على بسطة في سوق الصالحية وسط دمشق، غفت فراخ الأرانب والبط والهامستر بينما جاهدت أسماك الزينة للبقاء حية، وسط قيظ يوم صيفي شديد الحرارة. وعند سؤال البائع اليافع عن سبب خمول الأرانب الصغيرة، قال: «نحنا رح نفطس من الشوب فكيف بالحيوانات؟».
كانت الساعة الواحدة من بعد الظهر، وقد خلت السوق من المارة، عدا قلة قليلة تسير بصعوبة تحت أشعة الشمس اللاهبة، نساء ورجال يلبسون القبعات الشمسية وأغلبهم يحمل عبوات المياه إما في باليد أو تطل من فتحة الحقيبة. وفي مشهد لم تألفه دمشق سابقاً، محجبات يضعن قبعة فوق الحجاب وسافرات يحملن المظلات وهن يقطعن المسافات الطويلة أو في انتظار وسيلة نقل في ظل أزمة نقل حادة.

موجة الحرّ التي تضرب البلاد منذ نحو شهر ليست الأولى من نوعها، لكن «تقنين الكهرباء والماء وشح المحروقات، يجعل صيف السوريين قاتلاً»، وفق بائع القهوة العربية المسن الذي قال: «صيفنا صعب وشتاؤنا بات أصعب... قبل الحرب لم نكن نشعر بحرارة الصيف؛ لأن المراوح والبرادات والمكيفات والمدافئ كانت تعمل لساعات طويلة، كانت الكهرباء والمحروقات متوافرة بشكل أفضل».
تابع، أنه وعائلته منذ شهر لم ينعموا بساعات نوم متواصلة بسبب الحرّ: «أنا وابني ننام على السطح من دون أغطية، زوجتي والبنات ينمن على بلاط الأرضية للحصول على شيء من البرودة».

أما رانية، وتسكن الطابق الرابع في حي القصور، فشكت من زيادة ساعات تقنين الكهرباء: «بالليل يصير البيت فرن حقيقي، في بداية الموجة كنا نتهيب من فتح الستائر أو النوم على البلكون لأن البيت مكشوف للجيران، لكن مع استمرار الحر انتبهنا أن كل الجيران ينامون على البلاكين والأسطحة، ففعلنا مثلهم». وعن ساعات النوم، تؤكد، أن عددها الفعلي لا يتجاوز الساعتين ما بين السادسة والثامنة صباحاً، «غالبية الناس لا ينامون»، مؤكدة أن ذلك أثر على النشاط والتركيز، وأن أطفال ابنتها أصيبوا بطفح جلدي وابنتها الكبرى انخفضت مناعتها وظهرت كتل ملتهبة عميقة في مناطق متعددة من رأسها وجسمها.
6 درجات فوق المعدل
وتشهد البلاد في هذه الفترة ارتفاعاً في درجات الحرارة بزيادة ست درجات مئوية عن معدلاتها السنوية، أدت إلى انتشار الحرائق في مناطق عدة. وخلال الشهر الأخير، شهدت دمشق أكثر من 20 حريقاً ومحافظة حمص نحو 90 حريقاً ومناطق الساحل نحو 280 حريقاً، معظمها في الحراج والغابات الجبلية.

الفتى اليافع صاحب بسطة الحيوانات في سوق الصالحية، يقول وهو يرطّب بضائعه الحية برذاذ الماء وأوراق الخضراوات: «الحر هلكنا». أما سبب تواجده في هذه المنطقة، فهو قربها من حديقة السبكي التي تتوافد إليها العائلات والأطفال. «معظم زبائني من الأطفال يأتون إلى الحديقة مساءً هرباً من البيوت اللاهبة».
على بعد أمتار من بائع الأرانب، يجلس بعض أصحاب المحال والبسطات في الظل، بعضهم رش الماء على الأرض، وآخر بلل قبعته، وثالث وضع منشفة رطبة حول عنقه.
يذكر أنه توجد في مدينة دمشق نحو 177 حديقة عامة تعدّ المتنفس الوحيد لسكان العاصمة، لا سيما الفقراء ممن ليس بإمكانهم الذهاب إلى المقاهي والأماكن التي تقدم خدمات مأجورة، والتي بات حتى الشعبي منها مكلفاً بسبب الغلاء.

اللافت في أحاديث السوريين عن معاناتهم من موجة الحر الشديد التي بدأت منذ نحو الشهر، تسليمهم بغياب وسائل التبريد، وسبق وسلموا بواقع غياب وسائل التدفئة شتاءً، حيث تزيد ساعات تقنين الكهرباء في ذروتي الصيف والشتاء مع ازدياد ضغط الاستهلاك وشح المحروقات. وتتركز الأحاديث، الآن، حول البدائل وأسعار مراوح البطاريات التي تغزو الأسواق بأسعار تتراوح بين 50 والـ150 ألف ليرة، «رغم أنها رديئة الصنع سريعة العطب، لكنها تلبي الغرض حين الحاجة»، يقول الخياط وهو يدخل إلى المحل بحثاً عن قطعة كرتون أفضل من تلك التي تهتكت بيده.
الموجة الحارة لا تزال تؤثر على سوريا عموماً، وعلى نحو أشد على المناطق الشمالية الشرقية والشرقية ومن المتوقع اشتدادها خلال الأيام المقبلة؛ لتفرض طقساً شديد الحر وسط تحذيرات بعدم التعرض لأشعة الشمس فترة منتصف النهار.

