«سوريا الديمقراطية» تتهم دمشق بـ«إشعال فتنة» في دير الزور

استمرار المواجهات بين «قسد» وعشائر عربية

TT

«سوريا الديمقراطية» تتهم دمشق بـ«إشعال فتنة» في دير الزور

 صورة أرشيفية لريف دير الزور الشرقي (رويترز)
صورة أرشيفية لريف دير الزور الشرقي (رويترز)

دخلت الاشتباكات الدائرة بين «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) ومسلحين من العشائر العربية شرقي سوريا يومها السادس، وأخذت منحى تصاعدياً قد يزيد حدة التوتر بين الأطراف المتقاتلة وداعميها. وبرز في الساعات الأخيرة اتهام «قسد» القوات الحكومية الموالية للرئيس السوري بشار الأسد بـ«إمداد مسلحين من العشائر بالأسلحة والعتاد بغية تأجيج الصراع وضرب الاستقرار، وإذكاء نار الفتنة الأهلية»، مشيرة إلى أن عملياتها الأمنية متواصلة «برغبة من شيوخ العشائر وأهالي المنطقة».

وفي وقت طالب فيه الشيخ ياسين عبد الرزاق سليمان الصبيخان، زعيم عشيرة «البوحردان» في بلدة هجين بريف دير الزور، باجتماع عاجل وفوري مع التحالف الدولي والجيش الأميركي كي يتحملا «مسؤولياتهما تجاه عشائر دير الزور وأهلها»، رأى الباحث براء صبري من «معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى» أن الوقائع الحالية أظهرت أن تصدير رواية «الصراع القومي بين العرب والأكراد وجدت طريقها (إلى أن تكون رواية صحيحة) ولو جزئياً».

وقال فرهاد شامي، مدير المكتب الإعلامي لـ«قوات سوريا الديمقراطية»، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، إنهم لاحقوا مجموعات مسلحة تسللت ليل الخميس - الجمعة إلى الريف الشرقي لدير الزور، قادمة من الضفة الغربية لنهر الفرات الخاضعة لسيطرة القوات الحكومية. وأضاف: «أوصلت هذه المجموعات العتاد للمناطق الساخنة من قبل جهات أمنية تابعة للنظام السوري، وهم يضغطون ويهددون شيوخ المنطقة ووجهاءها، في محاولة لإحداث الفتنة الأهلية».

مقاتلون من «قوات سوريا الديمقراطية» (أرشيف - رويترز)

محافظة منقسمة عسكرياً

وتبلغ مساحة دير الزور التي تشهد توتراً عسكرياً منذ 27 أغسطس (آب) الماضي، نحو 33 ألف كيلومتر مربع، مشكّلة 18 في المائة من مساحة سوريا. ومنذ بداية الحرب الدائرة بهذا البلد عام 2011، بقيت هذه المحافظة منقسمة السيطرة بين جهات محلية وإقليمية ودولية؛ إذ تسيطر القوات الحكومية على مركز المدينة وأجزاء من ريفيها الجنوبي والشرقي، وهي مناطق تنتشر فيها أيضاً ميليشيات أجنبية وإيرانية وقوات روسية. في المقابل، يخضع ريف المحافظة الشمالي وقسم من شرقها لنفوذ «قوات سوريا الديمقراطية» وقوات التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة، بعد قضاء هذه الجهات على سيطرة تنظيم «داعش» الإرهابي شرقي نهر الفرات بداية عام 2019.

وأشار المسؤول العسكري، فرهاد شامي إلى أن المجموعات المسلحة حشدت مقاتليها في الضفة الثانية من نهر الفرات ضمن المناطق الخاضعة لسيطرة القوات الحكومية، وشنت هجمات على «قوات سوريا الديمقراطية» في قرى الريف الشرقي. وأضاف: «ندعو جميع الأهالي إلى عدم الانجرار خلف تلك الأصوات الداعية للفتنة، ولن يستفيد منها سوى الأطراف الخارجية التي تتربص بالمنطقة في ظل تزايد نشاط الخلايا الإرهابية».

وشهدت مناطق ريف دير الزور الشرقي اشتباكات عنيفة لليوم السادس على التوالي بين عناصر كانت منضوية سابقاً في «مجلس دير الزور العسكري»، تدعمها مجموعات فردية مسلحة من أبناء العشائر، ضد «قوات سوريا الديمقراطية» المدعومة من تحالف دولي تقوده واشنطن، على خلفية عزل «قسد» أحمد الخبيل (أبو خولة) من قيادة «مجلس دير الزور»، بتهم فساد واستخدام نفوذه في السلطة والاتجار بالمخدرات. وأفاد سكان يعيشون في تلك المناطق بأن الاشتباكات استخدمت فيها الأسلحة الخفيفة والمتوسطة.

وجاء ذلك في وقت طالب فيه الشيخ ياسين عبد الرزاق سليمان الصبيخان زعيم عشيرة «البوحردان» في بلدة هجين ومحيطها الواقعة بريف دير الزور الشرقي، أبناء العشائر وعناصر «مجلس دير الزور العسكري» بـ«نزع فتيل الفتنة» ووقف المواجهات، داعياً إلى اجتماعات عاجلة وفورية بمشاركة العشائر وقادة المجتمع المحلي وقوات «قسد» بهدف «مناقشة جميع النقاط والأخطاء المتراكمة التي دفعت وأوصلت أبناء عشائر دير الزور إلى هذا المنعطف، والوصول إلى منهج صحيح وآلية واضحة لإدارة الأمور»، على أن تحفظ الهوية العربية للمنطقة ووحدة أراضيها وحماية المصالح المشتركة والحقوق لأبناء العشائر، مشترطاً أن يكون التحالف الدولي والجيش الأميركي «الضامن لهذه الاجتماعات، وتحمّل مسؤوليتهما تجاه عشائر دير الزور وأهلها»، على حد تعبيره.

حسن كوجر نائب رئاسة المجلس التنفيذي للإدارة الذاتية لشمال شرقي سوريا (الشرق الأوسط)

نفي «وجود مشاريع انفصالية»

أما نائب رئاسة المجلس التنفيذي بالإدارة الذاتية حسن كوجر فقد حمّل الحكومة السورية مسؤولية إدخال مسلحين موالين لها إلى بلدة الشحيل، لإحداث فتنة بين «قسد» ومكونات المنطقة. وقال كوجر في حديثه لـ«الشرق الأوسط» إن حكومة دمشق تسعى جاهدة لإحداث شرخ بين الأهالي والإدارة الذاتية وجناحها العسكري «وتزعم بوجود مشاريع انفصالية (للأكراد) وتعمد لتشويه صورة المشروع الديمقراطي وتحجيم التضحيات التي قدمتها قوات قسد»، منوهاً بأن القوات الحكومة نفسها تخلت عن هذه الأراضي «لصالح مرتزقة (داعش) والمحتل التركي وتدعي الوطنية بهدف تحقيق أجنداتها».

ونفى كوجر المزاعم حول قيام المكوّن الكردي بإدارة ريف دير الزور، وأكد أن أبناء وأهالي مدن وبلدات ريف دير الزور «هم أنفسهم من يقومون بإدارة مؤسساتهم».

وفي الإطار ذاته، قالت السفارة الأميركية بدمشق، الخميس، عبر منشور على صفحتها الرسمية على موقع «فيسبوك» إن الولايات المتحدة «تشعر بقلق عميق إزاء أعمال العنف الأخيرة، بما في ذلك الخسائر في الأرواح، في دير الزور بسوريا»، ودعت جميع الأطراف إلى وقف التصعيد وحل الوضع سلمياً. ولفتت إلى أن الولايات المتحدة تؤكد مجدداً تركيزها على تخفيف معاناة الشعب السوري «بما في ذلك عملنا لضمان الهزيمة الدائمة لتنظيم (داعش) من خلال الشراكة مع (قوات سوريا الديمقراطية)، ونحن ندعم الجهود الجارية للحفاظ على الاستقرار في المنطقة وضمان تعايش جميع شعوبها بسلام».

جنود أميركيون خلال دورية في ريف دير الزور (أرشيفية - الشرق الأوسط)

بدوره، رأى الباحث براء صبري، وهو زميل مساهم في «معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى»، أن توسّع دائرة المواجهات المسلحة جاء على خلفية اعتقال وعزل أحمد الخبيل من قيادة «مجلس دير الزور»، بتهم محاولة التمرد والانشقاق واستغلال نفوذه بالسلطة والفساد. وقال لـ«الشرق الأوسط» إن مجموعات مسلحة استغلت وجود أعداء كثر لـ«قسد» في المنطقة القريبة من منطقة الصراع، و«هؤلاء الأعداء هم الجهات المرتبطة مع إيران المُرابطين على الطرف المقابل لنهر الفرات، وفصائل مسلحة مدعومة من تركيا في أطراف منبج وفي تل أبيض، عبر إعلاناتها الوهمية حول ولائها للروابط العشائرية المفترضة مع المتمردين وتأجج رواية المظلومية ضد القوات (قوات سوريا الديمقراطية)».

وأكد أن حكومة دمشق هي المستفيد الأول من الواقع الحالي لإظهار مكامن الضعف بإدارة تلك المناطق الغنية بالنفط والطاقة والغاز الطبيعي، مشيراً إلى أن «دمشق استغلت الفشل المحلي لقسد وإدارتها المدنية. تبدو الحكومة الجائعة إلى مكامن الطاقة المتمركزة في منطقة العمليات، سعيدة كثيراً بالأحداث».

صراع عربي - كردي

وكانت عملية «العزم الصلب» ضمن قوة المهام المشتركة للتحالف الدولي قد قالت على موقعها الرسمي، الخميس، إنها تراقب عن كثب الأحداث بشمال شرقي سوريا، مضيفة: «لا نزال نركز على العمل مع (قوات سوريا الديمقراطية) لضمان الهزيمة الدائمة لـ(داعش)، دعماً للأمن والاستقرار الإقليميين»، وأكدت في بيان أن «الالتهاء عن هذا العمل المهم يؤدي لانعدام الاستقرار، ويزيد من خطورة عودة (داعش)، يجب أن يتوقف العنف بشمال شرقي سوريا، وأن تعود الجهود إلى إحلال السلام والاستقرار خالية من التهديدات الإرهابية».

لكن الباحث براء صبري اعتبر أن الموقف الأميركي «المتراخي» حيال المعارك العنيفة في مناطق خاضعة لحلفائها على الأرض أمر مثير للتساؤل. وأوضح: «المثير للاستفهام هو وقوف القوات الأميركية موقف المتفرج رغم أن أهم شريك لها على الأرض يتعرض للضغط، ويتم تشويه صورته بهذه الصورة الممنهجة». وتابع أن واشنطن لم تقم بشيء فعّال أو بوساطة سياسية تدعم «(قسد) في وجه التمرد، رغم قرب قواعدها من منطقة العمليات». ورأى أن عدم التحرك الأميركي يعني إما «التمهيد لتكوين تشكيل عسكري محلي جديد موازٍ لـ(قسد) لإدارة تلك المناطق، وإما أن واشنطن لا ترى في الفوضى الحالية أي خطر جدي على شريكتها (قسد) يستدعي تدخلها».

قوات سوريا الديمقراطية (أرشيفية - صفحة قوات سوريا الديمقراطية على فيسبوك)

ولم يستعبد صبري نجاح الجهات المروجة لرواية الصراع القومي بين العرب والأكراد حتى ولو نجحت «قسد» بضبط الأمور عسكرياً. واختتم حديثه قائلاً: «الوقائع الحالية أظهرت أن تصدير رواية الصراع القومي بين العرب والأكراد وجدت طريقها ولو جزئياً، علماً بأن جل مقاتلي (قسد) وقادة (دير الزور) وحتى الإدارة من أبناء العشائر العربية، لكن الندبة السياسية وجدت ضالتها بعد هذه الأحداث المستمرة».

في غضون ذلك، قال «المرصد السوري لحقوق الإنسان»، الجمعة، إن حصيلة قتلى الاشتباكات التي بدأت الأحد ارتفعت إلى 45، وهم 5 مدنيين، بينهم طفلتان وسيدة، و25 من المسلحين العشائريين، و11 عناصر من «قسد» بينهم 5 من أبناء إدلب بقوات الشمال الديمقراطي، و4 أشخاص قتلوا في بلدة ضمان بمداهمة دورية لـ«قسد»، كما أُصيب ما لا يقل عن 45 شخصاً، هم 28 من المسلحين العشائريين الموالين لقائد مجلس دير الزور العسكري، و17 من «قسد»، نتيجة تلك الاشتباكات.

وأشار «المرصد السوري» إلى أن «قوات سوريا الديمقراطية» لاحقت المسلحين الذين وصلوا إلى الضفة الشرقية لنهر الفرات في كل من بلدة الشحيل وقرية ذيبان بريف دير الزور، وأنهت «قوات سوريا الديمقراطية» تمشيط بلدة جديدة عكيدات، وثبتت نقاطها في القرية.

وقال «المرصد السوري» إنه حصل على معلومات مؤكدة تفيد بتسلل مجموعات من قوات الدفاع الوطني وآخرين ضمن ميليشيات موالية لإيران، باتجاه المناطق الساخنة في ريف دير الزور التي تشهد توتراً بين «قسد» من جهة، وموالين لقائد «مجلس دير الزور العسكري» أحمد الخبيل أبو خولة الذي جرى عزله من قبل قيادة «قسد»، من جهة أخرى.

قوات أميركية في مناطق بريف دير الزور شرق سوريا (أرشيفية - الشرق الأوسط)

وفي دمشق، نقلت وكالة الأنباء السورية (سانا) الرسمية عن مصادر محلية قولها إن اشتباكات عنيفة تدور بين قوات «قسد» وعشائر عربية في كل من مناطق ذيبان والعزبة والبصيرة والطيانة وجديد بكارة، مضيفة أن «أبناء العشائر العربية تمكنوا من طرد مسلحي (قسد) من مناطق تمركزهم في كل من الكشكية وأبو حمام وغرانيج، والسيطرة على عدد من مقارهم في مناطق الشعفة وشنان، وقاموا بإعطاب عدد من آلياتهم العسكرية، كما تم استهداف إحدى آبار النفط في منطقة العزبة بريف المحافظة الغربي ما أدى لاحتراقها».

وأضافت المصادر أن «الأهالي قاموا بقطع الطرقات في كل من محيميدة والكسرة وحمار العلي لمنع مرور الإمدادات التي ترسلها ميليشيا (قسد) من الرقة إلى مناطق الاشتباكات في الريفين الشمالي والشرقي لدير الزور»، بحسب ما جاء في تقرير الوكالة السورية الحكومية التي أضافت أن «هذه الأحداث تتزامن مع إعلان الكثير من شيوخ ووجهاء العشائر العربية النفير العام ودعوة أبناء عشائرهم للاستمرار في قتال ميليشيا (قسد) المرتبطة بالاحتلال الأميركي وطردها من مناطقهم».


مقالات ذات صلة

محاكمة سوري في برلين بتهم ارتكاب جرائم ضد الإنسانية

أوروبا من داخل قاعة محكمة العدل العليا في شونيبيرغ قبل افتتاح محاكمة زعيم ميليشيا سوري متهم بارتكاب جرائم ضد الإنسانية... برلين 27 مارس 2026 (أ.ف.ب)

محاكمة سوري في برلين بتهم ارتكاب جرائم ضد الإنسانية

بدأت، الجمعة، في برلين محاكمة مواطن سوري وصل إلى ألمانيا كلاجئ عام 2015، على خلفية اتهامات بارتكاب جرائم ضد الإنسانية والقتل.

«الشرق الأوسط» (برلين)
المشرق العربي الرئيس السوري أحمد الشرع (رويترز)

الرئيس السوري يزور برلين الاثنين

يزور الرئيس السوري أحمد الشرع ألمانيا، حيث يلتقي المستشار فريدريش ميرتس، الاثنين، حسبما أفاد متحدث حكومي في برلين الجمعة.

«الشرق الأوسط» (برلين)
المشرق العربي أشخاص على دراجة نارية يمرون بجوار مركبة عسكرية محترقة بعد اشتباكات دامية في مدينة السويداء السورية يوم 25 يوليو 2025 (رويترز)

تحقيق أممي: أعمال العنف في محافظة السويداء السورية قد ترقى إلى «جرائم حرب»

قالت لجنة أممية إن أعمال العنف التي شهدتها محافظة السويداء في جنوب سوريا في يوليو 2025، شهدت ارتكابات قد ترقى إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي فيضانات نهر الخابور في الجزيرة السورية شمال شرقي سوريا (الدافع المدني السوري)

«الألغام ومخلفات الحرب»... تحدٍّ جديد خلال التصدي للفيضانات في سوريا

فيما تواصل فرق الدفاع المدني السوري الاستجابة للتأثيرات الواسعة للمنخفضات الجوية المتتابعة، التي تشهدها المحافظات السورية تظهر للفرق مخاطر لم تكن في الحسبان.

«الشرق الأوسط» (لندن)
المشرق العربي مهرجان خطابي بدعوة من وزارة الثقافة ومحافظة السويداء في ذكرى رحيل سلطان باشا الأطرش (محافظة السويداء)

خطف وضرب وتفتيش جوالات أثناء إحياء ذكرى سلطان الأطرش في بلدة سورية

قالت مديرية إعلام السويداء، إن ميليشيا «الحرس الوطني» (التابعة لشيخ العقل حكمت الهجري)، اختطفت 6 أشخاص خلال إحياء ذكرى وفاة سلطان باشا الأطرش في بلدة القريا.

«الشرق الأوسط» (السويداء)

المفوضية الأممية للاجئين تحذر من «كارثة إنسانية» في لبنان بسبب الحرب

نازح لبناني خارج خيمة في مدينة كميل شمعون الرياضية في بيروت (أ.ف.ب)
نازح لبناني خارج خيمة في مدينة كميل شمعون الرياضية في بيروت (أ.ف.ب)
TT

المفوضية الأممية للاجئين تحذر من «كارثة إنسانية» في لبنان بسبب الحرب

نازح لبناني خارج خيمة في مدينة كميل شمعون الرياضية في بيروت (أ.ف.ب)
نازح لبناني خارج خيمة في مدينة كميل شمعون الرياضية في بيروت (أ.ف.ب)

حذرت المفوضية السامية لشؤون اللاجئين في الأمم المتحدة، الجمعة، من أن لبنان يواجه أزمة إنسانية متفاقمة تنذر بالتحول إلى كارثة، وذلك بعد نحو شهر من اندلاع الحرب في الشرق الأوسط.

وأفادت المفوضية بأن أكثر من مليون شخص في هذا البلد أُجبروا على الفرار من منازلهم، أي واحد من كلّ خمسة سكان، منذ الثاني من مارس (آذار)، حين اندلعت الحرب بين إسرائيل و«حزب الله» الموالي لإيران.

وقالت كارولينا ليندهولم بيلينغ، ممثلة المفوضية في لبنان، للصحافيين في جنيف متحدثة من بيروت: «لا يزال الوضع مقلقاً للغاية، وهناك خطر فعلي لوقوع كارثة إنسانية». وأشارت: «نلحظ هنا في لبنان أزمة اقتصادية تتفاقم على نحو مقلق».

واستطردت: «أكثر من 136 ألف نازح يعيشون في 660 ملجأ جماعياً، أغلبيتها مدارس مكتظّة. وحتّى لو نزحوا، هم لا يشعرون بالأمان»، وفقاً لوكالة الصحافة الفرنسية.

وصرّحت كارولينا ليندهولم بيلينغ: «تعيش عائلات في خوف دائم ولا شكّ في أن التداعيات النفسية، لا سيّما على الأطفال، ستستمرّ إلى ما بعد النزاع الراهن».

اندلعت الحرب بين إسرائيل و«حزب الله» في لبنان في 2 مارس حين هاجم الحزب الدولة العبرية بصواريخ رداً على مقتل المرشد الإيراني في ضربات إسرائيلية أميركية.

وترد إسرائيل بغارات كثيفة في أنحاء لبنان وتوغل بري في الجنوب، ما أسفر عن مقتل أكثر من ألف شخص.

وفي جنوب لبنان، تسبّب تدمير إسرائيل لجسور استراتيجية في عزل أكثر من 150 ألف شخص، معطلاً بشدّة وصول المساعدات الإنسانية، حسب المفوضية السامية لشؤون اللاجئين.

«مفجع»

ووجّهت المفوّضية نداء لجمع أكثر من 60 مليون دولار بغية توسيع استجابتها، محذّرة من أن الحاجات تتزايد بوتيرة أسرع من الموارد.

وقالت كارولينا ليندهولم بيلينغ: «كان لبنان يواجه أصلاً أزمات متعدّدة، وهذا النزوح الكبير يحدث ضغوطات شديدة على الأسر والخدمات». وصرّحت: «يقول لي الناس مراراً إن جلّ ما يريدونه هو العودة إلى منازلهم».

وأعلنت منظمة الصحة العالمية، التي يواجه مركزها اللوجيستي للمساعدات الطارئة في دبي صعوبات على مستوى النقل البحري والجوّي، عن إرسال أوّل دفعة من المساعدات الإنسانية برّاً إلى لبنان.

وأفاد الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر من جانبه بأن الصليب الأحمر اللبناني يوزّع المساعدات، وخصوصاً البطانيات والفرش والوجبات الغذائية والخبز ومياه الشرب.

وأشار الناطق باسم الاتحاد تومازو ديلا لونغا إلى أن الصليب الأحمر اللبناني هو أكبر مزوّد لخدمات الإسعاف في البلد، ووضع خطّة طارئة لنقل الدم بغية تزويد المستشفيات به بلا انقطاع.

وقال: «بين 2 و23 مارس، نفّذت فرق الصليب الأحمر اللبناني 2754 مهمّة إسعاف و11 عملية بحث وإنقاذ في مواقع حضرية»، مشيراً إلى مقتل متطوّع وإصابة عدّة متعاونين آخرين خلال أداء مهامهم.

وأضاف: «يعمل المتعاونون والمتطوّعون تحت ضغوطات هائلة لضمان سلامتهم وسلامة المصابين الذين يقومون بإجلائهم على السواء».

وأشارت هيئة الأمم المتحدة للمرأة من جانبها إلى أن النساء الحوامل يواجهن الولادة في ملاجئ مؤقتة لا نفاذ فيها لخدمات الرعاية مثل قاعات المدارس.

وقالت ممثّلة الهيئة في لبنان جيلان المسيري: «تواجه النساء خوفاً دائماً وليالي بلا نوم وإنهاكاً كاملاً، فيما يضطررن لطمأنة أطفال مرعوبين».

وبين النازحين أكثر من 370 ألف طفل «لا مكان آمناً لهم»، حسب منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف).

وقال ممثّل «اليونيسف» في لبنان، ماركولويجي كورسي: «هو نزوح كبير ومباغت وفوضوي يمزّق العائلات ويفرغ بلدات بكاملها مع تداعيات ستبقى بعد توقّف العنف»، مشيراً إلى أن «إنهاك الأطفال اللبنانيين النفسي والمعنوي مفجع».


لبنان يتجه لمعالجة أزمة السفير الإيراني بمساعٍ لـ«تنفيس الاحتقان»

الرئيس اللبناني جوزيف عون يلتقي الوزير فادي مكي (الرئاسة اللبنانية)
الرئيس اللبناني جوزيف عون يلتقي الوزير فادي مكي (الرئاسة اللبنانية)
TT

لبنان يتجه لمعالجة أزمة السفير الإيراني بمساعٍ لـ«تنفيس الاحتقان»

الرئيس اللبناني جوزيف عون يلتقي الوزير فادي مكي (الرئاسة اللبنانية)
الرئيس اللبناني جوزيف عون يلتقي الوزير فادي مكي (الرئاسة اللبنانية)

تتجه السلطات اللبنانية إلى «تبريد» الأزمة السياسية الداخلية التي ترتبت على قرار وزارة الخارجية بإبعاد السفير الإيراني لدى لبنان، محمد رضا شيباني، بشكلٍ لا تتراجع فيها «الخارجية» عن القرار، ولا تتخذ إجراءات بحقّه في حال بقي في لبنان بعد المهلة المُعطاة له لمغادرة البلاد يوم الأحد المقبل، وفق ما قالت مصادر وزارية، لـ«الشرق الأوسط».

وقاطع أربعة وزراء شيعة، من أصل خمسة، يمثلون ثنائي «حزب الله» و«حركة أمل»، جلسة مجلس الوزراء، الخميس؛ اعتراضاً على قرار «الخارجية» باعتبار شيباني «شخصاً غير مرغوب به».

وقالت المصادر الوزارية إن الجلسة الحكومية، الخميس، «لم تناقش ملف شيباني، وكان رئيس الحكومة نواف سلام يغلق أي نقاش حول هذا الملف، طالباً التركيز على الملفات الحياتية للتعامل مع أزمة النزوح، وتداعياتها، والاتصالات مع الجهات الدولية والجهات المانحة لمساعدة لبنان». وأكدت أن معالجة ملف شيباني تجري وفق مساعٍ لـ«تنفيس الاحتقان».

الوزير مكي

وكان وزير التنمية الإدارية فادي مكي، وهو الوزير الشيعي الخامس، قد شارك في الجلسة الوزارية، الخميس، مما عرَّضه لانتقادات. وقال مكي، بعد لقائه بالرئيس اللبناني جوزيف عون، الجمعة: «إننا استعرضنا آخِر المستجدات في ضوء مشاركتي في جلسة مجلس الوزراء، وكانت مناسبة لتأكيد أن المرحلة تفرض التضامن الداخلي وتعزيز حضور الدولة وتغليب المسؤولية الوطنية». وتابع: «الأولوية، اليوم، هي لمواجهة العدوان الإسرائيلي المستمر، واحتضان النازحين، وتكثيف كل الجهود لوقف الحرب، مع تأكيد السلم الأهلي والحوار الداخلي».

وأضاف: «أكّدتُ أن لا خيار لنا إلا الدولة ومؤسساتها الشرعية، وأن لبنان، اليوم، بأمسّ الحاجة إلى قرارات تُوحِّد لا تُفرِّق. وأعبّر عن كامل ثقتي بما يقوم به فخامة الرئيس، بالتنسيق مع دولة رئيس مجلس النواب ودولة رئيس مجلس الوزراء».

مبادرة «التيار الوطني الحر»

في غضون ذلك، يستكمل «التيار الوطني الحر» زياراته على الفعاليات السياسية، لشرح مقترح لحماية لبنان. وقال رئيسه النائب جبران باسيل، بعد زيارته رئيس البرلمان نبيه بري، إن أهم ما في المقترح هو «موضوع الوحدة الوطنية؛ لأنها أساس كل شيء وأساس هذا الوطن وأساس بقائه والأساس الذي من خلاله يستطيع لبنان أن يخرج سالماً من هذه الحرب التي نحن فيها».

وتابع: «للأسف، هناك منطقان يتواجهان: منطقنا الذي يقول 100 يوم حرب من الخارج على لبنان ولا يوم واحد من الحرب بين اللبنانيين، والمنطق الثاني يعلن رسمياً أنه فلتكن حرب داخلية في لبنان، المهم أن ننتهي من الحرب الخارجية». وأضاف: «نحن لا نريد حرباً داخلية ولا خارجية، نحن في بعض الأحيان ليست لدينا القدرة لمنع الحرب الخارجية، للأسف، للأسباب التي نتفق أو نختلف عليها نحن اللبنانيين، لكن نحن بالتأكيد لدينا القدرة على أن نمنع الحرب الداخلية، وهذه مسؤوليتنا ومهمتنا في المرحلة المقبلة، لذا في كل يوم سنعود ونذكر وننبه، خاصة المغرَّر بهم والذين ينجرّون وراء غرائز طائفية لا مكان لها».

وأضاف: «اليوم، معركتنا ليست طائفية، نحن بمواجهة أخطار يجب إبعادها عنا بأن نتكلم كلاماً وطنياً وليس كلاماً طائفياً، فالناس الذي ينجرّون وراء هذا الكلام يجب ألا يتذوقوا، لا هم ولا أولادهم ولا أي أحد، طعم الحرب الداخلية؛ لأن الجميع ذاق مرارتها بما يكفي، ويجب أن نمنع تكرارها، هذه مسؤوليتنا، وهذا خطابنا، وهذا كلامنا الجامع بين بعضنا البعض، هكذا تنتهي الأزمة أكيد، وهكذا ينجو لبنان، وبعدها نتطلع مع خلافاتنا السياسية كيف سنبنيه، لكن الأهم أن يبقى لبنان، ويبقى لبنان بوحدتنا الوطنية».

إغاثة النازحين

وبينما تتجه أزمة السفير الإيراني للاحتواء، ينصبّ التركيز اللبناني على إغاثة النازحين. وأطلع وفد من الصليب الأحمر الدولي، برئاسة المدير الإقليمي لمنطقة الشرق الأدنى والأوسط نيكولاس فون آركس، الرئيس عون على عمل اللجنة الدولية للصليب الأحمر في ضوء استمرار التصعيد العسكري في عدد من البلدات والقرى اللبنانية والعمليات الإنسانية التي تقوم بها اللجنة بالتعاون مع الصليب الأحمر اللبناني والتنسيق مع الجيش اللبناني والقوات الدولية العاملة في الجنوب. وعرَض فون آركس لتدهور الوضع الإنساني ونزوح الآلاف من القرى والبلدات المستهدَفة دون أن يتمكنوا من العودة بسبب تدهور الأوضاع، مشيراً إلى الصعوبات التي تواجه الفرق في أثناء عملها ومؤكداً استمراريتها في العمل وتأمين المستلزمات للمستشفيات والمراكز الصحية وإيصال المساعدات.

وقال: «أسهمنا في تأمين الوصول إلى المياه لأكثر من 800000 شخص من خلال ضمان استمرارية تشغيل محطّات الضخ. إضافةً إلى ذلك، نجحنا في إيصال المساعدات الأساسية إلى نحو 10000 شخص في مختلف القرى، فضلاً عن دعمنا للمستشفيات لضمان استمرارها في تقديم العلاج للجرحى والمرضى».

من جهته، طلب الرئيس عون الاهتمام بأبناء الجنوب الموجودين في قراهم وبلداتهم وتأمين المساعدات الضرورية لتعزيز صمودهم.

وكان مدير الصليب الأحمر قد أكد، بعد زيارته رئيس البرلمان نبيه بري، استمرار حضور اللجنة الدولية للصليب الأحمر في الميدان، ولا سيما في المناطق الأكثر تضرراً، وتلك التي يصعب الوصول إليها، حيث تُواصل فِرق اللجنة تقديم الدعم للمتضررين، بالتوازي مع جهود الجهات الأخرى في دعم النازحين بمراكز الإيواء.

وأشار الوفد إلى استمرار وجود فِرق اللجنة في جنوب لبنان، خصوصاً في تبنين ومرجعيون؛ لتأمين وصول المساعدات والخدمات الصحية، في ظل ازدياد عزلة هذه المناطق عن باقي البلاد، كما شدد الوفد على أهمية احترام القانون الدولي الإنساني بما يشمل حماية المدنيين والبنى التحتية والخدمات الأساسية والمُسعفين والطواقم الطبية.


السفير البابوي ينفذ جولة تضامنية في القرى المسيحية جنوبي لبنان

السفير البابوي في إحدى كنائس الجنوب (وكالة الأنباء المركزية)
السفير البابوي في إحدى كنائس الجنوب (وكالة الأنباء المركزية)
TT

السفير البابوي ينفذ جولة تضامنية في القرى المسيحية جنوبي لبنان

السفير البابوي في إحدى كنائس الجنوب (وكالة الأنباء المركزية)
السفير البابوي في إحدى كنائس الجنوب (وكالة الأنباء المركزية)

جال السفير البابوي في لبنان المونسنيور باولو بورجيا في عدد من القرى المسيحية الحدودية في جنوب لبنان، شملت بلدات كوكبا ومرجعيون والقليعة، في زيارة حملت رسائل تضامن مباشرة مع السكان المسيحيين الصامدين في بلداتهم، في ظل تصاعد التوترات الأمنية وتفاقم الضغوط المعيشية.

وقال بورجيا خلال الجولة إن «الواجب يفرض أن نكون حاضرين ومتضامنين، وأن نتشارك الأفراح والآلام حيثما تدعو الحاجة»، في إشارة إلى البعد الإنساني للزيارة. والتقى، برفقة رئيس «كاريتاس لبنان»، عدداً من الأهالي، مطّلعاً على أوضاعهم المعيشية وشهاداتهم حول تداعيات الوضع الأمني على حياتهم اليومية.

مساعدات دولية لدعم السكان

بالتوازي، وصلت إلى قضاء مرجعيون قافلة مساعدات مؤلفة من 15 شاحنة محمّلة بمواد إغاثية، جرى تفريغها في بلدة القليعة بإشراف رئيس البلدية حنا ضاهر.

ونُظّمت القافلة بإشراف برنامج الغذاء العالمي، وبمساهمة منظمات دولية، في إطار الاستجابة الإنسانية للأوضاع الناجمة عن التصعيد العسكري.

وشملت المساعدات مواد غذائية، ومستلزمات للنظافة الشخصية، ومياه شرب، إضافة إلى بطانيات وفرش وأدوات مطبخ أساسية، بهدف دعم قدرة الأهالي على الصمود في مناطقهم.

وأكد المنظمون أن هذه القافلة تشكل الدفعة الأولى ضمن خطة طوارئ، على أن تتبعها شحنات إضافية خلال الأيام المقبلة لتوسيع نطاق الاستجابة.

السفير البابوي خلال وصوله إلى الجنوب (وكالة الأنباء المركزية)

قرى حدودية بين الصمود والهشاشة

وتُعد القرى المسيحية في قضاء مرجعيون، ومنها القليعة وكوكبا، من أبرز البلدات الواقعة على تماس مباشر مع الحدود الجنوبية، وقد شكّلت تاريخياً نموذجاً للتنوع الديني في المنطقة، حيث تتداخل مع محيط ذي غالبية مسلمة.

وعاشت هذه القرى على مدى عقود تحت وطأة التحولات الأمنية، من الاحتلال الإسرائيلي الذي انتهى عام 2000، إلى تداعيات حرب يوليو (تموز) 2006، وصولاً إلى جولات التصعيد المتكررة منذ عام 2023 حتى اليوم، ما جعلها في موقع هش بين الاستقرار والانكشاف.

ورغم ذلك، حافظت هذه البلدات على حضورها السكاني، مدفوعة بعوامل التمسك بالأرض والروابط الاجتماعية، غير أن الأزمات الاقتصادية الأخيرة، إلى جانب التوترات الأمنية، دفعت بعض العائلات إلى النزوح المؤقت، وسط مخاوف من اتساع ظاهرة الفراغ السكاني.

ويؤكد أبناء المنطقة أن التحدي لم يعد أمنياً فقط، بل بات مرتبطاً بقدرتهم على الاستمرار في ظل الضغوط الاقتصادية وتراجع الخدمات، ما يضفي أهمية إضافية على المبادرات الإغاثية والزيارات التضامنية.

رسائل دينية سابقة

وكان بورجيا قد زار قبل أيام مدينة صور، حيث شارك في قداس ترأسه المطران جورج إسكندر. وفي كلمته، شدد على أن زيارته تهدف إلى «حمل المحبة إلى بيوت اللبنانيين»، مستحضراً دعوات البابا ليو الرابع عشر إلى التمسك بالأمل والسير في طريق السلام.

وقال: «لبنان بلد مميز بتنوعه، وما يجمع أبناءه أكبر مما يفرقهم»، داعياً إلى «رفع الصلاة من أجل السلام وعدم الانجرار إلى منطق الحرب»، ومؤكداً أن «البابا يتابع ما يجري في لبنان عن كثب ويقف إلى جانب شعبه».