هل يمكن أن يسبّب «سد النهضة» الإثيوبي زلازل في أفريقيا؟

تواتر حدوث هزات أخيراً أثار مخاوف من انهياره

سد النهضة الإثيوبي (غيتي)
سد النهضة الإثيوبي (غيتي)
TT

هل يمكن أن يسبّب «سد النهضة» الإثيوبي زلازل في أفريقيا؟

سد النهضة الإثيوبي (غيتي)
سد النهضة الإثيوبي (غيتي)

أثار تواتر حدوث الزلازل في إثيوبيا مؤخراً مخاوف تتعلق بانهيار «سد النهضة» على الرافد الرئيسي لنهر النيل، جراء هذه الهزات الأرضية، والتي تحدث في منطقة توصف بأنها نشطة زلزالياً، وهي «منطقة الأخدود الأفريقي»، لكن هذه المخاوف التي تركز على تبعات وقوع الزلازل، لا تهتم كثيراً بأسباب وقوعها، والتي لا يمكن فصلها عن مشروع بناء السد.

ووقع الاثنين الماضي، على بعد 100كم فقط شمال شرقي سد النهضة، زلزال بقوة 4.4 درجة على مقياس «ريختر» على عمق 9.8 كم، وهو الأول في تاريخ تلك المنطقة، والأقرب لسد النهضة، وقبله بيوم وقع زلزال بقوة 4.1 درجة على عمق 10 كم، شرق إثيوبيا، على بعد نحو 650 كم شرق سد النهضة، وقبله وقعت عدة زلازل متوسطة، منها زلزالان في 26 ديسمبر (كانون الأول) 2022 بقوة 5.5، 4.6 درجة شمالي إثيوبيا على الحدود مع إريتريا، وزلزال بقوة 4.6 درجة على عمق 10 كم في 26 يناير (كانون الثاني) من العام الحالي، شمالي إثيوبيا، على بعد نحو 500 كم من سد النهضة.

وإذا كانت الزلازل عادة ما توصف بأنها كوارث طبيعية لا دخل للإنسان في حدوثها، إلا أن بعض الدراسات بدأت تهتم مؤخراً بأنواع تسمى بـ«الزلازل المستحثة»، والتي كما يظهر من اسمها، يكون سببها أنشطة بشرية حفزت حدوثها، ومن بين هذه الأنشطة التي يذكرها العلماء «بناء السدود».

يقول مارتن ماي، أستاذ علوم الأرض والهندسة بجامعة الملك عبد الله للعلوم والتكنولوجيا (كاوست)، لـ«الشرق الأوسط»، إن «السدود الكبيرة يمكن أن تولد زلازل، ويقع ذلك ضمن فئة (الزلازل المستحثة)، ويكون معظم هذه الزلازل صغيرة، مثل تلك التي يولدها سد أسوان في مصر، لكن يمكن أيضاً أن تتسبب في زلازل ضخمة مثل زلزال (ونتشوان) بالصين عام 2008».

ومع اعترافه بوجود العلاقة بين بناء السدود وحدوث الزلازل، أضاف: «لا أستطيع تحديد فرص حدوث زلزال كبير، كالذي حدث في الصين، يكون مرتبطاً ببناء سد النهضة وملئه، ولا يسعني إلا أن أفترض أن الخبراء المعنيين يدرسون المشكلة، وأن لديهم معدات مراقبة الزلازل في المكان المناسب، لرصدها والتخفيف من حدتها».

ما قاله ماي إنه لا يستطيع تحديد فرص حدوثه، استشعرت خطورته دراسة لـ«يوهانس يهديغو ولديوهانيس» من جامعة «لاتروب» بأستراليا، حيث ذهبت تلك الدراسة المنشورة في يونيو (حزيران) 2017 بـ«المجلة العالمية للعلوم البيئية والإدارة»، إلى أن المنطقة مهيأة لزلزال عميق وضخم؛ لأن حجم مياه سد النهضة عندما يكتمل ملؤه سيؤدي إلى ضغوط كبيرة تحت سطح الأرض، ويمكن أن يؤدي إلى أحداث زلزالية كبيرة.

ويشرح إيكو تووهاتا، أستاذ الهندسة الجيوتقنية في جامعة طوكيو باليابان، لـ«الشرق الأوسط»، آلية تسبب السدود في حدوث الزلازل، موضحاً أن «استقرار مستويات الصدع (مستويات التلامس لكتلتين صخريتين) يعتمد على نسبة قوة الانزلاق ومقاومة الاحتكاك الناتجة عن ضغط التلامس لكتل الصخور مضروباً في معامل الاحتكاك، ويقلل ضغط الماء المرتفع من ضغط التلامس (وزن الكتلة الصخرية العلوية مطروحاً منها ضغط الماء)، وبالتالي مقاومة الاحتكاك، ويكون من نتيجة ذلك التأثير على استقرار مستوى الصدع؛ المزيد من احتمال تمزق الفوالق، وحدوث الزلزال».

يقول تووهاتا: «تتوافق فكرة هذا النشاط الزلزالي المستحث مع الزلازل التي سببها سد (كوينا) في (ماهاراشترا) بالهند، ومن بين أقوى تلك الزلازل، كان زلزال بقوة 6.6 قتل أكثر من 170 شخصاً، ورغم أن قوة الزلزال لم تكن كبيرة بشكل رهيب، فإن عمق مركزه كان ضحلاً (15 كم أو نحو ذلك فقط)، وقريباً من منازل الضحايا».

يضيف: «هناك المزيد من الأمثلة الأخرى مثل سد (نوريك) في طاجيكستان، وسد (أسوان) العالي في مصر، وسد (هوفر) بالولايات المتحدة، وما إلى ذلك، لكنها كانت أحداثاً ضعيفة ولم تحصد أرواحاً بشرية، أما زلزال (ونتشوان) بالصين فالباحثون الدوليون يلومون السد في الغالب، بينما يرفض الباحثون المحليون الصينيون الفكرة».

وبعد هذا الرصد التاريخي، يؤكد تووهاتا ضرورة عدم إغفال طبيعة المنطقة التي يتم بناء السد فيها، قائلاً: «لنفترض وجود صدع واحد يكون فيه الإجهاد التكتوني الطبيعي مرتفعاً بالقرب من الحد الأعلى، ومن المحتمل حدوث زلزال في غضون بضعة عقود (وقت قصير جداً بالمعنى الجيولوجي)، فإن إنشاء خزان في هذه الحالة يجعل ضغط الماء الإضافي، يؤدي إلى حدوث زلزال قبل بضعة عقود من العام الطبيعي، وفي مثل هذه الحالة، يكون حجز المياه الصناعية مساعداً في حدوث الزلزال، وليس السبب الرئيسي، وفي المقابل، فإن ارتفاع ضغط المياه في الخزان الذي يتسبب في حدوث زلزال في صدع مستقر بشكل طبيعي، سيكون هو المسؤول الكامل عن الكارثة»..

خريطة للهزات الأرضية التي شهدتها إثيوبيا أخيراً (عباس شراقي، أستاذ الجيولوجيا والموارد المائية بجامعة القاهرة)

ويتفق عباس شراقي، أستاذ الجيولوجيا والموارد المائية بجامعة القاهرة، مع ما ذهب إليه تووهاتا، موضحاً أن «المنطقة الإثيوبية تقع ضمن أكبر فالق على اليابس في العالم، وهو (الأخدود الأفريقي)، وهي منطقة بطبيعتها نشطة زلزالياً؛ لذلك فإن هذا السد المخطط له أن يحجز 74 مليار متر مكعب من المياه، يمكن أن يسبب مزيداً من الإجهاد، الذي يكون من نتيجته زلزال مدمر».

يقول: «الزلازل التي وقعت مؤخراً تقترب من الزلازل المتوسطة غير المدمرة، لكن تظل هناك احتمالات لوقوع زلازل كبيرة، وسيزيد هذا الاحتمال بعد ملء السد بنحو 74 مليار متر مكعب، كما تقول إثيوبيا، وهو رقم ضخم للغاية».

ويضيف: «حتى دون بناء السد، فإن المنطقة نشطة زلزالياً، ويمكن أن تصل الموجات الزلزالية إلى السد في حالة وقع الزلزال بمنطقة بعيد عنه، وسوف يؤدي ذلك إلى تدميره». ويرفض شراقي المقارنة مع السد العالي، موضحاً أن «السد العالي يتسبب في حدوث زلازل ضعيفة؛ لأنه في منطقة غير نشطة زلزالياً، والزمن أثبت متانته، لكن سد إثيوبيا في منطقة لا تسمح جيولوجيتها بإنشاء سد بهذه الضخامة».

يقول إن «أقصى ما تسمح به جيولوجية هذه المنطقة هو سد لا يتجاوز حجم المياه التي يحجزها من 5 إلى 10 مليارات متر مكعب، بحيث إذا تأثر بوقوع الزلازل بتلك المنطقة النشطة، نكون حينها أمام فيضان مدمر، ولكن مع سد النهضة سنكون أمام طوفان يبتلع مدناً بأكملها».



تقديرات فلسطينية بنيّة إسرائيل توسيع «الخط الأصفر»

فلسطيني يحمل جاكيت الشاب مهند فروانة الذي قتلته غارة إسرائيلية بينما كان يتجهز لحفل زفافه ظهر اليوم في خان يونس جنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)
فلسطيني يحمل جاكيت الشاب مهند فروانة الذي قتلته غارة إسرائيلية بينما كان يتجهز لحفل زفافه ظهر اليوم في خان يونس جنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)
TT

تقديرات فلسطينية بنيّة إسرائيل توسيع «الخط الأصفر»

فلسطيني يحمل جاكيت الشاب مهند فروانة الذي قتلته غارة إسرائيلية بينما كان يتجهز لحفل زفافه ظهر اليوم في خان يونس جنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)
فلسطيني يحمل جاكيت الشاب مهند فروانة الذي قتلته غارة إسرائيلية بينما كان يتجهز لحفل زفافه ظهر اليوم في خان يونس جنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)

بينما يترقب الفلسطينيون، خصوصاً في قطاع غزة، ما ستؤول إليه الجولة الجديدة من مفاوضات وقف إطلاق النار والانتقال للمرحلة الثانية منه، التي تستضيفها العاصمة المصرية (القاهرة) بدءاً من اليوم السبت، تسيطر حالةٌ من الشكوك تجاه نوايا إسرائيل في إمكانية قبول ما يمكن أن يتم التوصل إليه بين الفصائل الفلسطينية والوسطاء.

وستعقد الفصائل الفلسطينية لقاءات موسعة فيما بينها لإجراء مناقشات بشأن المقاربات المطروحة مؤخراً حول عديد القضايا، المتعلقة بالمرحلتين الأولى والثانية، قبل أن يعقد لقاء بين وفد «حماس» ممثلاً عن الفصائل والوسطاء لبحث تلك النقاط.

فلسطيني يظهر دعوة عبر الهاتف لحفل زفاف الشاب مهند فروانة الذي قتلته غارة إسرائيلية قبل ساعات من زواجه ظهر اليوم في خان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

وقبيل هذه الجولة نقلت إسرائيل رسائل عبر بعض الأطراف تهدد فيه «حماس» والفصائل بتوسيع عملياتها العسكرية داخل القطاع، بما في ذلك الاغتيالات، في حال لم يتم التوصل لاتفاق خلال الفترة المقبلة، كما علمت «الشرق الأوسط» من مصادر فصائلية عدة منذ أيام. وهو أمر لوحت به جهات رسمية وغير رسمية إسرائيلية تحدثت مؤخراً عن ذلك، بينهم رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، الذي هدد بتوسيع السيطرة على مناطق أخرى في القطاع لتصل نسبة ما تحتله قواته 70 في المائة من أراضي القطاع.

وقال مصدر سياسي من «حماس» وآخر من الفصائل الفلسطينية لـ«الشرق الأوسط»، إن التهديدات الإسرائيلية لم تكن مفصلة، لكنها عامة وصلت عبر بعض الأطراف، مشيرين إلى أن قيادة «المقاومة» أكدت رفضها لأي تهديدات أو التفاوض تحت سلاح التهديد، الذي قالت إنه لم يجد سابقاً نفعاً.

وتشير تقديرات ميدانية أعدتها فصائل فلسطينية داخلياً، من بينها «حماس»، أن إسرائيل قد تصعد من سلسلة الاغتيالات التي لجأت إليها مؤخراً بشكل مكثف، لتشمل جميع القيادات والنشطاء البارزين، وكذلك أي نشطاء فاعلين في مجالات عسكرية وأمنية، وحتى ربما استهداف قيادات حكومية بغزة، كما جرى في حالات سابقة باستهداف ضباط الشرطة وغيرهم.

فلسطينيون ينتظرون دورهم لملء أوعية بالماء من خزان في معسكر للنازحين بخان يونس جنوب قطاع غزة السبت (أ.ف.ب)

وفقاً لتلك التقديرات، كما كشفت عنها مصادر ميدانية لـ«الشرق الأوسط»، فإن إسرائيل لن تكتفي بملاحقة المشاركين أو المشرفين على هجوم السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، الذين تم اغتيال غالبيتهم العظمى، لكنها تركز على أهداف أخرى في حال سنحت الفرصة العملياتية لاغتيالهم كما جرى في الأيام الأخيرة مع مسؤولين أمنيين في «حماس» وكذلك نشطاء في مجال التصنيع العسكري وغيره.

وبينت أن تلك العمليات بدأت تنفذ فعلياً في الأيام الأخيرة في محاولة من إسرائيل لإظهار جديتها بتنفيذ مخطط أوسع، بما يشمل تدمير مربعات سكنية كما يجري أيضاً في الأيام الماضية بهدف الضغط أكثر على الفصائل الفلسطينية، للقبول بنزع سلاحها.

وستطالب الفصائل الفلسطينية، خلال لقاءات القاهرة، بوقف الاغتيالات شرطاً لنجاح التقدم في المفاوضات. كما علمت «الشرق الأوسط» الجمعة. كما أنها ستطالب بتطبيق الاتفاقات المتوقعة كرزمة واحدة دون تجزئة، بما في ذلك الانسحاب الإسرائيلي التدريجي المتفق عليه ضمن خطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب.

وأخطر ما قد يبرز في الخطط العملياتية الإسرائيلية، وفق التقديرات الفصائلية حال فشلت الجولة الحالية، التي رأت إن إسرائيل ستتعمد إفشالها، هو أن تسيطر قواتها على مزيد من أراضي القطاع تحت مسمى توسيع الخط الأصفر، الذي وسعت مساحته مؤخراً عدة مرات.

ويتوقع أن تبدأ عملية توسيع الخط الأصفر في مناطق قبالة وسط القطاع مثل دير البلح والمغازي والبريج، بتهجير آلاف العوائل والسيطرة على مناطق وصولاً إلى شارع صلاح الدين الرئيس، الذي يربط شمال القطاع بوسطه وجنوبه، فيما قد تتوسع السيطرة الإسرائيلية قبالة مناطق أخرى بالسيطرة على مناطق تقع غرب الشارع نفسه على امتداد مسافة معينة، بما يضيق مساحة أماكن وجود الغزيين أكثر تجاه المناطق الغربية من القطاع.

فلسطينيون ينتظرون دورهم لملء أوعية بالماء من خزان في معسكر للنازحين بخان يونس جنوب قطاع غزة السبت (أ.ف.ب)

ولا تستبعد المصادر أن تقدم إسرائيل على توسيع سيطرتها في شمال القطاع وصولاً لمناطق أوسع مما هي عليه الآن، خصوصاً ما تبقى من مخيم جباليا والمناطق المحاذية له.

وبعد ظهر الجمعة، طلبت إسرائيل من نحو 8 عوائل تقطن في منطقة بلوك 2 بمخيم جباليا مغادرة خيامهم ومنازلهم المتضررة جراء عمليات قصف ونسف سابقة طالت المنطقة، معتبراً إياها منطقة خطرة رغم أنها تبعد عن الخط الأصفر أكثر من 300 متر.

اعتداءات إسرائيلية

تأتي هذه التطورات على وقع استمرار الغارات الإسرائيلية، التي طالت فجر السبت خيمة على سطح منزل متضرر وسط خان يونس جنوب قطاع غزة، ما أدى لمقتل الشاب مهند فروانة الذي كان يتجهز لحفل زفافه ظهر اليوم ذاته.

وودعت عائلة فروانة نجلها وسط دموع وحسرة لم تغب عنهم في وقت كان من المفترض أن يتم زفه عريساً لعروسته التي فجعت بنبأ قتله بشكل مفاجئ.

فيما أصيبت فتاة برصاص القوات الإسرائيلية في منطقة شارع جاسر بخان يونس، وأصيب طفل برصاص طائرة مسيرة بحي الزيتون.

وارتفع عدد الضحايا الفلسطينيين منذ دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في العاشر من أكتوبر 2025 إلى أكثر من 952، وإصابة نحو 3 آلاف. فيما وصل العدد الإجمالي منذ هجوم السابع من ذات الشهر لعام 2023 إلى 72961، والإصابات 173092.


لبنان يفتتح مطاراً دولياً ثانياً بعد عقود من التأجيل

رئيس الحكومة نواف سلام يلقي كلمة في حفل إطلاق أعمال تأهيل مطار رينيه معوض في الشمال (الشرق الأوسط)
رئيس الحكومة نواف سلام يلقي كلمة في حفل إطلاق أعمال تأهيل مطار رينيه معوض في الشمال (الشرق الأوسط)
TT

لبنان يفتتح مطاراً دولياً ثانياً بعد عقود من التأجيل

رئيس الحكومة نواف سلام يلقي كلمة في حفل إطلاق أعمال تأهيل مطار رينيه معوض في الشمال (الشرق الأوسط)
رئيس الحكومة نواف سلام يلقي كلمة في حفل إطلاق أعمال تأهيل مطار رينيه معوض في الشمال (الشرق الأوسط)

أطلق لبنان السبت أعمال تأهيل مطار دوليّ ثانٍ يقع في أقصى الشمال قرب الحدود مع سوريا، تمهيداً لتشغيله خلال أشهر، بعد عقود من التأجيل، في خطوة وصفها رئيس الحكومة نواف سلام على أنها «قرار سياسي وإنمائي بامتياز»، مشدداً على أن إطلاق العمل فيه «استعادة لمعنى الدولة، واستعادة لوثيقة الطائف»، مشيراً إلى «أننا نحول الإنماء المتوازن إلى ورقة عمل». ويعمل في لبنان حالياً مطار دولي واحد هو مطار رفيق الحريري في بيروت المتاخم لضاحية بيروت الجنوبية. أما المطار الجديد الذي يحمل اسم «الرئيس رينيه معوض» وهو الرئيس اللبناني السابق الذي اغتيل في العام 1989، فهو يقع في بلدة القليعات في محافظة عكار في أقصى شمال لبنان، على بعد كيلومترات عن الحدود مع سوريا، وأكثر من 20 كيلومتراً عن مرفأ طرابلس. وقد بقي قاعدة عسكرية لعقود.

قرار سياسي

وقال سلام في حفل الافتتاح: «لسنا هنا أمام مدرج، وإلى جانب طائرة مدنية، ومشروع قاعة ركاب جديدة فحسب، بل نحن هنا أمام قرار سياسي وإنمائي ووطني بامتياز: ألّا تبقى منطقة عكّار خارج أولويات الدولة الإنمائية»، لافتاً إلى أن المحافظة الشمالية «بقيت لعقود تعاني من الحرمان، والتهميش، وضعف الاستثمار في البنى التحتية، والخدمات، وفرص العمل».

رئيس الحكومة نواف سلام ووزير الأشغال العامة والنقل فايز رسامني أمام لوحة افتتاح المطار (الشرق الأوسط)

وأكد أن «إطلاق أعمال تأهيل وتشغيل مطار الرئيس رينيه معوّض في القليعات ليس مشروعاً استثمارياً فحسب، بل هو خطوة في صلب الإنماء المتوازن، وفي صلب العدالة بين المناطق، وفي صلب مسؤولية الدولة تجاه مواطنيها».

وقال: «أتينا إلى القليعات لنضع حجر الأساس لهذه الورشة، على متن طائرة تجارية، في رسالة واضحة أن هذا المطار لم يعد فكرة مؤجلة، بل أصبح مساراً بدأ يتجسد فعلاً»، لافتاً إلى أن الحكومة «تراهن على أن يفتح تشغيل هذا المطار أمام عكّار والشمال فرصاً جديدة في العمل، والخدمات، والنقل، والشحن، والتجارة، والسياحة».

وشدد على أن «هذا المطار ليس بديلاً عن مطار رفيق الحريري الدولي في بيروت. فلبنان يحتاج إلى بنية جوية حديثة، ومتكاملة، كما يحتاج إلى ربط مناطقه بالدورة الاقتصادية الوطنية». وقال: «قريباً تكون الرحلات من هذا المطار قد انطلقت، فلا تبقى عكار منطقة على أطراف الوطن، بل تصير مركزاً اقتصادياً فاعلاً فيه، وبوابة من بوابات لبنان على الشقيقة سوريا، ومحيطه العربي، لا بل على العالم الأرحب».

جزء من ذاكرة سياسية

والمطار هو جزء من الذاكرة السياسية والدستورية للبنان، فبعد انتهاء الاجتماعات في مدينة الطائف، وعودة النواب من المملكة العربية السعودية، انعقد في 5 نوفمبر (تشرين الثاني) 1989 مجلس النواب في مطار القليعات، حيث أُقرّت الصيغة الدستورية لـ«وثيقة الوفاق الوطني» التي باتت معروفة باتفاق الطائف. وانتُخب الرئيس رينيه معوّض رئيساً للجمهورية في هذا المرفق، قبل أن يُغتال بعد أيام قليلة «وهو يحاول أن ينقل لبنان من حالة الحرب إلى السلم الأهلي»، حسبما قال سلام.

فعاليات في شمال لبنان تقلد رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام درعاً تكريمياً (الشرق الأوسط)

وأضاف: «لذلك، فإن إعادة الحياة إلى مطار الرئيس رينيه معوّض ليست فقط إعادة تشغيل مرفق عام، هي أيضاً استعادة لمعنى الدولة. استعادة لذاكرة الطائف، لا كوثيقة جامدة، بل كمشروع سياسي لم يكتمل بعد». وقد ذكر اتفاق الطائف أن الإنماء المتوازن، ثقافياً واجتماعياً واقتصادياً، هو ركن أساسي من أركان وحدة الدولة واستقرار النظام. وتابع: «هذا ما نعمل على تحقيقه اليوم».

رحلات تجارية منخفضة التكلفة

وقال وزير النقل والأشغال العامة اللبناني فايز رسامني في حفل افتتاح أعمال التأهيل: «بعد أكثر من خمسين عاماً من الوعود، والتأجيل، والانتظار، نقف اليوم في القليعات لنعلن أن مطار الشهيد رينيه معوض لم يعد مشروعاً مؤجلاً بل صار خياراً وطنياً». وتوقع رسامني أن يدخل المطار «حيز التشغيل الفعلي بعد بضعة أسابيع ليكون بداية مرحلة جديدة للنقل الجوي في لبنان نحو مرسين، وإسطنبول، ودبي». وتحدث عن خطط لتوسيع الوجهات نحو المملكة العربية السعودية، والقاهرة، وأثينا في مراحل لاحقة. وتتواصل السلطات اللبنانية مع شركات طيران منخفضة التكلفة، مثل «راين إير» و«بيغاسوس»، لتعمل في المطار كذلك، بحسب الوزير.

رئيس الحكومة نواف سلام وعقيلته يستقلان طائرة مدنية هبطت في مطار رينيه معوض في الشمال (الشرق الأوسط)

ثلاثة أشهر

ويفترض أن تستغرق أعمال التأهيل ثلاثة أشهر على الأقلّ، على أن يدخل المطار رسمياً في الخدمة في نوفمبر 2026. وتتولّى أعمال التأهيل شركة «سكاي لاونج» اللبنانية التي نشرت على صفحتها على منصة «إنستغرام»» السبت مقطع فيديو لرحلة تجريبية بين مطار بيروت ومطار القليعات. وتوقع رئيس مجلس إدارة الشركة زياد منلا إتمام تشييد مبنى المسافرين «خلال تسعين يوماً بعد استكمال الموافقات، والتراخيص المطلوبة». وسيكون المطار قادراً على استيعاب «114 ألف مسافر في السنة الأولى، على أن يرتفع العدد إلى أكثر من 600 ألف بحلول السنة الرابعة»، بحسب ما جاء في كلمة منلا في حفل افتتح أعمال التأهيل.


ما أسباب تسارع وتيرة «سقوط» بلدات جنوب لبنان بيد الإسرائيليين؟

لبناني يصوِّر قلعة الشقيف التي سيطر عليها الجيش الإسرائيلي الأحد الماضي (أ.ب)
لبناني يصوِّر قلعة الشقيف التي سيطر عليها الجيش الإسرائيلي الأحد الماضي (أ.ب)
TT

ما أسباب تسارع وتيرة «سقوط» بلدات جنوب لبنان بيد الإسرائيليين؟

لبناني يصوِّر قلعة الشقيف التي سيطر عليها الجيش الإسرائيلي الأحد الماضي (أ.ب)
لبناني يصوِّر قلعة الشقيف التي سيطر عليها الجيش الإسرائيلي الأحد الماضي (أ.ب)

كان لافتاً في الأسبوع الماضي تسارع وتيرة تمدد إسرائيل داخل القرى والبلدات اللبنانية الجنوبية، بعدما كانت الوتيرة منذ انطلاق العمليات البرية الأخيرة مطلع مارس (آذار) الماضي بطيئة نسبياً، ما يطرح علامات استفهام حول ما إذا كانت الأسباب مرتبطة بخطط واستراتيجيات إسرائيلية جديدة أم بتراجع قدرات «حزب الله» الدفاعية.

تحضيرات لأسابيع

وقالت مصادر ميدانية في الجنوب اللبناني إنه «خلال أسبوع واحد فقط سقطت 5 بلدات بقبضة الإسرائيليين، وهي: زوطر الشرقية والغربية، وأرنون، ويحمر، ودبين» معتبرة في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن «الوتيرة كانت الأسرع في الحرب الراهنة، وإن كان هذا التمدد أتى بعد تحضيرات لأسابيع وقصف متواصل وهجمات سابقة فاشلة، وإخلاء مناطق في شعاع 10 كيلومترات».

وأضافت: «كذلك تعمد الجيش الإسرائيلي إلحاق دمار كبير بالمناطق المحيطة، معتمداً سياسة الأرض المحروقة التي تسهل تقدمه».

‏وأعلن الجيش الإسرائيلي الأحد الماضي سيطرة قواته على قلعة الشقيف الأثرية والاستراتيجية في جنوب لبنان. واعتبر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أن ما حصل هو «تحول حاسم» في الهجوم على لبنان، وقال إنه أصدر تعليماته للجيش الإسرائيلي بـ«توسيع نطاق المناورة».

لا انهيارات سريعة

ويعتبر العميد المتقاعد حسن جوني أنه من المبالغ فيه الحديث عن انهيار أو تهاوي القرى سريعاً، لافتاً إلى أنه «لا شك في أن هناك إنجازاً تكتيكياً إسرائيلياً تحقق في منطقة قلعة شقيف ونطاقها في محيط قرى زوطر الشرقية وصولاً إلى القلعة، وما تمثله من رمز معنوي في الدرجة الأولى وهدف استراتيجي نظراً لأهميتها وموقعها، ولكن الجيش الإسرائيلي كان يحضر لهذه العملية منذ أكثر من شهرين، من خلال محاولاته المتكررة على محور دير سريان، ومن خلال الضربات النارية المكثفة في هذه المنطقة».

عناصر من القوة الإسبانية في «اليونيفيل» ينفِّذون دورية راجلة في بلدة دبين بجنوب لبنان بعد انسحاب الجيش الإسرائيلي منها (أ.ب)

ويوضح جوني في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن الجيش الإسرائيلي «اتبع استراتيجية تقدُّم بطيئة تقوم على استدراج عناصر (حزب الله) لتنفيذ رمايات على آلياته، وفور رصدهم يتم استهدافهم»؛ مشيراً إلى أنه «عمل على هذا النمط وقتاً طويلاً، ما أدى إلى إنهاك منظومة (حزب الله) الدفاعية في هذه المنطقة». وأضاف: «كما أن الحزب لا يملك القدرة على تعزيز مراكزه التي تضعُف؛ لأنه مقيد الحركة في المناورات الأرضية، ومكبَّل نتيجة المراقبة الجوية الدائمة».

ويلفت جوني إلى أنه «عندما رفع الإسرائيليون عَلَمهم على قلعة شقيف، شعر الحزب وبيئته بحالة ضعف وشيء من الانكسار، ما أدى بالمقابل لشعور الإسرائيلي بزخم لمواصلة عملياته البرية في محيط وادي الحجير للسيطرة عليه».

ما أسباب ما يحصل؟

بدوره، يعتبر العميد المتقاعد جورج نادر أن نمط العمليات العسكرية يُظهر أن «إسرائيل تتعلم من الدروس المستقاة من (حرب تموز 2006) حين كانت تقوم بالتوغل والاحتلال السريع، ما يؤدي لاستهداف أسهل لقواتها، فأصبحت اليوم تتقدم ببطء وبحذر وثبات، للاحتلال والاحتفاظ بالنقاط المحتلة»، مذكراً بأنه «خلال 3 أشهر وصل الإسرائيليون إلى قلعة شقيف، أما في عام 1982 فقد وصلوا إلى بيروت».

وأضاف نادر لـ«الشرق الأوسط»: «التفوق الجوي الإسرائيلي الكاسح يشكل أمراً حاسماً في هذه المعركة، إضافة إلى أن المقاتلين والقياديين المحترفين في الحزب معظمهم قُتلوا أو أُصيبوا، سواء بتفجيرات (البيجر) أو في المعارك وعمليات الاغتيال، وبالتالي معظم العناصر الذين يقاتلون اليوم لا يمتلكون الخبرة الكافية، حتى ولو كانوا مندفعين ويقاتلون وفق آيديولوجيا دينية».

ويختم نادر قائلاً: «(حزب الله) وإسرائيل يخوض كل منهما حرباً وجودية، لذلك سيذهبان إلى الحد الأقصى في هذه المعركة».