الجيش يقتحم جنين للمرة الأولى بعد العملية الكبيرة... ويعتقل مسؤولاً في «حماس»

مواجهات مسلحة لكن أقل حدة من الهجوم السابق

يمشي أمام لوحة جدارية في مخيم جنين عليها صور فلسطينيين قتلوا في الصراع الإسرائيلي - الفلسطيني 6 يوليو (إ.ب)
يمشي أمام لوحة جدارية في مخيم جنين عليها صور فلسطينيين قتلوا في الصراع الإسرائيلي - الفلسطيني 6 يوليو (إ.ب)
TT

الجيش يقتحم جنين للمرة الأولى بعد العملية الكبيرة... ويعتقل مسؤولاً في «حماس»

يمشي أمام لوحة جدارية في مخيم جنين عليها صور فلسطينيين قتلوا في الصراع الإسرائيلي - الفلسطيني 6 يوليو (إ.ب)
يمشي أمام لوحة جدارية في مخيم جنين عليها صور فلسطينيين قتلوا في الصراع الإسرائيلي - الفلسطيني 6 يوليو (إ.ب)

اقتحمت قوات إسرائيلية مدينة ومخيم جنين، فجر الاثنين، لأول مرة، منذ العملية التي سمّتها «بيت وحديقة» بداية الشهر الحالي، واستمرت يومين، قتلت فيها 12 فلسطينياً واعتقلت آخرين وخلفت دماراً كبيراً.

وقالت وسائل إعلام إسرائيلية إن الاقتحام استهدف وانتهى، باعتقال زعيم حركة «حماس» في المدينة. وقالت إذاعة «كان» الإسرائيلية إن القوات الإسرائيلية دخلت إلى جنين واستهدفت مسلحين فلسطينيين في مخيم جنين، على وجه الخصوص، واعتقلت زعيم حركة «حماس» في المدينة، وقيادياً في كتائب جنين المسلحة.

وأكد مسؤولون فلسطينيون أن إسرائيل اعتقلت القيادي في «حماس» فتحي عتوم. وجاء الاقتحام واعتقال عتوم بعد أيام من تبني مجموعة تطلق على نفسها اسم «كتيبة العياش» في جنين شمال الضفة الغربية، إطلاق صاروخ باتجاه مستوطنة «رام اون».

صورة متداولة على مواقع التواصل نقلاً عن «كتيبة العياش» تعلن إطلاق قذيفة صاروخية من طراز «قسام 1»

وقالت الكتيبة، التي سميت على اسم يحيى عياش، أبرز صانع للمتفجرات في حركة «حماس» في الضفة الغربية بفترة التسعينات، واغتالته إسرائيل لاحقاً في قطاع غزة، إن «المقبل أعظم».

ونشرت الكتيبة فيديو يظهر صاروخاً ينطلق من قاعدة بدائية، من دون أن يتضح إلى أي مدى وصل. وهذه هي المحاولة الخامسة لاستخدام صواريخ بدائية الصنع من جنين.

اقتحام جنين ومخيمها تم في وقت يخطط فيه الجيش لعملية ثانية خاطفة، لكن هذه المرة لعدة ساعات فقط، بهدف إحباط محاولات المسلحين الفلسطينيين هناك لترميم البنية التحتية العسكرية بعد العملية السابقة التي استمرت يومين وخلفت دماراً كبيراً.

رجلان وطفل قرب قبور 13 فلسطينياً قتلوا في الهجوم الإسرائيلي الأخير بداية يوليو (أ.ف.ب)

وقال مسؤولون في المؤسسة الأمنية الإسرائيلية، إن عملية عسكرية جديدة في مخيم جنين، باتت أمراً لا مفر منه، ولكنها لن تكون على نطاق واسع كما جرى في العملية الأخيرة.

وكانت آخر مرة دخل فيها الجيش الإسرائيلي إلى جنين في أوائل يوليو (تموز)، في العملية التي استمرت يومين وشارك فيها أكثر من 1000 جندي من القوات البرية والقوات الجوية.

وقال الجيش الإسرائيلي إن القوات كشفت وهدمت في هذه العملية ما لا يقل عن 8 مواقع لتخزين الأسلحة، و6 مختبرات لصناعة المتفجرات بها مئات الأجهزة الجاهزة، و3 غرف حرب استخدمها مسلحون فلسطينيون لمراقبة القوات الإسرائيلية، و«البنية التحتية» للمسلحين.

وكانت العملية تستهدف السماح للجيش بشن هجمات اعتقال على جنين، من دون مقاومة عنيفة.

وقال الجيش بعد العملية، إنها «لم تحقق كل أهدافها، وإن اقتحام المخيم والمدينة، سيثبت إلى أي حد تم إلحاق أضرار بالبنية التحتية للمسلحين».

مسلحون من «كتيبة جنين» خلال مهرجان تأبين مايو الماضي (الشرق الأوسط)

والاثنين، اندلعت اشتباكات بين القوات الإسرائيلية ومجموعة من المسلحين الذين تصدوا للقوات المقتحمة، لكن أي عبوات ناسفة لم تنفجر. ويعد الجيش الإسرائيلي أن تحييد «العبوات» إنجاز كبير، لكن ما زال مبكراً الحكم على ذلك على الرغم من الاقتحام السريع الأخير. ونفذت القوات اقتحامات لمنازل بالمخيم وعاثت بها خراباً، ثم انسحبت من دون إصابات.

وأكد الجيش الإسرائيلي أن مسلحين فلسطينيين أطلقوا النار خلال المداهمة في المنطقة، مضيفاً أن مركبة هندسية تعطلت بسبب خلل تقني. وتم إخلاء المركبة في وقت لاحق.

وسمع دوي إطلاق النار في أنحاء المدينة بمقطع فيديو نشرته وسائل إعلام فلسطينية. وذكرت وكالة الأنباء الرسمية (وفا)، أن المعتقلين هما فتحي عتوم وربيع الصانوري. وأضافت أن عتوم سبق أن أمضى ما مجموعه 9 سنوات في السجون الإسرائيلية قبل إطلاق سراحه الشهر الماضي.

وقال الجيش الإسرائيلي إن جنوده اعتقلوا 10 فلسطينيين مطلوبين خلال مداهمات في مناطق أخرى بالضفة الغربية، في وقت مبكر من يوم الاثنين، مع وقوع أعمال عنف في بعض المناطق.


مقالات ذات صلة

عباس في مؤتمر «فتح»: سنحافظ على «أوسلو»... و«7 أكتوبر» دمرنا

المشرق العربي عباس أثناء خطابه في المؤتمر العام الثامن لحركة «فتح» بمدينة رام الله (إ.ب.أ)

عباس في مؤتمر «فتح»: سنحافظ على «أوسلو»... و«7 أكتوبر» دمرنا

أكد الرئيس الفلسطيني، محمود عباس، في افتتاح مؤتمر «فتح» الثامن تمسكه بالنهج السلمي وسط سلسلة من الحروب الدامية في المنطقة.

كفاح زبون (رام الله)
المشرق العربي مستوطنون وجنود إسرائيليون مسلحون في بلدة حوارة بالضفة الغربية المحتلة (أرشيفية - أ.ف.ب)

مقتل فلسطيني بنيران إسرائيلية في الضفة الغربية المحتلة

قُتل فتى فلسطيني، الأربعاء، بنيران إسرائيلية خلال هجوم لمستوطنين قرب قرية جلجليا شمال رام الله في الضفة الغربية المحتلة، وفق وزارة الصحة الفلسطينية.

«الشرق الأوسط» (رام الله)
المشرق العربي آلاف المستوطنين يتقدمهم سموتريتش يقتحمون مقاماً دينياً شمال الضفة الغربية

آلاف المستوطنين يتقدمهم سموتريتش يقتحمون مقاماً دينياً شمال الضفة الغربية

أفادت مصادر أمنية فلسطينية بأن آلاف المستوطنين اقتحموا، فجر اليوم الأربعاء، مقام يوسف شرق مدينة نابلس شمال الضفة الغربية.

«الشرق الأوسط» (الضفة الغربية)
المشرق العربي امرأة وطفل يعبران الشارع بينما تقوم القوات الإسرائيلية بدوريات خلال مداهمة عسكرية في جنوب رام الله بالضفة الغربية (أ.ف.ب) p-circle

مقتل طفل فلسطيني كل أسبوع في الضفة الغربية منذ بداية 2025

أعلنت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) اليوم (الثلاثاء) أن طفلاً فلسطينياً يُقتل كل أسبوع في الضفة الغربية المحتلة، منذ يناير 2025.

«الشرق الأوسط» (جنيف - الضفة الغربية)
المشرق العربي صورة من الجو لمستوطنة صانور قرب جنين في الضفة الغربية المحتلة (د.ب.أ)

إسرائيل ترفض القرار الأوروبي فرض عقوبات على مستوطنين في الضفة الغربية

أعلن وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر، اليوم (الاثنين)، رفض بلاده قرار وزراء الاتحاد الأوروبي فرض عقوبات على مستوطنين في الضفة الغربية.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)

الأزمات والحروب المتلاحقة تهدد مستوى التعليم في لبنان

وزيرة التربية ريما كرامي خلال مؤتمر صحافي يوم الجمعة (الوكالة الوطنية للإعلام)
وزيرة التربية ريما كرامي خلال مؤتمر صحافي يوم الجمعة (الوكالة الوطنية للإعلام)
TT

الأزمات والحروب المتلاحقة تهدد مستوى التعليم في لبنان

وزيرة التربية ريما كرامي خلال مؤتمر صحافي يوم الجمعة (الوكالة الوطنية للإعلام)
وزيرة التربية ريما كرامي خلال مؤتمر صحافي يوم الجمعة (الوكالة الوطنية للإعلام)

لم يكن قرار وزيرة التربية والتعليم العالي في لبنان، ريما كرامي، الذي أعلنت عنه يوم الجمعة، بإلغاء امتحانات الشهادة المتوسطة لهذا العام، واعتماد العلامات المدرسيّة وامتحان داخل المدرسة، بوصف ذلك بديلاً، أمراً مفاجئاً للطلاب وأهاليهم كما للكادر التعليمي، فهم اعتادوا في السنوات الماضية قرارات مماثلة تماشياً مع الأزمات والحروب المتتالية التي شهدها لبنان.

وقد أتى هذا الإعلان بعد أيام من إعلان مماثل لوزارة التربية الفرنسية بإلغاء شهادة البكالوريا الفرنسية في لبنان وعدد من دول الشرق الأوسط، وهي شهادة ثانوية رسمية تتبع المنهاج الفرنسي، وتُشرف عليها وزارة التربية الفرنسية عبر شبكة المدارس الفرنسية في الخارج التابعة لها.

وعلى الرغم من تأكيد الوزيرة اللبنانية الإبقاء على امتحانات الشهادة الثانوية، مع قرار بتقليص الدروس في مواد معينة واعتماد 3 دورات متتالية، فإن أكاديميين ومعنيين بالقطاع التعليمي باتوا يدقون ناقوس الخطر مع التراجع المدوي في مستوى التعليم في البلاد، مع تآكل جودة التعليم وضعف اكتساب الطلاب للمهارات والمعارف الأساسية، نتيجة تراجع عدد أيام التدريس الفعلية في المدارس اللبنانية التي تحول قسم كبير منها إلى مراكز نزوح.

الفيدرالية التعليمية

لم يعد الحديث عن التفاوت في مستوى التعليم بين المدارس الرسمية والخاصة كما بين المناطق اللبنانية، مجرّد توصيف عابر لأزمة ظرفية؛ بل بات، وفق أكاديميين وتربويين، أقرب إلى ما يشبه «فيدرالية تعليمية» غير معلنة؛ ففي وقت تتمكن فيه بعض المدارس الخاصة من الحفاظ نسبياً على برامجها التعليمية واستقرار كوادرها، تواجه مدارس رسمية، خصوصاً في المناطق التي تعدّ غير آمنة، صعوبات هائلة أدت لدمار أو إقفال العدد الأكبر منها، واعتماد بعضها التعليم عن بُعد الذي لم يتمكن عدد كبير من التلامذة الالتحاق به.

ويرى أكاديميون أن استمرار هذا الواقع يهدد وحدة النظام التربوي اللبناني، ويضرب مبدأ تكافؤ الفرص بين التلامذة، بحيث بات مستوى التحصيل العلمي مرتبطاً أكثر من أي وقت مضى بالمنطقة الجغرافية والوضع الاجتماعي والقدرة المادية للأهل؛ لا بالمناهج الرسمية أو السياسات التربوية الموحدة.

أطفال نازحون من الضاحية الجنوبية إلى وسط بيروت (أ.ف.ب)

مستويان تعليميان في لبنان

تشدد الدكتورة نسرين شاهين، رئيسة رابطة الأساتذة المتعاقدين في التعليم الأساسي الرسمي بلبنان، على أنه «لا يمكن اعتماد مقاربة واحدة للتعليم في لبنان، بحيث يختلف الواقع التعليمي خلال الحرب بين المدارس الرسمية والخاصة حتى بين المدارس الرسمية نفسها؛ إذ إن هناك 15 في المائة من المدارس الرسمية خارج نظام التعليم كلياً، نتيجة الدمار والنزوح ووجودها في مناطق غير آمنة، فيما 85 في المائة من المدارس منقسمة بين تعليم حضوري وتعليم عن بُعد، ما يجعلنا بصدد (فيدرالية تعليمية) واضحة يفترض مقاربة كل الواقع التعليمي على أساسها»، متحدثة لـ«الشرق الأوسط»، عن «خلل في سير العام الدراسي، باعتبار أن التعليم عن بُعد أيضاً لم يكن ممكناً ومتاحاً للجميع».

وتعتبر شاهين أن إلغاء «الشهادة المتوسطة كان يفترض أن يحصل، خصوصاً أنها ليست أصلاً معياراً في سلم الشهادات التعليمية، إضافة إلى أنه ونتيجة الحرب الراهنة، فلا عدالة ولا مساواة في تلقي التعليم، ولا إمكانات أمنية ولوجستية تتيح إجراء الامتحانات»، مضيفة: «المدارس الخاصة تمكنت من تطبيق الخطط التعليمية التي وضعتها وأنهت المنهج السنوي، أما المدارس الرسمية فلم تتمكن إلا من إكمال جزء من المنهج، ما يؤدي إلى هوة كبيرة، وإلى وجود مستويين تعليميين في لبنان، ما يوجب التعاطي مع الواقع على هذا الأساس، لا أن تتم معاملة كل الطلاب بالطريقة نفسها، ما يؤدي لتخفيض المستويات التعليمية في البلد ككل».

مخاوف ليست في مكانها

على الرغم من المخاوف التي يعبّر عنها بعض الأهالي من أن يكون لإلغاء الشهادات الرسمية تداعيات على فرص التحاق أولادهم في جامعات خارج لبنان، فإن الباحث محمد شمس الدين يؤكد أن «إلغاء الشهادات الرسمية ليس معياراً لقياس مستوى التعليم ومستوى الطلاب، بحيث إن الجامعات الكبرى تعتمد على امتحانات محددة تختلف عن الامتحانات الرسمية»، مذكراً «الشرق الأوسط» بأنه «كانت هناك 4 شهادات رسمية في لبنان بدأ العمل على إلغائها تباعاً».

أطفال نازحون يلعبون في ملعب مدينة كميل شمعون الرياضية ببيروت التي تحولت إلى مركز للنازحين (إ.ب.أ)

وضع يُرثى له

في مقاربة أوسع للواقع التعليمي، تتحدث الدكتورة في علم النفس بالجامعة اللبنانية في بيروت، منى فياض، عن «مستقبل مأزوم لأجيال كاملة، فالدراسة متقطعة منذ سنوات، إضافة إلى عدم وجود مساواة في تأمين التعليم»، واصفة الوضع بأنه «يرثى له، ما ينعكس تلقائياً على هبوط في مستوى الطلاب اللبنانيين، وإن كان سيبقى هناك على المستوى الفردي من سيتفوقون ويبرعون في الداخل والخارج، لكن واقع الغالبية العظمى سيكون صعباً».

وتضيف فياض لـ«الشرق الأوسط»: «إذا توقفت الحرب قريباً، فسنحتاج لسنوات كي نعود إلى الوضع الذي كنا فيه، وهو أصلاً كان وضعاً سيئاً».

وتعتبر فياض أن «إلغاء الشهادات الرسمية ورمي الكرة في ملعب المدارس يفاقمان الوضع، بحيث إنه ونتيجة الفساد الذي يعصف بكل المؤسسات ومنها المدارس، فلا ثقة بإداراتها بأنها ستتعامل بشفافية مع الامتحانات الموحدة التي قد تحصل... من دون أن ننسى وضع الأساتذة السيئ جداً، الذي قد يكون أسوأ من أوضاع الطلاب أنفسهم».


الأمم المتحدة: مفاوضات لبنان وإسرائيل توفّر «فرصة حاسمة» لوقف الحرب

الدخان يتصاعد عقب غارة إسرائيلية على مدينة صور بجنوب لبنان (أ.ف.ب)
الدخان يتصاعد عقب غارة إسرائيلية على مدينة صور بجنوب لبنان (أ.ف.ب)
TT

الأمم المتحدة: مفاوضات لبنان وإسرائيل توفّر «فرصة حاسمة» لوقف الحرب

الدخان يتصاعد عقب غارة إسرائيلية على مدينة صور بجنوب لبنان (أ.ف.ب)
الدخان يتصاعد عقب غارة إسرائيلية على مدينة صور بجنوب لبنان (أ.ف.ب)

عدَّ منسق الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في لبنان عمران ريزا، الجمعة، أنَّ المفاوضات الجارية بين لبنان وإسرائيل تُشكِّل «فرصة حاسمة» لوقف الحرب، مندِّداً باستمرار الغارات الإسرائيلية على لبنان التي تخلّف «حصيلة غير مقبولة» من المدنيين.

وقال، في بيان نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية»: «الجهود الدبلوماسية اليوم إنما توفّر فرصةً حاسمةً لوقف أعمال العنف»، آملاً في أن «تمهِّد المفاوضات الجارية الطريق نحو حل سياسي» رغم أن «الواقع على الأرض في لبنان يبعث على قلق بالغ».

وندَّد ريزا باستمرار «الغارات الجوية وعمليات الهدم بشكل يومي، مخلَّفة حصيلة غير مقبولة من الضحايا في صفوف المدنيين، فضلاً عن الأضرار التي تلحق بالبنية التحتية المدنية»، في وقت أحصت فيه وزارة الصحة اللبنانية مقتل 2951 شخصاً على الأقل منذ بدء الحرب في الثاني من مارس (آذار).

واستأنف لبنان وإسرائيل، الجمعة، جولة المحادثات الجديدة بينهما في يومها الثاني في واشنطن، رغم تصاعد العنف مجدداً مع شن الجيش الإسرائيلي غارات جديدة على الأراضي اللبنانية.

وقال دبلوماسي إن مبعوثي البلدين اللذين لا تربطهما أي علاقات، استأنفوا المحادثات في مقر وزارة الخارجية الأميركية بُعيد الساعة التاسعة صباحاً (13:00 بتوقيت غرينتش).

وصرَّح مسؤول في وزارة الخارجية الأميركية بأن اليوم الأول من هذه الجولة الثالثة من المحادثات، الخميس، كان «مثمراً»، إلا أنَّ إسرائيل أعلنت لاحقاً مقتل أحد جنودها في جنوب لبنان، وشنّت غارات جديدة، قالت إنها ضد أهداف تابعة لـ«حزب الله».


إسرائيل ما بعد الهدنة: من الردع إلى إعادة تشكيل الحدود

رجل يتفقد سيارته المتضررة وسط أنقاض محال دمّرتها غارات إسرائيلية سابقة في حي الحوش بمدينة صور جنوب لبنان (أ.ب)
رجل يتفقد سيارته المتضررة وسط أنقاض محال دمّرتها غارات إسرائيلية سابقة في حي الحوش بمدينة صور جنوب لبنان (أ.ب)
TT

إسرائيل ما بعد الهدنة: من الردع إلى إعادة تشكيل الحدود

رجل يتفقد سيارته المتضررة وسط أنقاض محال دمّرتها غارات إسرائيلية سابقة في حي الحوش بمدينة صور جنوب لبنان (أ.ب)
رجل يتفقد سيارته المتضررة وسط أنقاض محال دمّرتها غارات إسرائيلية سابقة في حي الحوش بمدينة صور جنوب لبنان (أ.ب)

لم تعد الهدنة في جنوب لبنان فاصلاً بين الحرب والسلم؛ بل تحوّلت إلى منصة إسرائيلية لإعادة تشكيل الميدان وفرض وقائع أمنية وجغرافية جديدة بالنار، عبر توسيع الإنذارات والغارات والتحركات شمال الليطاني، بما يوحي بمحاولة رسم حدود أمنية غير معلنة داخل الجنوب.

وبرز هذا التحول مع التصعيد الواسع، الجمعة، حيث شنّ الجيش الإسرائيلي غارات مكثفة من صور إلى النبطية، بالتزامن مع توسيع إنذارات الإخلاء إلى بلدات بعيدة نسبياً عن الشريط الحدودي، في مشهد استعاد بدايات الحرب، لكن بدلالات تتجاوز الضغط العسكري، إلى إعادة رسم الخريطة الأمنية للجنوب.

ووجّه المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي، إنذارات عاجلة إلى سكان عين بعال والخرايب والزرارية وعربصاليم وعرب الجل، داعياً إلى الإخلاء الفوري والابتعاد أكثر من ألف متر، بعدما سبقت ذلك صباحاً، تحذيرات مشابهة شملت شبريحا وحمادية صور وزقوق المفدي ومعشوق والحوش، في مؤشر إلى أن سياسة الإنذارات باتت جزءاً من استراتيجية ضغط نفسي وميداني، لدفع السكان تدريجياً بعيداً عن مساحات واسعة من الجنوب.

الهدنة تتحول إلى ساحة عمليات

ميدانياً، توسعت الغارات الإسرائيلية لتشمل شحور والنبطية الفوقا وميفدون وفرون والقصيبة ومجدل سلم، إضافة إلى مناطق بين تبنين والسلطانية والحمادية والشبريحا وطيرفلسيه والشعيتية وحوش - صور، فيما استهدفت غارتان صريفا وبرج قلاويه.

وترافق التصعيد مع قصف مدفعي على ميفدون والنبطية الفوقا وكونين وبرعشيت وبيت ياحون وزوطر الشرقية، واستهداف دراجة نارية في المجادل، وغارة على مركز «النجدة الشعبية» قرب مستشفى حيرام أدت إلى إصابات، بينما دُمّر حي كامل في شوكين والنبطية الفوقا يضم مبنى البلدية ومباني سكنية. وفي النبطية، قتلت غارة قرب النادي الحسيني، شخصين وأصابت ثالثاً أثناء نقل مساعدات، كما ألحقت أضراراً بـ3 سيارات إسعاف تعطلت إحداها بالكامل.

تصاعد الدخان من موقع غارة إسرائيلية استهدفت مدينة صور جنوب لبنان (أ.ف.ب)

وفي موازاة التصعيد، أعلن الجيش الإسرائيلي قتل نحو 60 مسلحاً خلال أسبوع، واستهداف أكثر من 100 بنية تحتية لـ«حزب الله»، رغم استمرار الحديث عن الهدنة.

ما يجري جنوباً لم يعد يُقرأ بوصفه خروقات متفرقة لوقف إطلاق النار؛ بل بوصفه مساراً إسرائيلياً متدرّجاً لإعادة هندسة الجغرافيا الأمنية للجنوب، عبر توسيع نطاق النار والإنذارات والتحركات العسكرية، بما يوحي بأن تل أبيب انتقلت من منطق الردع إلى محاولة فرض حدود ميدانية جديدة بالقوة.

خط نار جديد

في موازاة التصعيد الجوي، برزت التحركات العسكرية الإسرائيلية في محيط زوطر الشرقية، وسط مخاوف من محاولة توسيع نطاق العمليات شمال الليطاني، وخلق شريط ميداني جديد يتجاوز القرى الحدودية التقليدية.

وشهد محيط زوطر الشرقية ليل الخميس - الجمعة، تحركات إسرائيلية وُصفت بأنها محاولة تقدم واستكشاف ميداني في المنطقة، بالتزامن مع قصف مكثف طال الأطراف المحيطة بعلي الطاهر.

وقال مصدر محلي في جنوب لبنان لـ«الشرق الأوسط»، إن القوات الإسرائيلية «حاولت التقدم ليلاً في محيط زوطر تحت غطاء ناري كثيف واستطلاع جوي متواصل»، مشيراً إلى أن التحركات ترافقت مع نشاط للطيران المروحي والاستطلاعي فوق المنطقة.

وأوضح المصدر أن «التحرك بدا أقرب إلى عملية جس نبض ميدانية ومحاولة تثبيت نقاط نار ومراقبة في التلال المشرفة»، لافتاً إلى أن المنطقة تشهد منذ أيام، تصعيداً متدرجاً يوحي بمحاولة إسرائيلية لتوسيع نطاق عملياتها شمال الليطاني.

وأشار المصدر إلى أن القصف المكثف والاستطلاع الجوي المستمر يتركزان على زوطر «في محاولة توحي بتحضير تحرك ما نحو علي الطاهر»، لافتاً إلى أن الجيش الإسرائيلي «يحاول إحراق المناطق المفتوحة والمشرفة لمنع أي تحرك أو تموضع في تلك التلال والأودية».

لا إعادة ترسيم... بل منطقة عازلة بالنار

رغم تصاعد الخطاب الإسرائيلي حول إعادة رسم الحدود بالنار، يؤكد العميد المتقاعد خليل الحلو، أن ما يجري يرتبط باعتبارات أمنية وعسكرية فرضتها الحرب الأخيرة، وليس بأي تعديل قانوني للحدود اللبنانية.

رجل يتفقد سيارته المتضررة وسط أنقاض محال دمّرتها غارات إسرائيلية سابقة في حي الحوش بمدينة صور جنوب لبنان (أ.ب)

وقال الحلو لـ«الشرق الأوسط»، إن «الحديث الإسرائيلي عن إعادة رسم الحدود مع لبنان، لا يستند إلى أي أساس قانوني»، موضحاً أن «الحدود الدولية الوحيدة المرسّمة والمعترف بها بين لبنان وفلسطين رُسمت عام 1923، ثم ثُبّتت مجدداً في اتفاقية الهدنة عام 1949، وهذه الحدود لا تزال قائمة ومعترفاً بها دولياً».

وأضاف أن «كل ما يُثار اليوم عن خطوط جديدة لا علاقة له بترسيم الحدود؛ بل يرتبط باعتبارات أمنية وعسكرية فرضتها الحرب الأخيرة»، مشيراً إلى أن «خط التماس الحالي مع إسرائيل، يبلغ نحو 140 كيلومتراً بسبب احتلال الجولان السوري، بينما الحدود الدولية الفعلية بين لبنان وفلسطين لا تتجاوز 70 كيلومتراً».

وأوضح الحلو أن «الخط الأصفر الذي يجري الحديث عنه حالياً ليس حدوداً جديدة؛ بل منطقة أمنية تبعد نحو 10 كيلومترات عن الحدود، هدفها إبعاد الأسلحة المضادة للدروع التي يستخدمها (حزب الله) ضد الداخل الإسرائيلي».

وأضاف أن «إسرائيل أقامت جنوب هذا الخط مواقع وتحصينات ونقاط تمركز فعلية، فيما تعمل شماله على خلق منطقة عازلة غير معلنة عبر الضغط على السكان ودفعهم إلى المغادرة، بسبب استمرار استخدام المسيّرات والصواريخ من تلك المناطق».

وفيما يتعلق بالتحركات الإسرائيلية في محيط زوطر وأرنون وقلعة الشقيف، رأى الحلو أن «ما يجري لا علاقة له بإعادة ترسيم الحدود؛ بل هو احتلال ميداني مؤقت تفرضه الحسابات العسكرية».

وقال إن «هذه المنطقة تُعدّ استراتيجية لأنها تطل على الداخل الإسرائيلي، ولأن استمرار وجود (حزب الله) فيها يسمح باستهداف مواقع إسرائيلية، لذلك تلجأ إسرائيل إلى عمليات تسلل تنفذها وحدات خاصة صغيرة بدلاً من الاجتياحات التقليدية الواسعة».

آلية عسكرية إسرائيلية عند الحدود مع لبنان (رويترز)

عمليات الحزب

في المقابل، أعلن «حزب الله» تنفيذ سلسلة عمليات الجمعة، شملت التصدّي لطائرات ومسيّرات إسرائيلية بصواريخ أرض - جو، وتفجير عبوات ناسفة بقوات وآليات إسرائيلية في الطيبة وحداثا، ما أدى إلى «تدمير جرافتي D9 وإصابات مؤكدة». كما استهدف الحزب قوة قرب موقع البياضة ودبابة «ميركافا» بصليات صاروخية وصاروخ موجّه، إضافة إلى قصف قوة في بيدر الفقعاني، واستهداف دبابة في رشاف بمحلّقة انقضاضية، و3 آليات «بوكلين» في الخيام بقذائف المدفعية، في إطار استمرار المواجهات على المحاور الجنوبية.