«داعش» يوقع 26 قتيلاً للجيش السوري شرق سوريا

استنفار لقوات النظام والميليشيات الموالية لإيران في دير الزور

صورة من شريط فيديو لمقاتل من «داعش» خلال اشتباك مع «قوات سوريا الديمقراطية» في دير الزور في 18 مارس 2019 (أ.ب)
صورة من شريط فيديو لمقاتل من «داعش» خلال اشتباك مع «قوات سوريا الديمقراطية» في دير الزور في 18 مارس 2019 (أ.ب)
TT

«داعش» يوقع 26 قتيلاً للجيش السوري شرق سوريا

صورة من شريط فيديو لمقاتل من «داعش» خلال اشتباك مع «قوات سوريا الديمقراطية» في دير الزور في 18 مارس 2019 (أ.ب)
صورة من شريط فيديو لمقاتل من «داعش» خلال اشتباك مع «قوات سوريا الديمقراطية» في دير الزور في 18 مارس 2019 (أ.ب)

وجه تنظيم «داعش» ضربة موجعة للنظام السوري، بهجوم استهدف حافلة عسكرية وأوقع عشرات الضحايا من الجنود، بين قتلى وجرحى، مع عشرات المفقودين مجهولي المصير، استتبعه استنفار لقوات النظام ومجموعات مقاتلة موالية لإيران في بادية دير الزور.

وقُتل 26 جندياً. وتسبب الهجوم أيضاً بإصابة 11 آخرين بجروح متفاوتة بعضهم في حالة خطرة. وفُقد العشرات في الهجوم على حافلة عسكرية في شرق سوريا، مساء الخميس، وفق ما أفاد «المرصد السوري لحقوق الإنسان» (الجمعة)، في تصعيد جديد للتنظيم المتطرف الذي يكثّف من وتيرة عملياته أخيراً. ومُني التنظيم المتطرف الذي سيطر عام 2014 على مساحات واسعة في سوريا والعراق، بهزائم متتالية في البلدين وصولاً إلى تجريده من مناطق سيطرته كافة عام 2019. ومنذ ذلك الحين قُتل 4 من زعمائه، لكن عناصره المتوارين لا يزالون قادرين على شنّ هجمات، وإن كانت محدودة، ضد جهات عدّة، خصوصاً قوات النظام. وأفاد المرصد بـ«استهداف عناصر التنظيم ليل الخميس حافلة عسكرية»، في بادية الميادين في ريف دير الزور الشرقي، حيث «نصبوا كميناً للحافلة واستهدفوها بالأسلحة الخفيفة والمتوسطة». وتسبب ذلك في مقتل «23 جندياً على الأقل وإصابة أكثر من عشرة آخرين بجروح متفاوتة»، بينما لا يزال «مصير العشرات من الجنود مجهولاً»، وفق ما نقلت «وكالة الصحافة الفرنسية».

ونقل الإعلام الرسمي السوري عن مصدر عسكري قوله إن «مجموعة إرهابية» استهدفت الحافلة، ما أدى إلى «استشهاد وجرح عدد من العسكريين»، من دون تحديد عددهم.

مقاتلون من «داعش» في مدينة الموصل العراقية في 23 يونيو 2014 (أ.ب)

وشهدت بادية ريف دير الزور الشرقي (صباح الجمعة) استنفاراً لقوات النظام ومجموعات مقاتلة موالية لطهران، تنشط في المنطقة التي تعد من بين مناطق نفوذها.

وقال المرصد إن استنفاراً أمنياً وعسكرياً حصل في بادية دير الزور من قبل الميليشيات الإيرانية وعناصر الفرقة 17، وشعبة المخابرات العسكرية والشرطة العسكرية، مدججين بالمدرعات والأسلحة الثقيلة، تزامناً مع وصول سيارات الإسعاف إلى المكان المستهدف. وهذا هو الهجوم الثالث على الأقل للتنظيم ضد قوات النظام والمسلحين الموالين له منذ مطلع الشهر الحالي، وإن كان «الأكثر دموية»، وفق ما قال مدير المرصد رامي عبد الرحمن لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، وقُتل 10 عناصر من قوات النظام والمسلحين الموالين له، يوم (الاثنين)، جراء استهداف عناصر التنظيم حواجز عسكرية في محافظة الرقة (شمال)، التي كانت تعد أبرز معاقل التنظيم المتطرف في سوريا. وقضى 7 أشخاص آخرين، غالبيتهم من قوات النظام، مطلع الشهر الحالي جراء هجوم شنّه التنظيم على قافلة تضم صهاريج نفط في ريف حماة الشرقي (وسط)، الذي يشكل امتداداً للبادية المترامية الأطراف. وفي 28 يوليو (تموز)، أعلن التنظيم مسؤوليته عن هجوم بعبوة ناسفة استهدف في اليوم السابق منطقة السيدة زينب في جنوب دمشق؛ ما تسبّب بمقتل 6 أشخاص على الأقل وإصابة أكثر من 20 آخرين بجروح، وفق السلطات. وغالباً ما يتبنى التنظيم استهداف حافلات عسكرية أو أخرى تقل موظفين في مرافق عامة عبر زرع عبوات ناسفة أو مهاجمتها، خصوصاً في منطقة البادية السورية الشاسعة المساحة وغير المأهولة بمعظمها، التي انكفأ إليها مقاتلو التنظيم بعد دحرهم من آخر مناطق سيطرتهم في شرق سوريا.

مخيم الهول الذي يؤوي عائلات لمقاتلي «داعش» بحراسة من «قوات سوريا الديمقراطية» في الحسكة (أ.ب)

ويكثّف التنظيم في الآونة الأخيرة من وتيرة عملياته في مناطق عدة، وفق المرصد. وقال عبد الرحمن: «بدأ التنظيم في الآونة الأخيرة تصعيد عملياته العسكرية الدموية، ووتيرة استهدافه لبعض النقاط، بهدف إيقاع أكبر عدد من القتلى، في رسالة هدفها القول إن التنظيم لا يزال موجوداً ويعمل بقوة رغم استهداف زعمائه». ومنذ خسارة مناطق سيطرته كافة، قُتل 4 من زعماء التنظيم آخرهم أبو الحسين الحسيني القرشي، الذي قضى في اشتباكات في شمال غربي سوريا.

وقد أعلن التنظيم في الثالث من أغسطس (آب) تعيين خلف له. وعلى الرغم من الضربات التي تستهدف قادته وتحركاته ومواقعه، وينفّذها بالدرجة الأولى التحالف الدولي بقيادة واشنطن أو القوات الروسية الداعمة لدمشق، فإن التنظيم لا يزال قادراً على شنّ هجمات وتنفيذ اعتداءات متفرقة، خصوصاً في شرق وشمال شرقي سوريا. وفي شرق سوريا، تطارد «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) التي يقودها مقاتلون أكراد، بدعم من التحالف الدولي مقاتلي التنظيم، الذين يعلنون بين الحين والآخر هجمات أو عمليات اغتيال تستهدف بشكل رئيسي عسكريين وأمنيين. في عام 2014، حين أعلن التنظيم إقامة «الخلافة الإسلامية» على مساحة تفوق 240 ألف كيلومتر مربع تمتدّ بين سوريا والعراق، بث عناصره الرعب وفرضوا تطبيقاً صارماً جداً للشريعة الإسلامية، ونفّذوا اعتداءات وحشية حول العالم، قبل أن تتقلّص مساحة سيطرتهم تدريجياً. وبعدما مُني بهزيمة أولى في العراق عام 2017 إثر معارك مع القوات العراقية، أعلنت «قوات سوريا الديمقراطية»، المدعومة أميركياً، في 23 مارس (آذار) 2019، هزيمة التنظيم إثر معارك استمرت بضعة أشهر، حوصر خلالها مقاتلوه من جنسيات مختلفة من أوروبا ودول آسيوية وعربية، والآلاف من أفراد عائلاتهم في الباغوز الحدودية مع العراق.

وتشهد سوريا منذ عام 2011 نزاعاً دامياً تسبب بمقتل أكثر من نصف مليون شخص، وألحق دماراً واسعاً بالبنى التحتية واستنزف الاقتصاد. كما شرّد وهجّر أكثر من نصف عدد السكان داخل البلاد وخارجها.


مقالات ذات صلة

نيجيريا: مقتل قس واختطاف مصلين في هجوم على كنيسة

أفريقيا مصابون يتلقون العلاج بعد تعرض السوق المحلية في مدينة جيلي الواقعة بولاية بورنو لضربة جوية أسفرت عن مقتل أكثر من 100 شخصٍ في 12 أبريل (أ.ب)

نيجيريا: مقتل قس واختطاف مصلين في هجوم على كنيسة

مقتل قس واختطاف مصلين في هجوم على كنيسة، والشرطة النيجيرية تتعقب منفذي الهجوم، وتعد بتحرير المختطفين

الشيخ محمد (نواكشوط)
أفريقيا صورة من مقطع فيديو نُشر 20 مايو 2023 على «تلغرام» التابع للخدمة الصحافية لشركة «كونكورد» المرتبطة برئيس «فاغنر» يفغيني بريغوجين الذي يظهر واقفاً أمام عَلَم وطني روسي مع جنوده (أ.ف.ب) p-circle

انفجارات تكسر الهدوء الحذر في العاصمة المالية باماكو

انفجارات تكسر الهدوء الحذر في العاصمة المالية باماكو… وموسكو أقرَّت بسقوط قتلى روس والكرملين يدعو إلى العودة لمسار سياسي

الشيخ محمد (نواكشوط) رائد جبر (موسكو)
يوميات الشرق المغنية تايلور سويفت (د.ب.أ)

نمساوي يقر بالذنب في التخطيط لمهاجمة حفل لتايلور سويفت عام 2024

ذكرت وسائل إعلام نمساوية أن متهماً بمبايعة تنظيم «داعش»، والتخطيط لشن هجوم على إحدى حفلات المغنية العالمية تايلور سويفت في فيينا قبل نحو عامين، أقر بالذنب مع…

«الشرق الأوسط» (فيينا)
أفريقيا تشهد ولاية أداماوا أعمال عنف يرتكبها إرهابيون وعصابات إجرامية محلية (أ.ب) p-circle

29 قتيلاً في هجوم لـ«داعش» بشمال شرق نيجيريا

قتل مسلّحون 29 شخصاً على الأقل في ولاية أداماوا في شمال شرق نيجيريا على ما أفاد حاكمها، الاثنين، فيما أعلن تنظيم «داعش» مسؤوليته عن الهجوم.

«الشرق الأوسط» (أبوجا)
المشرق العربي شرطيان ألمانيان يفتشان سيارة خلال عملية دهم بغاربسن في نوفمبر 2023 (أ.ب)

شاب سوري متهم بالتخطيط لتنفيذ هجوم «إرهابي» في برلين

تتهم السلطات الألمانية شاباً سورياً بالتخطيط لتنفيذ هجوم في العاصمة برلين بدوافع «إسلاموية متطرفة».

«الشرق الأوسط» ( برلين)

مدققون أميركيون: لا أدلة تربط المكلف تشكيل الحكومة العراقية بتمويل «الحرس الثوري»

رئيس الوزراء العراقي المكلَّف علي الزيدي يحضر اجتماع «الإطار التنسيقي» في بغداد 27 أبريل الحالي (أ.ب)
رئيس الوزراء العراقي المكلَّف علي الزيدي يحضر اجتماع «الإطار التنسيقي» في بغداد 27 أبريل الحالي (أ.ب)
TT

مدققون أميركيون: لا أدلة تربط المكلف تشكيل الحكومة العراقية بتمويل «الحرس الثوري»

رئيس الوزراء العراقي المكلَّف علي الزيدي يحضر اجتماع «الإطار التنسيقي» في بغداد 27 أبريل الحالي (أ.ب)
رئيس الوزراء العراقي المكلَّف علي الزيدي يحضر اجتماع «الإطار التنسيقي» في بغداد 27 أبريل الحالي (أ.ب)

قالت شركة محاماة أميركية إن تحقيقاً مستقلاً أجرته أخيراً، لم يُظهر أي أدلة تربط رئيس الوزراء العراقي المكلّف علي الزيدي بأنشطة مالية مرتبطة بـ«الحرس الثوري» الإيراني، مؤكدة أن القيود التي فُرضت عليه عام 2024 جاءت على خلفية «أخطار تتعلق بالسمعة»، لا بسبب «تورط مثبت في عمليات غسل أموال».

يأتي هذا التوضيح في وقت يواجه فيه التكليف المفاجئ للزيدي تشكيل الحكومة في بغداد خلفاً لمحمد شياع السوداني تدقيقاً سياسياً في خلفيته، بعد إدراج مصرف يملكه ضمن قيود فرضها البنك المركزي العراقي على التعامل بالدولار، في إطار ما قيل حينها إنها «حملة لمكافحة التدفقات المالية غير المشروعة».

وقال ممثلون عن شركة «K2 Integrity»، طلبوا عدم الإفصاح عن هوياتهم لأنهم غير مخولين بالتصريح، إن تحقيقاً مستقلاً أجرته الشركة لم يجد «أي أدلة موثوقة» تربط الزيدي أو «مصرف الجنوب» بـ«فيلق القدس»، كما لم يرصد تدفقات مالية مباشرة من المصرف إلى جهات إقليمية مصنفة عالية المخاطر.

وأوضح أحد الممثلين، لـ«الشرق الأوسط»، أن الحظر الذي أوصت به وزارة الخزانة الأميركية و«الاحتياطي الفيدرالي» في نيويورك على «مصرف الجنوب» اقتصر على التعامل بالدولار الأميركي، وكان مدفوعاً بمخاطر تتعلق بالسمعة وملكية المصرف، وليس بسبب ثبوت مخالفات تتعلق بغسل الأموال أو تمويل كيانات مرتبطة بإيران.

يُعدّ الزيدي، وهو رجل أعمال يمتلك مع شقيقه وشركائه شركات، من بينها «الأويس» و«الجنوب» و«قناة دجلة»، شخصية غامضة في المشهد السياسي، وجاء تكليفه في ظل رفض أميركي علني أدى إلى استبعاد نوري المالكي من السباق، في حين أفيد بأن رفضاً غير معلن استبعد السوداني أيضاً.

رئيس الحكومة المنتهية ولايتها محمد السوداني مستقبلاً المكلف علي الزيدي (إعلام حكومي)

قيود على إيران

وكان العراق قد فرض في فبراير (شباط) 2024 قيوداً على 8 بنوك محلية، من بينها «مصرف الجنوب الإسلامي»، مانعاً إياها من الوصول إلى الدولار عبر نافذة البنك المركزي. وجاءت تلك الخطوة ضمن جهود تقودها واشنطن للحد من تحويل الأموال إلى إيران.

وقال متحدث باسم وزارة الخزانة آنذاك إن الإجراءات تهدف إلى «حماية النظام المالي العراقي من إساءة الاستخدام»، في إشارة إلى مخاوف من توظيف العملة الأميركية في أنشطة غير قانونية.

وتسلط هذه القضية الضوء على التحدي المستمر الذي تواجهه بغداد في تحقيق توازن بين علاقاتها مع كل من الولايات المتحدة وإيران، في ظل اعتمادها الكبير على الدولار الأميركي، حيث يتلقى العراق نحو 10 مليارات دولار نقداً سنوياً من «الاحتياطي الفيدرالي»، وفق تقديرات رسمية.

ورحبت السفارة الأميركية في بغداد بتكليف الزيدي، مؤكدة دعمها جهود تشكيل حكومة «تعكس تطلعات العراقيين». ويأتي ذلك بعد أشهر من الجمود السياسي، وفي ظل ضغوط مارستها إدارة دونالد ترمب هددت خلالها بقطع الدعم عن العراق إذا عاد المالكي إلى السلطة.

ويواجه الزيدي مهلة 30 يوماً لتشكيل حكومته، وسط انقسامات حادة داخل «الإطار التنسيقي»، وفي وقت تتصاعد فيه التوترات الإقليمية منذ الضربات العسكرية على إيران في فبراير 2026، وما تبعها من استهداف جماعات مسلحة للمصالح الأميركية في العراق.


«حزب الله» يسلم أوراقه لإيران لأن عون «لا يملك ما يعطيه»

الرئيس اللبناني جوزيف عون يتوسط رئيس البرلمان نبيه بري ورئيس الحكومة نواف سلام (أرشيفية - الرئاسة اللبنانية)
الرئيس اللبناني جوزيف عون يتوسط رئيس البرلمان نبيه بري ورئيس الحكومة نواف سلام (أرشيفية - الرئاسة اللبنانية)
TT

«حزب الله» يسلم أوراقه لإيران لأن عون «لا يملك ما يعطيه»

الرئيس اللبناني جوزيف عون يتوسط رئيس البرلمان نبيه بري ورئيس الحكومة نواف سلام (أرشيفية - الرئاسة اللبنانية)
الرئيس اللبناني جوزيف عون يتوسط رئيس البرلمان نبيه بري ورئيس الحكومة نواف سلام (أرشيفية - الرئاسة اللبنانية)

الحرب الكلامية المشتعلة بين رئيس الجمهورية جوزيف عون و«حزب الله» حول من يفاوض باسم لبنان، وتصاعد وتيرة الاعتداءات الإسرائيلية، أديا إلى تعليق اجتماع رئيس الجمهورية مع رئيس البرلمان نبيه بري، ورئيس الحكومة نواف سلام، وتأجيله ريثما تؤدي الاتصالات إلى تنفيس أجواء الاحتقان، وخلق المناخ المريح لاجتماعهم، واستعيض عنه باتصالات مفتوحة بينهم ريثما تنجح الولايات المتحدة الأميركية في وقف الاعتداءات بما يسمح بمعاودة اللقاء في أقرب فرصة.

لكن هذه الحرب الإعلامية التي اتسمت بسقوف سياسية عالية لن تحجب الأنظار عما حمله البيان الذي أصدره أمين عام الحزب نعيم قاسم في تبريره للأسباب الكامنة وراء رفضه الدخول في مفاوضات مباشرة مع إسرائيل.

فالجديد في موقف قاسم الذي قال فيه: «ليعلم أصحاب السلطة أن أداءهم لن ينفع لبنان، ولن ينفعهم، فما يريده العدو الإسرائيلي-الأميركي منهم ليس بيدهم، وما تريدونه منه لن يمنحكم إياه»، قوبل باستغراب من قبل أكثرية القوى السياسية التي تقف خلف عون في خياره الدبلوماسي التفاوض المباشر مع إسرائيل برعاية أميركية.

رسالة إيرانية

وقالت مصادر لبنانية مطلعة على مجريات الاتصالات لـ«الشرق الأوسط» إن ما لم يقله قاسم هو الأهم بإيحائه بأن حزبه هو وحده من يملك في الميدان ما يعطيه، وليس في مقدور السلطة أن تعطي ما لا تملك. وأكدت أنه أراد تمرير رسالة لمن يعنيهم الأمر أن إيران هي الأقدر على التفاوض بالإنابة عن لبنان، وهذا ما يكمن وراء شكره لها على توصلها مع الولايات المتحدة لوقف إطلاق النار في محادثات باكستان.

ولفتت المصادر إلى أن قاسم أغفل عن قصد تسمية الجهة التي سيوكل إليها المفاوضات غير المباشرة، رغم قوله إنه «لو أتى وقف النار من أي وسيط علينا أن نقبل به».

دورية لقوات «اليونيفيل» في جنوب لبنان قرب المنطقة الحدودية مع إسرائيل (أ.ب)

وسألت المصادر عن صحة ما يتردد على نطاق واسع في بيروت أن «حزب الله» انتدب مستشارين عنه لتمثيله بالوفد الإيراني في مفاوضاته مع الولايات المتحدة في باكستان يعود إليهم عند الضرورة للوقوف على رأيهم حيال ما تطرحه إيران من نقاط يعتبرها أساساً لإنهاء الحرب في الجنوب اللبناني، مع أنهم لا يجلسون على الطاولة، ويوجدون في غرفة محاذية للقاعة التي تستضيف المفاوضات؟

وقالت إنه إذا صح ما يقال في هذا الخصوص، كمل نقل عن مصدر دبلوماسي وثيق الصلة بإحدى الدول الخمس ذات العضوية الدائمة في مجلس الأمن الدولي، فإن إصرار الحزب على إيداع الورقة اللبنانية في السلة الإيرانية سيصطدم بموقف أميركي لا عودة عنه، ليس لرفضه ربط لبنان بإيران فحسب، وإنما لأنه من غير الجائز مصادرة القرار اللبناني بالتفاوض المباشر مع إسرائيل الذي هو من صلاحية عون، بحسب المادة 52 من الدستور، وبالتالي لا يحق لحزب مصنف أميركياً على لائحة الإرهاب أن ينوب عن الدولة بعد أن رتب على بلده أكلافاً بشرية ومادية لا تقدّر بتفرُّده بقرار السلم والحرب عندما قرر إسناد غزة، وإيران.

لماذا يرفض «حزب الله» التفاوض المباشر؟

كما سألت «حزب الله»: هل يرفض المفاوضات المباشرة بذريعة أن كلمة الفصل تبقى له على خلفية حضوره العسكري في الميدان، ويعود له تسمية الجهة التي ترعاها؟ وماذا سيقول للبنانيين في ظل الاختلال في ميزان القوى بينه وبين إسرائيل التي تستمر في تجريف البلدات، وتدميرها الممنهج للمنازل، وارتكابها للمجازر بذريعة القضاء على ما تبقى من بنيته العسكرية؟ وقالت إن إصرار الحزب على شراء الوقت برفضه المفاوضات المباشرة يعني حكماً أنه يوفّر الذرائع لإسرائيل، وإن كانت ليست في حاجة إليها للتمادي في تدمير البلدات التي لا تقتصر على تلك الواقعة في المنطقة المعروفة بالخط الأصفر، وإنما تمتد إلى بلدات الخط الأمامي في شمال نهر الليطاني، وتطل على جنوبه.

الدخان يتصاعد جراء قذائف مدفعية إسرائيلية تستهدف جنوب لبنان (إ.ب.أ)

وقالت إن عامل الوقت ليس في مصلحة لبنان، وهذا ما يتطلب من الحزب مراجعة حساباته باتخاذه قراراً جريئاً يقضي بوضع سلاحه بعهدة الدولة لتحسين شروطها في المفاوضات المباشرة، لإنقاذ ما تبقى من البلدات الواقعة في جنوب نهر الليطاني، وضفته الشمالية.

غطاء سياسي لعون

ودعت المصادر لإخراج الوضع من التأزّم بتوفير الغطاء السياسي لعون الذي كان قال كلمته، ولن يتراجع عن دعوته للتفاوض المباشر برعاية أميركية، خصوصاً أنه يشترط لبدئها إلزام إسرائيل بوقف أعمالها العدائية على قاعدة تمسكه بالثوابت الوطنية، وعدم التفريط بها تحت أي ضغط خارجي، وهو يلتقي في هذا السياق مع رئيس المجلس النيابي نبيه بري من موقع الاختلاف معه برفضه المفاوضات المباشرة.

وشددت على ضرورة تنفيس الاحتقان المسيطر على البلد من جراء تصاعد الاشتباك بين عون، الذي يحظى موقفه بتأييد غالبية اللبنانيين، و«حزب الله» الذي يكاد يغرّد وحيداً في موقفه، وإن كان بري يحرص على مراعاته لاستيعابه، واحتضانه. وقالت إن الضرورة الوطنية تقضي باعتماد لغة الاعتدال في الخطاب السياسي للحفاظ على الاستقرار، وعدم تعريض السلم الأهلي لأي انتكاسة.

استحالة عودة سكان الجنوب

وأبدت المصادر مخاوفها من أن يتحوّل النزوح المؤقت للجنوبيين من بلداتهم، في حال استمرت الحرب بين إسرائيل و«حزب الله» التي تصاعدت وتيرتها مع تمديد الهدنة لثلاثة أسابيع، إلى لجوء دائم لاستحالة عودتهم إلى قراهم التي سوّتها إسرائيل بالأرض، وحوّلت القسم الأكبر من جنوب الليطاني إلى منطقة محروقة يصعب العيش فيها. ولفتت إلى أن الخيار الدبلوماسي يبقى الوحيد لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي بعد أن جرّب «حزب الله» الحرب بإسناده لغزة وإيران، ورتّب على البلد أثماناً غالية، وأن إصراره على رفع سقوفه السياسية سيواجه رفضاً بما يشبه الإجماع إذا ما اعتقد أنه يريد ثمناً سياسياً بادعائه، بخلاف ما هو حاصل في الميدان، أنه حقق انتصاراً على إسرائيل، وإذا كان هناك من ثمن فهو يقتصر أولاً وأخيراً على تسهيل عودة الجنوبيين إلى قراهم التي لن تكون ميسّرة ما لم تضع الحكومة خطة مدعومة عربياً ودولياً لإعادة إعمارها، وهذا ما يشكل إحراجاً للحزب إذا ما استمر على عناده بتمسكه بسلاحه الذي يصر المجتمع الدولي على وضعه بيد الدولة لبسط سلطتها على كافة أراضيها.


مصير الفصائل العراقية بين المراوغة والمواجهة مع واشنطن

عناصر من «كتائب حزب الله» العراقي يحملون راية الفصيل وسط بغداد (أ.ف.ب)
عناصر من «كتائب حزب الله» العراقي يحملون راية الفصيل وسط بغداد (أ.ف.ب)
TT

مصير الفصائل العراقية بين المراوغة والمواجهة مع واشنطن

عناصر من «كتائب حزب الله» العراقي يحملون راية الفصيل وسط بغداد (أ.ف.ب)
عناصر من «كتائب حزب الله» العراقي يحملون راية الفصيل وسط بغداد (أ.ف.ب)

يفتح اتفاق «الإطار التنسيقي» على تكليف علي الزيدي بتشكيل الحكومة العراقية الجديدة البابَ أمام مزيد من التساؤلات بشأن الخطوة التالية التي قد تُقدم عليها الفصائل الموالية لإيران، لا سيما في ظل ترحيب البعثة الأميركية في العراق بقرار التكليف.

حتى في ظل غياب ترحيب أو دعم أميركي لافت على مستوى وزارة الخارجية أو البيت الأبيض، الذي سبق أن تدخّل برفض ترشيح نوري المالكي، فإن هذا التطور، حسب مراقبين، يحمل إشارة مرور حذِرة للمكلف علي الزيدي للشروع في تشكيل حكومة تراعي «اشتراطات واشنطن»، التي تكررت مراراً خلال الأشهر الأخيرة على لسان كبار المسؤولين الأميركيين، مع تشديدهم على تفكيك الفصائل المسلحة ومواجهة النفوذ الإيراني في العراق.

وليس من الواضح بعد قدرة المرشح علي الزيدي على الاستجابة للشروط الأميركية، لا سيما أنه مدعوم من قوى ترتبط بعلاقات وثيقة مع طهران، وقد طالت بعضها مؤخراً عقوبات أميركية مشددة، مثل «عصائب أهل الحق» التي تُعد إحدى القوى الوازنة في «الإطار التنسيقي»، إلى جانب «كتائب سيد الشهداء»، التي رصدت واشنطن مكافأة قدرها 10 ملايين دولار لمن يدلي بمعلومات عن زعيمها أبو آلاء الولائي.

وحتى مع تصريحات وبيانات سابقة لقادة الفصائل، خصوصاً «كتائب حزب الله»، بشأن رفضهم تمرير أي حكومة من دون موافقتهم، وهي رغبة تتقاطع مباشرة مع الموقف الأميركي، فإن مسألة الخطوة التالية لهذه الفصائل إزاء تشكيل الحكومة لا تزال موضع ترقب وتساؤل لدى بعض المراقبين.

تشييع في بغداد لعناصر من «كتائب حزب الله» العراقية قُتلوا بغارة استهدفت مقراً لـ«الحشد الشعبي» (رويترز)

تجديد «البيعة» لخامنئي

وتزامناً مع الترحيب الأميركي بتكليف علي الزيدي، جددت حركة «النجباء»، وهي واحدة من أبرز الفصائل المسلحة الموالية لإيران، «بيعتها» للمرشد الإيراني مجتبى خامنئي، في ردٍّ يشير إلى الترحيب الأميركي، غير أن مراقبين يستبعدون تأثيرها الجدي على مسار تشكيل الحكومة، باعتبار أنها لا تمتلك أي تمثيل في مجلس النواب، كما أنها لم تشر في بيانها إلى الاستحقاق الحكومي الجاري.

وقالت الحركة في بيان «نجدد البيعة والعهد (لخامنئي)، فالعراق سيبقى أبداً هو القوة الضاربة في هذا المحور، وسنظل نحن أبناء (النجباء) جنودكم الأوفياء». وأضافت: «إننا اليوم، ومن موقع الإدراك العميق لسنن التاريخ، نجدد بيعتنا المطلقة لمشروع الولاية، معلنين أن تمسكنا بهذا الخط ليس خياراً سياسياً أملته الظروف، بل هو انصياع طوعي، فكل أمر يصدر عنكم هو عندنا تكليف مقدس». وذكرت، أن «كل تحدٍّ يرميه العدو في طريقنا يعد فرصة استراتيجية، نحن في قلب الصراع، ندرك مآلاته، فامضِ بنا حيث شئت».

«حَمْل السُّلَّم بالعَرض»

لا يستبعد الباحث والخبير في الجماعات الشيعية، نزار حيدر، أن تقوم الفصائل المسلحة بـ«حَمْلُ السُّلَّم بِالعَرض»، على حد وصفه عرقلة تشكيل الحكومة بعد استشعارها الدعم الأميركي.

وقال حيدر لـ«الشرق الأوسط» إن هذا الموقف «ليس جديداً على الفصائل المسلحة التي لم تنخرط في العملية السياسية، إذ تعلن دائماً أن سلاحها وولاءها لطهران، وأن تجديد بيعتها للمرشد الجديد ما هو إلا تأكيد لموقفها الثابت والمعلن».

ويشير إلى أن «جماعات الفصائل لا تعتقد بمرجعية النجف التي لا تذهب مع نظرية ولاية الفقيه، كما أنها لا تعطي أي اعتبار للدستور والقانون ولسلطة مؤسسات الدولة، وعلى رأسها سلطة القائد العام للقوات المسلحة».

وقال حيدر إن الاتفاق على تكليف علي الزيدي والمباركة الأميركية «لم يكن هذه المرة نتيجة إمساك بالعصا من الوسط، بل ثمرة الإمساك بها من الطرف الأميركي».

ورأى حيدر أن «الفصائل سوف تحمل السلم بالعرض، كما يقال، لعرقلة عمل الحكومة الجديدة، خصوصاً أن من أبرز أولوياتها في برنامجها الحكومي حصر السلاح بيد الدولة، وتفكيك الميليشيات، بدعم من القوى السياسية والقضاء، فضلاً عن الإدارة الأميركية».

رئيس الحكومة العراقية محمد السوداني يتوسط نوري المالكي وقيس الخزعلي خلال اجتماع في بغداد (أرشيفية - أ.ف.ب)

الفصائل لن تعترض

يختلف الأكاديمي والباحث عقيل عباس مع ما يذهب إليه نزار حيدر بشأن إمكانية عرقلة الفصائل لمسار تشكيل الحكومة، إذ يرى أنها «لن تعترض على هذا الترشيح، وستفعل ما دأبت عليه دائماً، أي تجنّب إظهار اعتراضات كبرى حيال مثل هذا القرار، حتى لا تضع نفسها في مواجهة علنية مع واشنطن».

وقال عباس لـ«الشرق الأوسط» إن الفصائل عادة «تعمل على التفاصيل لاحقاً، وهذه هي براعتها، من حيث كيفية تشكيل الحكومة ومنهاجها، وطبيعة اختيار الوزراء، ونوعية التنازلات التي يمكن أن تحصل عليها من الحكومة الجديدة».

ومع ذلك، لا يستبعد أن «تقدم الفصائل، في حال تبيّن لها أن المكلف بتشكيل الحكومة يمضي نحو تقديم تنازلات جدية لواشنطن بشأن تفكيكها، على اتباع أساليب أخرى، مثل عرقلة حصول الحكومة على الثقة في البرلمان أو تعقيد مفاوضات تشكيلها».

ورأى عباس أن السؤال الجوهري الذي يجدر أن يطرح هو: «هل ستستطيع الحكومة الجديدة أن تحميهم من الضغط الأميركي بخصوص تفكيكهم».

وقال إنه، ومع «عدم وجود اتفاق أميركي-إيراني بشأن الملفات الأساسية الثلاثة: النووي، والصواريخ الباليستية، وملف الوكلاء في المنطقة، فإن المشهد معقد، لكن السيناريو الأفضل للفصائل هو تفكيكها بموافقة إيرانية، بما يتيح لها البقاء داخل العمل السياسي والحكومي، أي الاستمرار في دائرة النفوذ والتمويل والتأثير، ولكن من دون دور عسكري».

وأشار عباس إلى أنه، ومع «عدم التوصل إلى اتفاق بين واشنطن وطهران، فإن حل الفصائل قد يُطرح محلياً عبر مواجهة مع الحكومة المقبلة، وهو ما يُمثل الاختبار الأصعب للحكومة أمام واشنطن».