اليمن: الحرب وصعوبة المعيشة ترفعان حالات الانتحار

توقف الرواتب أدى إلى تدهور «الصحة» في مناطق سيطرة الحوثيين

يمني وطفله في عيادة للطب النفسي ترعاها منظمة «أطباء بلا حدود» في محافظة حجة (أطباء بلا حدود)
يمني وطفله في عيادة للطب النفسي ترعاها منظمة «أطباء بلا حدود» في محافظة حجة (أطباء بلا حدود)
TT

اليمن: الحرب وصعوبة المعيشة ترفعان حالات الانتحار

يمني وطفله في عيادة للطب النفسي ترعاها منظمة «أطباء بلا حدود» في محافظة حجة (أطباء بلا حدود)
يمني وطفله في عيادة للطب النفسي ترعاها منظمة «أطباء بلا حدود» في محافظة حجة (أطباء بلا حدود)

لم تستطع عائلة المعلم اليمني سمير إخفاء قصة محاولاته المتكررة الانتحار، فبعد أن ظنّت أنه تجاوز أزمته النفسية بعد المحاولة الأولى منذ 4 أعوام، فوجئت به منذ عام وقد ابتلع علبة كاملة من الحبوب المهدئة، وتمكّنت من إسعافه وإنقاذه قبل أن يبدأ مفعولها في جسده، لكنه هذه المرة حاول إلقاء نفسه من سطح بناية.

تنبه سكان إحدى العمارات العالية غرب العاصمة صنعاء لسمير، وهو اسم مستعار، عندما حاول فتح الباب المؤدي إلى السطح، ولولا معرفة أحد سكان العمارة به، لظنه بقية السكان لصاً، واتضح أنه يحاول أن يلقي بنفسه إلى الشارع، وهنا لم يعد بمقدور عائلته كتمان الأمر، حيث استغلت ما حدث لطلب تعاون أهالي الحي عند ملاحظة قيامه بتصرفات مريبة.

تقدم منظمات وجهات دولية دعماً للطب النفسي في اليمن لكن الأثر يبقى محدوداً (الأمم المتحدة)

سمير، هو أحد المعلمين الذين تسببت الظروف المعيشية الصعبة، خصوصاً انقطاع رواتبهم منذ 7 سنوات، في إصابتهم باضطرابات نفسية، ودفعت عديداً منهم إلى الانتحار وإزهاق أرواحهم، أو التشرد في الشوارع، أو لجوء عائلاتهم لاحتجازهم مع سعيها لمداواتهم، وهو أمر لم يعد متيسراً؛ نظراً لأن الظروف التي أوصلتهم إلى هذه الحال، هي نفسها التي تمنع إمكانية علاجهم المكلف.

تضطر والدة سمير وزوجته وابنته الوحيدة إلى مراقبته بشكل شبه دائم؛ خوفاً من أن يقدم على الانتحار مجدداً بعد 4 محاولات، وفي سبيل ذلك يمنعنه من الوصول إلى الأدوية والأدوات الحادة والحبال والأسلاك، ويطلبن من أهالي الحي مراقبته خارج المنزل، في حين يضطر شقيقه إلى الاستئذان من عمله في أحد المحال التجارية لملاحقته في الشوارع.

منذ قرابة شهر، أعلن صندوق الأمم المتحدة للسكان، أن نحو 7 ملايين يمني بحاجة للرعاية الصحية النفسية خلال العام الحالي، مع شح توافر الرعاية الصحية النفسية في اليمن، حيث يوجد طبيب نفسي واحد فقط لكل 700 ألف شخص، وهي نسبة أقل بكثير من المعيار العالمي الذي يتطلب نحو 40 طبيباً نفسياً لكل 100 ألف شخص.

انتحار المعلمين

وفقاً لصندوق الأمم المتحدة للسكان، فإن 120 ألفاً فقط من بين 7 ملايين يمني يستطيعون الوصول إلى خدمات الرعاية الصحية النفسية، وهو عدد ضئيل لا يتناسب مطلقاً مع حجم الاحتياجات المتعاظمة والمتزايدة.

تسبب الانقلابيون الحوثيون في إغلاق عديد من مستشفيات وعيادات الطب النفسي في مناطق سيطرتهم (إكس)

وأكد الصندوق أن «اليمن لا يزال بعيداً كل البعد عن المعيار العالمي للرعاية الصحية النفسية»، مشيراً إلى تخصيصه جزءاً من التمويل الذي حصل عليه من الوكالة الأميركية للتنمية، المقدر بـ23 مليون دولار، لتوفير خدمات الدعم النفسي الاجتماعي في 14 مستشفى و4 عيادات متنقلة، إضافة إلى دعم 20 مساحة آمنة للنساء والفتيات لتقديم الرعاية النفسية.

تزامن إعلان الصندوق مع واقعة انتحار كان ضحيتها أحد موظفي المؤسسة العامة للكهرباء في محافظة عمران (51 كيلومتراً شمال العاصمة صنعاء)؛ بسبب تعرضه للفصل من وظيفته وحرمانه من المبالغ الضئيلة التي كان يتقاضاها بمسمى «الحافز»، وجاءت عملية فصله بمعية العشرات من زملائه من قبل قيادي حوثي يسيطر على فرع مؤسسة الكهرباء في المحافظة.

أما محافظة إب، فهي أكثر المحافظات اليمنية التي شهدت انتحار المعلمين، حيث انتحر فيها أكثر من 5 معلمين في عام 2019 فقط، وهو أكثر الأعوام التي شهدت انتحار معلمين بسبب انقطاع رواتبهم.

نازحون يتلقون مساعدات أممية في مدينة تعز اليمنية (أ.ف.ب)

ورغم عدم وجود إحصائية من جهة معروفة حول حوادث الانتحار، فإن الانتحار لا يقتصر على المعلمين أو الموظفين العموميين. وتعد إب أكثر المحافظات التي يقترن اسمها مع حالات الانتحار بشكل عام، إذ شهد عام 2022 أكثر من 50 واقعة انتحار أو محاولة انتحار في عموم المحافظات الواقعة تحت سيطرة الانقلابيين الحوثيين، غير أن التقديرات تشير إلى وقوع حالة انتحار كل يومين.

وشهد عام 2019 أشهر حوادث الانتحار بسبب انقطاع الرواتب، حين أقدم معلم شاب على إلقاء نفسه من أعلى مبنى برج الأدوية وسط العاصمة صنعاء، بعد أن تقدم مالك المنزل الذي يسكنه بشكوى ضده لعدم سداد الإيجار لأشهر عدة، إلى جانب تراكم الديون عليه.

تنوع بحسب البيئة

يتضح من بيانات المنظمات الدولية العاملة في اليمن حول الأمراض النفسية التي انتشرت في الأعوام الأخيرة، أن الحالات النفسية التي تظهر بين السكان في المحافظات البعيدة من المعارك، تتمثل في القلق، والاكتئاب، والحزن الشديد، والنزوع نحو العزلة، والهروب من المجتمع، وقد تصل إلى الاضطرابات السلوكية.

غير أن المناطق التي شهدت معارك عسكرية وممارسات عنف من طرف الميليشيات الحوثية تشهد حالات نفسية أكثر تعقيداً؛ تتمثل في اضطرابات ما بعد الصدمة، التي تتطور إلى حالات الاكتئاب الحاد، والذهان، والاضطراب ثنائي القطب، والخوف من المستقبل، والخوف الدائم أو الخوف المرضي، والإحباط والقلق الدائمين.

ووفقاً لبيانات منظمة «أطباء بلا حدود»، يصاب الأطفال بالاكتئاب الحاد، والهلع، والهستيريا، والتأتأة، والتبول اللاإرادي، والنشاط الزائد، والكوابيس، واضطراب النوم، والخوف المستمر من مصائرهم، في حين يتضاعف الاكتئاب في مخيمات النزوح إلى جانب أعراض ما بعد الصدمة، والوسواس القهري، والانسحابية، والشعور بالاضطهاد، واضطرابات النوم، والقلق، والتوتر.

يعاني أطفال اليمن من اضطرابات نفسية كثيرة بسبب الحرب ويفتقرون للدعم والعلاج النفسيَين (رويترز)

ويتوقع خالد جلال، وهو اسم مستعار لمسؤول في القطاع الصحي في صنعاء، الذي يسيطر عليه الانقلابيون الحوثيون، أن ما يظهر من حجم مأساة تدهور الصحة النفسية لليمنيين أقل بكثير من الحجم الحقيقي لها، وبما أنه لا توجد إحصائيات أو بيانات رقمية أو استراتيجيات لمواجهة تأثير الحرب والظروف المعيشية التي أنتجتها، إلى جانب غياب المجتمع المدني والإعلام؛ فإن ما لا يظهر من المأساة أكبر بكثير مما يظهر.

ويتابع جلال في حديثه لـ«الشرق الأوسط» بالقول إن هذه المأساة ستتفاقم وتنفجر مستقبلاً، إما بعد انتهاء الحرب وبدء تطبيع الحياة العامة، حين سيكتشف اليمنيون أن ثلثهم على الأقل يعاني من الاضطرابات النفسية الناجمة عن الانقلاب والحرب وانقطاع الرواتب والبطالة وظروف الحياة الصعبة، أو باستمرار الحرب التي ستتأثر أيضاً بمشاركة المضطربين نفسياً في معاركها.

وحذر من أن غياب الاستراتيجيات الصحية لمواجهة تداعيات الحرب على الصحة النفسية لليمنيين يعد مخاطرة بمستقبل البلد والمجتمع، وإهمالاً ينبغي أن يتوقف فوراً، فالأطفال الذين يكبرون في المخيمات أو في خطوط التماس، ويعيشون ظروفاً معيشية قاسية، من المرجح أن يكون أغلبهم من المضطربين نفسياً، ما يسهّل على الميليشيات والتنظيمات الإرهابية استقطابهم وتجنيدهم.

ومع تفاقم حالة سمير مع آلاف آخرين من المرضى النفسيين في اليمن، أبدى المسؤول الصحي استغرابه من عدم وضوح إجراءات تنفيذ الاستراتيجية الوطنية للصحة النفسية في اليمن التي أعلنتها منظمة الصحة العالمية قبل 10 أشهر، أو إعلان ما تحقق من هذه الاستراتيجية حتى الآن، ومدى استجابة وتعاون الحكومة الشرعية وسلطات الانقلاب الحوثي معها.


مقالات ذات صلة

تحذيرات دولية من اتساع المجاعة في اليمن

العالم العربي تراجع حصص العائلات اليمنية من المعونات الإنسانية (أ.ف.ب)

تحذيرات دولية من اتساع المجاعة في اليمن

تضع تقارير دولية اليمن ضمن أعلى معدلات الجوع الحاد عالمياً، مع اتساع رقعة انعدام الأمن الغذائي وتزايد المخاطر الإنسانية وسط تراجع التمويل الدولي

«الشرق الأوسط» (صنعاء)
العالم العربي صرامة في تنفيذ قرار منع حمل السلاح والتجول به في حضرموت (الإعلام العسكري اليمني)

حضرموت تشدد قبضتها الأمنية في مواجهة السلاح المنفلت

صعّدت قوات «درع الوطن» اليمنية إجراءاتها الأمنية في حضرموت عبر مصادرة أسلحة غير مرخصة، وإغلاق محال مخالفة، وتعزيز التدريب والانضباط لحماية الاستقرار العام.

محمد ناصر (عدن)
العالم العربي بسبب الحرب على إيران تأخرت الإمدادات المنقذة للحياة عن 130 ألف يمني (الأمم المتحدة)

الحرب على إيران تلقي بتبعاتها على معيشة اليمنيين

تداعيات الحرب على إيران تعطِّل شحنات الإغاثة إلى اليمن، وتفاقم أزمة الغذاء والمعيشة لملايين السكان، وسط مخاوف من اتساع الجوع وتعثر جهود السلام والإغاثة.

محمد ناصر (عدن)
العالم العربي حشد للجماعة الحوثية في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (أ.ف.ب)

الحوثيون ينفقون ببذخ على ذكرى «الصرخة الخمينية»

بينما يواجه 18 مليون يمني انعداماً حاداً في الغذاء، يواصل الحوثيون توجيه موارد كبيرة لفعاليات آيديولوجية، ما يعمّق السخط الشعبي ويزيد الضغوط المعيشية

«الشرق الأوسط» (صنعاء)
العالم العربي اليمن يتطلع لاستعادة ميناء عدن مكانته التاريخية بصورة تدريجية (إعلام حكومي)

اليمن يسعى لتعزيز مكانته في التجارة الدولية باستحداث ميناءين

تمضي الحكومة اليمنية في خطة لتوسعة ميناء عدن واستحداث موانئ جديدة في حضرموت وشبوة وسقطرى، ضمن مساعٍ لتحويل السواحل اليمنية إلى مراكز لوجستية فاعلة في التجارة

محمد ناصر (عدن)

بري: حديث رئيس الجمهورية أمام الهيئات الاقتصادية غير دقيق

رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري (رويترز)
رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري (رويترز)
TT

بري: حديث رئيس الجمهورية أمام الهيئات الاقتصادية غير دقيق

رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري (رويترز)
رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري (رويترز)

أعلن المكتب الإعلامي لرئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري، في بيان مساء اليوم الأربعاء، أن حديث الرئيس جوزيف عون أمام الهيئات الاقتصادية حول موضوع اتفاق نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2024، وموضوع المفاوضات، غير دقيق، بحسب «وكالة الأنباء الألمانية».

وقال بيان المكتب الإعلامي لرئيس مجلس النواب إنه «مع الاحترام لمقام الرئاسة وما يصدر عن فخامة الرئيس، فإن الكلام الذي ورد على لسان فخامة رئيس الجمهورية أمام الهيئات الاقتصادية غير دقيق، إن لم نقل غير ذلك، وكذلك بالنسبة لاتفاق نوفمبر عام 2024 وموضوع المفاوضات».

وكان الرئيس اللبناني قد التقى بعد ظهر اليوم في القصر الجمهوري، وفداً من الهيئات الاقتصادية برئاسة رئيسها الوزير السابق محمد شقير.

وأفاد عون خلال اللقاء: «في كل خطوة اتخذتها كنت على تنسيق وتشاور مع رئيسي مجلس النواب والحكومة، على عكس ما يحكى في الإعلام».

رئيس الجمهورية اللبناني جوزيف عون (د.ب.أ)

وعن الانتقادات بأن لبنان وافق في البيان الأميركي الذي صدر إثر المحادثات الثلاثية في واشنطن، على منح إسرائيل حرية استكمال اعتداءاتها على لبنان، قال الرئيس عون: «إن هذا الكلام ورد في بيان صدر عن وزارة الخارجية الأميركية، وهو النص نفسه الذي اعتمد في نوفمبر 2024، والذي وافق عليه جميع الأطراف. وهو بيان وليس اتفاقاً؛ لأن الاتفاق يتم بعد انتهاء المفاوضات».


الشرع يستقبل وفداً فلسطينياً برئاسة نائب الرئيس الفلسطيني

الشرع يستقبل وفداً فلسطينياً برئاسة نائب الرئيس الفلسطيني
TT

الشرع يستقبل وفداً فلسطينياً برئاسة نائب الرئيس الفلسطيني

الشرع يستقبل وفداً فلسطينياً برئاسة نائب الرئيس الفلسطيني

استقبل الرئيس السوري أحمد الشرع، الأربعاء، في قصر الشعب بدمشق، وفداً فلسطينياً برئاسة نائب الرئيس الفلسطيني حسين الشيخ.

حضر اللقاء وزير الخارجية والمغتربين أسعد الشيباني، ومن الجانب الفلسطيني: رئيس المجلس الوطني روحي فتوح، وعضو اللجنة المركزية سمير الرفاعي، والمستشار وائل لافي.

وجرى خلال اللقاء بحث سبل تعزيز العلاقات الثنائية بين البلدين، بما يخدم مصالح الشعبين الشقيقين، بحسب ما ذكرته رئاسة الجمهورية عبر منصاتها الرسمية.

من جانبه، أكد نائب الرئيس الفلسطيني حسين الشيخ، في منشور عبر منصة «إكس» بعد اللقاء، موقف حكومته الثابت في دعم وحدة الأراضي السورية، إلى آخر المستجدات في قطاع غزة والضفة الغربية والقدس.

وكان الرئيس السوري أحمد الشرع، قد استقبل في العام الفائت رئيس دولة فلسطين محمود عباس والوفد المرافق له في قصر الشعب بدمشق.

يأتي اللقاء، بحسب موقع تلفزيون (سوريا) في ظل تطورات تتعلق بأوضاع اللاجئين الفلسطينيين في سوريا، إذ كانت الرئاسة السورية قد أعلنت في سبتمبر (أيلول) الماضي، إعادة النظر في صفة «ومن في حكمهم» المستخدمة للإشارة إلى الفلسطينيين المقيمين في البلاد، وذلك استجابةً لمطالب متكررة من فلسطينيي سوريا.

وجرى تشكيل لجنة حكومية لدراسة إدراج هذه الفئة ضمن القوانين المطبّقة على المواطنين السوريين، في خطوة اعتُبرت محاولة لمعالجة إشكالات قانونية ظهرت مؤخراً، بعد تداول تعديلات إدارية وصفت بعض الفلسطينيين بـ«مقيمين» أو «أجانب»، ما أثار مخاوف بشأن حقوقهم.

ويتمتع الفلسطينيون في سوريا تاريخياً بوضع قانوني خاص يمنحهم حقوقاً مدنية شبه كاملة مماثلة للسوريين، باستثناء الحقوق السياسية، بموجب القانون رقم 260 لعام 1956، ما جعلهم جزءاً أساسياً من النسيج الاجتماعي في البلاد، رغم بروز تحديات إدارية في السنوات الأخيرة، بحسب الموقع.


امتحانات الشهادات الثانوية العامة في السويداء تعود إلى إشراف الدولة

اعتصام طلاب الشهادة الثانوية العامة في 23 أبريل وسط السويداء للاعتراف بشهاداتهم بعيداً عن التجاذبات السياسية (مواقع سورية)
اعتصام طلاب الشهادة الثانوية العامة في 23 أبريل وسط السويداء للاعتراف بشهاداتهم بعيداً عن التجاذبات السياسية (مواقع سورية)
TT

امتحانات الشهادات الثانوية العامة في السويداء تعود إلى إشراف الدولة

اعتصام طلاب الشهادة الثانوية العامة في 23 أبريل وسط السويداء للاعتراف بشهاداتهم بعيداً عن التجاذبات السياسية (مواقع سورية)
اعتصام طلاب الشهادة الثانوية العامة في 23 أبريل وسط السويداء للاعتراف بشهاداتهم بعيداً عن التجاذبات السياسية (مواقع سورية)

قال مصدر رسمي سوري إن مباحثات جرت بين مديرية التربية والتعليم في محافظة السويداء ومحافظها مصطفى البكور، ووزارة التربية والتعليم، أسفرت عن «الموافقة على دخول وفد وزاري إلى المحافظة للإشراف على سير العملية الامتحانية لعام 2026، وفق الشروط القانونية المتبعة التي تمليها وزارة التربية ومعايير نجاحها».

كما لفت المصدر إلى إطلاق تهديدات داخل السويداء ضد أي وفد حكومي يدخل المحافظة، وأعربت مصادر من المحافظة عن مخاوفها من قيام المسلحين بـ«إثارة فوضى إذا دخل وفد وزاري للإشراف على الامتحانات».

وأوضح مدير العلاقات الإعلامية في محافظة السويداء، قتيبة عزام، لـ«الشرق الأوسط»، أن الإشراف على سير الامتحانات يأتي «حرصاً من الحكومة السورية على ضمان حق أبنائنا الطلبة في محافظة السويداء في التقدم لامتحاناتهم في أجواء مناسبة». لكنه لفت إلى إطلاق «مسلحين خارجين عن القانون داخل السويداء، لا يمثلون أهالي المحافظة، عشرات التهديدات بالقتل ضد أي وفد حكومي يدخل السويداء»، وفي الوقت ذاته، أكد أن «الدولة السورية تسعى جاهدة إلى إنهاء معاناة الطلبة رغم تلك التهديدات».

وكانت وزارة التربية والتعليم السورية قد أعلنت أن امتحانات الشهادة الثانوية العامة (البكالوريا) بفرعيها العلمي والأدبي والثانوية الشرعية للعام الدراسي 2026، ستبدأ في يونيو (حزيران) وتستمر حتى نهاية الشهر، بينما تبدأ امتحانات شهادة التعليم الأساسي (الإعدادية) في الرابع من يونيو.

منظر عام لمدينة السويداء

يذكر أنه عند اندلاع أزمة السويداء منتصف يوليو (تموز) الماضي، التي أسفرت عن مقتل العشرات من السكان البدو ومسلحي الفصائل المحلية وعناصر من الجيش والأمن، كانت امتحانات الشهادتين الثانوية العامة والإعدادية تجري.

وفي حين أتم طلاب الشهادة الإعدادية امتحاناتهم وصدرت نتائجها، توقفت امتحانات الشهادة الثانوية العامة في ذلك الوقت. وبعد سيطرة شيخ العقل حكمت الهجري، وما يعرف بـ«الحرس الوطني» التابع له، على مساحات واسعة من المحافظة ذات الأغلبية السكانية الدرزية، استأنفت مديرية التربية والتعليم في السويداء العملية الامتحانية من دون التنسيق مع وزارة التربية والتعليم التي لم تعلن تبني تلك الدورة الامتحانية.

ويسود حالياً قلق كبير في أوساط الأهالي في السويداء حيال مستقبل أبنائهم التعليمي. وفي سؤاله عما إذا كان التوافق الذي حصل في ملف امتحانات الشهادات العامة يمكن أن ينسحب على ملفات أخرى عالقة في المحافظة، أوضح عزام أن «هناك جهات في السويداء تعطل أي مسار للحل ينهي معاناة أهالي المحافظة، لأن همها مصالحها الشخصية وتنفيذ أجندات خارجية».

مطالبات طلابية في اعتصام سابق بالسويداء لتعويض ما فاتهم من دروس (متداولة)

من جهتها، أعلنت مديرية التربية والتعليم في السويداء جاهزيتها التامة لإجراء امتحانات الشهادات العامة، مؤكدة التزامها بتطبيق التعليمات والأنظمة الوزارية المعتمدة بما يضمن سير العملية الامتحانية بشكل منظم وآمن.

وقال رئيس قسم الامتحانات في السويداء، لقاء غانم، وفق «مركز إعلام السويداء»، إن هذا الاستعداد يأتي في إطار الحرص على تحقيق المصلحة العامة وضمان حق الطلبة في التقدم لامتحاناتهم ضمن أجواء مناسبة، مشيراً إلى أن عدد الطلاب المسجلين للدورة الحالية يبلغ نحو 13500 طالب وطالبة.

وأوضح غانم أن المديرية استكملت كل المستلزمات والتجهيزات اللوجستية، إلى جانب اتخاذ الإجراءات الضرورية لإنجاح العملية الامتحانية، متمنياً التوفيق والنجاح لجميع الطلبة.

هذا، وتداول بعض المصادر الإعلامية أنباء مرافقة عناصر من «الأمن العام» التابع للحكومة لوفد وزاري إلى السويداء بهدف تأمين الحماية. إلا أن مصدراً مسؤولاً نفى صحة هذه الأنباء، مؤكداً أن ما يتم تداوله يندرج ضمن الشائعات، وأن مصلحة الطلبة ستبقى في صدارة الأولويات.

وأوضح المصدر أن المناقشات جارية لاتخاذ الإجراءات المناسبة لضمان إتمام الامتحانات، بما يتوافق مع الأنظمة المعتمدة في وزارة التربية والتعليم في سوريا، التي تتطلب بطبيعتها وجود عناصر من «الشرطة» لضمان أمن وسلامة العملية الامتحانية.

ورصد «مركز إعلام السويداء»، تداول منشورات عبر مواقع التواصل الاجتماعي تتضمن تهديدات محتملة للوفد الوزاري، من بينها ما نُسب إلى حسابات أشارت إلى تهديدات مباشرة، الأمر الذي أثار قلق الأهالي والطلبة وسط دعوات إلى تحييد العملية التعليمية عن أي توترات، والحفاظ على مستقبل الطلبة بعيداً عن أي محاولات للتعطيل أو الاستغلال.

لافتة مطالب طلاب الثانوية العامة في السويداء لتقديم الامتحانات برعاية وزارة التربية السورية (متداولة)

وأعرب مراقبون عن استغرابهم من إطلاق مسلحين داخل السويداء عشرات التهديدات بالقتل ضد أي وفد حكومي يدخل السويداء للإشراف على العملية الامتحانية، بحكم أن هذا الأمر تم بموافقة ضمنية من الهجري.

وبهذا الصدد، بيّن مصدر درزي في داخل مدينة السويداء، أن الهجري يصدر كثيراً من القرارات «بشكل شفهي بهدف امتصاص غضب الأهالي، لكنه في الوقت نفسه يعطي تعليمات لجماعته للعمل بشكل مناقض، وهذا هو أسلوبه».

وأضاف المصدر لـ«الشرق الأوسط»: «الناس فرحت بما تم إعلانه، ولكن ليس هناك ضمانات بألا يقوم هؤلاء المسلحون بافتعال فوضى إذا دخل وفد وزاري للإشراف على الامتحانات».