ما زال الدمار هو العنوان الأبرز لمنطقة القصير في الريف الغربي لمحافظة حمص، رغم مرور 10 سنوات على استعادة السيطرة عليها من النظام و«حزب الله» اللبناني الموالي لإيران، ومضى نحو 4 سنوات على عودة عشرين ألف نسمة من النازحين إليها.
وما زال الإعمار يأخذ شكل الترميم أو بصورة أدق الترقيع، فنرى محلاً تجارياً رُتب على عجل في بناء مهدّم، أو جزء من بيت رُمِّم كحلٍّ سريع للسكن... وقليلة جداً الأبنية المعاد إعمارها بالكامل، وهذه تبدو للناظر، كعلامة فارقة تشير بشكل ما، إلى نشوء طبقة جديدة ضئيلة تتمتع بالمال والسلطة، وطبقة واسعة منهكة ومتهالكة.

مصادر أهلية، أشارت إلى تقديم مساعدات، وجهود تبذلها الإدارة المحلية، ومنظمات دولية ومحلية للترميم أو تقديم مستلزمات مشاريع زراعية صغيرة، لكن لا يمكن الحديث عن إعادة إعمار لأن الإمكانات المتاحة «شحيحة» جداً.
أحد العائدين ممن حصل على مساعدة ترميم يقول إنه استفاد منها لإعادة تأهيل غرفة ومطبخ وحمام، وظل باقي البيت المكون من غرفتين وصالون من دون نوافذ وأبواب، معتبراً أن ما تحقق «أفضل من النزوح والسكن بالإيجار»، مؤكداً أن الخراب مثل «المرض يحدث فجأة ويذهب ببطء».
سيدة أخرى، أُمّ لأربعة أولاد، تحدثت عن تجربتها مع نزوح استمر تسع سنوات في ضواحي دمشق، وتصفها بأنها كانت «سنوات مريرة»، فعدا الفقر ودفع الإيجارات، «كانت تحصل مشكلة مع الأولاد في المدرسة كل يوم، بسبب انتشار العنف بين الأطفال في المدارس، وبالأخص التي تضم أعداداً كبيرة من النازحين».

وتضيف: «تشكلت في مناطق النزوح مجتمعات حرب، الكل يشعر فيها أنه غريب وضعيف وبحاجة للدفاع عن نفسه»، لذلك تقول إنها وبلا تردد قررت العودة إلى القصير، بعد أن عاد معظم الأقارب من مناطق النزوح «كي يكبر الأولاد بين أهلهم وناسهم، مع أن وضع المدارس عندما عدنا عام 2019، كان بائساً جداً». ولفتت إلى أن وضع التعليم يتحسن مع عودة عدد لا بأس به من المعلمين ومعظمهم يعطي دروساً خصوصية إلى جانب عملهم في المدارس.
ويوجد في منطقة القصير وريفها، نحو 14 مدرسة ثانوية و27 مدرسة إعدادية و58 مدرسة ابتدائية، وثلاث مدارس مهنية، جميعها تعرضت خلال الحرب للتدمير، إما بشكل كامل وإما بشكل جزئي، وما زال منها 35 مدرسة خارج الخدمة لعدم عودة الأهالي إلى الكثير من القرى، ونحو 14 مدرسة جرى ترميمها وعادت إلى الخدمة، معظمها داخل المدينة.

طالب في الصف العاشر عاد مع عائلته قبل عام إلى القصير، عبَّر عن ارتياحه لأن المعلمين والطلاب أغلبهم «أقارب أو جيران، يعرف بعضنا بعضا». لكنّ الأمر غير المريح له هو افتقار البلدة لكثير من الخدمات والأماكن الترفيهية الشبابية، كالنوادي والمقاهي والمسارح والمعاهد الفنية. ويقول: «لا مكان أذهب إليه مع رفاقي، ومعظم الوقت أقضيه بالتواصل عبر تطبيقات وسائل التواصل الاجتماعي، وأحياناً نقوم أنا ورفاقي بتنظيم رحلات ونشاطات».
بعد الحرب تحولت القصير من مدينة بتعداد سكان يقارب الـ120 نسمة، نحو 50 في المائة منهم يتركزون في المدينة والباقي يتوزعون في 80 قرية، إلى قرية صغيرة بتعداد سكان بالكاد يصل إلى 20 ألفاً معظمهم يسكن بيوتاً شبه مدمَّرة، وسط قرى بعضها دُمِّر تماماً.
ويشار إلى أن النظام مدعوماً بقوات من «حزب الله»، استعاد سيطرته على القصير عام 2013 بعد معارك عنيفة خلَّفت دماراً بأكثر 75 في المائة من المدينة وقراها، ونزوح الغالبية العظمى من السكان، الذين عاد منهم بشكل فوري صيف 2013 نحو 5000 آلاف نسمة، وفي عام 2018 سُمح بعودة تدريجية لنحو 3464 عائلة بتعداد 18 ألف نسمة... هؤلاء يكافحون اليوم من أجل مواصلة العيش في منطقة قلقة وعُرضة للاستهدافات الإسرائيلية نظراً لوجود ذلك الحزب في المناطق الغربية منها المحاذية للحدود مع لبنان، إضافةً إلى معاناتهم من أزمة الطاقة والمحروقات التي تعاني منها مناطق سيطرة النظام عموماً، وتتسبب بأزمة توفير مياه الشرب والاتصالات والمواصلات، ما يجعل سبل العيش متعثرة.
ويفتقر الأهالي في القصير إلى «كل شيء»، حسبما قالت مصادر محلية تحدثت أيضاً عن وجود رغبة كبيرة لدى الأهالي العائدين في العمل والإنتاج... لا سيما في الزراعة: «أغلب العائلات ممن لديهم أراضٍ عادوا إلى الزراعة، ومنهم من بنى مسكناً له في الأرض الزراعية ليوفر وقود المواصلات ويحقق اكتفاءً غذائياً ذاتياً لعائلته وفائضاً يسترزق منه».

وتشير المصادر إلى معاناة أهالي المنطقة من حصار «حواجز النظام على الطريق الواصل إلى مدينة حمص، والمسلحين من أبناء العشائر في مناطق سيطرة (حزب الله) اللبناني غرب نهر العاصي، حيث تكثر عمليات الخطف والسلب». وتضيف أن أي «سيارة داخلة إلى أو خارجة من المنطقة وتحمل بضائع، تدفع إتاوات ما يتسبب في رفع تكاليف النقل، وبالتالي ارتفاع الأسعار في القصير إلى نسبة أعلى مما في مدينة حمص، وحتى من العاصمة دمشق، مع فارق عدد السكان، ونسبة الفقر، الأمر الذي يؤثر سلباً على النشاط التجاري ليصبح شبه معدوم».
في المقابل، تنشط عصابات التهريب، وترفع نسبة الخطر في المنطقة، وذلك على حساب حياة المدنيين. حسب تعبير المصادر، التي أكدت أن «أبرز مشكلة لدى العائدين، هي عدم وجود فرص عمل أو مورد رزق، حتى إن الموظفين الحكوميين ممن لديهم رواتب شهرية، يعانون من فقر مدقع، إذ لا يوجد لديهم مصدر رزق يُعينهم سوى الراتب الذي بالكاد يغطي نفقات الخبز».

موظف حكومي نزح خلال الحرب إلى قرى طرطوس، تحدث بحنين عن القصير «التي كانت قبل الحرب مركز المنطقة وسوقاً تجارية مهمة تربط مدينة حمص مع بعلبك وطرابلس في لبنان، حيث كان سكان الريف يعتمدون عليها في التعليم والطبابة والتسوق، ناهيك بأن معظم الأهالي من ملّاك الأراضي الزراعية التي تعدّ مورد الرزق الأساسي لهم، إلى جانب أعمالهم الأخرى أياً كانت، سواء في الهندسة أو الطب أو التعليم... إلخ.
الموظف العائد تحدث أيضاً وبشغف كبير، عن مشروعه الزراعي الصغير في أراضي العائلة: «لا يوجد حل آخر، فالوضع المعيشي صعب جداً»، مشيراً إلى أنه حصل على مساعدة رأسي غنم وعشر دجاجات وأسس مشروعاً صغيراً يعمل فيه مع زوجته وأولاده ويقول: «همنا لقمة العيش وتعليم الأولاد، ولا أظنهم سيبقون في هذه البلاد عندما يكبرون».










