الجميلي لـ«الشرق الأوسط»: اقترح الجهاز اغتيال الخميني في النجف فرفض صدام الغدر بـ«الضيف»

مدير شعبة أميركا في مخابرات «البعث» العراقي يفتح لـ«الشرق الأوسط» دفاترها (1)

TT

الجميلي لـ«الشرق الأوسط»: اقترح الجهاز اغتيال الخميني في النجف فرفض صدام الغدر بـ«الضيف»

صدام رفض الغدر بـ "ضيف العراق" الخميني (غيتي)
صدام رفض الغدر بـ "ضيف العراق" الخميني (غيتي)

هل صحيح أن صدام حسين أنقذ الخميني من اقتراح باغتياله خلال إقامته في النجف لأنه «ضيف» العراق؟ وهل صحيح أن جملة قالها الخميني في باريس لموفد صدام أقنعت الأخير بأن التعايش مستحيل مع الرجل الذي سيخلف الشاه؟ وما هي قصة المتفجرة التي وصلت إلى وسادة الولي الفقيه في إيران ومسلسل التفجيرات الذي حصد عدداً من أركان النظام؟

ما هي قصة الاتصالات بين نظام صدام وأسامة بن لادن بعد غزو الكويت ومن كان الوسيط في ترتيب اللقاء؟ وماذا عن عبد الرحمن ياسين الذي شارك في تفجير مركز التجارة العالمي في نيويورك عام 1993، الذي سُجن طويلاً في العراق واختفى من سجنه بعد الغزو الأميركي عام 2003؟

ما هي جدية محاولة اغتيال الرئيس جورج بوش الأب؟ وما هي قصة السفينة التي فُخخت لإغلاق قناة السويس؟ وكيف نجت دانيال، زوجة فرنسوا ميتران، من عبوة المخابرات العراقية؟ وما هي قصة حقائب مترو باريس التي أرسلها صدام لصديقه جاك شيراك، كما أرسل مثلها لرئيسة الوزراء الباكستانية بيناظير بوتو؟ وماذا عن قرار صدام معاقبة حافظ الأسد بدعم العماد ميشال عون... ومعاقبة معمر القذافي بجسر جوي دعماً للمعارضة الليبية؟

وهل صحيح أن المخابرات فوجئت بإعدام المرجع محمد باقر الصدر بعدما اقترحت على الرئيس حمايته؟ وماذا عن حسين كامل الذي حالت الإجراءات الأمنية الأردنية دون الاقتراب منه فعاد فريق الاغتيالات خائباً إلى بغداد؟ وما هي قصة خاتم السم الذي سافر من بغداد إلى لندن والرؤوس المقطوعة التي جاءت في الحقيبة الدبلوماسية؟

الجميلي خلال الحوار مع رئيس تحرير «الشرق الأوسط»

هذه الأسئلة وأخرى كثيرة ظلت معلقة منذ عقود دون إجابات. والصحافي تزعجه الأسئلة المعلّقة. لهذا كنت أبحث عن رجل من منجم المخابرات العراقية ليرد عليها. ويمكن القول إنني عثرت عليه. إنه ضابط المخابرات سالم الجميلي الذي أقام طويلاً في ردهات الجهاز وها هو يروي لـ«الشرق الأوسط» قصص محطات خطرة ومثيرة.

حين غزت القوات الأميركية العراق في 2003 كان الجميلي مديراً لشعبة أميركا في الجهاز. سارع إلى إتلاف ما أمكنه من الأرشيف، لكن القوات الأميركية لم تتأخر في اعتقاله وأمضى في سجونها تسعة أشهر غادر بعدها إلى عمان ثم ابتعد. وها هو يروي.

انفجرت آلة التسجيل وأصيبت يد خامنئي بشلل

سالم الجميلي

في منتصف الستينات جاء الخميني إلى العراق ولم يكن ناشطاً في البدايات. بعد ثورة تموز 1968 اتخذ العراق موقفاً معارضاً لقرار الشاه ضم الجزر الإماراتية الثلاث. حرّك محمد رضا بهلوي قواته في اتجاه الحدود العراقية بوصفها ورقة ضغط وتهديد. حضّ الخميني الجنود الإيرانيين على التمرد وعدم الانصياع لأوامر الشاه، معتبراً أنه لا يجوز لمسلم أن يقاتل مسلماً. دعم الشاه المعارضة الكردية في العراق وبدأنا دعم المعارضة الإيرانية ضده. سمحنا للخميني بأن يأتي بجماعته وأصدرنا لهم جوازات وسمحنا لهم بإذاعة وبدأ نشاطه السياسي.

تولّى التنسيق مع الخميني رفيق قديم للرئيس اسمه علي باوه، كان شارك في تأسيس «مكتب العلاقات العامة» الذي انبثق منه جهاز المخابرات. قدّم باوه للخميني وجماعته مختلف أشكال الدعم وحمّله الخميني أكثر من مرّة شكره للقيادة العراقية.

 

بعد اتفاق الجزائر في 1975 أوقفت إيران دعمها فانهارت الحركة الكردية. وكان من ضمن شروط الاتفاق أن يتوقف نشاط المعارضة الإيرانية على أرض العراق. تم لفت نظر الخميني إلى ضرورة مراعاة الوضع الجديد واحترام شروط العلاقة مع إيران. لم يقبل، ثم راح يتمادى. أبلغناه أن عليه مغادرة العراق إذا كان مصرّاً على مواصلة نشاطه. حاول التوجه إلى الكويت وبقي عالقاً في منطقة الحدود ثم وافقت السلطة العراقية على عودته إلى النجف.

حصل ارتباك في موضوع الخميني وفي العلاقة مع إيران بعدما تأكدت صعوبة تجاوبه أو السيطرة عليه. في هذا المناخ ناقشت قيادة الجهاز المشكلة وما يمكن أن يسببه إصرار الخميني على مواصلة نشاطه. في أحد الاجتماعات اقترح أحد الضباط اغتيال الخميني وتحميل المرجع الشيعي أبو القاسم الخوئي مسؤولية اغتياله، وبالتالي يتم التخلص عملياً من الاثنين. لم يجرؤ الجهاز على عرض الشق الثاني من الاقتراح على الرئيس واكتفى بعرض الشق الأول، أي اغتيال الخميني. لم يوافق الرئيس على الاغتيال ولا على تسليمه لمخابرات الشاه، وقال: «ألا تعلم المخابرات أنه ضيف العراق؟».

صدام رفض الغدر بـ "ضيف العراق" الخميني (غيتي)

في هذه الأجواء غادر الخميني إلى باريس. أراد صدّام استطلاع نوايا الخميني للمرحلة اللاحقة خصوصاً بعدما بدا أن نظام الشاه يترنح. كلّف الرئيس علي باوه الذي كان على علاقة مع الخميني بالتوجه إلى باريس وهذا ما حصل. سيترك ذلك اللقاء آثاره على المرحلة التالية. سأل باوه الخميني عما يمكن أن يفعله في حال سقوط الشاه وعودته إلى طهران، وجاء رده قاطعاً أن الأولوية بعد نجاح الثورة الإسلامية ستكون إسقاط نظام «البعث» في العراق. استمع صدام إلى تقرير مبعوثه فاستنتج أن المواجهة حتمية في حال عودة الخميني إلى طهران وهي تبدو شديدة الاحتمال.

غادر الشاه وعاد الخميني. سارعت التيارات الإسلامية الشيعية في العراق إلى التعاطف والتفاعل. وراح الخميني يحرّض المرجع العراقي محمد باقر الصدر على إعلان الثورة الإسلامية في العراق. هذا المناخ من الكره للنظام العراقي كان وراء التحرشات التي قامت بها إيران عبر وكلائها وخصوصاً محاولة اغتيال طارق عزيز وسعدون حمادي وزرع عبوات. تسارعت مؤشرات المواجهة لهذا احتفظنا طويلاً بطيار إيراني أُسقطت طائرته فوق العراق قبل اندلاع الحرب كدليل على أن إيران كانت عملياً الجهة التي بادرت.

برزان التكريتي (غيتي)

سألت سالم الجميلي عن صحة ما تردد أن مسؤول الجهاز برزان التكريتي (الأخ غير الشقيق للرئيس) أصيب بهاجس اغتيال الخميني فاستأنف روايته.

حين انتصرت «الثورة الإسلامية» في إيران كانت تضم خليطاً من القوى ومؤسساتها هشة. انقلب الخميني على «مجاهدي خلق» وأعدم قياداتهم على رغم الدور الذي لعبوه في إسقاط الشاه. بدأت الحرب وكان علينا أن نستجمع عناصر القوة الضرورية. صارت المواجهة مفتوحة وبلا ضوابط. كانت لدى «مجاهدي خلق» عناصر متمرسة وصلبة وصاحبة خبرة في العمل العسكري والأمني ولديها جذور في المجتمع. وكانت لدينا علاقات سابقة أيضاً مع الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني. هذه العلاقات مكّنت المخابرات العراقية من توجيه ضربات موجعة إلى النظام الإيراني.

الضربات الموجعة

قدّم جهاز المخابرات كل سبل الدعم الإعلامي والفني والمادي والعسكري لـ «الديمقراطي الكردستاني» و«مجاهدي خلق» وكان الهدف الأول مجلس الشورى الإيراني وبإشراف مباشر من برزان التكريتي. وضعت خطة لتفخيخ مقر الاجتماع ونفذت في 28 يونيو (حزيران) 1981 فقتل آية الله حسين بهشتي رئيس السلطة القضائية و72 شخصية قيادية، بينهم وزراء ونواب ومسؤولون في قطاعات مختلفة. كانت الضربة قوية وشديدة وبدت المخابرات العراقية قادرة على الوصول إلى أماكن كان يُفترض أن تكون حصينة.

علي خامنئي يزور القوات الإيرانية خلال الحرب مع العراق عام 1981.. أصيب بتفجير عبوة في آلة تسجيل (غيتي)

المرشد الإيراني الحالي علي خامنئي استُهدف هو الآخر. أثناء إلقائه خطبة انفجرت عبوة مزروعة في جهاز تسجيل وتسببت في شلل في يده اليمنى. كان مقرراً أن يحضر الخميني ذلك الاجتماع لكنه تأخر ونجا.

كان برزان التكريتي يتطلع إلى تحقيق الضربة الكبرى، وهي اغتيال الخميني نفسه. في 1981 ظهر احتمال تنفيذ عملية من هذا النوع. ولم يكن الوصول إلى الخميني سهلاً لكن وجود رجل دين على مقربة منه وربما يكنّ تعاطفاً مع «مجاهدي خلق» سهّل المهمة الصعبة. تولى فريق من الجهاز إعداد عبوة صغيرة نُقلت وزُرعت في وسادة الخميني التي كانت من الوبر. انفجرت العبوة في توقيت خاطئ كان فيه الخميني خارج المنزل لكن مجرد الوصول إلى غرفة نومه أثار حالة من الرعب في صفوف قيادات الثورة الإسلامية. كان الجهاز يخوض معركة حياة أو موت وكانت كل الضربات مباحة.

صورة الخميني في احتفال لمعاقين من الحرس الثوري في طهران عام 1981 (غيتي)

استمرت الضربات وفي 30 أغسطس (آب) أدّى تفجير إلى مقتل رئيس الجمهورية محمد علي رجائي بعد أقل من شهر من توليه منصبه، وقُتل معه محمد جواد باهنر رئيس الوزراء إثر انفجار قنبلة زُرعت في مكتب الأخير أثناء اجتماع مع مجلس الدفاع الأعلى.

صراع مرير على أرض الكويت

لم تقتصر المواجهة بين المخابرات العراقية والإيرانية على أراضي البلدين بل تعدتها إلى ساحات قريبة وبعيدة. ويقول الجميلي إن الكويت كانت مسرحاً لصراع مرير خصوصاً أن حزب «الدعوة» العراقي المؤيد لإيران استخدم أراضي الكويت لتنفيذ عمليات ضد النظام العراقي. ويتهم الجميلي إيران بأنها حاولت في 1985 اغتيال أمير الكويت الشيخ جابر الأحمد الصباح. وعندما قامت مجموعة من حزب «الدعوة» في أبريل (نيسان) بعملية جامعة المستنصرية مستهدفة طارق عزيز ردّت المخابرات العراقية بمحاولة اغتيال وزير الخارجية الإيراني صادق قطب زادة وهو في طريقه للقاء أمير الكويت. كما شهدت الكويت أيضاً استهداف السفارة الإيرانية فيها بقذائف، ومحاولة اغتيال لمسؤول في حزب «الدعوة» وهجمات أخرى.

صادق قطب زادة (غيتي)

محاولة الخميني نقل الثورة إلى الداخل العراقي كانت مصدر قلق كبير للنظام العراقي وأجهزته. وقد دفع المرجع الشيعي السيد محمد باقر الصدر حياته في هذا المناخ.

كان الصدر من أبرز منظّري الفكر الإسلامي الشيعي ما أعطاه شعبية واسعة وتأثيراً في صفوف الشيعة العراقيين. كانت أفكاره ثورية مخالفة لمنهج المرجع محسن الحكيم والسيد أبو القاسم الخوئي اللذين كانا يعارضان إقحام الدين في السياسة، ولعلهما تخوفا من أن يؤدي هذا الإقحام إلى إنهاء دور المرجعيات الدينية في النجف ونقل مركز القيادة الشيعية إلى إيران.

اقترح جهاز المخابرات حماية محمد باقر الصدر لكن الأمن العام اقترح إعدامه ووافقه الرئيس

سالم الجميلي

طهران تسرّب رسالة الخميني

شاه إيران (غيتي)

بعد نجاح ثورة الخميني في إسقاط نظام الشاه في 1979 ازداد تأثير الصدر في الوسط السياسي الشيعي المعارض للنظام في بغداد. وكان واضحاً أن الخميني يحث الصدر على الدعوة إلى ثورة إسلامية تطيح نظام «البعث». يقول الجميلي إن الصدر وجد نفسه جزءاً من حالة الصراع بين الدولتين والحرب التي كان يجري الإعداد لها من جانب الخميني. لم يتجاوب الصدر وأظهر قدراً كبيراً من الممانعة. أرسل الخميني إلى الصدر رسالة سرية يدعوه فيها إلى الشروع في العمل من أجل إطلاق ثورة إسلامية وعندما لم يتجاوب سرّبت الإذاعة الإيرانية نبأ الرسالة وكأنها تزوّد السلطات العراقية بدليل على تبادل الرسائل السرية بين الرجلين. وقد يكون الهدف إزاحة الصدر لأنه لم يدعم مشروع الخميني. وكشف الصدر للسلطات العراقية مضمون الرسالة السرية بعدما أعلنت إذاعة إيران عنها.

 

رسالة الصدر وإعدامه

محمد باقر الصدر

في أبريل 1980 أرسل الصدر أحد رجال الدين المقربين منه الشيخ (ع.خ) للقاء مدير المخابرات برزان التكريتي الذي طلب من أحد المديرين العامين استقبال الرجل. كان فحوى الرسالة التي حملها الشيخ هي أن السيد الصدر يبلغكم السلام، ويقول إنه سيترك العمل السياسي والحزبي ويتفرغ للمعرفة والكتابة ويطلب المحافظة على حياته. أثارت رسالة الصدر تساؤلات عن الجهة التي يعتقد الصدر أنها تهدد حياته... وما إذا كان يشعر بالقلق من المخابرات العراقية أم إيران. عرض الجهاز على الصدر الانتقال من النجف إلى بغداد لتأمين الحماية له وإفساح المجال لمريديه وأتباعه لزيارته.

أرسل برزان كتاباً إلى رئاسة الجمهورية ضمّنه فحوى رسالة الصدر وتصور جهاز المخابرات للتعامل مع قضيته وجاء في الكتاب:

  • إن الصدر يختلف عن الحوزات التقليدية ويتقاطع معها وله منحى خاص في التعاطي مع المعرفة والثقافة.
  • لا ينكر الصدر انتماءه القومي بل يعتز به.
  • لا يؤمن بولاية الفقيه إنما يؤمن بالشورى في إدارة الدولة.
  • إذا اغتيل الصدر أو أُعدم فإن أفكاره ستتسع وستصبح كما هي أفكار سيد قطب التي أُعيد طبعها 45 مرة بين 1966 وصولاً إلى 1980.
  • يقترح الجهاز رعاية الصدر وتأمين حياته ونقل مقر إقامته من النجف إلى بغداد والسيطرة على نشاطاته واتصالاته والسماح لمريديه وأتباعه بزيارته.

وهكذا تم تجهيز دار خاصة كبيرة في منطقة سلمان باك لاتخاذها مقراً جديداً للسيد الصدر. اطلع الرئيس صدام على الكتاب وأمر بإحالته إلى جهاز الأمن العام للوقوف على رأيه. فوجئ جهاز المخابرات باستدعاء الصدر من قبل مديرية الأمن العام وإعدامه في اليوم التالي. يبدو أن الرئيس تجاهل رأي المخابرات ووافق على رأي مديرية الأمن العام الذي اعتبر أن لا جدوى من رعاية الصدر، وشدد على ضرورة التخلص منه، وهكذا تم إعدامه في 9 أبريل 1980.

تذرّعت بطلب القهوة لضيفي كي أوقف التسجيل قليلاً. أردت إعداد نفسي لاستقبال مزيد من الإعدامات والجثث. يُصاب الصحافي عادة بالخيبة إذا غابت عن الحوار قطرة إثارة لا بد منها للفوز باهتمام ديكتاتور متطلب اسمه القارئ. يشعر الصحافي في المقابل بالحيرة حين تتدفق الإثارة كالنهر: إعدامات واغتيالات وانفجارات.

ما أقسى هذا الجزء من العالم. وما أقسى أن يدّعي نظام أو جهاز أو فرد أنه صاحب حق في شطب رجل وإرساله إلى التراب. لن تطول استراحة الجميلي وسيبوح بالمزيد عن قلعة الأسرار التي أقام طويلاً فيها.


مقالات ذات صلة

جهود عمانية للحد من آثار التلوث الزيتي في «رأس مدركة»

الخليج تداعيات السفينة الجانحة انتقلت نحو مرحلة جديدة مع وصول نفط متسرب إلى البر الرئيسي للسلطنة (العُمانية)

جهود عمانية للحد من آثار التلوث الزيتي في «رأس مدركة»

كثفت اللجنة الوطنية لإدارة الحالات الطارئة في عُمان جهودها في الحد من آثار التلوث الزيتي في منطقة «رأس مدركة» عبر أعمال الاستجابة والتنظيف والرصد والمتابعة.

«الشرق الأوسط» (مسقط)
العالم العربي وزير الخارجية المصرية يلتقي الأمين العام لمجلس دول التعاون الخليجي في القاهرة الثلاثاء (الخارجية المصرية)

مصر تشدد على أمن الخليج واستقراره

جدد وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي التأكيد على "دعم مصر الثابت لأمن واستقرار دول الخليج"، معرباً عن تضامن بلاده مع دول مجلس التعاون الخليجي.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
العالم العربي الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يستقبل عاهل البحرين الملك حمد بن عيسى في العلمين الخميس (الرئاسة المصرية)

توافق مصري - بحريني على تجنب التصعيد وتسوية أزمات المنطقة سلمياً

أكدت مصر والبحرين ضرورة تسوية أزمات المنطقة عبر الحوار والوسائل السلمية، وبذل جميع الجهود لتجنب التصعيد ووقف الحروب والنزاعات.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
عالم الاعمال مقر بنك إتش إس بي سي في العاصمة السعودية الرياض (الشرق الأوسط)

«إتش إس بي سي» يعزز حضوره الاستثماري بتعيينات قيادية في الشرق الأوسط

يسرّع بنك إتش إس بي سي تعزيز حضوره في الخدمات المصرفية الاستثمارية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وتركيا، عبر سلسلة تعيينات قيادية جديدة في قطاع أسواق رأس المال.

«الشرق الأوسط» (دبي)
شمال افريقيا لقاء سابق بين الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي وعاهل البحرين الملك حمد بن عيسى آل خليفة (الرئاسة المصرية)

قمة مصرية - بحرينية تبحث تعميق العلاقات الثنائية والمستجدات الإقليمية

بحثت قمة مصرية - بحرينية، انعقدت في مدينة العلمين المصرية، سبل تطوير العلاقات الثنائية، إلى جانب مستجدات القضايا الإقليمية والدولية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

ملف الموقوفين السوريين في العراق إلى الواجهة من جديد بعد زيارة زيدان

قوات الأمن السورية أمام مدخل «مخيم الهول» قبل إخلائه (أرشيفية - إ.ب.أ)
قوات الأمن السورية أمام مدخل «مخيم الهول» قبل إخلائه (أرشيفية - إ.ب.أ)
TT

ملف الموقوفين السوريين في العراق إلى الواجهة من جديد بعد زيارة زيدان

قوات الأمن السورية أمام مدخل «مخيم الهول» قبل إخلائه (أرشيفية - إ.ب.أ)
قوات الأمن السورية أمام مدخل «مخيم الهول» قبل إخلائه (أرشيفية - إ.ب.أ)

عاد إلى الواجهة مجدداً، ملف الموقوفين السوريين الذين تسلمهم العراق من «سجن الهول»، وتوجهت لهم تهمة الانتماء إلى تنظيم «داعش»، غداة زيارة رئيس «مجلس القضاء الأعلى» في العراق، القاضي فائق زيدان، إلى دمشق الخميس الماضي، ومباحثاته مع المسؤولين السوريين التي ركزت على ملفهم.

وبينما أكد بعض أهالي هؤلاء السجناء «أن لا علاقة لأبنائهم بالتنظيم الإرهابي، وأن عملية اعتقالهم من قبل قوات سوريا الديمقراطية (قسد) كانت بسبب قضايا كيدية أبرزها مناهضتهم للنظام السوري السابق»، جددوا مطالبتهم بإعادتهم إلى البلاد، والتأكد من صحة التهم الموجهة لهم، وإطلاق سراح من لم تثبت إدانته.

الرئيس الشرع خلال استقباله القاضي زيدان والوفد المرافق له بحضور وزير الخارجية والمغتربين أسعد الشيباني ووزير العدل مظهر الويس (سانا)

إبراهيم عباس من أبناء قرية «الظاهرية» شرق مدينة القامشلي الواقعة شرق محافظة الحسكة، يقول لـ«الشرق الأوسط»، إن «(قسد) اعتقلت ابني أخويه؛ عبد العظيم أحمد العباس، وعلاء الدين حسن العباس في عام 2017، بسبب معارضتهم لنظام بشار الأسد».

ويؤكد إبراهيم، وهو من «قبيلة الزويد» العربية، أن «عبد العظيم وعلاء ليس لهما أي علاقة بتنظيم (داعش)، وقد كنا نزورهما في سجن المالكية بشكل دوري مرة كل أسبوعين أو كل شهر، وفجأة تم نقلهما إلى سجن القامشلي، في حين أن المعتقلين المنتمين إلى (داعش) كانت زيارتهم ممنوعة»، مشيراً إلى أنه «عندما طلب التحالف الدولي أسماء السجناء (الدواعش) من أجل ترحيلهم إلى العراق، ضمت (قسد)، عبد العظيم وعلاء إلى تلك القوائم».

إبراهيم يشدد على «أن عبد العظيم وعلاء اعتقلا ظلماً... كانا بعمر العشرين والآن قاربا على الثلاثين عاماً»، مطالباً بإعادتهما إلى سوريا، وإعادة التحقيق معهما ومع كل السجناء السوريين المرحلين إلى العراق، «ومن تثبت إدانته بالانتماء إلى (داعش) يحاكم، ومن لا تثبت إدانته يطلق سراحه... نحن لا نريد إلا الحق والعدل».

معتقلون يشتبه في انتمائهم لـ«داعش» لدى قوات «قسد» في مارس 2019 (أرشيفية - أ.ف.ب)

وفي منتصف فبراير (شباط) الماضي، نشرت وزارة العدل العراقية جنسيات سجناء تنظيم «داعش» الذين تم نقلهم من سجون شمال سوريا التي كانت تديرها «قسد» إلى مرافق احتجاز بالعراق، في عملية قادتها القيادة المركزية الأميركية. وقد بلغ العدد الكلي للسجناء السوريين المنقولين 3 آلاف و543.

الناشط صهيب اليعربي من أهالي شمال سوريا، أوضح أن «التنسيق بين دمشق وبغداد بشأن إعادة السجناء السوريين كانت تسير على قدم وساق، لكن الأمر توقف بسبب التوتر الذي حصل إثر اندلاع الحرب الإقليمية بين الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل من جانب، وإيران من جانب آخر».

ويؤكد لـ«الشرق الأوسط» أن أعداداً ممن كانوا معتقلين في سجون «قسد» ليست لهم علاقة بتنظيم «داعش»، وجرى اعتقالهم بسبب قضايا كيدية، لافتاً إلى أن «جميع المعتقلين لدى (قسد) لم يتم التحقيق معهم إلا من قبلها، وقد عدّتهم (دواعش)، وتم ترحيلهم إلى العراق».

وحسب اليعربي، فإن الحكومة العراقية «تريد إعادة هؤلاء السجناء ومحاكمتهم في سوريا، والحكومة السورية تريد إعادتهم أيضاً، ولكن أبرز المعوقات التي تحول دون ذلك هي عدم وجود مراكز احتجاز لهم».

وكان رئيس «هيئة الإشراف القضائي» في العراق، القاضي ليث جبر، أكد أن مباحثات زيدان في دمشق «ركزت على ملف الموقوفين السوريين الذين تسلمهم العراق من سجن الهول ووضعهم القانوني، وهؤلاء تم إجراء التحقيقات القضائية معهم في العراق، ووُفرت جميع الضمانات القضائية لهم وفق القانون».

جانب من «مخيم الهول» بعد سيطرة الحكومة السورية عليه عقب انسحاب «قسد» في يناير 2026 (رويترز)

وأضاف أن «الجانبين اتفقا على تشكيل لجان قضائية مشتركة لعقد اجتماعات متواصلة لحسم الملفات المتعلقة بمحاكماتهم»، بينما أفادت مصادر مطلعة بقرب توقيع اتفاقية مشتركة بين العراق وسوريا تفضي إلى تنظيم عمليات نقل ومحاكمة المعتقلين السوريين الموجودين لدى الجانب العراقي.

وحسب اليعربي، فإن هذا الملف «ستتم معالجته بشكل كامل بعد زيارة زيدان دمشق» ومباحثاته مع المسؤولين السوريين، مشيراً إلى أن اللجنة التي تم تشكيلها «ستشرف على إعادة هؤلاء على دفعات وليس دفعة واحدة»، لافتاً إلى أن الحكومة السورية كانت أرسلت إلى الحكومة العراقية قائمة تضم أسماء سجناء سوريين مرحلين إليها، وطلبت إعادتهم، بعدما توفرت معلومات لديها بأن هؤلاء ليست لهم علاقة بتنظيم «داعش».

خبير القانون الدولي معتصم الكيلاني، يوضح «أنه من حيث المبدأ؛ اتهام الشخص من قبل (قسد) أو إدراج اسمه في سجل أمني، لا يكفي قانوناً لإثبات انتمائه إلى تنظيم (داعش)». وأوضح لـ«الشرق الأوسط»، أن «الحل الأنسب لهذا الملف ليس إطلاقاً جماعياً ولا محاكمة جماعية، وإنما إنشاء آلية قضائية سورية - عراقية مشتركة تفرز الأشخاص إلى فئات قانونية واضحة».

«مخيم الهول» الذي أغلقته السلطات السورية بعد تسلمه (أرشيفية - أ.ف.ب)

والفئات القانونية هي: أولاً، أشخاص لا توجد بحقهم أدلة قضائية جدية، يجب إخلاء سبيلهم وإعادتهم إلى سوريا، والثانية: موقوفون لم تصدر بحقهم أحكام عراقية، وهنا يمكن لسوريا أن تطلب تسليم مواطنيها لمحاكمتهم أمام قضائها، والثالثة هي لمتهمين بجرائم وقعت داخل العراق أو ضد عراقيين، وللعراق أساس أقوى لمحاكمتهم، ويمكن تأجيل تسليمهم إلى حين انتهاء المحاكمة أو تنفيذ الحكم.

بينما الفئة الرابعة تتعلق بأشخاص صدرت بحقهم أحكام عراقية نهائية، وهؤلاء لا تعاد محاكمتهم تلقائياً في سوريا عن الفعل نفسه، والممكن هنا نقلهم إلى سوريا لتنفيذ بقية العقوبة، إذا وُجد سند اتفاقي أو ترتيب ثنائي ووافقت الدولتان.

أما الفئة الخامسة فتتعلق بضحايا محتملين للاعتقال الكيدي أو التعذيب، وهؤلاء ينبغي منحهم ومحاميهم حق الاطلاع على ملف الاتهام والطعن في قانونية التوقيف والتحقيق في ادعاءات التعذيب، وإذا كان الدليل الوحيد اعترافاً منتزعاً بالإكراه أو إفادة أمنية غير قابلة للفحص، فلا يصح بناء الإدانة عليه.


عون يعدّ الانتهاكات الإسرائيلية «رسالةً للمسار التفاوضي»... وبري يضعها برسم رعاة المفاوضات

الرئيس اللبناني جوزيف عون (د.ب.أ)
الرئيس اللبناني جوزيف عون (د.ب.أ)
TT

عون يعدّ الانتهاكات الإسرائيلية «رسالةً للمسار التفاوضي»... وبري يضعها برسم رعاة المفاوضات

الرئيس اللبناني جوزيف عون (د.ب.أ)
الرئيس اللبناني جوزيف عون (د.ب.أ)

أدان الرئيس اللبناني جوزيف عون الاعتداءات الإسرائيلية المستمرة على مناطق الجنوب، مؤكداً أن «هذه الانتهاكات تُشكّل رسالة واضحة للمسار التفاوضي وللجهود الأميركية الرامية إلى تطبيق هذا الاتفاق». فيما وضع رئيس مجلس النواب نبيه بري الاعتداءات برسم رعاة المفاوضات، وشدد رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلّام على أن التصعيد الإسرائيلي أمر بالغ الخطورة، ويقوّض مساعي تثبيت الاستقرار في الجنوب.

وقال عون في بيان: «الاعتداءات الإسرائيلية المستمرة على مناطق الجنوب، ولا سيّما على منطقة النبطية ومحيطها، وخروقاتها المتكررة لاتفاق الإطار ولعمل مجموعة التنسيق العسكرية وللقوانين الدولية بحماية المدنيين أدّت إلى استشهاد عائلة كاملة من بلدة أنصار».

من جهته، أكد رئيس مجلس النواب نبيه بري أن المجزرتين اللتين ارتكبتهما طائرات الجيش الإسرائيلي في بلدة أنصار ودير الزهراني، تندرجان في سياق استكمال حرب الإبادة التي تواصل آلة القتل والدمار الإسرائيلية شنّها ضد الحجر والبشر والتراث وكل ما هو متصل بحياة الإنسان في الجنوب، وهي بالدليل القاطع تثبت أن المستويات السياسية والعسكرية الإسرائيلية لا تقيم وزناً لأي اتفاقات وقوانين وجهود لإنهاء الحرب والتوتر في لبنان، وكذلك في المنطقة.

وقال بري: «إن العدوان على بلدات أنصار ودير الزهراني والمنصوري وقرى قضاء النبطية هو دعوة ممهورة بدماء الأطفال والنساء إلى اللبنانيين جميعاً، ولا سيما القوى السياسية على اختلاف مواقعها، لمقاربة العدوان الإسرائيلي وتداعياته وأبعاده مقاربةً وطنية، بعيدةً عن أي شكل من أشكال الانقسام المناطقي أو الطائفي أو الحزبي. وهو أيضاً دعوة إلى ترسيخ مناخات الوحدة الوطنية، ووضعٌ برسم رعاة المفاوضات واتفاقات وقف إطلاق النار لتحمّل مسؤولياتهم والعمل على وقف حرب الإبادة قبل فوات الأوان».

بدوره، أكد سلام في بيان أنّ «التصعيد الإسرائيلي الذي تشهده مدينة النبطية وبلدة أنصار ودير الزهراني والقرى المجاورة منذ فجر اليوم، وما رافقه من غارات وقصف كثيف وترهيب للأهالي في منازلهم، أمر بالغ الخطورة، ويقوّض مساعي تثبيت الاستقرار في الجنوب».

وأضاف: «إنّ شهداء الغارة الإسرائيلية على بلدة أنصار السبعة ليسوا (بنية تحتية عسكرية)، والأطفال والنساء الذين قُتلوا فيه ليسوا أهدافاً عسكرية. مسؤولية التعامل مع أي بنى عسكرية، إذا وُجدت على الأراضي اللبنانية، هي مسؤولية الدولة اللبنانية حصراً، من خلال الجيش اللبناني ومؤسساتها الشرعية، ولا يمنح وجودها إسرائيل حق استباحة الأراضي اللبنانية أو تعريض المدنيين للخطر».

وأكد أنه «على إسرائيل وقف هذا التصعيد، فأمن أهلنا وحقهم في الحياة على أرضهم ليسا موضع تفاوض أو مساومة».

وكانت «الوكالة الوطنية ‌للإعلام» فد أعلنت عن سقوط قتلى وجرحى في غارة جوية إسرائيلية في الساعات الأولى من صباح يوم السبت على جنوب ​لبنان.

وتُعد هذه الغارة من بين أكثر الهجمات دموية في الأسابيع التي أعقبت موافقة لبنان على إطار سلام بوساطة أميركية مع إسرائيل. وتنص بنود الاتفاق على بقاء القوات الإسرائيلية داخل المناطق التي سيطرت عليها في ‌جنوب لبنان إلى ‌حين نزع سلاح «حزب ​الله»، ‌وتولي ⁠الجيش اللبناني ​السيطرة.


فوضى إسرائيلية منظمة في الضفة لتسهيل اعتداءات المستوطنين

جنود إسرائيليون خلال عملية عسكرية بمخيم قلنديا بالضفة الغربية في 5 أغسطس 2026 (أ.ب)
جنود إسرائيليون خلال عملية عسكرية بمخيم قلنديا بالضفة الغربية في 5 أغسطس 2026 (أ.ب)
TT

فوضى إسرائيلية منظمة في الضفة لتسهيل اعتداءات المستوطنين

جنود إسرائيليون خلال عملية عسكرية بمخيم قلنديا بالضفة الغربية في 5 أغسطس 2026 (أ.ب)
جنود إسرائيليون خلال عملية عسكرية بمخيم قلنديا بالضفة الغربية في 5 أغسطس 2026 (أ.ب)

في أعقاب الانتقادات الأميركية والدولية الواسعة لاعتداءات ميليشيات المستوطنين المسلحة على الفلسطينيين في الضفة الغربية، والتي يتورط فيها الجيش، والشرطة الإسرائيلية، خرج وزير الدفاع، يسرائيل كاتس، بحل يقضي بفرض حالة من الفوضى المنظمة التي تستطيع بها أجهزة الأمن الاحتلالية التهرب من المسؤولية، من جهة، واستخدام هذه الاعتداءات أداة نفاق للمستوطنين تمكنهم من مواصلة اعتداءاتهم بلا حسيب أو رقيب، وهي تنسجم مع مطلب المستوطنين إعلان السيادة الإسرائيلية على الضفة من جهة أخرى.

فقد أوعز كاتس إلى الجيش بإعداد خطة لنقل «جميع صلاحيات إنفاذ القانون» في القضايا المدنية المتعلقة بالمستوطنين والمستوطنات إلى الشرطة، على أن تُنشئ الأخيرة قوة مخصصة، وتحصل على الصلاحيات، والميزانيات اللازمة. وقال إن الشرطة يجب أن تتعامل مع الإسرائيليين في الضفة «كما يحدث في أي مكان آخر في دولة إسرائيل». وبرر كاتس الخطوة بما وصفه بـ«الزيادة المباركة» في أعداد المستوطنين عقب قرارات إقامة 104 مستوطنات جديدة، ومنح شرعية قانونية للمزارع الاستيطانية، وزعم أن دور الجيش هو «محاربة الإرهاب الفلسطيني»، وحماية المستوطنات، والحدود، «وليس مطاردة الشبيبة على التلال».

مستوطنون يقذفون الحجارة في بلدة قصرة بالضفة الغربية يوم الأربعاء الماضي في لقطة مأخوذة من مقطع فيديو (رويترز)

وتبين أن عملية نقل صلاحيات إنفاذ القانون على المستوطنين في الضفة الغربية من الجيش إلى الشرطة تحولت إلى موضوع خلاف بين الجيش والشرطة، وأحد الأسباب الأساسية لذلك هو الموقف الأميركي، والدولي. فكل طرف يحاول الإلقاء على الطرف الآخر بالمسؤولية عن التشجيع المذهل لتلك الاعتداءات، وتبعات ذلك، وما تعنيه من ارتكاب جرائم حرب. وقد نقلت القناة «12 الإسرائيلية» عن رئيس أركان الجيش، إيال زامير، قوله خلال اجتماع الكابنيت (المجلس الوزاري المصغر للشؤون السياسية والأمنية في الحكومة) إن مهام الجيش في الضفة «آخذة في الاتساع»، في ظل الاستعداد لإقامة مستوطنات جديدة، وتزايد المهام الملقاة على القوات. وأضاف: «لا يمكن أن يلاحق جنود الجيش حفنة تسيء إلى سمعة الاستيطان. نحن نعمل بالتعاون مع الشرطة، لكن من الملائم ألا ينشغل الجيش بهذه المهام بعد الآن».

وأشارت إذاعة الجيش الإسرائيلي إلى أن معظم صلاحيات إنفاذ القانون الجنائي بحق الإسرائيليين موجودة أصلاً لدى الشرطة؛ فالجنود يستطيعون توقيف مستوطن، وتسليمه إليها، لكن الجيش لا يتولى التحقيق الجنائي معه، أو محاكمته، أو احتجازه في منظومة السجون الإسرائيلية. واعتبرت هيئة البث العام الإسرائيلية (كان 11) إعلان كاتس «بلا معنى عملياً» في وضعه الحالي، لأن الجيش هو صاحب السلطة في الضفة بموجب القانون، لكونها منطقة محتلة، ويستعين بالشرطة وحرس الحدود في إنفاذ القانون بحق المستوطنين الإسرائيليين. وأشارت إلى أن تغيير هذه المنظومة يتطلب إجراءات تشريعية، وهو ما لا يُتوقع إنجازه خلال عطلة الكنيست، وقبل نحو شهرين من الانتخابات. وقدّرت أن الإعلان يهدف، على الأرجح، إلى امتصاص غضب المستوطنين على قوات الجيش التي تعمل في حالات نادرة على إخلائهم خلال اعتداءات في الضفة.

جنود إسرائيليون يجوبون أحد شوارع قرية قصرة جنوب نابلس بالضفة الغربية يوم الخميس الماضي (أ.ف.ب)

ونقلت القناة «12» عن مسؤول رفيع المستوى في قيادة الشرطة الإسرائيلية هجومه على كاتس في أعقاب إعلانه، إذ قال: «ربما ينبغي أن نشرح لوزير الأمن ما هي الصلاحيات في يهودا والسامرة (الضفة الغربية). من الأفضل أن يتعلم كيف تسير الأمور، فهو يخلط بينها كثيراً. عليه أن يؤدي واجبه المنزلي».

وتتصل المسألة كذلك بالبؤر الاستيطانية. وبحسب صحيفة «هآرتس»، فإن صلاحيات واسعة في التخطيط والبناء والبنية التحتية انتقلت منذ عام 2023 من «الإدارة المدنية» إلى «إدارة الاستيطان» الخاضعة لبتسلئيل سموتريتش، بحيث باتت غالبية عمليات إخلاء البؤر تحتاج أصلاً إلى موافقة جهات مدنية وسياسية.

وتظهر الفجوة الأساسية في الصلاحيات بالمناطق المصنفة «أ» و«ب»، إذ لا تدخل الشرطة الإسرائيلية إليها عملياً بصورة مستقلة. وعندما يقتحم مستوطنون قرية فلسطينية، أو يعتدون على سكانها هناك، يبقى الجيش الجهة الموجودة ميدانياً، والقادرة على توقيفهم، وتسليمهم للشرطة. وبحسب إذاعة الجيش، فإن سحب هذه الصلاحية من الجنود يطرح احتمالاً لا تبقى فيه جهة قادرة فعلياً على توقيف المستوطنين داخل تلك المناطق، ما لم تتغير قواعد عمل الشرطة، وطريقة دخولها إليها. واعتبرت الإذاعة أن ذلك يجعل الخطة، بصيغتها المعلنة، إما غير قابلة للتطبيق، أو من شأنها أن تخلق فراغاً في إنفاذ القانون. وهو ما يوحي بأن الحكومة الإسرائيلية تتعمد إبقاء الأمور غامضة، وفتح الباب أمام فوضى عارمة، مخطط لها.

الجيش الإسرائيلي يفجر منزلاً لفلسطيني في قرية تل قرب مدينة نابلس بالضفة الغربية في 11 أغسطس 2026 (إ.ب.أ)

ومن اللافت أن قادة المستوطنين رحبوا بقرار كاتس. فقد صرح رئيس مجلس المستوطنات، يسرائيل غانتس، بأن «الوقت حان لأن تُدار (الحياة المدنية في الضفة) مثل أي مكان آخر في دولة إسرائيل»، بحيث تتولى الشرطة إنفاذ القانون، ويتفرغ الجيش للأمن. ولم يكتفِ غانتس بذلك، بل دعا إلى «استكمال الخطوة» عبر إلغاء اتفاقيات أوسلو، وفرض «السيادة الإسرائيلية الكاملة» على الضفة الغربية، وقال إن الوقت حان للانتقال «من إدارة مؤقتة إلى تطبيق كامل للقانون الإسرائيلي»، رابطاً بذلك بين نقل الصلاحيات والمسار السياسي للضم.

يذكر أن الفلسطينيين لا يعانون فقط من اعتداءات المستوطنين، إذ إن الاعتداءات التي يقوم بها الجيش أشد وطأة، وشراسة. والانشغال باعتداءات المستوطنين وحدهم وتسليط الضوء عليهم يجعله أقل عرضة للمحاسبة.