بدت الحلول مقفلة تماماً أمام المبادرات الداخلية والخارجية، الهادفة لخلق أجواء تمهّد لانتخاب رئيس للجمهورية، وإنهاء الشغور المستمر منذ سنة، فجددت قوى المعارضة رفضها الدعوة للحوار على انتخاب رئيس لسببين أساسيين؛ الأول لأنه يشكل التفافاً على الدستور، وثانياً لأن تجارب الحوار السابقة لم توصل إلى نتيجة.
وفيما تتضارب المعلومات حول عودة المبعوث الفرنسي جان إيف لورديان لبيروت لاستئناف لقاءاته مع القيادات اللبنانية، لم يحقق الموفد القطري جاسم بن حمد آل ثاني، خلال اتصالاته ولقاءاته في العاصمة اللبنانية بيروت، أي خرق في جدار الأزمة الرئاسية، من هنا عدّ النائب المعارض بلال الحشيمي، أن «كلّ المبادرات القائمة حالياً محكومة بالفشل، لأنها تشكل خرقاً للدستور اللبناني الذي يحدد آلية انتخاب رئيس الجمهورية».
وقال في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «لا نستطيع أن نسير بحوارات يديرها الطرف المعطّل الذي يريد فرض رئيس على قاعدة مرشحي أو لا أحد». وذكّر بأنه «عندما رشّحت الطائفة الشيعية نبيه برّي لرئاسة مجلس النواب، نزلنا إلى مجلس النواب وانتخبناه، واليوم هناك أكثرية مسيحية تريد رئيساً يمثل طموحاتها وعلينا أن نحترم رأيها وقناعاتها، ولا يستطيع الفريق الآخر أن يفرض خياراته على المسيحيين وأكثرية اللبنانيين». وتابع الحشيمي: «إذا خضعنا لمنطق قوى الأمر الواقع التي تستقوي بسلاحها، يعني أنها ستفرض ما تريد عند كلّ استحقاق».
ويشهد لبنان شغوراً في موقع رئاسة الجمهورية منذ 31 أكتوبر (تشرين الأول) 2022، إثر انتهاء ولاية الرئيس ميشال عون، وفشل البرلمان في انتخاب رئيس على مدى 12 جلسة، كان آخرها في 14 يونيو (حزيران) الماضي. ورأت عضو كتلة «الجمهورية القوية» النائبة غادة أيوب، أن الدعوة إلى الحوار «بيّنت أن هذا الحوار شكلي، بدليل أن الرئيس نبيه برّي حصره بسبعة أيام وبعدها نذهب إلى جلسة انتخاب بدورات متتالية». وأوضحت لـ«الشرق الأوسط»، أن «برّي حكم مسبقاً على الحوار بالفشل، والظاهر أن فريق الممانعة يريد إبقاء لبنان في الانهيار ويحوله إلى ساحة للفوضى، خصوصاً أنه ما زال يصرّ على مرشحه سليمان فرنجية، كأن هناك إيعازاً بإبقاء الوضع على ما هو عليه، إلى أن يتغيّر شيء على الصعيد الخارجي».
وفيما كانت زيارة لودريان الرابعة إلى بيروت محددة منتصف شهر أكتوبر (تشرين الأول) الحالي، قالت مصادر مواكبة لتحركاته إن «الزيارة باتت بحكم المؤجلة إلى أن يجري لقاءات ومشاورات مع أعضاء اللجنة الخماسيّة».
ورغم الترحيب بكل المبادرات الخارجية، توقّع النائب الحشيمي ألّا تؤدي الحوارات إلى نتيجة، وسأل: «كيف يطالب الرئيس برّي المعارضة بالجلوس إلى طاولة الحوار، وبالوقت نفسه يقول لا أتنازل عن سليمان فرنجيّة؟». ولاحظ أن «المدخل الوحيد والإلزامي لإنقاذ لبنان يبدأ بانتخاب رئيس يجمع اللبنانيين ولا يفرّقهم، رئيس قادر على التواصل مع العالم، خصوصاً دول الخليج العربي وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، بدل أن نأتي برئيس يمدد الأزمة ويعمّقها».
وعلى مدى 11 جلسة انتخابية، صوّت نواب المعارضة لا سيما حزبي «القوات اللبنانية» و«الكتائب» ومستقلّين ونواب من تكتل «التغيير» للمرشح النائب ميشال معوّض، لكنّهم في الجلسة الأخيرة صوّتوا لصالح الوزير السابق جهاد أزعور الذي نال 59 صوتاً مقابل 51 صوتاً لمرشح الثنائي الشيعي رئيس تيار «المردة» الوزير الأسبق سليمان فرنجيّة، وأشارت النائبة غادة أيوب إلى أنه «منذ بداية الشغور الرئاسي كان موقف كتلة (الجمهورية القوية) والمعارضة عدم التمسّك بأي مرشّح، وتحدثنا عن معايير لا بدّ أن تتوفر بشخص معين حتى نتفق عليه، فكنا بداية مع ميشال معوض، ثم انتقلنا إلى جهاد أزعور، وهذا يعني أننا لسنا دعاة تعطيل، ولم نقل مرشحنا أو لا أحد كما يفعل الفريق الآخر». وشددت عضوة كتلة «الجمهورية القوية» على أنه «بعد سقوط المبادرة الفرنسية الأولى، وزيارات لودريان الأخيرة ومساعي الوفد القطري لم نرَ أي تبدل في موقف الفريق الآخر، الذي يرفض التقدم خطوة واحدة إلى الأمام، واليوم يقول إما سليمان فرنجية أو لا أحد». وسألت: «هل يستفيد الفريق الآخر من الفراغ، ويريد الفوضى في ظلّ ما تشهده سوريا من تطورات؟ وهل يرى أن الوضع يحتمل المماطلة في ظلّ الانهيار الاقتصادي ووجود قنبلة النزوح السوري؟».
ويرفض فريق الممانعة تحميله مسؤولية الفراغ الرئاسي، ويعدّ أن رافضي الحوار هم المسؤولون عن استمرار الشغور، وأكد مصدر في الثنائي الشيعي لـ«الشرق الأوسط»، أن «سدّ الأفق أمام الحوار لن يقود إلى حلّ الأزمة التي تطال كلّ المؤسسات»، عادّاً أن «فريق المعارضة يحاول قطع شعرة معاوية وإحراق سفن نجاة البلد، وهذا ينمّ عن جهل استراتيجي، سيأخذ لبنان إلى التفكك والخراب».
من جهته، قال عضو كتلة «الكتائب» النائب سليم الصايغ في تغريدة له على منصة «إكس»: «من يرفض الحوار كموقف مبدئي أو قانوني مخطئ، لا مبدأ أو حق يقبل بعدم الانفتاح على الآخرين، كما أن من يرفض الحوار أو يستأخره كموقف تكتيكي لتحسين شروط التفاوض فهو مخطئ كذلك». وأضاف: «إن كلفة الدخول المتأخر في الحوار أعلى من الدخول المبكر، لكن من يرفض الحوار لأنه يرى فيه كميناً سياسياً مكشوفاً لفرض أو تمرير أي مرشح ممانعة، أو لأنه يعدّه مناورةً للالتفاف على الدستور أو محاولةً لتعويم المعطلين وللمساواة بين الضحية والجلاد فهو على صواب». وسأل الصايغ: «كيف له أن يقبل بحوار من دون أي معالجة مسبقة لهواجسه تمهيداً لإعطاء الضمانات الكافية أن لا فرض أو تمرير أو مناورة؟». وعدّ الصايغ أن «المدخل لأي حوار إن صفت النية هو بإعلان التزام الوسطية فكراً ونهجاً وترشيحاً، وغير ذلك يكون استسلاماً أو انتحاراً أو استقالة».





