واصل المؤتمر السابع «لدعم مستقبل سوريا والمنطقة» الذي يعقده الاتحاد الأوروبي في بروكسل أعمال يومه الثاني والأخير، فيما كانت تتعاقب أنباء الفاجعة الإنسانية الجديدة التي أودت بحياة مئات اللاجئين قبالة سواحل جزيرة كريت اليونانية، الذين يعتقد أن بينهم عدداً كبيراً من السوريين كانوا على متن سفينة صيد انطلقت من ميناء طبرق الليبي باتجاه الشواطئ الأوروبية.
وافتتح الجلسات رفيعة المستوى، المسؤول الأوروبي عن العلاقات الخارجية جوزيب بورّيل، الذي قال إن هذا المؤتمر يسعى إلى تجديد الدعم الدولي لجهود مساعدة سوريا على النهوض من أزمتها، والبلدان المجاورة التي تتحمل قدراً كبيراً من الأعباء التي نجمت عن هذه الأزمة. مؤكداً «أن الاتحاد الأوروبي يقف بجانب الشعب السوري، وليس بجانب النظام الذي لم تصدر عنه حتى الآن أي خطوات ملموسة باتجاه التجاوب مع الالتزامات الدولية للتوصل إلى حل سياسي دائم وشامل للأزمة».

وأعلن أن المؤتمر المنعقد في بروكسل جمع تعهدات بتقديم مساعدات قيمتها 1.56 مليار يورو، وأنه سيتم الإعلان عن إجمالي قيمة التعهدات الخاصة بالعامين الحالي والمقبل. وذكر المسؤول الأوروبي أن التبرعات «تغطي الاحتياجات الإنسانية للسوريين داخل سوريا وتساعد السوريين على إعادة بناء بلدهم، كما تغطي احتياجات 5.7 مليون لاجئ سوري في البلدان المجاورة؛ لبنان وتركيا والأردن ومصر والعراق». ولفت إلى أن هذه المساعدات «ستغطي أيضاً احتياجات المجتمعات المضيفة للاجئين السوريين». وفي وقت سابق، الخميس، قال بوريل إن الاتحاد لا يحبذ مسار «التطبيع» مع النظام السوري، مضيفاً: «نحن بعيدون كل البعد» عن تنفيذ قرار مجلس الأمن الدولي الخاص بسوريا. وأوضح أن الظروف «غير مواتية» لتغيير سياسة الاتحاد الأوروبي تجاه النظام السوري، أو تقليص العقوبات المفروضة عليه، ما لم يتحرك نحو تنفيذ قرار مجلس الأمن رقم 2254. وفيما يتعلق بوضع اللاجئين السوريين في لبنان، قال بوريل إن الاتحاد لا يمكنه قبول «إجبار اللاجئين على العودة إلى سوريا، دون توفر الظروف الملائمة لعودتهم بصورة آمنة».

وأضاف أن الاتحاد «يتفهم في الوقت نفسه حاجة لبنان إلى مزيد من دعم المجتمع الدولي لمواصلة استضافة اللاجئين السوريين». وكان بوريل قد دعا، الأربعاء، المجتمع الدولي لتكثيف الضغط على النظام السوري، لوقف ما وصفه بأنها «انتهاكات» حقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي والالتزام بحوار يؤدي إلى حل سياسي.
وقال موفد الأمم المتحدة الخاص إلى سوريا، النرويجي غير بيدرسون، إنه برغم التطورات الأخيرة التي شهدتها المنطقة، وتوّجتها عودة سوريا إلى جامعة الدول العربية، «لم يطرأ أي تقدم ملموس في العملية السياسية، والوضع الراهن ما زال غير مقبول وغير قابل للاستدامة». وشدّد بيدرسن على أنه «ليس بإمكان أي طرف أن يفرض رؤيته لحل النزاع، وأن الأمم المتحدة حريصة على التعاون مع الجميع»، كاشفاً عن إحراز تقدم في المساعي التي يبذلها لدعم استئناف اللجنة الدستورية أعمالها قريباً في جنيف.

وأضاف المبعوث الأممي أن السوريين بحاجة ماسة لتمويل خطة الاستجابة الإنسانية التي تقدر تكاليفها من الآن حتى نهاية أكتوبر (تشرين الثاني) المقبل، بما يزيد عن 5 مليارات دولار لمساعدة 14.2 مليون سوري في الداخل والخارج، وتنفيذ برامج التعافي وفتح معابر جديدة لإيصال المساعدات، التي قال عنها إن الأمين العام أنطونيو غوتيريّش يسعى مع الأطراف المعنية إلى تفعيلها.
وقال بيدرسن إن ثمّة حائلين أساسيين يؤخران عودة اللاجئين السوريين من بلدان الجوار إلى منازلهم؛ الأول اقتصادي، وهو يتعلّق بعدم توفر سبل الرزق، ومفتاح حله في الوقت الحاضر عند الدول المانحة التي حضّها على دفع المساعدات التي تعهدت بها في المؤتمرات السابقة. والثاني أمني، وهو من مسؤوليات النظام. وأكّد أن الأمم المتحدة «تتابع بقلق شديد موضوع آلاف المعتقلين والمفقودين، وهي تؤيد إنشاء مؤسسة خاصة تهتم بشؤونهم ومعرفة مصيرهم». وقال إنه «لا يجب تضييع هذه الفرصة التي أتاحها منعطف تجدد الاهتمام بالأزمة السورية للتوصل إلى حل سياسي سريع ودائم وشامل لها».
ومن جهته، قال المفوّض الأوروبي لشؤون الجوار وتوسعة الاتحاد، أوليفر فارهلي، إن البلدان الأوروبية «كانت منذ بداية الأزمة، ولا تزال شريكاً موثوقاً يعتدّ به في دعم اللاجئين السوريين والدول التي تستضيفهم في المنطقة»، مشيراً إلى أن قيمة المساعدات التي قدمها الاتحاد الأوروبي حتى الآن بلغت أكثر من 30 مليار يورو، فضلاً عن المعونة التي سارع إلى تقديمها في أعقاب الزلزال الذي ضرب المنطقة مؤخراً.
وحذّرت الأمم المتحدة من أن تمويل المشروعات التي يحتاج إليها السوريون في الداخل، وفي البلدان المجاورة، هذه السنة لم يصل بعد الـى عشر المبلغ اللازم لمساعدة 14 مليون لاجئ غادروا منازلهم منذ العام 2011، إضافة إلى 6.8 مليون نزحوا داخل البلاد، فضلاً عن 5.5 مليون موزعين بين تركيا ولبنان والأردن والعراق ومصر.

وأفادت وكالة الأمم المتحدة لغوث اللاجئين أن خطط مساعدة اللاجئين داخل سوريا تحتاج إلى 5.4 مليار دولار هذه السنة، إضافة إلى 5.8 مليار لمساعدة اللاجئين في بلدان المنطقة.
تجدر الإشارة إلى أن مؤتمر العام الماضي جمع تعهدات من الجهات المانحة بقيمة 6.7 مليار دولار، لكن لم يسدد منها سوى جزء يسير لا يتجاوز 26 في المائة.
وفي اتصال خاص مع «الشرق الأوسط»، قال الناطق بلسان الاتحاد الأوروبي، لويس ميغيل بوينو: «إن عودة سوريا مؤخراً إلى الشمل العربي هي بداية الطريق، وإنه لا بد من انتظار خطوات عملية في الاتجاه الصحيح، لم يظهر منها شيء حتى الآن». وأكّد أن ثمّة اجماعاً بين الدول الأعضاء في الاتحاد حول إيجاد حلول مستدامة للأزمة، تقوم على قرارات الشرعية الدولية والالتزامات المقطوعة من جانب جميع الأطراف المعنية.
وقال الناطق الأوروبي إن الاتحاد ينسّق بشكل مستمر مع دول المنطقة، مثل الأردن ولبنان والعراق والبلدان الخليجية، لتوفير الخدمات الأساسية التي يحتاج إليها السوريون في الداخل، بمن فيهم الذين يعيشون في المناطق التي يسيطر عليها النظام.
وكانت منظمات المجتمع المدني، التي شاركت بكثافة في هذا المؤتمر، قد وجهت انتقادات شديدة للنظام، وناشدت المجتمع الدولي، وبالأخص الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي، «عدم التساهل أو التسامح مع مرتكبي المجازر والتجاوزات بحق الشعب السوري»، وطالبت «بتشكيل محكمة خاصة لملاحقة أولئك الذين ارتكبوا الأعمال، والاقتصاص منهم».
«مجلس التعاون»
بدوره، أكد جاسم محمد البديوي، الأمين العام لمجلس التعاون لدول الخليج العربية، على ما جاء في بيان المجلس الأعلى، في الرياض، ديسمبر (كانون الأول) الماضي، على مواقفه الثابتة «تجاه الحفاظ على وحدة أراضي سوريا، واحترام استقلالها وسيادتها على أراضيها، ورفض التدخلات الإقليمية في شؤونها الداخلية»، كما أكد على «أهمية استمرار كافة الجهود لرفع المعاناة عن الشعب السوري الشقيق».
وقال الأمين العام، خلال كلمته: «إن دول مجلس التعاون رحبت بدعوة الأمين العام للأمم المتحدة لتجديد تفويض مجلس الأمن بتمديد آلية إيصال المساعدات الإنسانية عبر الحدود لمدة 12 شهراً، ما سيخفف من معاناة الشعب السوري، ويساهم في تجاوز الأزمة الاقتصادية التي تعاني منها».

وأعلنت وزارة الخارجية الأميركية عن مساعدات إضافية لسوريا قيمتها 920 مليون دولار خلال مؤتمر في بروكسل. وأضافت، في بيان، أن الحزمة الجديدة «ترفع إجمالي المساعدات الإنسانية الأميركية لسوريا والمنطقة إلى 1.1 مليار دولار هذا العام، ونحو 16.9 مليار دولار منذ بدء الحرب في سوريا».






