السر في قلة المشكلات والتكاليف... أعداد متزايدة من العراقيين يتزوجون بسوريات

لا يقتصر الأمر على زواج العراقيين بسوريات بل هناك من السوريين من يقترن أيضاً بعراقيات (رويترز)
لا يقتصر الأمر على زواج العراقيين بسوريات بل هناك من السوريين من يقترن أيضاً بعراقيات (رويترز)
TT

السر في قلة المشكلات والتكاليف... أعداد متزايدة من العراقيين يتزوجون بسوريات

لا يقتصر الأمر على زواج العراقيين بسوريات بل هناك من السوريين من يقترن أيضاً بعراقيات (رويترز)
لا يقتصر الأمر على زواج العراقيين بسوريات بل هناك من السوريين من يقترن أيضاً بعراقيات (رويترز)

يداعب سلام ماهر طفليه في حديقة منزله التي جهزها بأرجوحة وألعاب أخرى، ويرد الطفلان على أبيهما بخليط من اللهجتين العراقية والسورية.

هذه اللهجة الهجين التي استقاها الطفلان من أحاديث أمهما السورية وأبيهما العراقي كانت محببة جداً إلى نفسه، وفقاً لتقرير لـ«وكالة أنباء العالم العربي».

اقترن ماهر (44 عاماً) بامرأة سورية خلال إحدى زياراته المتكررة إلى سوريا. يقول وهو يضع يده خلف رأسه: «أُعجبت كثيراً بطبيعة المجتمع السوري وطابع المرأة السورية».

قبل 4 سنوات، أتمّ ماهر زواجه في دمشق، وأحضر معه زوجته إلى العراق ليسكنا معا في منزلهما بمحافظة واسط الواقعة على مسافة 180 كيلومتراً إلى الجنوب من بغداد. ويقول إنه لم يجد صعوبة في موافقة أهل الزوجة، لأن «تلك كانت رغبتها فاحترموها».

ويفسر ذلك في حديثه لـ«وكالة أنباء العالم العربي» بقوله: «السوريون يمرون الآن بأزمة اقتصادية ومالية شديدة، لذلك يسعون لتأمين حياة كريمة لبناتهم، سواء كان المتقدم للزواج عراقياً أم من جنسية عربية أخرى. ما يهم فقط هو حسن خُلق الزوج».

وينوّه إلى تقارب ثقافة البلدين: «فلا يجد أي فرد من الشعبين صعوبة في الانسجام والتأقلم مع الآخر».

وفي حين تعاني سوريا وضعاً معيشياً صعباً، يعيش العراق حالة من الاستقرار الاقتصادي بعد عقود من العقوبات والحروب. ويحرص الكثير من العراقيين على زيارة سوريا سنوياً للاصطياف وزيارة الأضرحة والعلاج أحياناً، وأثمرت تلك الزيارات العديد من حالات الزواج بين أبناء الشعبين.

البحث عن حياة أفضل

ذكرت اللجنة الدولية للصليب الأحمر في يونيو (حزيران) الماضي أن نحو 90 في المائة من السوريين يعيشون اليوم تحت خط الفقر وأن أكثر من 15 مليون سورية بحاجة إلى مساعدات إنسانية.

وأسهم انتعاش الوضع الاقتصادي للعراق واستقراره النسبي في لجوء الكثير من السوريين إلى البلد المجاور بحثاً عن عمل، لا سيما بعد أن تعثرت طرق سفرهم وتعذر لجوؤهم إلى أوروبا وأستراليا والولايات المتحدة وغيرها منذ اندلاع الصراع في بلدهم قبل 12 عاماً.

ويرى فهد علي، وهو عراقي من بغداد متزوج بسوريّة، أن العائلات السورية تفضّل تزويج بناتها من شباب عراقيين لأنها تجدهم أهلاً للمسؤولية، وبدافع الحفاظ على بناتها وحمايتهن من العوز.

ويقول علي (37 عاماً): «الوضع المادي المتدهور في سوريا يجعل العيش في العراق بالنسبة للفتاة السورية أكثر استقراراً ورفاهية؛ لأن وضع العراق الاقتصادي حالياً أفضل بكثير من البلد الجار، خلافاً للسابق».

ويضيف متحدثاً عن تجربته: «خلال زيارتي سوريا تعرفت على رجل سوري، وبعد أن تطورت علاقتي به زرته في بيته، وتعرفت على أسرته، ثم تطور الوضع بعدها إلى طلب يد إحدى بناته الثلاث، فوافق على الفور».

سوريون يتزوجون أيضاً بعراقيات

لا يقتصر الأمر على زواج العراقيين بسوريات، فهناك من السوريين من يقترن أيضاً بعراقيات.

وفي أربيل عاصمة كردستان الواقعة على مسافة نحو 370 كيلومتراً شمال بغداد، يسكن السوري أيهم حسن (43 عاماً) مع زوجته العراقية القادمة من مدينة النجف جنوب بغداد ويعمل في بيع العطور.

يتحدث حسن لـ«وكالة أنباء العالم العربي» قائلاً: «تعرفت على زوجتي خلال زيارتها دمشق مع عائلتها عام 2018، حيث تعرفت بالصدفة إلى العائلة هناك، وقدمت لها بعض الخدمات، ووفرت لها بعض الاحتياجات ما عزز ارتباطي بالأسرة، ودفعها للتواصل معي وحثّي على القدوم إلى العراق».

ويشير حسن إلى أن الوصول إلى إقليم كردستان العراق كان بالنسبة له أسهل بكثير من بغداد والمحافظات الأخرى، فقرر القدوم إلى أربيل والبحث عن عمل، وهناك حدث لقاء آخر قرر خلاله التقدم رسمياً لخطبة زوجته الحالية.

ويضيف: «بعد الزواج فضّلنا أنا وزوجتي البقاء هنا رغم أن آلية الحركة تيسرت، وأصبح بإمكاني الذهاب إلى أي منطقة في العراق».

ويخطط حسن الآن للحصول على الجنسية العراقية بالاستفادة من القانون العراقي الذي يتيح للزوج والزوجة غير العراقيين الحصول عليها بعد 5 أعوام من الإقامة، وهو أمر سيتحقق بعد بضعة شهور.

ويعد إقليم كردستان العراق قبلة محببة للسوريين؛ نظراً لقلة التكاليف وسهولة الحصول على عمل وإقامة، قد تنتهي أحياناً بالاستقرار والزواج، ناهيك عن حرية فتح مشاريع تجارية وحرية العمل بصفة عامة.

وكان وزير الخارجية العراقي فؤاد حسين قد كشف مؤخراً في تصريحات على هامش مؤتمر عُقد في بروكسل تحت عنوان (مستقبل سوريا والمنطقة) عن أن إقليم كردستان العراق يستضيف على أراضيه قرابة 260 ألف مواطن سوري، في حين تشير إحصاءات ومصادر أخرى إلى أن عددهم يتجاوز نصف مليون نسمة.

مهنة وسطاء الزواج

يبدو أن المصادفة والرغبة ليستا العاملَين الوحيدين وراء مثل هذه الزيجات، فالوساطة لإتمام أمر الزواج أصبحت عملاً رائجاً للبعض.

ويكشف زين حسام، وهو أحد العاملين في شركات السياحة والسفر، أن «الزواج من سوريات يجري وفق طريقتين؛ إما من خلال العلاقة المباشرة والتقدّم لأهل الفتاة وخطبتها رسميا كما هي الحال في العراق، وإما يحدث عن طريق وساطة».

ويوضح حسام (31 عاماً): «الوسطاء أو الوسيطات في الغالب يكونون سوريين، هدفهم الأول هو الحصول على المال، ولا يشترط بعضهم حتى إجراء عقد رسمي في المحكمة، لذلك تجد الكثير من تلك الزيجات غير مسجلة».

وكانت تقارير صحافية قد تحدثت عن أن منطقة السيدة زينب ذات الأغلبية الشيعية بجنوب دمشق تحولت إلى مركز جذب لزواج العراقيين من سوريات عبر وسطاء وشركات تسهل هذه الزيجات لقاء عمولات أو مقابل مالي.

ومن المعروف أن العراقيين يزورون تلك المنطقة بأعداد كبيرة كنوع من السياحة الدينية التي ربما اتسع نطاقها لتشمل أغراضاً أخرى.

زواج أسهل وتكاليف أقل

يُرجع الباحث الاجتماعي محمد المولى أسباب توجه العراقيين من سوريات إلى «سهولة الزواج وقلة تكاليفه، إضافة إلى التناغم المجتمعي بين الشعبين والرغبة في التغيير والخروج عن المألوف».

ويضيف: «ليس الزواج فقط ما يتميز بالسهولة، حتى الطلاق أيضاً. فمتى ما وَجد الزوجان أنهما غير متفقين ستكون الشروط سهلة للانفصال مقارنة بالتعقيدات الموجودة في زواج العراقي من عراقية».

ويمضي قائلاً: «العراقيون إضافة إلى هذا عاطفيون، فثمة تعاطف اجتماعي تجاه سوريا لأسباب مختلفة بينها الظروف المتشابهة التي مر بها البلدان، وهو ما يدفع بعض العراقيين للمرور عبر بوابة الزواج من سوريات».

ويتفق مع الرأي الخبير القانوني عدنان الشريفي الذي يشير إلى أن قوانين الزواج السورية، ربما كانت أكثر تساهلا مقارنة بالتشريعات المماثلة في العراق ما يشجع على إتمام مثل هذه الزيجات.

يقول: «القانون العراقي يضع قيوداً في حال تعدد الزوجات، فهو يوجب على الزوج إثبات المقدرة المالية بالإضافة لموافقة الزوجة الأولى، في حين لا يحتاج العراقي في سوريا إلى ذلك».

أما الباحثة الاجتماعية ابتسام الشمري فترى أسباباً سياسية وراء ارتباط العراقيين بسوريات، وتتحدث عن انتماء بعضهم إلى تيارات وتنظيمات سياسية أو مسلحة تشجعهم على ذلك.

وتستدرك خلال حديثها: «لكن ذلك لا يجعلنا نغفل العامل الاقتصادي الذي زاد من تلك الزيجات، كونه يؤمن للزوجة معيشتها ومعيشة عائلتها أحياناً».

وتضيف: «ارتفاع حالات الطلاق في العراق وتداعياتها من مشكلات دفع كثيرين للإحجام عن تكرار الزواج من عراقيات، وبات اللجوء للزواج من سوريات هو البديل الأنسب للبعض نظراً لقلة التكاليف والانفصال دون مشكلات في حال عدم التوافق».

أما من الناحية القانونية، فيؤكد المحامي علي عادل على أن الزواج بسورية أمر قانوني يمكن تسجيله في المحاكم العراقية بصيغة سليمة، مضيفاً: «الشروط التي تسري على الزواج من عراقية تُطبق هي نفسها على السورية، كوجوب حضور الشهود عقد القران وتسجيل المقدم والمؤخر».

ويشير إلى أن عملية تسجيل إقامة الزوجة في العراق تجري بصورة رسمية: «لكن ما يحدث هو أن الكثير من تلك الزيجات غير مسجلة داخل المحاكم، لذلك لا توجد إحصاءات رسمية كون التسجيل يتطلب إجراءات وتوثيقاً للعقود، وهذا يحتاج إلى مراجعات وموافقات».

ويضيف: «تلك القوانين تسري على الزوج أو الزوجة، لا فرق في ذلك».


مقالات ذات صلة

دمشق تستدعي السفير الأردني احتجاجاً على ضربات على الجنوب السوري

المشرق العربي خلال تشييع أشخاص قُتلوا في غارة جوية أردنية على بلدة الطف في محافظة درعا جنوب سوريا يوم 27 أكتوبر 2026 (أ.ب)

دمشق تستدعي السفير الأردني احتجاجاً على ضربات على الجنوب السوري

أعلنت وزارة الخارجية السورية، الأربعاء، استدعاء السفير الأردني في دمشق للاحتجاج على غارات جنوب البلاد، الثلاثاء، أوقعت 7 قتلى بينهم أطفال.

«الشرق الأوسط» (عمّان)
المشرق العربي الرئيس أحمد الشرع مستقبلاً رئيس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي في مطار دمشق الأربعاء في أول زيارة يقوم بها إلى دمشق (الرئاسة السورية)

بغداد ودمشق تؤسسان لمنظومة علاقات تضمن الاستقرار

تكمن أهمية الزيارة في كونها الأولى لرئيس حكومة في العراق إلى سوريا منذ سقوط نظام الأسد، وتتويجاً لتحسن تدريجي في العلاقات السياسية والتنسيق الأمني بين الطرفين

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي عمر ديابي رئيس «فرقة الغرباء» في إدلب (أرشيفية - فرنس بلو)

مواجهة بين أمن إدلب وعناصر من «فرقة الغرباء» الفرنسيين

أفادت قيادة الأمن الداخلي في محافظة إدلب بمواجهةٍ بين دورية تابعة لها ومجموعة مسلحة من «مخيم الفرنسيين» جرت الأربعاء باتجاه منطقة حارم بريف إدلب...

«الشرق الأوسط» (إدلب (سوريا))
المشرق العربي عناصر من الجيش السوري يقفون على مركبة عسكرية (رويترز)

القوات السورية تعلن مقتل مُسلح فرنسي خلال تبادل لإطلاق النار

أعلنت قوات الأمن السورية، اليوم الأربعاء، مقتل إرهابي فرنسي خلال تبادل لإطلاق نار مع عناصرها في محافظة إدلب في شمال غربي البلاد.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي أطفال يعودون إلى منازلهم بعد يوم دراسي في دمشق (أ.ف.ب)

تعديلات على كتب في المنهج التعليمي الرسمي في سوريا يثير انتقادات

أثارت تعديلات على كتب في المنهج التعليمي الرسمي في سوريا -شملت حذف صور نساء، وتغيير لباس، وحذف أعمال فنية- انتقادات على نطاق واسع، إذ أحيت المخاوف بشأن الحريات.

«الشرق الأوسط» (دمشق)

كيف يمكن تعويض سنوات التعليم الضائعة من أطفال غزة؟

أطفال فلسطينيون يصطفون في اليوم الأول من العام الدراسي الجديد في مدرسة تديرها الأمم المتحدة في النصيرات وسط قطاع غزة يوم 19 سبتمبر 2026 (أ.ب)
أطفال فلسطينيون يصطفون في اليوم الأول من العام الدراسي الجديد في مدرسة تديرها الأمم المتحدة في النصيرات وسط قطاع غزة يوم 19 سبتمبر 2026 (أ.ب)
TT

كيف يمكن تعويض سنوات التعليم الضائعة من أطفال غزة؟

أطفال فلسطينيون يصطفون في اليوم الأول من العام الدراسي الجديد في مدرسة تديرها الأمم المتحدة في النصيرات وسط قطاع غزة يوم 19 سبتمبر 2026 (أ.ب)
أطفال فلسطينيون يصطفون في اليوم الأول من العام الدراسي الجديد في مدرسة تديرها الأمم المتحدة في النصيرات وسط قطاع غزة يوم 19 سبتمبر 2026 (أ.ب)

يواجه أطفال قطاع غزة، بعد نحو ثلاث سنوات من الحرب، مساراً طويلاً لاستعادة ما فاتهم من التعليم، في ظل فجوات في القراءة والكتابة والحساب، ومدارس مدمّرة، وأعباء نفسية ومعيشية تعرقل انتظام الدراسة.

ويرى خبيران تحدثا إلى «الشرق الأوسط»، أن معالجة ما فقده أطفال غزة قد تتطلب برامج تمتد لسنوات، تبدأ بتحديد ما يعرفه كل طفل وما يحتاج إلى تعلّمه.

مشاكل القراءة والكتابة

خلال وجوده في غزة، عاين الدكتور أحمد كمال جنينة، رئيس قسم اللغة الإنجليزية في جامعة الأقصى بغزة، آثار انقطاع أطفال القطاع عن التعليم من خلال تجربته مع أبنائه، وحديثه مع أقارب وأولياء أمور التلاميذ ليكتشف أن أبرزها عجز الأطفال عن القراءة والكتابة من الأساس.

ويقول جنينة الذي يشارك كزميل مقيم في معهد رادكليف للدراسات المتقدّمة بجامعة هارفارد الأميركية لـ«الشرق الأوسط»: «أرى أننا أمام فاقد تعليمي عميق يتراكم مع مرور الوقت، ويتفاوت حجمه من طفل إلى آخر».

وتحمل العودة إلى الدراسة، بعد نحو ثلاث سنوات من الحرب في قطاع غزة، أسئلة عن مستوى الأطفال الفعلي، وما تتيحه ساعات التعليم المتاحة، وكيفية بناء برامج تساعدهم على متابعة دراستهم دون أن تتراكم فجوات جديدة.

وتشمل الفجوات مهارات تعلّمها الأطفال ثم ضعفت بسبب غياب الممارسة، وأساسيات لم تُتح لآخرين فرصة اكتسابها أصلاً. ومع الانتقال الإداري إلى صفوف أعلى، قد يبقى ضعف القراءة عائقاً أمام متابعة مواد أخرى، فتتراكم صعوبات جديدة فوق ما لم يُعالج من قبل. وتُضاف إلى ذلك خسارة الروتين المدرسي والتفاعل اليومي مع المعلّمين والأقران، وما يتيحه هذا التواصل من علاقات وتجارب تسهم في تكوين الشخصية وتنمية المهارات الاجتماعية والحياتية، وفقاً لجنينة.

طلاب فلسطينيون خلال حصة فنية في مدرسة أُنشئت بدعم من منظمة «يونيسف» داخل مخيم للنازحين في بلدة القرارة بمدينة خان يونس عام 2025 (أ.ف.ب)

وفي مؤشر إلى محدودية فرص التعلّم، يستشهد جنينة بمسح أجرته «يونيسف» بين ديسمبر (كانون الأول) 2025 ويناير (كانون الثاني) 2026، وشمل 2071 أسرة في غزة. وأظهر أن 68 في المائة من الأطفال بين الخامسة والحادية عشرة شاركوا في أنشطة تعليمية لمدة ثلاثة أشهر أو أقل منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2023 وحتى إجراء المسح. وتصف هذه النسبة مدة المشاركة في التعليم، أما تحديد مقدار التراجع في المهارات، فيحتاج إلى تقييم مباشر.

احتياجات تسبق الاستفادة من الدرس

وقد تتعثر استفادة الطفل من التعليم بسبب احتياج صحي أو نفسي لم يُنتبه إليه. هنا، يستحضر جنينة تجربة وثّقتها منظمة «وور تشايلد»، المتخصصة في دعم الأطفال المتأثرين بالحروب ومقرّها هولندا، لطفل فلسطيني يبلغ من العمر 7 سنوات يدعى «كريم»، في دير البلح وسط القطاع.

بعد فقدان والده ومنزله، واجه كريم صعوبة في المشاركة والبقاء في مركز التعلّم، ومع الدعم النفسي والأنشطة الجماعية والتعليم التعويضي، وتوفير نظّارات لمعالجة صعوبة بصرية، بدأ يشارك بثقة أكبر.

وفي تحليل لجنينة، تُبيّن هذه الحالة أهمية معالجة احتياجات قد تتوقف عليها قدرة الطفل على التفاعل مع المعلّم والاستفادة من الدرس.

أطفال فلسطينيون نازحون يشاركون في جلسات دعم نفسي داخل مرسم يستخدم حيوانات أليفة وطيوراً في بلدة الزوايدة وسط قطاع غزة عام 2026 (أ.ف.ب)

وتَرِد مؤشرات أخرى في مسح «يونيسف»، الذي أبلغ فيه أهالٍ عن اضطرابات نوم وانسحاب اجتماعي وتغيّرات سلوكية لدى أطفالهم، بما يستدعي مراعاة احتياجاتهم النفسية والاجتماعية عند استعادة الدراسة.

ويقول جنينة: «أعتقد أنه لا يمكن فهم ما يواجهه الطفل داخل الصفّ بمعزل عن ظروف حياته خارجه»، فمكان النوم، والشعور بالأمان، وتوافر مساحة للدراسة، وشخص يساعد في متابعة الدروس، كلها عوامل تدخل في قدرته على التركيز والاستمرار.

وقد عاين الدكتور جنينة أثر غياب الاستقرار أيضاً لدى طلبته الجامعيين؛ فمنهم من عرقل النزوح المتكرر دراسته، ومنهم من انتظر الليل بحثاً عن الهدوء، وسط صعوبات تأمين الإنترنت وشحن الهواتف والوصول إلى المواد التعليمية. وهذه شهادات تخصّ التعليم الجامعي، لكنها توضح جانباً من المشقة التي بات يتطلّبها الوصول إلى الدرس قبل البدء بمتابعته وفهمه.

تجربة سابقة وحدود المقارنة

توجد خبرات سابقة تشير إلى إمكان تحقيق تقدّم في المهارات الأساسية عبر التعليم التعويضي. ومن بينها برنامج وثّقته «يونيسف» عام 2021، وأكمله خمسة آلاف طفل من الصفوف الأول إلى الرابع في غزة، ارتفع فيه متوسط نتائج اختبار الرياضيات من 37 في المائة قبل البرنامج إلى 95.5 في المائة بعده، بحسب المثال الذي يستحضره جنينة.

لكن الفارق بين ظروف تلك التجربة والواقع الراهن يمنع استخدامها لتحديد مدة التعويض اليوم. ويشرح جنينة: «نتعامل مع نظام تعليمي فقد معظم مدارسه ومرافقه، إلى جانب ما تعرّض له المعلّمون والأطفال وأُسرهم من قتل ونزوح وفقدان وجوع وظروف معيشية قاسية. ولذلك لا يمكن القياس على تجربة عام 2021 لتقدير المدة التي يحتاج إليها الأطفال للتعافي من آثار الحرب الحالية».

وتبقى قيمة التجربة في إظهار إمكان الاستفادة من التدخّلات التعويضية، مع الاستعداد لبرامج تمتد لسنوات، تُراجَع أهدافها ونتائجها باستمرار. ويحذّر جنينة من أن يتحوّل العمل إلى سباق لإنهاء المناهج وإجراء الامتحانات وترفيع الطلبة: «فالغاية هي أن يتعلّم الطفل فعلاً ويمتلك المهارات التي يحتاج إليها لمواصلة تعليمه دون أن تتراكم عليه فجوات جديدة».

أطفال فلسطينيون يحملون حقائبهم المدرسية ويسيرون بين خيام مؤقتة في مدينة غزة يوم 28 أكتوبر 2026 (د.ب.أ)

المعلّمون وشركاء التعافي

تحتاج هذه البرامج إلى معلّمين قادرين على الاستمرار في عملهم، بينما يعيشون هم أنفسهم ظروف الحرب والنزوح والفقدان والضغوط المعيشية والنفسية. ويضع جنينة توفير دخل مستقر ودعم نفسي ومهني لهم في صلب استعادة التعليم، حتى يستطيعوا متابعة الأطفال والتعامل مع التجارب القاسية التي مرّوا بها.

وتبقى الأولوية لتحقيق التعافي، وفق جنينة، «وقف الاعتداءات والقتل المستمر، وضمان سلامة الأطفال والمعلّمين، وتوفير أماكن آمنة يمكنهم الوصول إليها والتعلّم فيها». ويرى أنه بالتوازي مع مواصلة التعليم في المساحات المؤقتة، لا بدّ من إصلاح المدارس المتضررة وتلبية الاحتياجات الأساسية للأطفال بما يُمكّنهم من الانتظام في الدراسة.

أما وضع الخطط وتنفيذها، فيقتضي مشاركة أساسية من أصحاب الخبرة المحلية. وفي تعبير جنينة: «والأهم أن يكون للمعلّمين والمؤسسات التعليمية الفلسطينية دور أساسي في وضع خطط التعافي وتنفيذها، بمشاركة أهالي الطلبة، فهم الأعرف باحتياجات الأطفال وبالظروف التي يعيشونها».

حين تُستهلك الحصة في المراجعة

وفي تفاصيل العمل اليومي داخل الصفوف والمساحات المؤقتة، تظهر عقبات أمام تحويل خطط التعويض إلى تقدّم مستمر. ويشرح رائد أبو مخدة، المتخصص في الإدارة المدرسية والتعليم في ظروف الطوارئ، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، كيف يعطّل غياب أيام الدوام المتواصلة البناء على ما يتعلّمه الأطفال.

ويصف أبو مخدة ذلك بقوله: «نبدأ مهارة، ثم ينقطع الحضور، فنعود إلى مراجعتها بدل البناء عليها. ويصبح جزء كبير من الوقت المتاح مخصصاً لاستعادة ما سبق شرحه».

أطفال فلسطينيون يجلسون في فصلهم الدراسي في اليوم الأول من العام الدراسي الجديد داخل مدرسة تديرها الأمم المتحدة في النصيرات بوسط قطاع غزة يوم 19 سبتمبر 2026 (أ.ب)

لذلك، لا يكفي عدّ أيام الغياب لتقدير ما خسره الطفل. فأيام الحضور نفسها قد تكون قصيرة ومتباعدة، أو يصل فيها الطفل مرهقاً أو جائعاً أو خائفاً، فتضعف استفادته من الوقت المتاح، وفق أبو مخدة.

وفي المساحات المؤقتة، يواجه المعلّم قيوداً إضافية؛ يوضح أبو مخدة: «الضوضاء وتقارب المجموعات قد يجعلان الاستماع والتركيز صعبين، ويحدّ ضيق المكان من الأنشطة والعمل في مجموعات ومتابعة كل طفل». ويشير إلى افتقار الخيام إلى الحماية المناسبة من تقلّبات الطقس، وقد تنقصها المقاعد والسبورة والكتب والوسائل التعليمية والمرافق الصحية الملائمة.

أما اختصار الدوام فيقلّص وقت الشرح والتدريب والتقييم، وقد ينتهي الدرس قبل التأكد من فهم الأطفال أو مساعدة المتعثرين. ويلخّص أبو مخدة حدود هذه الاستجابة بقوله: «الخيمة قد توفر مكاناً للدرس، لكنها لا توفر وحدها مقوّمات مدرسة قادرة على معالجة فاقد متراكم».

مجموعات بحسب المهارة

تبدأ المعالجة، في التصوّر الذي يطرحه أبو مخدة، بتقييم تشخيصي للقراءة والكتابة والحساب، ثم توزيع الأطفال على مجموعات بحسب مستوى المهارة، وتقديم تعليم علاجي منتظم بأهداف محدّدة ومتابعة مستمرة.

ويقتضي ذلك تدريب المعلّمين على التعامل مع تفاوت المستويات، وتوفير مواد تعليمية مناسبة، وإتاحة وقت كافٍ للتدريب والتحقق من الفهم. فلا يصحّ افتراض امتلاك الطفل مهارات الصف الذي وصل إليه بحسب عمره، قبل معرفة ما يستطيع إنجازه فعلياً.

وتختلف القدرة على التعويض بحسب العمر والمستوى السابق وطول الانقطاع والظروف النفسية والمعيشية؛ فقد تتحسّن مهارات محددة خلال أشهر إذا توافر انتظام حقيقي، فيما قد تستغرق معالجة الفجوات المتراكمة عدة سنوات. وهي تقديرات تربوية مشروطة، بحسب أبو مخدة، لا مواعيد مضمونة لإنجاز التعافي.

ويظل استمرار الدراسة شرطاً للحفاظ على أي تقدّم: «استمرار الانقطاع يعني أن الطفل يحاول التعويض بينما يتكوّن لديه فاقد جديد»، بحسب أبو مخدة.

طالب فلسطيني ينظر إلى داخل فصله الدراسي في أثناء حضوره اليوم الأول من العام الدراسي الجديد في مدرسة تديرها الأمم المتحدة في النصيرات وسط قطاع غزة يوم 19 سبتمبر 2026 (أ.ب)

مَن يواجه الخطر الأكبر؟

تترك الفجوات آثاراً مختلفة تبعاً للمرحلة العمرية؛ ففي الصفوف الأولى، يمتد ضعف المهارات التأسيسية إلى بقية المواد، ويصبح فهم السؤال نفسه عقبة أمام متابعة الدرس أو أداء الاختبار. وبعبارة أبو مخدة: «الطفل الذي لا يستطيع قراءة السؤال لن يتمكن من إظهار معرفته حتى إن كان يفهم بعض محتواه».

أما الطلبة الأكبر سناً، فقد تدفعهم الحاجة إلى العمل أو المسؤوليات الأسرية أو فقدان الأمل في استكمال الدراسة إلى الابتعاد النهائي عن التعليم، وفق أبو مخدة الذي يشير إلى أن الأطفال ذوي الإعاقة، ومن تعرّضوا لإصابات أو فقدان أو نزوح متكرر، يواجهون صعوبات إضافية مع نقص الخدمات المتخصصة. ولهذا، يرى أن برامج التعويض تحتاج إلى متابعة المنقطعين والمعرّضين للتسرّب، وتقييم النجاح بما أصبح الطفل قادراً على قراءته وكتابته وفهمه، إلى جانب متابعة انتظامه واستمراره، دون الاكتفاء بأعداد المسجّلين والحصص المنفّذة.

ويختصر أبو مخدة شروط هذا العمل بقوله: «التعويض يحتاج إلى وقت واستقرار وموارد، والحديث عن التعافي التعليمي دون توفير هذه الشروط يحمّل الأطفال والمعلّمين مسؤولية ظروف لا يملكون تغييرها».


الشرع يفتح أبواباً للشراكة مع بغداد

رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي خلال زيارة للمسجد الأموي في دمشق أمس بصحبة عدد من المسؤولين العراقيين والسوريين (الحكومة العراقية)
رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي خلال زيارة للمسجد الأموي في دمشق أمس بصحبة عدد من المسؤولين العراقيين والسوريين (الحكومة العراقية)
TT

الشرع يفتح أبواباً للشراكة مع بغداد

رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي خلال زيارة للمسجد الأموي في دمشق أمس بصحبة عدد من المسؤولين العراقيين والسوريين (الحكومة العراقية)
رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي خلال زيارة للمسجد الأموي في دمشق أمس بصحبة عدد من المسؤولين العراقيين والسوريين (الحكومة العراقية)

فتح الرئيس السوري أحمد الشرع أبواباً للشراكة مع بغداد، واستقبل في دمشق أمس، رئيس الوزراء العراقي، علي فالح الزيدي.

وتعدّ زيارة الزيدي الأولى من نوعها لرئيس وزراء عراقي منذ سقوط نظام الأسد. وقالت مصادر مطلعة في دمشق إنها تشكّل «منعطفاً جوهرياً» في علاقات البلدين، في وقت تشير فيه المعطيات إلى توجه دمشق وبغداد نحو شراكة استراتيجية تخدم المصالح الاقتصادية والأمنية.

وسعى الزيدي إلى إظهار التقارب المذهبي عبر زيارته الجامع الأموي ومرقد السيدة زينب، وتبرعه من «حسابه الشخصي» بـ10 ملايين دولار لاحتياجات المعلمين الدينيين بالمناصفة.


سادس هجوم حوثي على مطار عدن

مقاتل من القوات الحكومية اليمنية يطلق النار من رشاش مثبت على دراجة نارية باتجاه الحوثيين (أ.ف.ب)
مقاتل من القوات الحكومية اليمنية يطلق النار من رشاش مثبت على دراجة نارية باتجاه الحوثيين (أ.ف.ب)
TT

سادس هجوم حوثي على مطار عدن

مقاتل من القوات الحكومية اليمنية يطلق النار من رشاش مثبت على دراجة نارية باتجاه الحوثيين (أ.ف.ب)
مقاتل من القوات الحكومية اليمنية يطلق النار من رشاش مثبت على دراجة نارية باتجاه الحوثيين (أ.ف.ب)

استهدفت الميليشيات الحوثية مطار عدن الدولي بصاروخين باليستيين، أمس، في سادس اعتداء عليه خلال أيام، ما أسفر عن وقوع إصابات بين المدنيين وأضرار مادية.

وأوضحت القوات المسلحة اليمنية، في بيان، أن هذا الاعتداء يؤكد استمرار نهج الميليشيات العدائي وانتهاكاتها السافرة.

ودخلت عملية «فجر اليمن»، أمس، يومها الرابع والعشرين، مع تصاعد القتال في الجبهات الجنوبية لمدينة تعز، واستمرار المعارك في جبهاتها الغربية، وتوسع العمليات العسكرية إلى محور باب المندب.

واتسعت التداعيات الإنسانية للتصعيد الحوثي في اليمن، مع تكثيف الجماعة استهداف التجمعات السكنية بريف محافظة لحج ومحيط تعز. وأفاد «تحالف دعم الشرعية» في اليمن بأن الدفاع الجوي السعودي اعترض ودمّر صاروخاً باليستياً أطلقه الحوثيون باتجاه محافظة الطائف.