باريس تسعى لتجنب انعكاسات حرب غزة على الداخل الفرنسي

ماكرون يبحث عن «نقطة التوازن»

الرئيس إيمانويل ماكرون في مؤتمر صحافي في مدينة هامبورغ الألمانية يوم 10 أكتوبر (أ.ف.ب)
الرئيس إيمانويل ماكرون في مؤتمر صحافي في مدينة هامبورغ الألمانية يوم 10 أكتوبر (أ.ف.ب)
TT

باريس تسعى لتجنب انعكاسات حرب غزة على الداخل الفرنسي

الرئيس إيمانويل ماكرون في مؤتمر صحافي في مدينة هامبورغ الألمانية يوم 10 أكتوبر (أ.ف.ب)
الرئيس إيمانويل ماكرون في مؤتمر صحافي في مدينة هامبورغ الألمانية يوم 10 أكتوبر (أ.ف.ب)

تتخوف السلطات الفرنسية من تداعيات حرب غزة على الداخل الفرنسي، حيث تعيش أكبر جاليتين عربية - إسلامية ويهودية في أوروبا، وذلك على غرار ما عرفته البلاد في مناسبات سابقة تشبه إلى حد ما الحرب الراهنة. ولذا؛ تسعى السلطات الفرنسية لتدارك هذا الأمر. ومنذ صباح السبت الماضي ومباشرة بعد ذيوع خبر هجمات «حماس» على غلاف قطاع غزة، سارع الرئيس إيمانويل ماكرون ورئيسة الحكومة إليزابيث بورن ووزيرا الداخلية والخارجية جيرالد درامانان وكاترين كولونا إلى التنديد بالأعمال «الإرهابية» التي ارتكبها مقاتلو «حماس» وتأكيد الدعم المطلق لإسرائيل وعلى «حقها المشروع» في الدفاع عن النفس.

ومنذ السبت الماضي، طلب ماكرون من درامانان تعزيز الحراسة حول المعابد والمدارس وأماكن تجمع اليهود، في حين منعت السلطات الأمنية والإدارية مظاهرات عدة، منها اثنتان كانتا مقررتين تضامناً مع غزة؛ وذلك بحجة «مخاطر الإخلال بالنظام العام».

في المقابل، شهدت باريس، الاثنين، مظاهرة كبرى دعا إليها المجلس التمثيلي للمؤسسات اليهودية في فرنسا وشارك فيها الكثير من المسؤولين، بينهم رئيسة مجلس النواب. ووفق وزارة الخارجية، فإن 12 فرنسياً قُتلوا في محيط غزة، بينما مصير 17 آخرين ما زال مجهولاً، ويظن أنهم من بين أسرى «حماس» أو «الجهاد الإسلامي». وكررت كولونا المطالبة بـ«الإفراج الفوري» عن الرهائن المحتجزين لدى المنظمتين الفلسطينيتين.

من جانبها، قالت رئيسة الحكومة إليزابيث بورن: إن فرنسا «لن تتسامح مع أي عمل أو تصريح معادٍ للسامية». ووجهت كلامها الثلاثاء إلى الجالية اليهودية قائلة: «نحن معكم. الهجوم عليكم هو هجوم على الجمهورية بكاملها».

يكمن التخوف الفرنسي من الأثر الذي يمكن أن تتركه أعداد القتلى الفلسطينيين ومشاهد الدمار المنهجي واسع النطاق الذي تتسبب به الضربات الإسرائيلية براً وجواً وبحراً في غزة، وما يمكن أن ينتج منه من تحركات وردود فعل في الضواحي والأحياء التي تعيش فيها جاليات عربية - مسلمة وازنة، والغضب الذي قد يتحول إلى أعمال عنف. كذلك، فإن المواقف الرسمية الصادرة عن الحكومة والمزاج الفرنسي العام الداعم بصراحة إسرائيل وتحيز بعض وسائل الإعلام من شأنه أن يثير حنق هذه الجاليات وأطراف أخرى ترى أن باريس «تزن بميزانين وتكيل بمكيالين» في تناولها ملف الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي.

وقال وزير الداخلية في حديث صباح الأربعاء لإذاعة «فرانس أنتير»: إن أجهزته أحصت تزايد الأعمال المعادية للسامية وطلب من القوى الأمنية التشدد في ملاحقة أي مرتكب لها. وحض المحافظين على طرد كل أجنبي يقبض عليه متلبساً بهذا الجرم. وأفاد وزير الداخلية، بأن ما لا يقل عن 100 عمل معادٍ للسامية تم رصدها في الأيام الأخيرة وغالبيتها رسوم للصليب (النازي) المعقوف ورسوم معادية لليهود، فضلاً عن تهديدات لفظية وتم القبض على 24 شخصاً. كذلك أفاد درامانان، بأن 10 آلاف رجل أمن طُلب منهم حماية 500 موقع يهودي على الأراضي الفرنسية.

أدبيات الموقف الفرنسي التقليدي

بيد أن الدولة الفرنسية لا تريد أن تكتفي بالمعالجة الأمنية وهمها المحافظة على السلم الأهلي والوحدة الوطنية. من هنا، فإن الرئيس ماكرون دعا كبار المسؤولين في الحكومة ومجلسي النواب والشيوخ وقادة الأحزاب الممثلين في البرلمان إلى اجتماع موسع في قصر الإليزيه للتداول في تبعات حرب غزة على الداخل الفرنسي، والتوافق على أفضل السبل لإبقائها خارج الحدود، أو على الأقل للتخفيف من آثارها. وبالتوازي مع الحراك الداخلي، تسعى الدبلوماسية الفرنسية لتوسيع دائرة اتصالاته أوروبياً وأميركياً، ولكن أيضاً مع قادة الشرق الأوسط للنظر في كيفية التعاطي مع الحرب الجديدة التي تبدو الأعنف والأكثر دموية في العقود الماضية.

رئيس الوزراء الفرنسي الأسبق دومينيك دو فيلبان في صورة تعود لعام 2006 (أ.ف.ب)

أما على المستوى السياسي، فإن الجدل ما زال قائماً والهجمات السياسية والإعلامية متواصلة على حزب «فرنسا المتمردة»، وتحديداً على زعيمه المرشح الرئاسي السابق جان لوك ميلونشون المتهم بالامتناع عن التنديد بهجمات «حماس» وبوصفها «عملاً إرهابياً».

وفي حين الاهتمام الإعلامي منصبّ على العمليات الحربية ومعرفة ما إذا كانت إسرائيل ستقتحم قطاع غزة براً، برز الحديث الصحافي لرئيس الحكومة ووزير الخارجية الأسبق دومينيك دو فيلبان، الذي جاء متميزاً بتركيزه على ضرورة العودة إلى أساسيات الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي. وأشار دو فيلبان إلى الخطأ الكبير الذي ارتكبته الأسرة الدولية التي تناست الملف الفلسطيني و«توهمت أنه سيمحى بفضل اتفاقيات اقتصادية واستراتيجية ودبلوماسية»، في إشارة إلى ما يسمى «اتفاقيات إبراهيم». ونبّه دو فيلبان من ردة الفعل الإسرائيلية العمياء التي لا تميز بين ما هو عسكري وما هو مدني، عادّاً أنها ستقود إلى «اشتعال كل المنطقة». وإذ أقرّ بحق الدفاع عن النفس لإسرائيل، إلا أنه حذّر من تحوله «عملية انتقام عمياء»، مضيفاً، السكان المدنيون كشعب «لا يعني أن عليهم أن يدفعوا ثمن جرائم ارتكبها أفراد»، وأن «محاربة (حماس) لا تعني حجز مليوني فلسطيني في قطاع غزة». وخلاصة رئيس الوزراء الأسبق، أنه «يتعين النظر اليوم بحل الدولتين (الفلسطينية والإسرائيلية) لأنه الوحيد الممكن».

ووفق التصور الفرنسي، فإن الحرب مرشحة لأن تطول. وإذا كان المزاج العام اليوم هو التضامن مع إسرائيل بسبب ما قام به مقاتلو «حماس» صبيحة السبت الماضي، فإن ذلك يمكن أن يتغير عندما تظهر على حقيقتها أعداد القتلى والدمار في غزة. ولذا؛ ووفق ما نقلته صحيفة «لو موند» في عددها اليوم (الخميس) عن مصادر الإليزيه، فإن ماكرون «يبحث عن نقطة التوازن» قد تكون بالعودة إلى محددات الدبلوماسية الفرنسية الكلاسيكية والدعوة إلى قيام دولتين، وهي ترى في رفضه وقف المساعدات الفرنسية التنموية والإنسانية للفلسطينيين مؤشراً لهذه الرغبة. وكان ماكرون قد أعلن، في مؤتمر صحافي مشترك مع المستشار الألماني أولاف شولتس أول من أمس، أنه لا ينبغي الخلط «بين محاربة الإرهاب واحترام القانون الإنساني الأساسي».


مقالات ذات صلة

متى يصبح السلام هو القاعدة لا الاستثناء؟

تحليل إخباري الأمم المتحدة تحتاج إلى إصلاح هيكليّ (رويترز)

متى يصبح السلام هو القاعدة لا الاستثناء؟

دخلنا نظاماً عالمياً جديداً، حلّ فيه منطق «حق القوة» بدل «قوة الحق» وأفل نجم النظام الدولي القديم القائم على القواعد الراسخة.

أنطوان الحاج
آسيا صورة أرشيفية لأونغ سان سو تشي تعود إلى عام 2012 (أ.ف.ب)

مفوض حقوق الإنسان يطالب ميانمار بالإفراج عن أونغ سان سو تشي

دعا مفوّض الأمم المتّحدة السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك، الجمعة، إلى الإفراج فوراً عن زعيمة ميانمار أونغ سان سو تشي بعد خفض الحكم الصادر بحقّها.

«الشرق الأوسط» (جنيف)
أوروبا مجندون أوكرانيون من «اللواء الآلي المنفصل 65» وهم يتدربون قبل التوجه إلى الخطوط الأمامية في موقع غير معلن بمنطقة زابوريجيا بأوكرانيا يوم 8 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

قائد الجيش الأوكراني: استعدنا 50 كيلومتراً مربعاً من أراضينا منذ أواخر يناير

قال قائد الجيش الأوكراني أولكسندر سيرسكي، الأربعاء، إن أوكرانيا استعادت السيطرة على نحو 50 كيلومتراً مربعاً من أراضيها من روسيا منذ يناير (كانون الثاني) الماضي.

«الشرق الأوسط» (كييف)
العالم غوو جياكون المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية يتحدث إلى الصحافيين في بكين 13 أبريل 2026 (د.ب.أ) p-circle

الصين «ستدعم كوبا بحزم» في مواجهة الضغوط الأميركية

شدّدت وزارة الخارجية الصينية، الأربعاء، على أن بكين «ستدعم كوبا بحزم» في مواجهة التهديدات الأميركية المستمرة.

«الشرق الأوسط» (بكين)
أوروبا العلم البريطاني خارج إحدى محاكم لندن (رويترز-أرشيفية)

محاكمة سمسارَي أسلحة في بريطانيا أبرما صفقات مع ليبيا وجنوب السودان

أبلغ مدعون بريطانيون محكمة في لندن، اليوم الثلاثاء، أن اثنين من سماسرة الأسلحة رتبا صفقات غير قانونية لتزويد ليبيا وجنوب السودان بأسلحة.

«الشرق الأوسط» (لندن)

لبنان يطلب تدخل واشنطن لتمديد الهدنة

نازحون يعبرون جسرا مدمرا في طريق العودة إلى منازلهم في قرية طير فلسيه  في جنوب لبنان أمس (أ.ب)
نازحون يعبرون جسرا مدمرا في طريق العودة إلى منازلهم في قرية طير فلسيه في جنوب لبنان أمس (أ.ب)
TT

لبنان يطلب تدخل واشنطن لتمديد الهدنة

نازحون يعبرون جسرا مدمرا في طريق العودة إلى منازلهم في قرية طير فلسيه  في جنوب لبنان أمس (أ.ب)
نازحون يعبرون جسرا مدمرا في طريق العودة إلى منازلهم في قرية طير فلسيه في جنوب لبنان أمس (أ.ب)

كشف مصدر وزاري لـ«الشرق الأوسط» أن لبنان طلب من واشنطن أن تتدخل لتمديد الهدنة بين إسرائيل و«حزب الله» لئلا تجرى المفاوضات المباشرة بين البلدين «تحت النار».

وبحسب المصدر، فإن عودة السفير الأميركي لدى لبنان ميشال عيسى، ليل السبت، إلى بيروت، تفتح الباب أمام اختبار مدى استعداد الإدارة الأميركية للتجاوب مع رغبة الرئيس اللبناني جوزيف عون بتمديد الهدنة، التي توصل إليها الرئيس دونالد ترمب، إفساحاً في المجال أمام تحصينها وتثبيتها، لئلا تبقى هشة في ضوء تبادل التهديدات بين إسرائيل و«حزب الله» الذي أعلن استعداده ميدانياً للرد على خروقها لوقف النار.

وأشار المصدر إلى أن تبادل التهديدات بين إسرائيل و«حزب الله» يُقلق الجنوبيين وعون، خصوصاً أن إقحام الجنوب في دورة جديدة من المواجهة لا يخدم التحضيرات لإعداد الورقة اللبنانية التي على أساسها ستنطلق المفاوضات في أجواء هادئة.


الفصائل «تُعيد» المالكي إلى السباق الحكومي

عناصر من «كتائب حزب الله» العراقي يحملون راية الفصيل وسط بغداد (أ.ف.ب)
عناصر من «كتائب حزب الله» العراقي يحملون راية الفصيل وسط بغداد (أ.ف.ب)
TT

الفصائل «تُعيد» المالكي إلى السباق الحكومي

عناصر من «كتائب حزب الله» العراقي يحملون راية الفصيل وسط بغداد (أ.ف.ب)
عناصر من «كتائب حزب الله» العراقي يحملون راية الفصيل وسط بغداد (أ.ف.ب)

عادت محاولات قوى «الإطار التنسيقي» تسمية مرشحها لتشكيل الحكومة العراقية إلى نقطة الصفر غداة الإعلان عن زيارة أجراها قائد «فيلق القدس» الإيراني إسماعيل قاآني إلى بغداد، وتوقع زيارة من المبعوث الأميركي توم برّاك إليها اليوم.

وبعد مغادرة قاآني بغداد، وتراجع حظوظ باسم البدري رئيس «هيئة المساءلة والعدالة» لتشكيل الحكومة، أصدرت «كتائب حزب الله» بياناً دعت فيه «الإطار التنسيقي» إلى ترك «مرشح التسوية» والذهاب باتجاه اختيار رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي أو الحالي محمد شياع السوداني.

وأعاد البيان الأمل للمالكي في تشكيل الحكومة، بوصفه بات مدعوماً من «الفصائل» (وبالتالي طهران) رغم «الفيتو» الأميركي، فيما يرجح مراقبون في بغداد تأييد واشنطن للسوداني رغم «الملاحظات» عليه.

والزيارة الإيرانية المنتهية، وتلك الأميركية المرتقبة، ستكونان حاسمتين في رأي معظم المراقبين السياسيين، لرسم ملامح المرحلة المقبلة في العراق.


إسلاميو الأردن يبدلون الاسم أملاً بتوفيق الأوضاع

من التصويت على التعديلات المقدمة من مجلس شورى «جبهة العمل الإسلامي» على النظام الأساسي واسم الحزب (حساب رسمي)
من التصويت على التعديلات المقدمة من مجلس شورى «جبهة العمل الإسلامي» على النظام الأساسي واسم الحزب (حساب رسمي)
TT

إسلاميو الأردن يبدلون الاسم أملاً بتوفيق الأوضاع

من التصويت على التعديلات المقدمة من مجلس شورى «جبهة العمل الإسلامي» على النظام الأساسي واسم الحزب (حساب رسمي)
من التصويت على التعديلات المقدمة من مجلس شورى «جبهة العمل الإسلامي» على النظام الأساسي واسم الحزب (حساب رسمي)

صوتت الهيئة العامة لحزب «جبهة العمل الإسلامي» على تغيير اسمه التاريخيّ الذي رُخّص بموجبه في عام 1992، واختيار اسم «حزب الأمة»، وذلك في فعاليات الجلسة الاستثنائية للمؤتمر العام للحزب التي تضمنت مناقشة التعديلات المقدمة من مجلس شورى الحزب على النظام الأساسي واسم الحزب.

وبدت خطابات القيادات الحزبية في المؤتمر غير العادي، السبت، مستندة إلى ضرورة الاستجابة القانونية لحذف كل الدلالات الدينية والطائفية والجهوية، بحسب قانون الأحزاب النافذ في الأردن.

وأدخل الاجتماع الاستثنائي «تغييرات جذرية» على نظامه الأساسي، وجرت إطاحة كثير من المفردات الدعوية، كما جرى تعديل الأهداف العامة والخاصة للحزب، وكانت تلك المضامين سبباً في استقطاب قواعد عريضة من الشارع استخدمها الحزب على مدى سنوات نشاطه السياسي، خصوصاً فترات الانتخابات البرلمانية، وسط صمت رسمي طيلة السنوات الماضية على ما جرى وصفه بـ«التجاوزات».