لودريان في لبنان الشهر المقبل في مهمة «الفرصة الأخيرة»

المعارضة تستبق جولته برفض أي تحاورٍ مع «حزب الله» وحلفائه

الموفد الرئاسي لودريان خلال زيارته الأخيرة للبنان في لقاء مع رئيس «القوات» سمير جعجع (المركزية)
الموفد الرئاسي لودريان خلال زيارته الأخيرة للبنان في لقاء مع رئيس «القوات» سمير جعجع (المركزية)
TT

لودريان في لبنان الشهر المقبل في مهمة «الفرصة الأخيرة»

الموفد الرئاسي لودريان خلال زيارته الأخيرة للبنان في لقاء مع رئيس «القوات» سمير جعجع (المركزية)
الموفد الرئاسي لودريان خلال زيارته الأخيرة للبنان في لقاء مع رئيس «القوات» سمير جعجع (المركزية)

كان واضحا لكل من شارك في الاجتماع الأخير للدول الخمس المهتمة بالشأن اللبناني الذي عقد في العاصمة القطرية أخيرا أن ثمة خيطا رفيعا يفصل المجتمع الدولي عن التخلي عن مساعيه لمساعدة القيادات اللبنانية في حل أزماتهم السياسية والمالية والاقتصادية «ما لم يساعدوا أنفسهم أولا»، وأن ثمة مؤشرات على قرب انتهاء الصبر على «تقاعس اللبنانيين» وعدم قدرتهم على التوافق على مسار للخروج من الأزمة.

وقد خرق الموفد الفرنسي جان إيف لودريان العطلة الصيفية للمساعي السياسية بكتابة سؤالين طرحهما شفهيا على القيادات السياسية التي التقاها في يوليو (تموز) الماضي، مطالبا بأجوبة حولهما قبل عودته إلى لبنان منتصف الشهر المقبل، حيث من المقرر أن يعقد لقاء جامعا مع الكتل السياسية المتمثلة في مجلس النواب سيكون «أقل من حوار... وأقل من مبادرة».

الرسالة التي بعث بها لودريان إلى النواب اللبنانيين (مواقع التواصل)

وقالت مصادر دبلوماسية فرنسية في بيروت لـ«الشرق الأوسط» إن رسالة لودريان تهدف إلى محاولة الخروج من «الحلقة المفرغة» التي تدور في فلكها التحركات السياسية منذ شغور سدة الرئاسة في الأول من نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي. وتحدثت المصادر عن أن مسعى لودريان سيكون «من آخر محاولات المجتمع الدولي لمساعدة لبنان» محذرة من أن صبر المجتمع الدولي ينفد، وإذا كان السياسيون اللبنانيون لا يريدون مساعدة أنفسهم، فلماذا يتكبد الأصدقاء عناء السعي لحل مشاكل بلادهم، بينما هم يبدون استخفافا بها.

وفي محاولة قد تكون الفرصة الأخيرة، يسعى لودريان لتحريك الجمود السياسي القائم، مستندا إلى دعم الرئيس الفرنسي الكبير لتحركه، ودعم الدول الخمس المهتمة بالشأن اللبناني (المملكة العربية السعودية ومصر وقطر وفرنسا والولايات المتحدة) ولخبرته السياسية الكبيرة في مجال حل النزاعات والتي يأمل أن يستفيد لبنان منها، قبل تخلي الأصدقاء عن فكرة المساعدة.

وكان الموفد الفرنسي طرح على الذين التقاهم في يوليو الماضي نفس السؤالين المتعلقين برأيهم بالمشاريع التي يجب أن تنفذ من قبل الرئيس العتيد، والمواصفات التي يجب أن يتحلى بها. وأوضحت المصادر أن لودريان سيجمع الإجابات التي سيحصل عليها في خطة عمل سوف يطرحها على القيادات اللبنانية في اجتماع موسع ستستضيفه فرنسا في بيروت، على أن تسبقه لقاءات ثنائية سيقوم بها الموفد الفرنسي، موضحة أن لودريان سوف يقوم بجولات مكوكية إلى لبنان خلال تلك الفترة من أجل «القيام بكل ما يلزم لإعطاء الفرصة للحل».

وأشارت المصادر إلى أن اللقاء الجامع الذي سوف يلي اللقاءات الثنائية سوف يشهد عرض خطة العمل التي سيستخلصها الموفد الفرنسي من إجابات القيادات اللبنانية ومن لقاءاته معها، موضحة أن الأمر لن يكون على شكل حوار، لكن قد تتخلله نقاشات وكلمات تبلور خطة العمل المقترحة، معتبرة أن الأمر «سيكون أقرب إلى ورشة العمل منه إلى الحوار».

ويراهن الموفد الفرنسي على نجاحه في تقريب وجهات النظر حول خطة العمل، لإعلان انتهاء دوره وبدء دور البرلمان اللبناني الذي يفترض أن يعقد اجتماعات مفتوحة لانتخاب رئيس جديد للبلاد.

ودعا لودريان في رسالة وجهها إلى الكتل البرلمانية إلى «لقاء يرمي إلى بلورة توافق بشأن التحديات التي يجب على رئيس الجمهورية المقبل مواجهتها والمشاريع ذات الأولوية التي يجب عليه الاضطلاع بها، وبالتالي، المواصفات الضرورية من أجل تحقيقها» مبررا ذلك بـ«الضرورة الملحة للخروج من الطريق المسدود على الصعيد السياسي، الذي يعرض مستقبل بلدكم لمخاطر جمة». وتابع: «يهدف هذا اللقاء الذي يتمحور حصرا حول هذه المسائل إلى توفير مناخ من الثقة وإتاحة اجتماع مجلس النواب في أعقاب ذلك وضمن ظروف مواتية لإجراء انتخابات مفتوحة تتيح الخروج من هذه الأزمة سريعاً». وأضاف: «بهدف التحضير لهذا اللقاء أوجه إليكم هذه الرسالة طالبا منكم بشكل رسمي إجاباتكم الخطية والموجزة قدر المستطاع على السؤالين التاليين: ما هي، بالنسبة إلى فريقكم السياسي، المشاريع ذات الأولوية المتعلقة بولاية رئيس الجمهورية خلال السنوات الست المقبلة؟ وما هي الصفات والكفاءات التي يجدر برئيس الجمهورية المستقبلي التحلي بها من أجل الاضطلاع بهذه المشاريع؟».

وفي المقابل، أعلنت قوى المعارضة في مجلس النواب عن «وضع الإطار السياسي للمواجهة في المرحلة الراهنة»، وقال 31 نائبا يمثلون كتل «القوات اللبنانية» و«الكتائب اللبنانية» وبعض المستقلين في بيان إنه «آن أوان الحسم ولم يعد هناك أي مجال لإضاعة الوقت، أو إلى ترتيب تسويات ظرفية تعيد إنتاج سيطرة حزب الله على الرئاسات الثلاث والبلد، بل بات لزاماً على قوى المعارضة التحري الجاد عن سبلِ تحقيق سيادة الدستور والقانون وصون الحريات على كل الأراضي اللبنانية وحصر السلاح بيد الدولة بقواها العسكرية الشرعية، وعن طرق الوصول إلى سياسة خارجية تعتمد الحياد لحماية لبنان، وإيجاد سبل لإنقاذ القضاء والإدارة والاقتصاد والوضع المالي».

وأعلن النواب «الترحيب بالمساعي التوفيقية التي يقوم بها الموفد الرئاسي الفرنسي جان إيف لودريان، وتقدير أي مسعى يأتي من أصدقاء لبنان»، لكنهم رأوا في المقابل أنه «أصبح جليا، عدم جدوى أي صيغةِ تحاورٍ مع حزب الله وحلفائه. فاعتماده على الأمر الواقع خارج المؤسسات لإلغاء دورها حين يشاء، والعودة إليها عندما يضمن نتائج الآليات الديمقراطية بوسائله غير الديمقراطية فرضا وترهيبا وترغيبا وإلغاء، كي يستخدمها لحساب مشروع هيمنته على لبنان، يدفعنا إلى التحذير من فرض رئيس للجمهورية يشكل امتدادا لسلطة حزب الله، محتفظين بحقنا وواجبنا في مواجهة أي مسار يؤدي إلى استمرار خطفه الدولة».

وأكد النواب أن «شكل التفاوض الوحيد المقبول، وضمن مهلة زمنية محدودة، هو الذي يجريه رئيس الجمهورية المقبل، بُعيد انتخابه، ويتمحور حول مصير السلاح غير الشرعي وحصر حفظ الأمنَين الخارجي والداخلي للدولة بالجيش والأجهزة الأمنية، ما يفسح في المجال لتنفيذ كافة مندرجات وثيقة الوفاق الوطني في الطائف لا سيما بند اللامركزية الموسعة بوجهيها الإداري والمالي، وتطبيق الدستور وقرارات الشرعية الدولية وسلة الإصلاحات الإدارية والقضائية والاقتصادية، والمالية والاجتماعية. أما محاولة تحميل رئيس الجمهورية أي التزامات سياسية مسبقة فهي التفاف على الدستور وعلى واجب الانتخاب أولا».

وأكد النواب على مضمون بيان الدوحة الصادر عن مجموعة الدول الخمس في تحديد المواصفات المطلوب توفرها في شخص الرئيس العتيد والمتوافقة ومطالب المعارضة، ودعوا «جميع قوى المعارضة داخل البرلمان وخارجه إلى الاتفاق على خريطة طريق للمواجهة، وعلى أجندة مشتركة للإصلاحات خاصة لناحية الاتفاق مع صندوق النقد الدولي على برنامج إصلاحات يحفظ أموال المودعين المشروعة، وإقرار الإصلاحات التشريعية الأساسية خاصة اللامركزية، وهيكلة القطاع العام، واستقلالية القضاء، والشراكة ما بين القطاع العام والخاص»...



تسابق على الوزارات مع انطلاق مشاورات الحكومة العراقية

من إحدى جلسات البرلمان العراقي ببغداد في مارس 2026 (واع)
من إحدى جلسات البرلمان العراقي ببغداد في مارس 2026 (واع)
TT

تسابق على الوزارات مع انطلاق مشاورات الحكومة العراقية

من إحدى جلسات البرلمان العراقي ببغداد في مارس 2026 (واع)
من إحدى جلسات البرلمان العراقي ببغداد في مارس 2026 (واع)

تتسارع المشاورات السياسية في العراق لتشكيل الحكومة الجديدة برئاسة المكلف علي الزيدي، وسط انقسام داخلي وتقاطعات إقليمية ودولية، في وقت أثارت فيه مواقف كل من الولايات المتحدة وإيران تساؤلات بشأن طبيعة دعمهما للعملية السياسية. فقد اعتُبرت رسالة التأييد الأميركية المقتضبة للزيدي بمنزلة إشارة غير حاسمة؛ إذ رأى مراقبون أنها تحمل «رسائل مشفرة» بشأن حدود هذا الدعم.

في المقابل، يلف الغموض الموقف الإيراني، رغم ما وُصف بشبه إجماع داخل القوى الشيعية، خاصة بعد زيارة إسماعيل قاآني إلى العراق قبل يومين من إعلان التكليف.

على الصعيد الداخلي، كثّف الزيدي لقاءاته مع قادة الكتل السياسية، بالتوازي مع استكمال تشكيل مكتبه، مستفيداً من مهلة دستورية تمتد 30 يوماً لتقديم حكومته إلى البرلمان.

وبينما تشير تقديرات إلى إمكانية إنجاز التشكيلة قبل انتهاء المهلة، تتصدر المنافسة على الحقائب الوزارية أولويات الكتل، في ظل غياب مؤشرات على تشكّل معارضة برلمانية واضحة.

وتخضع عملية توزيع الوزارات لنظام معقد يجمع بين مبدأ التوافق الطائفي (الشيعة والسنة والأكراد) والأوزان الانتخابية. وفي هذا السياق، تبدو وزارتا الدفاع والداخلية شبه محسومتين للسُّنة والشيعة على التوالي، في حين برزت وزارة الخارجية كساحة تنافس مبكر، بعد أن احتفظ بها الأكراد لفترات طويلة منذ عام 2003، باستثناء فترتَي الوزيرين السابقين إبراهيم الجعفري ومحمد علي الحكيم.

ويتمسك «الحزب الديمقراطي الكردستاني» بزعامة مسعود بارزاني بالوزارة، التي شغلها سابقاً كل من هوشيار زيباري وفؤاد حسين، في حين تطرح أطراف شيعية وسنية فكرة نقلها إلى العرب مقابل منح الأكراد حقائب سيادية أخرى مثل «المالية» أو «النفط» أو «التخطيط».

تأييد أميركي غير صريح

وفي قراءة للموقف الأميركي، قال قصي محبوبة، من ائتلاف «الإعمار والتنمية» بزعامة محمد شياع السوداني، إن التأييد الصادر حتى الآن جاء من البعثة الدبلوماسية وليس من الإدارة الأميركية، معتبراً أن ذلك «لا يعني دعماً كاملاً»، بل غياب اعتراض. ولم يستبعد صدور مواقف لاحقة من واشنطن تتضمن شروطاً لدعم الحكومة الجديدة.

من جهته، اعتبر الباحث السياسي عباس عبود أن الترقب للموقف الأميركي يعكس استمرار تأثير واشنطن في القرار العراقي، مضيفاً أن الرسالة الأميركية ركزت على «التضامن مع الشعب العراقي» دون الإشارة المباشرة للحكومة أو رئيسها المكلف، وهو ما فسره على أنه تجنب لدعم الطبقة السياسية بشكل صريح، مع الإبقاء على النفوذ الأميركي في البلاد.

وفيما يتعلق بإيران، أشار عبود إلى أن أدوار التأثير تبدو وكأنها شهدت تحولاً، مقارنة بسنوات سابقة كانت فيها طهران صاحبة الدور الأبرز في تشكيل الحكومات.

على صعيد الفصائل المسلحة، لم تصدر «كتائب حزب الله» موقفاً حتى الآن، في حين دعت «كتائب سيد الشهداء»، بزعامة «أبو آلاء الولائي»، الحكومة المقبلة إلى تحقيق «السيادة الكاملة» للعراق. وشدد المتحدث باسمها، كاظم حبيب، على ضرورة تضمين البرنامج الحكومي أهدافاً تتعلق بالسيادة.

رئيس الوزراء العراقي المكلَّف علي الزيدي يحضر اجتماع «الإطار التنسيقي» في بغداد يوم 27 أبريل الحالي (أ.ب)

صراع الحقائب

في موازاة ذلك، تتصاعد المطالبات داخل الكتل السياسية بحصص وزارية تعكس ثقلها الانتخابي. وفي هذا السياق، صرح النائب عباس حيال عن ائتلاف «الإعمار والتنمية» بأن الائتلاف، باعتباره الكتلة الكبرى في البرلمان بعد انتخابات 2025، يسعى للحصول على ما لا يقل عن خمس وزارات، بينها حقيبة سيادية.

ووفق تسريبات أولية لخريطة توزيع الوزارات، يتجه الائتلاف ذاته للحصول على خمس حقائب، من بينها «المالية»، إضافة إلى منصب نائب رئيس الوزراء، في حين قد تحصل قوى أخرى على وزارات رئيسية، مثل «النفط» لـ«دولة القانون»، و«الداخلية» لـ«منظمة بدر»، و«التخطيط» لـ«تيار الحكمة»، و«الدفاع» لتحالف «العزم»، و«الخارجية» و«العدل» لـ«الحزب الديمقراطي الكردستاني»، مع تزايد حصة حركة «صادقون» من المناصب التنفيذية.

وشهدت العاصمة بغداد سلسلة اجتماعات ومباحثات بين رئيس الوزراء المكلف علي الزيدي، وأبرز زعامات «الإطار التنسيقي»، تناولت حصص «الإطار» من الوزارات والهيئات والمناصب، وفق تقارير محلية.

وأفيد بأن «حصة (الإطار التنسيقي) تبلغ 12 وزارة، تقسم حسب الأوزان الانتخابية وعدد المقاعد، وهي تضم وزارات سيادية، مثل (النفط) و(المالية) و(الداخلية)، وربما وزارة الخارجية هذه المرة».

ومنذ أسابيع، تتركز النقاشات حول وزارة النفط، التي تشهد تنازعاً بين تيار الحكيم، وائتلاف نوري المالكي؛ إذ يريد الأخير أن تكون جزءاً من حصته في حكومة الزيدي.

تبدو مهمة تشكيل الحكومة الجديدة في العراق محكومة بحسابات معقدة، بين ضغوط التوازنات الداخلية وترقب المواقف الخارجية، في وقت يسعى فيه الزيدي إلى تحقيق توافق يضمن تمرير حكومته داخل البرلمان ضمن المهلة الدستورية.


زامير يعلن أن الجيش أنهى مهمّاته في إيران ولبنان ويستعد لغزة

جنديان إسرائيليان يعبران بين الركام في جنوب لبنان (أ.ب)
جنديان إسرائيليان يعبران بين الركام في جنوب لبنان (أ.ب)
TT

زامير يعلن أن الجيش أنهى مهمّاته في إيران ولبنان ويستعد لغزة

جنديان إسرائيليان يعبران بين الركام في جنوب لبنان (أ.ب)
جنديان إسرائيليان يعبران بين الركام في جنوب لبنان (أ.ب)

في الوقت الذي تشهد فيه إسرائيل نقاشات حادة حول استمرار الحرب، ويتم توجيه الانتقادات اللاذعة للحكومة على أنها لم تحقق أياً من أهدافها، لا في لبنان ولا إيران ولا في غزة، وبدأت هذه الانتقادات توجه أيضاً للجيش، باعتبار أنه هو أيضاً لا يقول الحقيقة، خرج رئيس الأركان، إيال زامير، بتصريحات (قيلت في جلسات مغلقة أمس الأربعاء على أرض الجنوب اللبناني لكن الجيش حرص على تسريبها للإعلام)، ليقول إن «كل ما حدده لنا المستوى السياسي فيما يتعلق بالمعركة الحالية في إيران ولبنان، حققناه بل وأكثر من ذلك، وبذلك خلقنا الظروف المواتية للعمليات السياسية التي يقودها المستوى السياسي الآن».

ولكن إطلاق مسيرة حديثة من «حزب الله» اللبناني على مدفعية إسرائيلية في بلدة شومرا، تسببت في إصابة 12 جندياً (إصابتين بالغتين و10 خفيفة)، غيرت من حسابات زامير.

وهذه البلدة اليهودية قائمة على أنقاض قرية طربيخا، التي تم احتلالها في نهاية عام 1948، واعتبرتها حكومة بيروت لبنانية ومنحت سكانها المهجرين الجنسية اللبنانية. وقامت إسرائيل بتدمير غالبية بيوتها ومسجدين، وحولتها إلى بلدة يهودية. وفي الحرب الحالية، تم تفريغ شومرا من السكان وأقام فيها الجيش الإسرائيلي عدة مواقع.

تجمع شعبي في جنازة عناصر الدفاع المدني اللبناني الذين قتلوا بقصف إسرائيلي في بلدة مجدل زون في الجنوب (أ.ف.ب)

هجمات انتقامية

على أثر عملية «حزب الله»، اليوم، ردت قوات سلاح الجو الإسرائيلي بهجوم انتقامي. وقالت إن «هذا هجوم خطير لا يمكن السكوت عنه». فقصفت عدة مواقع وأمرت سكان 16 قرية في الجنوب اللبناني بالرحيل تمهيداً لتدميرها. والقرى المستهدفة هي: بشيت وحبوش وحاروف وكفر جوز والنبطية الفوقا وعبا وعدشيت والشقيف وعرب صاليم وتول وحومين الفوقا والمجادل وارزون ودونين والحميري ومعروب.

وقد جاء ذلك في وقت ادعت فيه أوساط مقربة من الحكومة بأنها «تسعى إلى فرض مهلة زمنية محددة للمفاوضات مع الحكومة اللبنانية لا تتجاوز أسبوعين إلى ثلاثة، تنتهي بحلول منتصف مايو (أيار)، ملوّحة بالانتقال إلى ما تصفه بـ(الخطة الأصلية) لحربها على لبنان في حال عدم تحقيق تقدم». وبحسب ما أفادت «القناة 12» الإسرائيلية، فإن هذه المقاربة طُرحت في اتصال جرى مساء الأربعاء بين رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، والرئيس الأميركي دونالد ترمب، على خلفية طلب إسرائيلي وُصف بالعاجل لتحديد سقف زمني للمسار التفاوضي المباشر الذي ترعاه واشنطن بين تل أبيب وبيروت. وادّعت هذه الجهات أن سياسة «الرد المحدود» المتبعة حالياً تؤدي إلى تآكل الردع وتضر بالسكان وبالجاهزية العملياتية، على حد تعبيرها.

فلسطينيون يعبرون بحيّ مهدّم بقصف إسرائيلي في خان يونس (أ.ب)

غزة لم تنته بعد

وبحسب تقرير «القناة 12»، يعمل الجيش الإسرائيلي في ظل تعليمات من المستوى السياسي تقضي بضبط العمليات في لبنان، حيث يمتنع عن تنفيذ هجمات في عمق الأراضي اللبنانية، فيما تتطلب أي عملية شمال نهر الليطاني موافقة خاصة من المستوى السياسي. واعتبر التقرير أن الوضع الحالي، الذي يقتصر فيه دور الجيش الإسرائيلي على «الرد» بدل المبادرة، يخدم «حزب الله» ويمنحه فرصة لإعادة ترتيب صفوفه، ما يعرّض القوات الإسرائيلية لمخاطر إضافية.

وإزاء الانتقادات للجيش، أجرى زامير، جولة في المناطق التي يحتلها جيشه في لبنان، الأربعاء، حيث أكد أن الجيش ينفذ تعليمات المستوى السياسي وينتظر القرارات بشأن مواصلة العمليات. وقال خلال الزيارة: «تموضعنا على الخط لمنع إطلاق نار مباشر على البلدات»، مضيفاً: «لن نتسامح مع هجمات أو إطلاق نار»، على حد تعبيره. وأشار إلى أن الجيش حقق الأهداف التي وُضعت له حتى الآن، وأن القوات ستبقى في الميدان لضمان أمن بلدات الشمال.

وفي ختام التقرير، طرح تساؤلات حول جدوى الثمن الذي تدفعه إسرائيل في هذه المرحلة، في ظل ما وصفه بمراعاة المصالح الأميركية في المواجهة مع إيران.

وكان لافتاً أن زامير، عندما تحدث عن إتمام المهمات التي حددتها له الحكومة، في لبنان وإيران، ذكر أن المعركة القادمة يمكن أن تكون في قطاع غزة. وقال إن المعركة هناك لم تنته بعد، وإذا عرقلت «حماس» مهمة نزع سلاحها فإن الجيش سيضطر إلى استئناف الحرب بكل شدة.


«حزب الله» يلوّح بالعودة إلى «تكتيكات» الثمانينات ضد الجيش الإسرائيلي

آليات عسكرية إسرائيلية تتحرك داخل الأراضي اللبنانية (إ.ب.أ)
آليات عسكرية إسرائيلية تتحرك داخل الأراضي اللبنانية (إ.ب.أ)
TT

«حزب الله» يلوّح بالعودة إلى «تكتيكات» الثمانينات ضد الجيش الإسرائيلي

آليات عسكرية إسرائيلية تتحرك داخل الأراضي اللبنانية (إ.ب.أ)
آليات عسكرية إسرائيلية تتحرك داخل الأراضي اللبنانية (إ.ب.أ)

تفتح تسريبات إعلامية متقاطعة من داخل «حزب الله» حول تفعيل قتال «الاستشهاديين» (الانتحاريين) باب التساؤلات حول طبيعة المرحلة المقبلة على الجبهة الجنوبية، مع بروز حديث عن خيارات قتالية غير تقليدية تعيد إلى الواجهة مفردات الحرب في ثمانينات القرن الماضي.

وكشفت تسريبات إعلامية من مصادر عسكرية في «حزب الله» عن أنّ الحزب يدرس العودة إلى «تكتيكات الثمانينات»، بما في ذلك تفعيل ما وصفته بـ«مجموعات الاستشهاديين».

ويكتسب هذا الطرح بعداً إضافياً في ضوء سوابق خطابية داخل الحزب، إذ كان الأمين العام السابق لـ«حزب الله»، حسن نصر الله، قد وصف خلال «حرب الإسناد» عام 2024 المقاتلين في الجنوب بـ«الاستشهاديين»، في توصيف عكس طبيعة القتال وظروفه الميدانية. ويعيد استحضار المصطلح اليوم طرح تساؤلات حول دلالاته، بين كونه تعبيراً تعبويّاً أو مؤشراً إلى خيارات عملياتية محتملة.

قيود البيئة والتحول التكنولوجي

قال العميد المتقاعد يعرب صخر لـ«الشرق الأوسط» إن «الواقع الميداني في جنوب لبنان يجعل الحديث عن عودة العمليات الانتحارية أقرب إلى الطرح النظري منه إلى الخيار العملي».

وأضاف: «الجنوب اليوم شبه خالٍ من السكان بفعل النزوح والدمار، وهو ما يفقد هذا النوع من العمليات أحد أهم عناصره، أي القدرة على التخفي داخل البيئة المدنية».

وتابع: «التطور التكنولوجي في مجالات الرصد والاستطلاع، إلى جانب امتلاك إسرائيل بنك أهداف واسعاً، يجعل تنفيذ مثل هذه العمليات شديد الصعوبة، إن لم يكن مستحيلاً، في ظل المراقبة المستمرة والتتبع الدقيق، فضلاً عن صعوبة الحركة والوصول الميداني».

جنديان إسرائيليان يعبران بين الركام في جنوب لبنان (أ.ب)

وأوضح أن «التلويح بوجود عمليات مثل هذه على الحدود مع إسرائيل يُستخدم في سياق دعائي»، معتبراً أن «الرسالة الفعلية تتجاوز البعد العسكري لتطال الداخل اللبناني، حيث يجري توظيف هذا الخطاب بوصفه أداة ضغط على المسؤولين والقوى السياسية، لدفعهم نحو خيارات معينة في السياسة الخارجية».

وأضاف: «استحضار أسلوب الثمانينات لا يقتصر على العمليات الانتحارية، بل يستدعي أيضاً نمطاً كاملاً شمل الخطف والاغتيالات».

وخلص إلى أن «المقارنة بين واقع الجنوب اليوم وما كان عليه في ثمانينات القرن الماضي ليست دقيقة»، مؤكداً أن «الحديث عن عودة هذا النمط القتالي يبقى في إطار الشعارات والضغط السياسي، أكثر منه خياراً عسكرياً قابلاً للتنفيذ في ظل المعطيات الحالية».

بين النظرية والتطبيق

في المقابل، قال العميد المتقاعد فادي داوود لـ«الشرق الأوسط»: «الكلام عن استعادة أساليب ثمانينات القرن الماضي ليس مجرد طرح إعلامي، بل يعكس وجود هذا الخيار ضمن بنك القدرات المتاحة لدى الحزب».

وأضاف أن الحديث عن الانتحاريين الجاهزين للتنفيذ «يندرج في إطار القدرات البشرية التي لطالما شكّلت أحد عناصر قوة الحزب/». وتابع: «هذه العمليات، رغم التطور التكنولوجي الكبير في وسائل الرصد والمراقبة، لا تزال قادرة على إحداث تأثير ميداني، لأن التكنولوجيا تبقى محدودة الفعالية في مواجهة عنصر بشري مصمّم على الوصول إلى هدفه».

وأوضح أن «فعالية هذا النوع من العمليات تبقى مرتبطة بطبيعة الهدف ومستوى الحماية الأمنية المحيطة به، والإجراءات الميدانية التي تحيط بالمقار والمنشآت»، مشيراً إلى أن «إمكانية النجاح تختلف من حالة إلى أخرى تبعاً لهذه المعايير».

ولفت إلى أن «أي استخدام محتمل لهذه القدرات سيبقى موجهاً نحو أهداف إسرائيلية»، مضيفاً أن «تنفيذ عمليات من هذا النوع في الداخل الإسرائيلي يتطلب قدرة على التسلل والوصول المباشر إلى الهدف، وهو أمر يواجه تحديات كبيرة ميدانياً، ما يجعل نسبة النجاح متفاوتة».

ورأى أن «مجرد التلويح بهذا الخيار يحمل بُعداً نفسياً واستراتيجياً، إذ يعيد إلى الذاكرة الإسرائيلية تجارب سابقة، ويوجه رسالة بأن أي تسوية لا تراعي التوازنات قد تقود إلى تصعيد خارج الأطر التقليدية».

أنقاض مبانٍ مدمّرة في بلدة كفركيلا الحدودية جنوب لبنان (رويترز)

دلالات المصطلح ميدانياً

في موازاة ذلك، نقل مصدر مواكب لعمليات «حزب الله» لـ«الشرق الأوسط» أن «استخدام مصطلح الاستشهاديين لا يُقصد به بالضرورة العودة إلى نمط العمليات الانتحارية التقليدية، بل يعكس طبيعة المرحلة الميدانية في ظل الحصار المفروض على مناطق في جنوب لبنان».

وأضاف: «المقاتلون يدركون تماماً حجم المخاطر التي تحيط بهم، ويتعاملون معها على أساس القتال حتى أقصى الحدود».

وتابع: «المقصود بالمصطلح هو الجهوزية للالتحام في أصعب الظروف الميدانية، والاستمرار في المواجهة حتى الموت إذا فُرض ذلك، لا بوصفه خياراً تكتيكياً منفصلاً بل بوصفه جزءاً من طبيعة المعركة نفسها».