمها بأن الآتي أعظم في حال حسمت أمرها بالاجتياح.

ويؤكد المصدر أن الحزب لا يدرس خياراته، سواء أكانت سياسية أم عسكرية، من خلال مواكبته لأي تحول عسكري على جبهة غزة، من دون أن تكون معطوفة على تقويمه الوضع الداخلي المتأزم على المستويات كافة، ويقول إن الحزب ليس في وارد القفز فوق كل هذه الاعتبارات، انطلاقاً من أن الظروف التي كانت قائمة طوال اندلاع حرب يوليو (تموز) 2006 لم تعد في متناول اليد، لأن الوضع اليوم انقلب رأساً على عقب عما كان عليه في السابق بغياب الحد الأدنى من مقومات الصمود التي تتدحرج نحو تعذّر تأمينها كما يجب.

وفي هذا السياق، يلفت مصدر سياسي للاتصالات التي يتولاها الرئيس ميقاتي على خطين لاستيعاب التأزم، ويكشف أن المؤسسة العسكرية، ومعها المؤسسات الأمنية الأخرى، انتهت من وضع خطة طوارئ تأخذ في الاعتبار تأمين المواقع العسكرية والأمنية البديلة في حال اضطرت إلى إخلاء مواقعها الأساسية، وأيضاً خطة الاتصالات البديلة التي تستدعيها الضرورة لتأمين التواصل بين القطاعات والوحدات العسكرية والأمنية، في حال تعرضت شبكة الاتصالات لأضرار أدت إلى خروجها عن الخدمة.

ظروف لبنان

ويؤكد المصدر السياسي لـ«الشرق الأوسط» أن «حزب الله» يتوقف ملياً، وهو يعد لخياراته، أمام الظروف الصعبة التي يتخبّط بها لبنان، بخلاف تلك التي كانت قائمة طوال فترة حرب يوليو 2006، خصوصاً في ظل انهيار الوضع الاقتصادي والاجتماعي والمالي، وتدني مستوى الخدمات التي تقدمها مؤسسات الدولة، وتعذر انتخاب رئيس للجمهورية، وانقسام البرلمان، واستحالة تأمين اجتماع مجلس الوزراء بنصاب كامل، وتصاعد منسوب الاحتقان المذهبي والطائفي، واستضافة لبنان لحوالي مليون نازح سوري، ما يعني أنه سيواجه مشكلة في توفير الإمكانات لمواجهة موجة النزوح من جنوب لبنان.

ويلفت إلى أن لبنان بات معدوم البحبوحة المالية مع بلوغ العجز في ميزانية الدولة أرقاماً غير مسبوقة، وعدم قدرة المصارف على تلبية احتياجات المودعين نظراً لعدم تأمينها السيولة بالعملات الصعبة بالتلازم مع انهيار القدرة الشرائية للعملة الوطنية.

ويسأل المصدر نفسه عما إذا كانت المساعدات العربية والدولية ستتدفق إلى لبنان، على غرار ما حصل في حرب يوليو 2006، وأيضاً عن تراجع الدعم السياسي الدولي للبنان، الذي ينحاز إلى حد كبير لمصلحة إسرائيل، بخلاف الدور الضاغط الذي لعبه وكان وراء وقف حرب يوليو بموجب القرار الدولي 1701، الذي كان وراء توسيع رقعة انتشار «يونيفيل»، لتشمل منطقة جنوب الليطاني؟

ويبقى السؤال؛ هل يأخذ «حزب الله»، وهو يستعد لرسم خياراته، بمضامين ما سيؤول إليه جدول المقارنة بين وضع لبنان اليوم، وبين وضعه في حرب يوليو التي فتحت الباب أمام التوصل إلى تسوية سعت إليها الحكومة مجتمعة آنذاك مع الأمم المتحدة وبدعم دولي؟ وهل سيتصرف بواقعية، كما يُنقل عنه، ولا ينجرف نحو العواطف؟ وأين تقف إيران من خياراته في ظل توالي الضغوط على لبنان بعدم الانجرار إلى التوترات في المنطقة، ما يفسر تعدد الوفود الغربية الزائرة للبنان، التي تُجمع على تحذيره من فتح الجبهة الشمالية، بخلاف تأكيد تضامنها إبان حرب يوليو بتأمينها المساعدات للبنانيين طوال اشتداد الحصار الإسرائيلي؟

وأخيراً؛ من يمسك بالقرار؟ وهل لإيران دور في تحديد مساره العام؟ في ظل الانقسام الحكومي وتعذّر انعقاد جلسة كاملة الأوصاف لمجلس الوزراء، تُخصّص لإدارة الأزمة وتحديد السقف السياسي في تعاطيها مع الوضع المتفجر في لبنان.



محاكمة قريبة لعاطف نجيب «جزار أطفال درعا»

صورة ممزقة لبشار الأسد وقد علق بالقرب منها العلم السوري الجديد في درعا 27 ديسمبر 2024 (رويترز)
صورة ممزقة لبشار الأسد وقد علق بالقرب منها العلم السوري الجديد في درعا 27 ديسمبر 2024 (رويترز)
TT

محاكمة قريبة لعاطف نجيب «جزار أطفال درعا»

صورة ممزقة لبشار الأسد وقد علق بالقرب منها العلم السوري الجديد في درعا 27 ديسمبر 2024 (رويترز)
صورة ممزقة لبشار الأسد وقد علق بالقرب منها العلم السوري الجديد في درعا 27 ديسمبر 2024 (رويترز)

كشف تقرير إعلامي، الخميس، أن محكمة الجنايات الرابعة ستباشر، الأحد المقبل، جلسات المحاكمة العلنية لرئيس فرع الأمن السياسي السابق في درعا عاطف نجيب في عهد نظام الرئيس المخلوع بشار الأسد.

وأوضح المصدر لموقع «تلفزيون سوريا»، أن هذه الخطوة تأتي بعد استكمال الإجراءات القانونية المرتبطة بالقضية، ضمن ملف العدالة الانتقالية، وذلك بحضور أهالي الضحايا ووسائل الإعلام.

وعاطف نجيب، هو ابن خالة بشار الأسد، اعتقل خلال حملة أمنية لملاحقة فلول النظام في محافظة اللاذقية، في يناير (كانون الثاني) 2025، وتتهمه منظمات حقوقية وفصائل الثورة السورية لأنه كان المسؤول المباشر عن قمع الاحتجاجات الشعبية في محافظة درعا الجنوبية، بارتكاب جرائم قتل مروعة بحق الأطفال المشاركين في الحراك السلمي في مدينة درعا، وأبرزهم حمزة الخطيب الذي قضى تحت التعذيب في عام 2011.

وقال المصدر المشار إليه أعلاه، إن المحكمة ستعقد وفق قانون أصول المحاكمات الجزائية، ريثما يقر مجلس الشعب السوري بعد انعقاده مشروع (قانون العدالة الانتقاليّة)، الذي بُنيت مواده وفقاً للقوانين السوريّة المعمول بها، التي تصل في بعض موادها إلى عقوبة الإعدام، والذي أصبح جاهزاً بانتظار إقراره.

كسر حالة الإفلات من العقاب

ورغم أن قناة «الإخبارية السورية» نقلت، اليوم، عن رئيس «لجنة تقصي الحقائق في أحداث الساحل»، القاضي جمعة الدبيس العنزي، أن جلسة محاكمة علنية لعاطف نجيب بحضور أهالي الضحايا ووسائل الإعلام ستعقد قريباً، فهذا لا يتناقض مع التصريح المنشور في موقع «تلفزيون سوريا»، إذ إنه من الواضح أن المحاكمة لم تعد بعيدة.

عبد الله يرفع صورة شقيقه حمزة الخطيب الذي قضى تحت التعذيب عام 2011

«الشرق الأوسط» سألت المعتصم الكيلاني، وهو خبير قانوني سوري مقيم في باريس ومتخصص في مجال حقوق الإنسان والقانون الجنائي الدولي، عن تقييمه لسير المحاكمات وإيقاعها في محاكمة مجرمي الحرب في عهد نظام بشار الأسد، وإن كان مسار العدالة الانتقالية يشوبه بعض البطء، أم أنه من طبيعة الأمور في القضاء عموماً؟

العميد عاطف نجيب الذي شغل منصب رئيس فرع الأمن السياسي في درعا (مواقع)

يعتبر الكيلاني، أن الإعلان عن بدء جلسات المحاكمة العلنية لعاطف نجيب يشكّل خطوة مهمة في اتجاه كسر حالة الإفلات من العقاب، خاصة مع حضور أهالي الضحايا ووسائل الإعلام، بما يعزز الشفافية وحق المجتمع في معرفة الحقيقة. هذا التطور، من حيث المبدأ، ينسجم مع أحد أعمدة العدالة الانتقالية، وهو «العلنية والمساءلة».

لكن وبمنظور قانوني أوسع، يقول إنه لا يمكن اعتبار هذه الخطوة كافية بحد ذاتها، فالعدالة الانتقالية ليست محاكمة فردية، بل منظومة متكاملة تتطلب إصلاحاً تشريعياً ومؤسسياً عميقاً.

وفي هذا السياق، يصبح من الضروري تعديل قانون العقوبات السوري ليشمل معايير التجريم الدولية، لا سيما جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، وفق التعريفات المعتمدة في القانون الدولي. فغياب هذه النصوص يخلق فجوة قانونية خطيرة، ويحدّ من قدرة القضاء الوطني على التعامل مع الانتهاكات الجسيمة بشكل صحيح.

كما أنه من المتطلبات الأساسية أيضاً إلغاء مبدأ «التقادم» على الجرائم الجسيمة، لأن طبيعة هذه الجرائم - بما فيها التعذيب والقتل خارج القانون - تستوجب عدم سقوطها بمرور الزمن، انسجاماً مع المعايير الدولية وضماناً لحقوق الضحايا في الملاحقة والمساءلة مهما طال الزمن.

كتابة على جدار في درعا تسببت بحبس أطفال وتعذيبهم في سجون النظام (متداولة)

ومن جهة أخرى، يقول الحقوقي السوري: «لا يمكن إغفال البعد المؤسسي، إذ يجب تدريب القضاة وأعضاء النيابة العامة وكوادر المحاكم تدريباً تخصصياً على معايير التجريم الدولية، وعلى كيفية التعامل مع الأدلة في قضايا الانتهاكات الجسيمة، بما في ذلك شهادات الضحايا، والأدلة السياقية، وسلاسل المسؤولية. فمن دون هذا التأهيل، تبقى المحاكمات مهددة بالقصور، حتى لو توفرت الإرادة السياسية. الاستفادة من تجارب سابقة، مثل محاكمات الساحل، أمر ضروري هنا. فقد أظهرت تلك التجربة بعض الإيجابيات، مثل العلنية، لكنها كشفت أيضاً ثغرات منها ضعف التأهيل المتخصص أحياناً، والحاجة إلى إطار قانوني أوضح يواكب طبيعة الجرائم».

صورة لبشار الأسد في القامشلي ممزقة بعد الإعلان عن سقوط النظام الحاكم 8 ديسمبر (رويترز)

وفي المحصلة، يؤكد الكيلاني أن لا سلم أهلياً حقيقياً دون عدالة انتقالية شاملة. وأي محاولة لبناء استقرار دون معالجة جذرية للانتهاكات، ومحاسبة المسؤولين عنها ضمن إطار قانوني سليم، ستبقى هشّة وقابلة للانهيار

من حيث المبدأ، تتسم المحاكمات في القضايا الكبرى المرتبطة بانتهاكات جسيمة بالتعقيد، وهذا يفرض بطئاً نسبياً لضمان دقة الإجراءات واحترام حقوق جميع الأطراف. هذا جانب طبيعي في أي نظام قضائي يحترم الأصول.

لكن في الحالة السورية، لا يمكن الاكتفاء بهذا التبرير. فالتأخير الطويل في إطلاق مسار العدالة أصلاً، إلى جانب استمرار بعض الانتهاكات، يجعل من عامل الزمن عنصراً حساساً للغاية. البطء المفرط هنا قد يُفهم باعتباره استمراراً غير مباشر للإفلات من العقاب، ويؤثر سلباً على ثقة الضحايا بالمؤسسات القضائية.

لذلك، المطلوب ليس تسريعاً على حساب العدالة، بل يجب تحقيق توازن دقيق: قضاء مهني، مستقل، مدرّب، يعمل وفق معايير واضحة، وفي إطار زمني معقول.

ويشدد المعتصم الكيلاني، على أنه إذا جرت المحاكمات (ضد مرتكبي جرائم حرب ضد الإنسانية) ضمن هذا الإطار المتكامل، يمكن اعتبارها خطوة إيجابية. أما إذا بقيت جزئية، أو افتقرت إلى الأساس القانوني المتين، أو لم تُدعَم بإصلاح مؤسسي حقيقي، فإنها قد تتحول إلى مسار محدود الأثر.

وفي جميع الأحوال، يبقى المبدأ الحاكم واضحاً: لا يمكن تحقيق السلم الأهلي في سوريا دون عدالة انتقالية حقيقية، قائمة على المساءلة، وإنصاف الضحايا، وإصلاح المؤسسات، وبناء عقد اجتماعي جديد يحترم كرامة الإنسان وحقوقه.


3 قتلى في غارات إسرائيلية على جنوب لبنان

امرأة تحمل بعض المقتنيات الشخصية وسط دمار سببته ضربة إسرائيلية لبلدة كفرصير بجنوب لبنان (أ.ف.ب)
امرأة تحمل بعض المقتنيات الشخصية وسط دمار سببته ضربة إسرائيلية لبلدة كفرصير بجنوب لبنان (أ.ف.ب)
TT

3 قتلى في غارات إسرائيلية على جنوب لبنان

امرأة تحمل بعض المقتنيات الشخصية وسط دمار سببته ضربة إسرائيلية لبلدة كفرصير بجنوب لبنان (أ.ف.ب)
امرأة تحمل بعض المقتنيات الشخصية وسط دمار سببته ضربة إسرائيلية لبلدة كفرصير بجنوب لبنان (أ.ف.ب)

قُتل ثلاثة أشخاص بغارة إسرائيلية على جنوب لبنان، اليوم الخميس، وفق ما أعلنت وزارة الصحة، في أحدث هجوم رغم الهدنة القائمة منذ عشرة أيام بين إسرائيل و«حزب الله».

وقالت الوزارة، في بيان أوردته «وكالة الصحافة الفرنسية»، إن «غارة العدو الإسرائيلي على طريق شوكين قضاء النبطية»، والتي تبعد نحو 30 كيلومتراً من الحدود اللبنانية الجنوبية، «أدت إلى 3 شهداء»، في حين أسفرت غارة أخرى على بلدة ياطر إلى إصابة شخصين؛ بينهما طفل.

تأتي هذه الهجمات قبل ساعات من اجتماعٍ ثان يُعقَد في واشنطن بين سفيريْ لبنان وإسرائيل لدى الولايات المتحدة، حيث يُتوقع أن يطلب لبنان تمديد وقف إطلاق النار.

في غضون ذلك، أفاد الجيش الإسرائيلي، في بيان، بأن جنوده قتلوا «رجلين مسلّحين في جنوب لبنان، بعد أن اقتربا من جنود».


تصعيد إسرائيلي في غزة يواكب مزاعم بتعافي «حماس»

فلسطينيون في موقع استهداف سيارة بغارة جوية إسرائيلية في شارع صلاح الدين جنوب مخيم البريج وسط غزة الخميس (أ.ف.ب)
فلسطينيون في موقع استهداف سيارة بغارة جوية إسرائيلية في شارع صلاح الدين جنوب مخيم البريج وسط غزة الخميس (أ.ف.ب)
TT

تصعيد إسرائيلي في غزة يواكب مزاعم بتعافي «حماس»

فلسطينيون في موقع استهداف سيارة بغارة جوية إسرائيلية في شارع صلاح الدين جنوب مخيم البريج وسط غزة الخميس (أ.ف.ب)
فلسطينيون في موقع استهداف سيارة بغارة جوية إسرائيلية في شارع صلاح الدين جنوب مخيم البريج وسط غزة الخميس (أ.ف.ب)

تواصل القوات الإسرائيلية تصعيدها الميداني في مناطق مختلفة من قطاع غزة عبر استهدافها لنشطاء في الفصائل، متذرعةً باتهامات عن تجديد نشاط الفصائل الفلسطينية وتعافي حركة «حماس».

وقتلت القوات الإسرائيلية، منذ مساء الأربعاء وحتى منتصف نهار الخميس في غزة، 9 فلسطينيين، منهم 5 في غارة بطائرة مسيرة استهدفت خياماً للنازحين في منطقة مشروع بيت لاهيا شمال قطاع غزة.

وعلمت «الشرق الأوسط»، من مصادر ميدانية، أن المستهدف الرئيسي بالغارة أصيب بجروح خطيرة، وهو قيادي ميداني في «سرايا القدس»، الجناح العسكري لحركة «الجهاد الإسلامي»، فيما قُتل اثنان من أطفاله، وطفل ثالث، ومواطنان آخران كانا يجلسان في نفس المكان.

فلسطيني يمرّ بجوار نقالة ملطخة بالدماء بعد غارة جوية إسرائيلية أسفرت عن مقتل عدد من الأشخاص في مستشفى ناصر بمدينة خان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

وبعد ساعات قليلة، قتلت القوات الإسرائيلية ناشطاً من «كتائب القسام»، الجناح المسلح لحركة «حماس»، جنوب خان يونس جنوبي قطاع غزة، بعد أن استهدفته بمسيرة.

وقال الجيش الإسرائيلي، في بيان له عن الحدثين، إنه قضى على عناصر من «حماس» عملوا بمنطقة قريبة من الخط الأصفر شمالي قطاع غزة، فيما هاجم عدداً آخر جنوب القطاع، ما أدى للقضاء على أحدهم خلال نقلهم وسائل قتالية، وفق زعمه.

وتبع ذلك حدث ثالث، بقصف مركبة، ظهر الخميس، في أثناء مرورها على شارع صلاح الدين الرئيس، وتحديداً جنوب مخيم البريج وسط قطاع غزة، ما أدى لمقتل 3 فلسطينيين كانوا على متن المركبة.

فتى فلسطيني يفحص موقع غارة إسرائيلية استهدفت عناصر من جهاز الشرطة التابع لحركة «حماس» وسط غزة مارس الماضي (رويترز)

ووفقاً لمصدر ميداني، فإن المستهدفين في المركبة هم بعض نشطاء في «كتائب القسام»، وبينهم نجل أحد مسؤولي جهاز الدفاع المدني في وسط قطاع غزة، وجميعهم من سكان مخيمي البريج والمغازي.

ووفقاً لإحصائية وزارة الصحة بغزة، فإن عدد الضحايا منذ دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في العاشر من أكتوبر (تشرين الأول) 2025، ارتفع إلى 975 قتيلاً، وأصيب أكثر من 2235 بجروح متفاوتة بعضها خطيرة، فيما زاد إجمالي الضحايا منذ السابع من أكتوبر 2023 إلى 72568 قتيلاً، وأكثر من 172 ألف مصاب.

مفاوضات في القاهرة

ويأتي التصعيد الإسرائيلي على وقع مطالبات من «حماس» في القاهرة بوقف الخروقات المستمرة داخل القطاع، في إطار الالتزام بالمرحلة الأولى من وقف إطلاق النار، فيما تتجاهل إسرائيل تلك المطالب بتوسيع هجماتها واستهداف نشطاء الفصائل، وخاصةً حركتي «حماس» و«الجهاد».

واعتبر حازم قاسم، الناطق باسم «حماس»، عمليات الاستهداف المتواصلة بأنها تمثل دليلاً جديداً على استمرار «حرب الإبادة ونشر الموت في مختلف مناطق القطاع دون توقف». كما قال، معتبراً أن هذه «الجرائم تكشف عن عجز متزايد لـ(مجلس السلام) عن إلزام الاحتلال بوقف خروقاته أو تنفيذ التزاماته ضمن أي اتفاقات قائمة».

يشق فتيان فلسطينيان طريقهما عبر أنقاض المباني المُدمَّرة في خان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

وأضاف قاسم، في تصريح صحافي له: «هذه الجرائم تعكس بوضوح أن الآلة العسكرية للاحتلال مسؤولة عن ارتكاب أعمال الإبادة وانتهاك القانون الدولي والإنساني»، مطالباً الوسطاء والدول الضامنة والمشاركين في «مجلس السلام» بالوقوف أمام مسؤولياتهم وإلزام الاحتلال بوقف «حرب الإبادة» ضد قطاع غزة. كما قال.

وتقول إسرائيل مؤخراً إنها تعمل على مهاجمة أي محاولات من «حماس» والفصائل الأخرى التي تنشط في داخل القطاع، لإعادة امتلاك السلاح أو تأهيل ما لديها من أسلحة وعتاد وغيره، ومنعها من إقامة تدريبات، كما أنها تعمل على تصفية مشاركين بهجمات سابقة ضدها.

وثيقة استخبارية

وتزامن التصعيد الإسرائيلي مع ما نقلته القناة الـ12 العبرية، مساء الأربعاء، عن وثيقة استخباراتية قدمها الجيش الإسرائيلي لجهات محددة في المستوى السياسي، خلال الأيام الأخيرة، تزعم أن حركة «حماس» تنجح في التعافي مجدداً بشكل ملحوظ، مستغلةً وقف إطلاق النار.

ووفقاً للوثيقة المسربة، فإن «حماس» تكسب الوقت المتعلق بوقف إطلاق النار، وتعمل على تنظيم وتحسين وبناء قوتها في القطاع، وإعادة تأهيل الجناح العسكري، وتسريع تجنيد نشطاء جدد، والسيطرة على البضائع، وإظهار السيادة المدنية والحكومية في المناطق التي تسيطر عليها. ونقلت أن «الحركة لم تنجح بعد في تحقيق قفزة نوعية، لكنها تتعافى تدريجياً».

وتسيطر إسرائيل على نحو 53 في المائة من مساحة قطاع غزة، بينما تسيطر «حماس» على ما تبقى منها.

جانب من الدمار في قطاع غزة جراء الحرب (رويترز - أرشيفية)

ويرى مسؤولون أمنيون إسرائيليون، نقلت عنهم «القناة الـ12»، أن «التطورات في الجبهات المختلفة، وخاصةً الحرب مع إيران ولبنان تخدم (حماس)؛ لأن الانتباه الأميركي موجه إلى مكان آخر، فيما تستغل الحركة ذلك، وتكسب الوقت ببساطة ولا تفي بالتزاماتها كما وردت في خطة السلام التي عرضها الرئيس الأميركي دونالد ترمب»، وفق قولهم.

وأكدت المصادر ذاتها أن «الأجهزة الأمنية الإسرائيلية ترى أنه في حال لم يكن هناك عملية نزع سلاح، وتفكيك للبنية التحتية لـ(حماس) وفصائل غزة، فإنه سيتم العودة إلى نقطة الصفر، وأن ما يحدث الآن هو تعافٍ مقابل لا شيء»، وفق قولهم.

فلسطينيون إلى جانب مقاتلين من فصائل غزة عقب اشتباكات مع ميليشيات مدعومة من إسرائيل في خان يونس جنوب القطاع (صورة من فيديو بثته رويترز)

وما زالت قضية سلاح غزة مثار جدل بين حركة «حماس» والوسطاء والولايات المتحدة و«مجلس السلام»، وتصر إسرائيل على تسليمه كاملاً بلا استثناء، وهو أمر نصت عليه خطة المجلس التي قدمها الممثل السامي لغزة في «مجلس السلام» نيكولاي ميلادينوف إلى قيادة الحركة.

وفي المقابل تخوض الفصائل الفلسطينية مباحثات لإجراء تعديلات تتضمن إلزام إسرائيل بتنفيذ بنود المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار التي تركز على الاحتياجات الإنسانية وإدخال المساعدات، قبل الحديث عن المرحلة الثانية التي تركز على نزع السلاح من القطاع. ويسعى الوسطاء إلى تقديم مقاربة جديدة لدمج المرحلتين، أو تنفيذهما بالتزامن.