السر في قلة المشكلات والتكاليف... أعداد متزايدة من العراقيين يتزوجون بسوريات

لا يقتصر الأمر على زواج العراقيين بسوريات بل هناك من السوريين من يقترن أيضاً بعراقيات (رويترز)
لا يقتصر الأمر على زواج العراقيين بسوريات بل هناك من السوريين من يقترن أيضاً بعراقيات (رويترز)
TT

السر في قلة المشكلات والتكاليف... أعداد متزايدة من العراقيين يتزوجون بسوريات

لا يقتصر الأمر على زواج العراقيين بسوريات بل هناك من السوريين من يقترن أيضاً بعراقيات (رويترز)
لا يقتصر الأمر على زواج العراقيين بسوريات بل هناك من السوريين من يقترن أيضاً بعراقيات (رويترز)

يداعب سلام ماهر طفليه في حديقة منزله التي جهزها بأرجوحة وألعاب أخرى، ويرد الطفلان على أبيهما بخليط من اللهجتين العراقية والسورية.

هذه اللهجة الهجين التي استقاها الطفلان من أحاديث أمهما السورية وأبيهما العراقي كانت محببة جداً إلى نفسه، وفقاً لتقرير لـ«وكالة أنباء العالم العربي».

اقترن ماهر (44 عاماً) بامرأة سورية خلال إحدى زياراته المتكررة إلى سوريا. يقول وهو يضع يده خلف رأسه: «أُعجبت كثيراً بطبيعة المجتمع السوري وطابع المرأة السورية».

قبل 4 سنوات، أتمّ ماهر زواجه في دمشق، وأحضر معه زوجته إلى العراق ليسكنا معا في منزلهما بمحافظة واسط الواقعة على مسافة 180 كيلومتراً إلى الجنوب من بغداد. ويقول إنه لم يجد صعوبة في موافقة أهل الزوجة، لأن «تلك كانت رغبتها فاحترموها».

ويفسر ذلك في حديثه لـ«وكالة أنباء العالم العربي» بقوله: «السوريون يمرون الآن بأزمة اقتصادية ومالية شديدة، لذلك يسعون لتأمين حياة كريمة لبناتهم، سواء كان المتقدم للزواج عراقياً أم من جنسية عربية أخرى. ما يهم فقط هو حسن خُلق الزوج».

وينوّه إلى تقارب ثقافة البلدين: «فلا يجد أي فرد من الشعبين صعوبة في الانسجام والتأقلم مع الآخر».

وفي حين تعاني سوريا وضعاً معيشياً صعباً، يعيش العراق حالة من الاستقرار الاقتصادي بعد عقود من العقوبات والحروب. ويحرص الكثير من العراقيين على زيارة سوريا سنوياً للاصطياف وزيارة الأضرحة والعلاج أحياناً، وأثمرت تلك الزيارات العديد من حالات الزواج بين أبناء الشعبين.

البحث عن حياة أفضل

ذكرت اللجنة الدولية للصليب الأحمر في يونيو (حزيران) الماضي أن نحو 90 في المائة من السوريين يعيشون اليوم تحت خط الفقر وأن أكثر من 15 مليون سورية بحاجة إلى مساعدات إنسانية.

وأسهم انتعاش الوضع الاقتصادي للعراق واستقراره النسبي في لجوء الكثير من السوريين إلى البلد المجاور بحثاً عن عمل، لا سيما بعد أن تعثرت طرق سفرهم وتعذر لجوؤهم إلى أوروبا وأستراليا والولايات المتحدة وغيرها منذ اندلاع الصراع في بلدهم قبل 12 عاماً.

ويرى فهد علي، وهو عراقي من بغداد متزوج بسوريّة، أن العائلات السورية تفضّل تزويج بناتها من شباب عراقيين لأنها تجدهم أهلاً للمسؤولية، وبدافع الحفاظ على بناتها وحمايتهن من العوز.

ويقول علي (37 عاماً): «الوضع المادي المتدهور في سوريا يجعل العيش في العراق بالنسبة للفتاة السورية أكثر استقراراً ورفاهية؛ لأن وضع العراق الاقتصادي حالياً أفضل بكثير من البلد الجار، خلافاً للسابق».

ويضيف متحدثاً عن تجربته: «خلال زيارتي سوريا تعرفت على رجل سوري، وبعد أن تطورت علاقتي به زرته في بيته، وتعرفت على أسرته، ثم تطور الوضع بعدها إلى طلب يد إحدى بناته الثلاث، فوافق على الفور».

سوريون يتزوجون أيضاً بعراقيات

لا يقتصر الأمر على زواج العراقيين بسوريات، فهناك من السوريين من يقترن أيضاً بعراقيات.

وفي أربيل عاصمة كردستان الواقعة على مسافة نحو 370 كيلومتراً شمال بغداد، يسكن السوري أيهم حسن (43 عاماً) مع زوجته العراقية القادمة من مدينة النجف جنوب بغداد ويعمل في بيع العطور.

يتحدث حسن لـ«وكالة أنباء العالم العربي» قائلاً: «تعرفت على زوجتي خلال زيارتها دمشق مع عائلتها عام 2018، حيث تعرفت بالصدفة إلى العائلة هناك، وقدمت لها بعض الخدمات، ووفرت لها بعض الاحتياجات ما عزز ارتباطي بالأسرة، ودفعها للتواصل معي وحثّي على القدوم إلى العراق».

ويشير حسن إلى أن الوصول إلى إقليم كردستان العراق كان بالنسبة له أسهل بكثير من بغداد والمحافظات الأخرى، فقرر القدوم إلى أربيل والبحث عن عمل، وهناك حدث لقاء آخر قرر خلاله التقدم رسمياً لخطبة زوجته الحالية.

ويضيف: «بعد الزواج فضّلنا أنا وزوجتي البقاء هنا رغم أن آلية الحركة تيسرت، وأصبح بإمكاني الذهاب إلى أي منطقة في العراق».

ويخطط حسن الآن للحصول على الجنسية العراقية بالاستفادة من القانون العراقي الذي يتيح للزوج والزوجة غير العراقيين الحصول عليها بعد 5 أعوام من الإقامة، وهو أمر سيتحقق بعد بضعة شهور.

ويعد إقليم كردستان العراق قبلة محببة للسوريين؛ نظراً لقلة التكاليف وسهولة الحصول على عمل وإقامة، قد تنتهي أحياناً بالاستقرار والزواج، ناهيك عن حرية فتح مشاريع تجارية وحرية العمل بصفة عامة.

وكان وزير الخارجية العراقي فؤاد حسين قد كشف مؤخراً في تصريحات على هامش مؤتمر عُقد في بروكسل تحت عنوان (مستقبل سوريا والمنطقة) عن أن إقليم كردستان العراق يستضيف على أراضيه قرابة 260 ألف مواطن سوري، في حين تشير إحصاءات ومصادر أخرى إلى أن عددهم يتجاوز نصف مليون نسمة.

مهنة وسطاء الزواج

يبدو أن المصادفة والرغبة ليستا العاملَين الوحيدين وراء مثل هذه الزيجات، فالوساطة لإتمام أمر الزواج أصبحت عملاً رائجاً للبعض.

ويكشف زين حسام، وهو أحد العاملين في شركات السياحة والسفر، أن «الزواج من سوريات يجري وفق طريقتين؛ إما من خلال العلاقة المباشرة والتقدّم لأهل الفتاة وخطبتها رسميا كما هي الحال في العراق، وإما يحدث عن طريق وساطة».

ويوضح حسام (31 عاماً): «الوسطاء أو الوسيطات في الغالب يكونون سوريين، هدفهم الأول هو الحصول على المال، ولا يشترط بعضهم حتى إجراء عقد رسمي في المحكمة، لذلك تجد الكثير من تلك الزيجات غير مسجلة».

وكانت تقارير صحافية قد تحدثت عن أن منطقة السيدة زينب ذات الأغلبية الشيعية بجنوب دمشق تحولت إلى مركز جذب لزواج العراقيين من سوريات عبر وسطاء وشركات تسهل هذه الزيجات لقاء عمولات أو مقابل مالي.

ومن المعروف أن العراقيين يزورون تلك المنطقة بأعداد كبيرة كنوع من السياحة الدينية التي ربما اتسع نطاقها لتشمل أغراضاً أخرى.

زواج أسهل وتكاليف أقل

يُرجع الباحث الاجتماعي محمد المولى أسباب توجه العراقيين من سوريات إلى «سهولة الزواج وقلة تكاليفه، إضافة إلى التناغم المجتمعي بين الشعبين والرغبة في التغيير والخروج عن المألوف».

ويضيف: «ليس الزواج فقط ما يتميز بالسهولة، حتى الطلاق أيضاً. فمتى ما وَجد الزوجان أنهما غير متفقين ستكون الشروط سهلة للانفصال مقارنة بالتعقيدات الموجودة في زواج العراقي من عراقية».

ويمضي قائلاً: «العراقيون إضافة إلى هذا عاطفيون، فثمة تعاطف اجتماعي تجاه سوريا لأسباب مختلفة بينها الظروف المتشابهة التي مر بها البلدان، وهو ما يدفع بعض العراقيين للمرور عبر بوابة الزواج من سوريات».

ويتفق مع الرأي الخبير القانوني عدنان الشريفي الذي يشير إلى أن قوانين الزواج السورية، ربما كانت أكثر تساهلا مقارنة بالتشريعات المماثلة في العراق ما يشجع على إتمام مثل هذه الزيجات.

يقول: «القانون العراقي يضع قيوداً في حال تعدد الزوجات، فهو يوجب على الزوج إثبات المقدرة المالية بالإضافة لموافقة الزوجة الأولى، في حين لا يحتاج العراقي في سوريا إلى ذلك».

أما الباحثة الاجتماعية ابتسام الشمري فترى أسباباً سياسية وراء ارتباط العراقيين بسوريات، وتتحدث عن انتماء بعضهم إلى تيارات وتنظيمات سياسية أو مسلحة تشجعهم على ذلك.

وتستدرك خلال حديثها: «لكن ذلك لا يجعلنا نغفل العامل الاقتصادي الذي زاد من تلك الزيجات، كونه يؤمن للزوجة معيشتها ومعيشة عائلتها أحياناً».

وتضيف: «ارتفاع حالات الطلاق في العراق وتداعياتها من مشكلات دفع كثيرين للإحجام عن تكرار الزواج من عراقيات، وبات اللجوء للزواج من سوريات هو البديل الأنسب للبعض نظراً لقلة التكاليف والانفصال دون مشكلات في حال عدم التوافق».

أما من الناحية القانونية، فيؤكد المحامي علي عادل على أن الزواج بسورية أمر قانوني يمكن تسجيله في المحاكم العراقية بصيغة سليمة، مضيفاً: «الشروط التي تسري على الزواج من عراقية تُطبق هي نفسها على السورية، كوجوب حضور الشهود عقد القران وتسجيل المقدم والمؤخر».

ويشير إلى أن عملية تسجيل إقامة الزوجة في العراق تجري بصورة رسمية: «لكن ما يحدث هو أن الكثير من تلك الزيجات غير مسجلة داخل المحاكم، لذلك لا توجد إحصاءات رسمية كون التسجيل يتطلب إجراءات وتوثيقاً للعقود، وهذا يحتاج إلى مراجعات وموافقات».

ويضيف: «تلك القوانين تسري على الزوج أو الزوجة، لا فرق في ذلك».


مقالات ذات صلة

المشرق العربي السائح الصيني هان مينجي (السويداء 24)

العثور على المواطن الصيني الذي اختفى في السويداء

كشفت مصادر إعلامية محلية أن المواطن الصيني المختفي كان محتجزاً لدى إحدى الجهات الأمنية السورية، وجرى تسليمه لسفارة بلاده ليتم ترحيله إلى الصين.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي مسؤول السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي جوزيب بوريل (أ.ف.ب)

مجموعة أوروبية تدعو إلى مراجعة سياسة التكتل نحو سوريا

دعت مجموعة مكونة من ثماني دول أعضاء في الاتحاد الأوروبي إلى إعادة النظر في علاقات التكتل مع سوريا بسبب الأعداد الهائلة من اللاجئين التي تتدفق من البلاد.

«الشرق الأوسط» (بروكسل )
المشرق العربي متداولة لطريق ريف دمشق الغربي المؤدي إلى بلدة كناكر

«الرفض» العنوان الأبرز للتسوية في كناكر بريف دمشق

لا يزال الرفض هو العنوان الأبرز للتسوية التي تسعى السلطات السورية، بالتعاون مع جهات محلية، إلى فرضها في بلدة كناكر بريف دمشق الغربي قريباً من محافظة القنيطرة.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي خريطة انتشار القوات الخارجية في سوريا منتصف 2023 - 2024 (مركز «جسور»)

إيران لا تزال صاحبة النفوذ الأكبر على الأرض السورية

شهدت خريطة انتشار الوجود العسكري الأجنبي في سوريا «انخفاضاً محدوداً» بين منتصف عامَيْ 2023 و2024، حسب التحديث السنوي لمركز «جسور للدراسات».

«الشرق الأوسط» (لندن)

فصائل عراقية تتبنى هجوماً على «إيلات»

صورة إطلاق طائرة مسيّرة من فيديو نشرته «المقاومة الإسلامية في العراق» عبر «تيليغرام»
صورة إطلاق طائرة مسيّرة من فيديو نشرته «المقاومة الإسلامية في العراق» عبر «تيليغرام»
TT

فصائل عراقية تتبنى هجوماً على «إيلات»

صورة إطلاق طائرة مسيّرة من فيديو نشرته «المقاومة الإسلامية في العراق» عبر «تيليغرام»
صورة إطلاق طائرة مسيّرة من فيديو نشرته «المقاومة الإسلامية في العراق» عبر «تيليغرام»

قالت المجموعة التي تطلق على نفسها «المقاومة الإسلامية في العراق»، الأربعاء، إنها هاجمت «هدفاً حيوياً» في إيلات جنوبَ إسرائيل بالطيران المسيَّر، في حين أعلن الجيش الإسرائيلي إسقاط طائرتين دون طيار حاولتا اختراق المجال الجوي من شرق البلاد.

جاء هجوم المجموعة العراقية المسلحة بعد أسبوع من إطلاق جماعة الحوثي صواريخ باليستية ضد أهداف «حيوية» في إيلات، إلى جانب السفينة الأميركية (بومبا) في البحر الأحمر وإصابتها.

وأدَّت هجمات جماعة الحوثي المتحالفة مع إيران إلى تعطيل طريق ملاحي حيوي للتجارة بين الشرق والغرب، وتحول إلى مسار شحن أطول بتكاليف شحن مرتفعة، إلى جانب ازدحام في الموانئ الآسيوية والأوروبية.

وقالت «المقاومة العراقية»، في بيان نشرته منصة «تيليغرام» يحمل اسم المجموعة، إنها «ستواصل دكَّ معاقل الأعداء بوتيرة متصاعدة نُصرة لأهلنا في فلسطين، ورداً على المجازر التي يرتكبها الكيان بحق المدنيين من أطفال ونساء وشيوخ».

وتضم «المقاومة الإسلامية في العراق» مجموعة فصائل عراقية موالية لطهران، ورغم أن أي فصيل لم يعلن انضمامه لهذه المجموعة، فإن تقارير تفيد بأن حركة «النجباء» و«كتائب حزب الله» تشكلان القوام الأساسي لـ«المقاومة».

وقبل أن تتبنى «المقاومة العراقية» الهجوم على إيلات، كان الجيش الإسرائيلي أعلن أن طائراته المقاتلة أسقطت طائرتين من دون طيار كانتا متجهتين إلى إسرائيل من شرق البلاد، الليلة الماضية.

وأضاف الجيش أن الطائرتين من دون طيار لم تعبرا المجال الجوي الإسرائيلي، حسب صحيفة «تايمز أوف إسرائيل»، اليوم (الأربعاء).

ومنذ أسابيع، نفذت جماعة الحوثي و«المقاومة الإسلامية في العراق»، للمرة الأولى منذ 7 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، هجمات مشتركة ضد أهداف إسرائيلية.

تزامن هذا النوع الجديد من الهجمات مع تصاعد مخاطر نشوب حرب أوسع بين «حزب الله» اللبناني وإسرائيل، فيما كانت الفصائل العراقية تتعهد بمساندة «المقاومة» في لبنان، وحظي هذا الموقف بدعم طهران.

والأسبوع الماضي، تعرضت قاعدة «عين الأسد» غرب العراق إلى هجوم بطائرتين مسيرتين، بعد هدنة أبرمت في فبراير (شباط) الماضي، بعد وساطة أبرمها رئيس الوزراء محمد شياع السوداني.