الجميلي: خطط الجهاز لاغتيال بوش وتفجير سفينة لإغلاق قناة السويس

مدير شعبة أميركا في مخابرات البعث العراقي يفتح لـ«الشرق الأوسط» دفاترها

TT

الجميلي: خطط الجهاز لاغتيال بوش وتفجير سفينة لإغلاق قناة السويس

الرئيس جورج بوش الأب في الكويت عام 1993 (غيتي)
الرئيس جورج بوش الأب في الكويت عام 1993 (غيتي)

لم تكن المرة الأولى التي أحاور فيها ضابط مخابرات. وأعرف هذا العالم المعتم بالظلال والقسوة والضربات القاتلة. لم يكن جهاز المخابرات العراقية يتساهل أبداً مع من يصنّفهم في خانة الأعداء. ويمكن القول إن النظام كان خائفاً ومخيفاً. وفي مخاطبة أعداء الداخل والخارج كان يمارس عنفاً صارخاً ومدوياً. أصابتني روايات سالم الجميلي، مدير شعبة أميركا في المخابرات العراقية، بنوع من الذهول. لن أشرح الأسباب وأفضّل أن أتركه يروي.

قبل عام 1980 لم يكن لجهاز المخابرات العراقي نشاط واضح في العمليات الخاصة باستثناء استهداف شخصيات فلسطينية سارت على المنهج الاستسلامي مع إسرائيل (بالتعاون مع صبري البنا أبو نضال) وشخصيات عراقية (من أعداء الحزب والثورة) كانوا من الأطراف الرئيسية المشاركة في ثورة 17 تموز 1968 الذين أبعدهم صدام حسين بعد 30 يونيو (تموز) من الشهر نفسه واستقروا خارج العراق. هكذا اغتيل حردان عبد الغفّار التكريتي (نائب رئيس الجمهورية ووزير الدفاع السابق) الذي اغتيل في الكويت عام 1971 وعبد الرزاق النايف (رئيس الوزراء بعد عودة البعث إلى السلطة) الذي اغتيل عام 1978 في لندن. كذلك محاولة اغتيال الدكتور إياد علاوي (رئيس الوزراء بعد إطاحة البعث) عام 1978 من قِبل ضابط العمليات (م.ج). في الواقع كانت العملية ما نسميه تهشيم رأس بأمر من الرئيس صدام حسين شخصياً وليست عملية اغتيال؛ لأن المهاجم استخدم الفأس ولم يستخدم السلاح رغم توافره في محطة المخابرات في لندن. والحقيقة أن المنفّذ يمتلك من الشجاعة والقدرة على تنفيذ مهامه بكل دقة؛ إذ لم تُسجّل عليه أي حالة من الفشل خلال مسيرته العملياتية، ولم يكلّف مهمة ويغادر المكان دون أن يسلب روح الضحية.

التحوّل الكبير الذي طرأ على عمل المخابرات في مجال العمليات الخاصة بدأ منذ اندلاع الأزمة مع إيران بعد مجيء الخميني إلى السلطة عام 1979. سعى الجهاز بمرور الوقت إلى تطوير قدراته الدفاعية في مجال مكافحة العمليات والتخريب أولاً، ثم توافرت خبرات ممتازة في مجال الهجوم سواء في عمليات الاغتيال أو استخدام المتفجرات أو المواد السميّة.

اياد علاوي... أمر صدام بـ "تهشيم رأسه" فاكتفى الضابط المنفّذ باستخدام الفأس (غيتي)

في عام 1980 انتهجت إيران الخمينية سياسة «تصدير الثورة» وترافق سلوكها العدائي مع جملة من العمليات الإرهابية داخل الأراضي العراقية وعلى الحدود بهدف تقويض نظام الحكم. استشعر جهاز المخابرات الخطر القادم من إيران؛ لذلك سعى بسرعة إلى تطوير قدرات شعبة المتفجرات في مديرية العمليات الخاصة، وطلب من مركز البحوث الفنية الذي أشرف على تأسيسه الدكتور نعيم العضاض، العمل على توفير المعدات الفنية الخاصة بالمتفجرات، سواء كانت أجهزة توقيت أم أجهزة التفجير اللاسلكي التي استوردها من الخارج، وأصبح الجهاز قادراً على الرد على إيران.

في اجتماع عُقد بناءً على دعوة من مدير الجهاز برزان التكريتي فوجئ المشاركون بشخص يتحدث اللهجة المصرية. علمنا لاحقاً أنه الدكتور عبد المنعم محمود أحمد، الخبير في مجال البحوث الكيميائية والبيولوجية، وأنه يشغل منصب المستشار الفني لمدير الجهاز. وفهمنا أن الرجل هو المسؤول عن تطوير الأبحاث في مجالات عدة، منها المواد السميّة والكيماوية، إضافة إلى إشرافه على كادر التصنيع الخاص بالعبوات المتفجرة. واتضح أن انضمامه إلى جهاز المخابرات لم يكن في إطار التعاون الاستخباري المصري – العراقي، إنما ورد اسمه خلال زيارة لوفد من وزارة الدفاع إلى مصر للاستعانة بخبراء مصريين لتطوير قدرات الجيش في السلاح الكيماوي.

خلال المباحثات لفت المصريون انتباه الوفد العراقي إلى وجود مجموعة من الأساتذة الجامعيين من مصر يعملون في الجامعات العراقية ويمكن الإفادة من خبراتهم وأشاروا إلى اسم الدكتور عبد المنعم. وكان الرجل يمتلك إمكانات فذة وسبق له أن عمل في الجيش المصري ووصل إلى رتبة لواء، كما شغل منصب مدير مصنع كيماوي في مصر.

سالم الجميلي

أسس الدكتور عبد المنعم المختبرات الخاصة بجهاز المخابرات في منطقة سلمان باك بالتعاقد مع شركات سويسرية وألمانية. كما أسس مديرية البحوث الجنائية التي لعبت دوراً بارزاً في حسم معارك شرق البصرة عام 1981، وحظي بتكريم من الرئيس صدام حسين (سيارة مرسيدس).

في عام 1986 تم تأسيس «مشروع الغافقي» الذي انتقلت إليه مهام تصنيع المواد المتفجرة تحت إشراف الدكتور عبد المنعم وبمشاركة فنيين فلسطينيين. استمر عبد المنعم في العمل في جهاز المخابرات إلى فترة متأخرة وقد اعتقلته القوات الأميركية بعد الغزو ومات في السجن. وقد استفاد الجهاز أيضاً من خبرات فلسطينية وبموافقة الرئيس الراحل ياسر عرفات.

كان لا بد من سؤال الجميلي عما ذُكر في 1993 عن عملية أعدتها المخابرات العراقية لاغتيال الرئيس الأميركي السابق جورج بوش إبان زيارته للكويت، وها هو يؤكدها ويحكي تفاصيلها كاشفاً عن أن العملية كانت تتضمن تفجير سيارة يتبعه هجوم انتحاريين يرتدون سترات ناسفة.

عندما علم جهاز المخابرات ببرنامج زيارة بوش الأب إلى الكويت، رفع الجهاز إلى الرئيس اقتراحاً للموافقة على تنفيذ عملية انتحارية تستهدف قتل الزائر في مدينة الكويت. وكان الغرض من العملية معاقبة بوش على ما فعلته أميركا في عهده بحق العراق وجيشه.

كانت الخطة تقضي بتفخيخ سيارة لاند كروز مع أربعة أفراد جميعهم يحملون أحزمة ناسفة، ثلاثة منهم من مديرية العمليات الخاصة وآخر من الكويتيين البدون وكانت مهمته دليلاً في الصحراء لتهريب السيارة والمنفذين وإدخالهم إلى الكويت. كان من المقرر أن يتم تفجير السيارة عن بعد بهدف تعطيل الموكب وإرباكه، ومن ثم تنفيذ المرحلة الثانية من الهجوم بأحزمة الانتحاريين الناسفة.

قام مشروع الغافقي (م 16) بتفخيخ السيارة باستخدام 100 كلغ من المتفجرات وإخفائها بطريقة لا يمكن كشفها. وبهدف التأكد من دقة إخفاء المتفجرات وعدم كشفها؛ عرضوا السيارة على أكثر من معرض للسيارات في بغداد لفحصها وتحديد ما إذا كانت تعرّضت لحادث أو وجود آثار تعديلات أجريت عليها أو أي إصلاحات، وبعد فحصها أقرّوا بسلامتها.

14 متهماً في قضية محاولة اغتيال الرئيس بوش في الكويت... انتهت محاكمتهم بإدانة خمسة عراقيين وكويتي بالإعدام عام 1993 (غيتي)

كان مقرراً إدخال السيارة إلى الكويت بعد المرور بدولة خليجية، وهي وصلت فعلاً إلى الكويت. ارتبك أحد المنفذين وأبلغ السلطات الكويتية وتم اعتقال جميع المشاركين وفشلت العملية. كان رد الفعل الأميركي مهاجمة مبنى المخابرات بـ22 صاروخاً بعيد المدى في يونيو (حزيران) 1993.

أعدت المخابرات العراقية أيضاً خطة لتفجير سفينة مفخخة في قناة السويس بهدف تعطيل الملاحة فيها، وها هو الجميلي يسترجع القصة.

تعتبر قناة السويس الممر الرئيسي لمرور قوات التحالف الدولي إلى منطقة الخليج العربي؛ لذلك تم إعداد مخطط لإغلاق القناة من خلال تفجير باخرة محملة بالحديد السكراب والإسمنت في منتصف قناة السويس لمنع مرور القوات الأميركية فيها. تم شراء الباخرة من ميناء مومباي في الهند من قِبل دائرة المشاريع في جهاز المخابرات بإشراف مدير الشعبة (س.ع.ت). كان من المقرر تحميلها بالإسمنت من ميناء عدن في اليمن، حيث تواجد الفريق المخابراتي المكوّن من 14 ضابطاً، بينهم ضابط انتحاري من دائرة العمليات الخاصة. وكانت الخطة تقضي بوضع 100 كلغ من المتفجرات شديدة الانفجار في مكان يؤدي إلى إغراق السفينة فوراً وسط القناة. استكملت كل مراحل التخطيط في ميناء عدن بإشراف ضابط المخابرات (ح.ك.ح) وكان يحمل اسماً مستعاراً هو سعد عبد العزيز.

خطط العراق لتفجير سفينة في قناة السويس لمنع القوات الأميركية من استخدامها (رويترز)

أشير هنا إلى أن الضابط الانتحاري كان قد ترك وصية تتعلق بالاهتمام بعائلته المكوّنة من زوجته وابنته في حال استشهاده، إلا أن مدير الجهاز أعطاه حق القفز في مياه القناة لحظة التفجير والتوجه إلى السفارة العراقية في القاهرة التي تسلّمت أمراً باستقباله وتسفيره فوراً إلى بغداد. ووضعت خطة كي يكون الضابط في نقطة تسمح له بالقفز سالماً في لحظة الانفجار.

لم يكن الإسمنت متوافراً في اليمن؛ لذلك جرى تحميل السفينة بكميات كبيرة من الحديد السكراب، وكان ذلك من أسباب تأخرها عن التحرك في الوقت المحدد. قبل يوم من مغادرة السفينة باتجاه قناة السويس أمر الرئيس صدام حسين بوقف العملية. ونظراً لعدم وجود اتصالات بين بغداد والخارج اضطر أحد ضباط المخابرات (خ.ش) إلى السفر إلى عمان لتأمين الاتصال بالمسؤول عن العملية في عدن، والطلب إليه إعادة الباخرة إلى الميناء في حال كانت انطلقت منه؛ وذلك لأسباب تتعلق بقرار مجلس الأمن الدولي القاضي بوقف النار والتزام العراق بإيقاف كل الأعمال العدائية والإرهابية في الخارج. ولحسن الحظ كانت السفينة ما زالت في ميناء عدن. لو نفذت العملية لترتب على العراق دفع تعويضات بمليارات الدولارات.

بعد صدور أمر إيقاف العملية كانت المهمة الأصعب هي نزع المتفجرات من الباخرة والتخلص منها في البحر وإفراغها من الحمولة وتغيير اسم الباخرة، وقد استلزم ذلك نحو ستة أشهر. كان قبطان السفينة يونانياً وطاقمها هندياً، لكنهم لم يعرفوا ما يدور على السفينة.

 

استهداف شحنة معدات نووية إسرائيلية

رئيس الوزراء الإسرائيلي مناحيم بيغن وقائد أركان الجيش الإسرائيلي رفائيل إيتان خلال الإعلان عن تدمير مفاعل تموز العراقي في 9 يونيو 1981 (غيتي)

كان لجهاز المخابرات مصدر برتبة نقيب طيّار يعمل في قاعدة همدان الجوية في إيران على صلة قوية مع أحد الأكراد الإيرانيين من جماعة عبد الرحمن قاسملو، زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني. كان الاسم الحركي للطيار في ملفات الجهاز (داريوش). قدّم لنا داريوش معلومات مهمة عن لقاءات سرية جرت بين مختصين من الموساد الإسرائيلي والقوات الجوية الإسرائيلية مع ضباط من القوات الجوية الإيرانية وجهاز اطلاعات (المخابرات الإيرانية) في فرنسا، حيث طلبت الموساد من إيران الحصول على صور جوية بزوايا محددة عن مفاعل تموز النووي الواقع في جنوب بغداد، ومعلومات عن طبيعة الدفاعات الجوية المحيطة بالمفاعل؛ وذلك بهدف وضع خطة هجوم جوي لتدميره. في الوقت ذاته وصلت إلى الجهاز أيضاً معلومات أخرى تؤكد وجود خطة إسرائيلية لشن هجوم جوي على مفاعل تموز كان مصدرها أحد أجهزة المخابرات الصديقة التي لدينا علاقة تعاون استخباري معها.

تم تقديم المعلومات إلى الرئاسة مع مقترحات بشأن الإجراءات المطلوب اتخاذها لحماية المفاعل، منها ضرورة نشر صواريخ متطورة حوله وتأمين مظلة جوية، ولكن القدرات الجوية العراقية لم تكن ملائمة لتوفير تلك الإجراءات بسبب انشغالها بالحرب مع إيران حتى اختارت إسرائيل التوقيت المناسب ودمرته في السابع من يونيو 1981.

في نهاية عام 1982 وصلت إلى محطتنا في لندن معلومات من مصدر بريطاني من أصل لبناني يعمل في ميناء لندن، عن وجود شحنة معدات نووية في أحد مخازن ميناء لندن بانتظار شحنها إلى إسرائيل، ونظراً لرغبة المخابرات الجامحة في الثأر من الهجوم الإسرائيلي على مفاعل تموز النووي؛ فقد اتخذ القرار على الفور بوضع خطة لتدمير الشحنة، وتم إيفاد اثنين من ضباط المخابرات إلى لندن، أحدهما متخصص بصناعة المتفجرات (خ.أ.ف) والآخر متخصص في الاتصالات، وتم تصنيع عبوة حارقة تعمل عن بعد، لم تكن العبوة متفجرة تحسباً من كشف العملية.

تسلل الضابطان ليلاً إلى الميناء بمساعدة المصدر اللبناني وتوجهوا إلى موقع الشحنة، وتم زرع العبوة الحارقة التي فُجّرت عن بعد، وأدى ذلك إلى احتراق الشحنة والمخزن بالكامل. كان في انتظار المنفذين سيارة مع سائق توجّه بها الضابطان إلى المطار لمغادرة لندن، إلا أنهما فوجئا بإلقاء القبض عليهما قبل المغادرة بوقت قصير، واتضح أن سائق السيارة قد ارتكب خطأً، عندما كان متواجداً في زاوية ميتة ولدى فتح باب السيارة أدى انعكاس الضوء على مرآة عاكسة عند الحارس الذي ساوره الشك وأخذ رقم السيارة؛ مما سهّل تعقب المنفذين وبالتالي تم القبض عليهما والحكم عليهما بالسجن ثلاث سنوات.

 

ملف اغتيال دي كوييار

انزعج صدام من انحياز دي كوييار فأمر بتصفيته (غيتي)

عندما تسلّم الجميلي مهامه مديراً لشعبة أميركا في الجهاز وجد في درج المكتب ملفاً ضخماً وعليه عبارة سري جداً. تصفحه فعثر على معلومات تفصيلية عن مقر إقامة المبعوث السابق للأمم المتحدة خافيير بيريز دي كوييار. تضمن الملف خرائط وصوراً ومخططات توضح مدخل المسكن والطرق المؤدية إليه مع وصف كامل لموقع الدار والمنطقة المحيطة والإجراءات الأمنية. كما تضمن معلومات شخصية تفصيلية عن حياته وأصدقائه وتحركاته والمناسبات التي يحتفل بها والأماكن التي يتردد عليها. استفسر من المدير السابق للشعبة فأجابه بـ«أن دي كوييار لعب دوراً خبيثاً جداً بإعلانه أن العراق يتحمل مسؤولية نشوب الحرب العراقية – الإيرانية، وطالب العراق بدفع تعويضات حرب لإيران. وذكر المدير السابق أن دي كوييار دخل في صفقة تفاوض مع إيران قادها مساعده الدبلوماسي الإيطالي جيان دومينيكو بيكو لإطلاق سراح المحتجزين الغربيين لدى (حزب الله) اللبناني في مقابل أن ترفع أميركا حظر توريد السلاح والمعدات الخاصة بالطائرات الحربية. تم إطلاق المحتجزين، فحمّل دي كوييار العراق مسؤولية الحرب، مخالفاً بذلك قرار مجلس الأمن الدولي رقم 589 القاضي بوقف العمليات الحربية. وكانت الصفقة تمت مع كل من عماد مغنية ومصطفى بدر الدين وهاشمي رفسنجاني. كان الرئيس صدام حسين منزعجاً جداً من انحياز دي كوييار الغريب لإيران؛ لذلك أمر بتصفيته. وهكذا تم جمع هذه المعلومات بناءً على طلب مديرية العمليات الخاصة. توقف التنفيذ إثر صدور أمر من الرئيس في 1994 بوقف العمليات الخاصة». وواضح أن عدم وجود أي إشارة خطية إلى أمر الرئيس باغتيال دي كوييار سببه أن هذه الأوامر لا تُسجّل على الورق، وهكذا عاش دي كوييار حتى مشارف المائة عام.

حاملة الطائرة الأميركية "نيميتز"... خطط العراق لمهاجمتها بطائرة انتحارية (غيتي)

في 2003 وقبيل الغزو الأميركي للعراق وضع جهاز المخابرات بالتنسيق مع الاستخبارات العسكرية خطة للهجوم على حاملة الطائرات الأميركية «نيميتز» في مياه الخليج باستخدام طيّار انتحاري يقود طائرة من طراز «ميغ 25». وبسبب قدرة القوات الأميركية على تعطيل كل القواعد الجوية، تم نقل الطائرة الانتحارية من القاعدة إلى مكان خارجها ووضعت في شارع عام مخصص للسيارات قرب قاعدة بلد الجوية. تم التأكد نظرياً من قدرة الطائرة على الإقلاع من المكان، لكن حين حاول الطيار الإقلاع وقبل ثانيتين من ارتفاعها لامس إطارها الخلفي حافة الشارع، ما أدى إلى احتراقها واستشهاد الطيار (الجبوري) وفشلت العملية.



هرتسوغ يبدأ مشاورات تشكيل الحكومة الإسرائيلية... ونتنياهو يلاحق الأحزاب العربية

الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ (د.ب.أ)
الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ (د.ب.أ)
TT

هرتسوغ يبدأ مشاورات تشكيل الحكومة الإسرائيلية... ونتنياهو يلاحق الأحزاب العربية

الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ (د.ب.أ)
الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ (د.ب.أ)

في الوقت الذي باشر فيه الرئيس الإسرائيلي، إسحاق هرتسوغ، الأربعاء، لقاءاته مع قادة الأحزاب الفائزة في الانتخابات لبلورة موقف إزاء إصدار تكليف بتشكيل حكومة جديدة، يتصاعد الخلاف بين حكومة بنيامين نتنياهو، ورئيس جهاز المخابرات الموالي لها، ديفيد زيني، من جهة، والجهاز القضائي وأحزاب المعارضة من جهة أخرى بشأن محاولات نزع الشرعية عن الأحزاب العربية وملاحقتها لإلغاء الانتخابات، والإبقاء على نتنياهو رئيساً للوزراء.

ووقَّع مسؤولون سابقون في جهازي الأمن والقضاء الإسرائيليين على عريضتين نُشرتا، الأربعاء، وجّهوا فيهما انتقادات شديدة إلى رئيس «الشاباك» إثر مطالبته بالتحقيق مع قياديين في الأحزاب العربية بادعاء الاشتباه بضلوعهم في تلقي تمويل والسماح بتدخل أجنبي في الانتخابات، من دون أن تتوفر لديه أدلة على ذلك.

وعبّر مسؤولون سابقون عن دعمهم للمستشارة القضائية للحكومة، غالي بهاراف ميارا، التي طالبت زيني بتقديم أدلة قبل أن تصدِّق على التحقيقات، وحذرته من تحويل «الشاباك» إلى أداة سياسية في خدمة أحزاب معينة.

وجاء في عريضة المسؤولين الأمنيين السابقين أن «الشاباك ملزم بالعمل وفقاً لنص قانونه؛ أي العمل بصورة رسمية والامتناع عن أي فعل يهدف إلى (دفع مصالح حزبية - سياسية)، وهذا هو الواجب الشخصي لرئيس (الشاباك) وخرقه يشكك في ملاءمة ديفيد زيني لمنصبه».

وأضافوا أن التحقيق مع مواطنين، خصوصاً ممن انتخبهم الجمهور، دون أدلة هو خرق للقواعد الأساسية في جهاز رسمي، وأنه «في التوقيت والظروف الراهنة يتعالى تخوف من أن المطالبة (بالتحقيق) نابع من اعتبارات سياسية، بهدف تقويض نتائج الانتخابات ونزع شرعيتها، وهذا يشكل تدخلاً سياسياً يمس بطهارة الانتخابات وبثقة الجمهور بنتائجها».

وقد جاءت هذه العريضة بعدما وقَّع عشرات المسؤولين السابقين في جهاز القضاء، وبينهم مدَّعون في النيابة العامة وفي أجهزة أمنية، أنهم يعبرون عن «صدمة عميقة» حيال التقارير حول مطالبة زيني بالتحقيق ضد مواطنين ومنتخبي جمهور دون أدلة. وشددوا على أنه لا يمكن إجراء تحقيقات دون أدلة، واقتبسوا من رسالة المستشارة القضائية للحكومة إلى زيني التي جاء فيها أن «أي أحد ينبغي التحقيق معه سيُحقَّق معه، لكن لا يتم التحقيق مع أشخاص دون قاعدة أدلة».

وكان زيني قد طلب من بهاراف ميارا، أمس، التحقيق مع الرئيس السابق للقائمة المشتركة، أيمن عودة، بدعوى الحصول على أموال من السلطة الفلسطينية، ومع عضوَي الكنيست أحمد الطيبي ومنصور عباس، ومع رئيس حزب التجمع سامي أبو شحادة، بدعوى حصولهم على أموال من دول أجنبية.

المرشح الفلسطيني أحمد الطيبي يدلي بصوته مع أفراد أسرته شمال إسرائيل يوم الثلاثاء (رويترز)

وكشفت مصادر إعلامية موثوقة عن أن هذه الفكرة نبتت في اجتماع عقده نتنياهو مع عدد من المسؤولين الأمنيين، والمقربين السياسيين والمستشارين.

زوجة نتنياهو تحث على إلغاء الانتخابات

وحسب صحيفة «يديعوت أحرونوت»، دخلت زوجة نتنياهو، سارة، وراحت تصرخ في وجوه الحاضرين وتتهمهم بالتقصير في حماية حكم اليمين وحثَّتهم على العمل من أجل إلغاء نتائج الانتخابات بزعم أنها مزوَّرة. وطلبت منع تسليم نتائج الانتخابات لرئيس الدولة.

لكن هذه المحاولة فشلت، إذ إن رئيس لجنة الانتخابات المركزية، القاضي نوعام سولبرغ، سلَّم نتائج الانتخابات الرسمية لهرتسوغ، الأربعاء، وقال: «في الأيام الأخيرة تعالت أصوات بهدف التشكيك في نتائج الانتخابات وتقويضها، وهذا خطر حقيقي».

وأضاف: «اللجنة حققت في الادعاءات، وبمشاركة 250 محامياً أجرت تدقيقاً في جميع التوجهات إليها من الأحزاب والمرشحين وكذلك من الجمهور، ودققت في بروتوكولات 9069 صندوق اقتراع، وأجرت تدقيقاً معمقاً في مواد التصويت وتوثيقها في صناديق اقتراع تطلبت ذلك، ومن ضمنها بطاقات اقتراع وسجلات الناخبين. ولم تجد أساساً للشكاوى».

امرأة تمر بجوار لافتة تحمل صورة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال فترة الانتخابات التي جرت في البلاد بالقدس (رويترز)

وقال هرتسوغ إنه يُحظر اتهام شريحة كاملة بتزوير الانتخابات. ومع ذلك، قال إنه تحدث مع رئيس «الشاباك»، زيني، والمستشارة القضائية، بهاراف ميارا، وإنه يعتمد عليها في تسوية الخلاف.

يُذكر أن هرتسوغ يخطط لإنجاز المشاورات مع الأحزاب حتى مساء الخميس، ليعلن الجمعة أو الأحد، هوية المكلف بتشكيل الحكومة. وسيكون في الغالب غادي آيزنكوت، لأن هناك 67 نائباً سوف يوصون عليه، بينما عدد الذين سيوصون على نتنياهو لا يزيد على 46 نائباً (الكتلة الحريدية «يهدوت هتوراة» المتحالفة مع نتنياهو قررت الامتناع عن التوصية). وقد أعلن آيزنكوت أنه ينوي تشكيل حكومة في أسرع وقت ممكن.

ويُذكر أن الحكومة لا تحتاج، حسب القانون، إلى أكثرية 61 لكي تصبح شرعية. وآيزنكوت يتمتع اليوم بدعم مباشر من 41 نائباً وبدعم من الخارج من 19 نائباً عربياً. ويُحتمل أن ينضم إليه أيضاً أفيغدور ليبرمان، رئيس حزب اليهود الروس المؤلَّف من 6 نواب، وهذا يكفيه ليستمر في الحكم. فالقانون يحتم على من يريد أن يسقط الحكومة وجود 61 نائباً ومرشحاً مضموناً لاستبدال رئيس الحكومة. فإذا قرر نتنياهو إسقاط حكومة آيزنكوت، يحتاج إلى 61 نائباً واقتراح متكامل لحكومة بديلة مع رئيس مضمون. وهذا لا يتوفر له.


باريس ترى أن «ساعة الخيار» حلّت في لبنان

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في حوار صحافي في قصر الإليزيه مع قناة «يوتيوب» (أ.ف.ب)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في حوار صحافي في قصر الإليزيه مع قناة «يوتيوب» (أ.ف.ب)
TT

باريس ترى أن «ساعة الخيار» حلّت في لبنان

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في حوار صحافي في قصر الإليزيه مع قناة «يوتيوب» (أ.ف.ب)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في حوار صحافي في قصر الإليزيه مع قناة «يوتيوب» (أ.ف.ب)

فرنسا قلقة على لبنان، ولكنها في الوقت عينه تستشعر نوعاً من الخيبة إزاء ما تقوم به السلطات اللبنانية التي تدعوها إلى ترجمة كلماتها وقراراتها إلى أفعال.

باريس تتوجس من أن يتحول الاحتلال الإسرائيلي الحالي لمناطق في الجنوب اللبناني إلى احتلال طويل الأمد، أو إلى احتلال دائم. وبالتوازي، فإنها تطالب السلطات اللبنانية بـ«الوضوح» لجهة ما هي عازمة على القيام به، منبهةً أن بقاء «حزب الله» على موقفه الرافض لمسعى الدولة الخاص بحصرية السلاح من شأنه تقديم خدمة لإسرائيل ومدّها بحجة تمكنها من إبقاء احتلالها الأراضي اللبنانية، بل معاودة الحرب أيضاً.

«عين دولية»

ولا يتوقف القلق الفرنسي عند هذا الحدّ. فباريس تنظر بكثير من القلق لاقتراب موعد انتهاء ولاية اليونيفيل في جنوب لبنان، وهي تطرح هذا الصوت منذ شهور، وتتحرك في العديد من الاتجاهات لتدارك الفراغ في الجنوب، رغم أن الوجود الدولي لم يمنع إسرائيل، منذ سبعينات القرن الماضي، من شنّ عدة حروب على لبنان. إلا أنه على الأقل وفّر وجود «عين» دولية، ترصد ما يحصل، وتنبه العالم لمخاطره.

ولم تتأخر باريس في طرق كثير من الأبواب لتدارك الفراغ، وهي منذ بداية العام الحالي تقوم باتصالات في إطار الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والشركاء الخليجيين، وخصوصاً مع لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة.

دورية لقوات «يونيفيل» قرب بلدة بيوت السياد الساحلية في جنوب لبنان يوم 20 يوليو 2026 (أ.ف.ب)

وسبق لها أن دعت إلى تمديد ولاية اليونيفيل (وهو مطلب لبناني)، بيد أن مصادرها تؤكد أنه لا الولايات المتحدة ولا إسرائيل مستعدتان للسير في هذا الاتجاه، وقد عاد الرئيس اللبناني جوزيف عون من زيارته لواشنطن الشهر الماضي خائباً، حيث لم ينجح في إقناع الرئيس ترمب بتبني الطلب اللبناني.

وتعي باريس «خطورة الفراغ الدولي» في جنوب لبنان، كما أنها تعي أن السياسة الإسرائيلية في لبنان ليست بخيلة بالمفاجآت، وليست واثقة مما ستكون عليه خطط بنيامين نتنياهو بعد خسارته الانتخابات التشريعية، وبالتوازي مع فشل الرئيس ترمب في الانتخابات النصفية.

3 خطوط

المعلوم أن باريس تعمل، في موضوع اليونيفيل، على 3 خطوط: الأول؛ توفير الدعم للجيش اللبناني. وكان هذا الغرض موضوع الاجتماع الذي استضافته العاصمة الفرنسية، مؤخراً، حيث يتم التحضير، بعد التعرف على حاجات الجيش اللبناني والقوى الأمنية المادية والتجهيزية والمالية، لمؤتمر لاحق تحدث عنه الرئيس ماكرون منذ أيام، ولكن من غير أن يعين له موعداً محدداً. والخط الثاني؛ وجهته الأوروبيون. وأطلق الاتحاد الأوروبي آلية لتجهيز وتدريب الجيش اللبناني.

وتعتبر برايس أنه يتعين توفير الدعم الكافي للجيش اللبناني حتى يتمكن من الانتشار جدياً في المنطقة الجنوبية، خصوصاً أن الطرف الإسرائيلي يرفض الانسحاب من المناطق المحتلة طالما لم ينتشر هذا الجيش. بيد أن التجربة اللبنانية مع «المناطق النموذجية» وكيفية التأكد مما قام به، وهما في صلب مذكرة التفاهم الثلاثية (اللبنانية ـ الأميركية ـ الإسرائيلية)، غير مشجعة، إذ يبدو أن المفاوضات تدور في حلقة مفرغة.

«يونيفيل 2»

بالنظر إلى صعوبة إرسال «يونيفيل 2»، فإن باريس ترى أن بعضاً من المهمات التي تضطلع بها اليونيفيل الحالية يمكن أن تقوم بها «قوة الرقابة على الهدنة» الموجودة في لبنان منذ عدة عقود. كذلك تريد باريس التعرف نهائياً على مصير المقترحات التي قدّمها الأمين العام للأمم المتحدة بشأن إرسال قوة قليلة العدد إلى لبنان.

غير أن الموقف الأميركي - الإسرائيلي الرافض بالمطلق للحضور الدولي يجعل من الصعب ترقب نجاح أحد مقترحات أنطونيو غوتيريش. لذا، فإن باريس لم تتخلَّ عن مشروع طرحه بالاشتراك مع إيطاليا، وأعربت ما لا يقل عن 10 دول أوروبية استعدادها للمساهمة في إرسال قوة أوروبية إلى لبنان، تكون رديفة للجيش اللبناني.

مهمة نزع السلاح

إلا أن باريس تنبه منذ اليوم أن مهمة نزع سلاح «حزب الله» ليست مسؤولية الجيش اللبناني والقوى الأمنية اللبنانية، وليس مسؤولية القوة الأوروبية في حال قيامها وإرسالها إلى لبنان. ولكن على أي حال، ليس من المستبعد أن يطرح موضوع حاجة هذه القوة إلى انتداب دولي. الأمر الذي يمر عبر مجلس الأمن الدولي. كذلك، أكدت إسرائيل أنها لن تقبل بحضور عسكري فرنسي في جنوب لبنان، بالنظر للعلاقات المتدهورة بين باريس وتل أبيب، رغم الزيارة التي قام بها مؤخراً وزير الخارجية جان نويل بارو إلى إسرائيل في السابع من الشهر الماضي، وسماح باريس لطائرة نتنياهو بالمرور في الأجواء الفرنسية في طريقه إلى نيويورك.

الدخان يتصاعد جراء تفجير إسرائيلي في بلدة المنصوري جنوب لبنان (رويترز)

تبقى إشكالية الرغبة الفرنسية في أن «توضح» الحكومة اللبنانية ما تريد القيام به، وتحديداً بالنسبة لنزع سلاح «حزب الله»، وهي تعرف أن المهمة صعبة. وتسارع المصادر الفرنسية إلى تأكيد أن باريس لا تريد أبداً أن يُفهم موقفها على أنه دفع للحرب بين الجيش اللبناني و«حزب الله»، بل هي تنطلق من التصريحات القوية الصادرة عن رأسي السلطة التنفيذية في لبنان بخصوص نزع سلاح «حزب الله» وبسط الدولة سيطرتها على كامل الأراضي اللبنانية، خصوصاً أن كل ذلك متضمن في القرار الدولي رقم 1701، الصادر عام 2006.

تغيرات واشنطن وتل أبيب

وتعتبر فرنسا أنه إذا لم يقم الجيش اللبناني بفرض حضوره جنوباً، فإن الحرب الإسرائيلية ستستأنف، والاحتلال سيتمدد. ولذا، تعدّ فرنسا أن «ساعة الخيار» قد حلّت، بمعنى أنه لم يعد بإمكان السلطات كسب الوقت والاكتفاء بالتصريحات التي لا تتبعها أفعال، وأنه كلما طالت فترة الانتظار كلما أصبحت الأمور أكثر تعقيداً.

جرافات إسرائيلية تهدم منازل في بلدة زوطر الشرقية بجنوب لبنان في شهر نوفمبر الماضي (أ.ف.ب)

حقيقة الأمر أن «رسالة» فرنسا للبنان ليست جديدة. لكن تتعين الإشارة إلى أن جديداً طرأ في إسرائيل والولايات المتحدة، ومن الصعب اليوم معرفة انعكاساته على رؤية الولايات المتحدة وتعاطيها المقبل مع الملف الإيراني، وما له علاقة بلبنان. كذلك الأمر بالنسبة لطهران، التي دأبت على الاحتفاظ بالورقة اللبنانية في محادثات تسعى إليها لاحقاً مع واشنطن. وأخيراً، يتعين رصد خطط نتنياهو، الذي لا يبدو أنه سلّم بخسارة السلطة ورصد ما قد يدفعه هذا التطور لجهة استخدام الورقة اللبنانية في حربه السياسية في الداخل.


«هل تحولنا إلى عبء؟»... قلق إسرائيلي من نتائج الانتخابات الأميركية

يظهر العلمان الأميركي والإسرائيلي من شرفة إحدى الشقق بتل أبيب في أكتوبر الماضي (أ.ب)
يظهر العلمان الأميركي والإسرائيلي من شرفة إحدى الشقق بتل أبيب في أكتوبر الماضي (أ.ب)
TT

«هل تحولنا إلى عبء؟»... قلق إسرائيلي من نتائج الانتخابات الأميركية

يظهر العلمان الأميركي والإسرائيلي من شرفة إحدى الشقق بتل أبيب في أكتوبر الماضي (أ.ب)
يظهر العلمان الأميركي والإسرائيلي من شرفة إحدى الشقق بتل أبيب في أكتوبر الماضي (أ.ب)

على الرغم من الثقة في تل أبيب بأن العلاقات الأميركية - الإسرائيلية عميقة وذات طابع استراتيجي لا يتغير، تابع مسؤولون إسرائيليون نتائج انتخابات التجديد النصفي في الولايات المتحدة بقلق شديد، وعدّها خبراء الشؤون الأميركية ضربة شديدة للسياسة الإسرائيلية.

وتوقعت صحيفة «معاريف» أن يضع الكونغرس (النواب والشيوخ)، تحت سيطرة الأغلبية الديمقراطية، عراقيل كبيرة أمام «عقيدة الدعم المطلق» لإسرائيل، في حين عبر الجنرال غيورا آيلاند، الرئيس الأسبق لمجلس الأمن القومي الإسرائيلي، عن خشيته من أن تتحول إسرائيل من «كنز» إلى «عبء».

وتابع الإعلام العبري مجريات الانتخابات الأميركية خطوة بخطوة، ببث حي مباشر طوال الليل، حتى ظهور النتائج من خلال تحليل كل فائز وموقفه من إسرائيل، مع الإشارة إلى أن عدداً كبيراً من الفائزين بعضوية المجلسين من المؤيدين لإسرائيل؛ لكن غالبيتهم يوجّهون انتقادات شديدة إلى سياستها، ويحملونها مسؤولية جر الرئيس دونالد ترمب إلى الحرب مع إيران، ويكرهون رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، ويتهمونه بارتكاب جرائم حرب ضد الفلسطينيين.

حجب المساعدات عن إسرائيل

وكان الإسرائيليون قد أفاقوا صبيحة الثلاثاء على تصريحات ترمب بوقف مساعدات أميركية سنوية لإسرائيل، بقيمة 4 مليارات دولار بحلول نهاية العام الحالي، وصدموا من قوله إنه اتفق على ذلك مع نتنياهو، قبل شهور.

ووصف ترمب الخطوة بأنها تهدف، في جانب منها، إلى التخلص من «ذريعة سيئة»، قال إن الديمقراطيين المنتمين إلى تيار اليسار استخدموها ضد رفاقه الجمهوريين بشأن تقديم المساعدات العسكرية لإسرائيل.

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في خطاب أمام الكونغرس يوليو 2024 (أ.ف.ب)

ولم يتطرق ترمب إلى مزيد من التفاصيل، ولم يتضح حتى الآن نوع التمويل الذي يقصده. ولم يوضح كذلك الكيفية التي سيجري بها وقف التمويل بنهاية العام، إذ إن مذكرة التفاهم التي توفر مساعدات عسكرية أميركية سنوية لإسرائيل قيمتها 3.8 مليار دولار لا ينتهي أجلها قبل سبتمبر (أيلول) 2028.

وقالت مصادر في الجيش الإسرائيلي، في تسريبات للإعلام، إن الأجهزة الأمنية الإسرائيلية لم تتلقَّ بعد أي تفاصيل بشأن القرار أو توضيحات بشأن تبعاته، وتستغرب كيف أخفى نتنياهو أمراً مثل هذا عن الجمهور وعن الأجهزة الأمنية، التي يفترض أن تناط بها مهمة إيجاد بدائل لهذا الدعم.

وبناءً على ذلك، قرر الجيش طرح الموضوع على طاولة المفاوضات التي يجريها فريقان: إسرائيلي وأميركي، حول المساعدات منذ يونيو (حزيران) الماضي على أمل التوصل إلى اتفاق بين المهنيين للتأثير على هذا القرار وتقليص المساعدات بالتدريج وليس دفعة واحدة واستثناء بعض البنود، التي تتعلق بنوعية الأسلحة، التي تحتاج إليها إسرائيل من الولايات المتحدة.

المعروف أن الاتفاق الحالي، الذي تم توقيعه في 2016 في زمن الرئيس باراك أوباما، نص على دعم بقيمة 38 مليار دولار من 2019 وحتى 2028، تدفع سنوياً بمبلغ 3.3 مليار دولار مساعدات أمنية مقابل أسلحة تشتريها إسرائيل من الولايات المتحدة و0.5 مليار مساهمة أميركية في تطوير الدفاعات الجوية الإسرائيلية مثل صواريخ حيتس ومقلاع داود والقبة الحديدية وغيرها. والمفترض أن 7.5 مليار دولار متبقية للسنتين القادمتين، تم إبطالهما.

القبة الحديدة المضادة للصواريخ (أ.ف.ب)

وكانت إسرائيل والولايات المتحدة قد بدأتا، في يونيو الماضي، محادثات رسمية لصياغة إطار جديد للتعاون الأمني، يحل محل مذكرة التفاهم الحالية بعد انتهاء سريانها عام 2028. وجاءت تلك المحادثات وسط نقاشات متزايدة في الجانبين بشأن مستقبل المساعدات العسكرية الأميركية لإسرائيل، وإمكانية تغيير طبيعة التعاون الأمني والتمويل العسكري بينهما.

وفي يناير (كانون الثاني) الماضي، أعلن نتنياهو، في مقابلة صحافية، أنه يسعى إلى «تقليص المساعدات العسكرية تدريجياً» خلال العقد المقبل، وصولاً إلى الاستغناء عنها، عادّاً أن إسرائيل ينبغي ألا تعتمد على المساعدات العسكرية الأجنبية. وأشار حينها إلى خطة لاستثمار نحو 350 مليار شيكل (110 مليارات دولار)، في تطوير صناعة عسكرية إسرائيلية مستقلة.

تساؤلات عن توقيت الإعلان

ونقلت وسائل إعلام عبرية عن مصادر إسرائيلية أن اختيار موعد الإعلان عن تقليص المساعدات، صبيحة يوم الانتخابات (الثلاثاء) ينطوي على خطورة بالغة، مؤكدين أن الأمر كان بناءً على نصيحة من مستشاري ترمب لأن الدعم الأميركي لإسرائيل فرض نفسه على أجندة الانتخابات وخصوم الرئيس ترمب يطرحون الدعم بوصفه قضية أساسية ضد الحزب الجمهوري.

ويوجد تأييد متصاعد في الشارع الأميركي لتجميد هذه المساعدات، خصوصاً في صفوف الأجيال الشابة. ولذلك يعتقد المستشارون بأن إعلاناً مثل هذا يعيد إلى الحزب بعضاً من مؤيديه.

عملياً، يعترف ترمب ومستشاروه بأن مكانة إسرائيل تتراجع إلى درجة تجعل مساعدتها مشكلة. وحسب دراسة في وزارة الخارجية الإسرائيلية فإن 63 في المائة من الناخبين للحزب الديمقراطي يعارضون الاستمرار في منح مساعدات أمنية لإسرائيل. ومع أن 71 في المائة من مصوتي الحزب الجمهوري كانوا يؤيدون منح هذه المساعدات لإسرائيل فإن هذه النسبة تهبط إلى 48 في المائة لدى الشباب. ولفت نظر الوزارة أن نائب الرئيس جي دي فانس، الذي ينوي ترشيح نفسه رئيساً في سنة 2028، يتابع هذه المواقف لدى الشباب وليس مستبعداً أن يأخذه في الاعتبار في سياسته المستقبلية، خصوصاً أن الأرقام المذكورة أعلاه نشرت في فبرارير (شباط) 2026، ومنذ ذلك الوقت تغيرت والانفضاض عن إسرائيل زاد بنسب كبيرة.

ويعتمد تقرير الخارجية الإسرائيلية الداخلي على نتائج استطلاع معهد «غالوب»، في سبتمبر (أيلول) الماضي، الذي أشار إلى أن نسبة مؤيدي إسرائيل بين مصوتي الحزب الجمهوري من عمر 55 عاماً فصاعداً هبطت إلى 50 في المائة وهبطت إلى 6 في المائة فقط بين الشباب الجمهوريين من جيل 18 – 34 عاماً.

وقال التقرير إن نحو 80 في المائة من مصوتي الحزب الديمقراطي في الولايات المتحدة غاضبون من إسرائيل ويتهمونها بجر ترمب إلى الحروب التي لا تفيد أميركا وتخدم فقط مصلحة نتنياهو. وقال كذلك 60 في المائة إن نتنياهو جر ترمب إلى الحرب بالخداع والألاعيب. وحسب استطلاع آخر (معهد يو جوف) قال إن 68 في المائة من مصوتي الديمقراطي الأميركي يؤيدون اعتقال نتنياهو وتسليمه إلى محكمة الجنايات الدولية.

وإذا كان السيناتور اليهودي اليساري برني ساندرس نجح في استقطاب تأييد 18 سيناتوراً لاقتراحه وقف المساعدات العسكرية لإسرائيل بسبب حرب الإبادة التي تمارسها في غزة، فإنه نجح في أبريل (نيسان) الماضي في إقناع 36 سيناتوراً من مجموع 47 ديمقراطياً في مجلس الشيوخ بحظر ووقف بيع قنابل تزن 1000 رطل لإسرائيل. ويخشون في إسرائيل اليوم من أن تسفر نتائج الانتخابات عن زيادة أكبر.