الموت يحاصر المرضى لانعدام الدواء وقصف المستشفيات السودانية

17 مستشفى تم قصفها و19 تعرضت للإخلاء القسري

مساعدات طبية أردنية في طريقها إلى السودان 30 أبريل (رويترز)
مساعدات طبية أردنية في طريقها إلى السودان 30 أبريل (رويترز)
TT

الموت يحاصر المرضى لانعدام الدواء وقصف المستشفيات السودانية

مساعدات طبية أردنية في طريقها إلى السودان 30 أبريل (رويترز)
مساعدات طبية أردنية في طريقها إلى السودان 30 أبريل (رويترز)

«أتوقع الموت في أي لحظة، لا يوجد في الحياة ما يدعو للتفاؤل»، هكذا قال الشاب الثلاثيني عثمان محمد لبعض أصدقائه بعد تعرضه لجرح غائر في رجله اليسرى نتيجة لمضاعفات مرض السكري الذي أصابه قبل 6 سنوات. وأضاف: «في ظل الحرب التي نعيشها وعجز الدولة عن توفير العلاج يصبح لا مفر من الموت، لا أعتقد أنني سأعيش أكثر في السودان الذي أحببته، نعم رفضت الهجرة لأموت على أرضه، لكن أطماع بعض السياسيين والعسكريين ستعجل برحيلي».

وصفت بعض الدول والمنظمات الوضع الصحي في السودان بالكارثي، وأعلنت عجزها عن تقديم المساعدات للمتضررين من الحرب في ظل الوضع الأمني، واضطرت للمغادرة خارج البلاد، في حين قتل بعض العاملين في مجال العمل الطوعي، وتم الاعتداء على آخرين.

الناطق باسم وزارة الصحة الاتحادية منتصر محمد، قال لـ«الشرق الأوسط»، إن «بعض الأدوية غير متوفرة مثل الإنسولين، وتم تقديم النصح للمرضى بالاتجاه لاستخدام الإنسولين المخلوط، وتم نشر أرقام أطباء واختصاصيين للتواصل معهم». وأضاف: «في بداية الحرب حدث شح في الأدوية وواجهتنا مشكلة في الوصول إلى المخازن؛ لأنها تقع في قلب الخرطوم حيث اشتعال المعارك، لكن رغم ذلك تمت تغطية العجز من مخازن الأدوية ببعض الولايات ومخازن صغيرة تتبع لوزارة الصحة، وتم إعادة توزيع الأدوية». شارع «السيد عبد الرحمن» وشارع «الحوادث» على بعد أمتار من القيادة العامة للجيش والقصر الرئاسي، وهذه المساحة تضم عدداً كبيراً من المستشفيات والمجمعات الطبية التي تقدم خدمات متميزة للمرضى، لكنها تعرضت للقصف بالأسلحة الثقيلة منذ اليوم الأول للحرب، وخرجت بعضها عن الخدمة وتم إخلاء مستشفيات أخرى. ورغم أن وزارة الصحة عملت على توفير الخدمة في مستشفيات طرفية، لكن الطريق ليس آمناً لوصول المرضى إليها، وتواجهها أيضاً مشكلة إيصال معينات العمل بصورة مستمرة.

وقال الدكتور منتصر محمد: «توقفت المستشفيات التي تقع في مربع الحرب بالخرطوم، وتم استبدال بها مستشفيات في أطراف الخرطوم كانت أقل أهمية - مثل مستشفى (النو)، و(التركي)، و(البان جديد) - وتم ترفيع بعض المراكز المرجعية إلى مستشفيات، مثل (القوز) و(توتي)». وأشار محمد إلى أن مستشفى «الأورام» ومستشفى «جعفر بن عوف للأطفال»، تم نقل المرضى منهما إلى مستشفيات مثل «مدني» و«المك نمر». وحول الموقف في الولايات، أكد محمد أن الوضع مستقر، لكن ولاية غرب دارفور حدث بها تدمير كامل لمستشفى مدينة الجنينة ووزارة الصحة. وقال: «فقدنا 11 من الكوادر الصحية أثناء أو قبل وبعد عملهم، وبعضهم تعرض للنهب والاعتداء»، مؤكداً أنهم يعملون في ظروف صعبة، وكذلك كوادر الإمداد والكوادر اللوجستية وغيرهم.

آخر بيان لنقابة الأطباء قال إن 17 مستشفى تم قصفها، و19 مستشفى تعرضت للإخلاء القسري، و67 في المائة من المستشفيات المتاخمة لمناطق الاشتباكات متوقفة عن الخدمة، من أصل 88 مستشفى أساسية في العاصمة. وفي الولايات يوجد 59 مستشفى متوقفة عن الخدمة و29 مستشفى تعمل بشكل كامل أو جزئي، بعضها يقدم خدمة إسعافات أولية فقط، وهي مهددة بالإغلاق أيضاً نتيجة لنقص الكوادر الطبية والإمدادات الطبية والتيار الكهربائي والماء. وأضافت النقابة أن جميع المستشفيات والمرافق الصحية والصيدليات خارج الخدمة في مدينة الجنينة بعد أن تم الاعتداء عليها ونهبها والاعتداء ونهب المخزن المركزي للدواء وسكن الأطباء ومكاتب «الهلال الأحمر».

إلى وقت قريب؛ أي قبل اشتعال الحرب منتصف الشهر الماضي، كانت الخرطوم تستقبل المرضى للعلاج من جميع أنحاء السودان لاعتقادهم أنها تضم أميز الأطباء وأفضل المستشفيات، لكن قبل نحو ثلاثة أسابيع، بدأت هجرة عكسية لطلب العلاج في الولايات، وأصبحت ولاية الجزيرة البديل للخرطوم لعلاج مرضى الكلى بعد إخلاء مركز «الشهيدة سلمى» لوجوده في منطقة تبادل إطلاق النار بين الجيش وقوات «الدعم السريع»، وتوقفت مراكز أخرى لغسيل الكلى بسبب نقص الدواء. وبدأت ولاية الجزيرة بثمانية مراكز مخصصة للقادمين من الخرطوم، ووصلت الآن إلى 28 مركزاً تعمل جميعها بنظام مجموعتين صباحاً ومساء، لعلاج مرضى الكلى من ولايات أخرى. ومن المتوقع حدوث نقص في مخزون المحاليل الذي من المفترض أن يغطي حاجتها لثلاثة أشهر، ولتفادي المشكلة سعت وزارة الصحة لتوفيرها خلال الأيام القادمة عبر بورتسودان. وفيما يتعلق بعلاج ضغط الدم توجد مبادرة بين وزارة الصحة والصيادلة لتوفير العلاج في الصيدليات، لكن المشكلة تتمثل في عدم التمكن من إجبار الصيادلة للعمل في مناطق الاشتباكات.

وبعد مرور نحو ثلاثة أسابيع من اندلاع الحرب وصلت إلى البلاد عبر مطار بورتسودان 8 أطنان مساعدات إنسانية من الأردن، لدعم المستشفيات في السودان ودعم المتطوعين في جمعية الهلال الأحمر. ووصلت مساعدات أخرى من «الصليب الأحمر»، ومنظمة «أطباء بلا حدود»، وغيرهما، يمكن أن تنقذ حياة المواطنين، لكنها لا تغطي الحاجة الطبية المستمرة، وهي مساعدات للجراحة والنساء والأطفال، كما وصلت مساعدات لتغذية وجبات الكوادر الطبية من دول أخرى.


مقالات ذات صلة

عودة السودانيين من مصر... زخم متزايد رغم مخاوف نقص الخدمات

شمال افريقيا سودانيون يرتبون أثاثهم قبل رحلة عودة طوعية من مصر إلى بلادهم هذا الأسبوع (لجنة الأمل للعودة الطوعية)

عودة السودانيين من مصر... زخم متزايد رغم مخاوف نقص الخدمات

سجّلت عودة السودانيين النازحين من مصر إلى بلادهم زخماً متزايداً مؤخراً مع استئناف رحلات العودة المجانية واتساع قوائم الانتظار وفق مبادرة شعبية مهتمة بالملف.

علاء حموده (القاهرة)
شمال افريقيا عالم الآثار محمد مبارك بجوار الأهرامات القائمة في صحراء مروي - 22 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

أهرامات مروي تقاوم الخراب وتحرس ذاكرة السودان

بعد مرور 3 سنوات على اندلاع الحرب في السودان، باتت أهرامات مروي تقاوم الخراب وتحرس ذاكرة السودان.

«الشرق الأوسط» (مروي (السودان))
شمال افريقيا امرأة سودانية تسير بين مدافن سودانيين في أم درمان قتلوا في الحرب (أ.ف.ب)

قصف بمسيّرات يوقع 11 قتيلاً في مدينة ربك السودانية

قتل 11 شخصاً في ضربة بطائرات مسيّرة استهدفت مدينة ربك السودانية في جنوب البلاد، بحسب ما قال مصدر في مستشفى محلي.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
شمال افريقيا مسيرة تستهدف مخيم الحميدية للنازحين في وسط دارفور (منسقية النازحين واللاجئين)

قتلى ومصابون في قصف بمسيّرة على مخيم نازحين بوسط دارفور

أصيب 15 شخصاً، الاثنين، إثر قصف بطائرة مسيرة نُسبت للجيش السوداني استهدفت مخيماً للنازحين بمدينة زالنجي وسط إقليم دارفور، في حين قالت منظمة حقوقية إن 6 قُتلوا.

محمد أمين ياسين (نيروبي)
شمال افريقيا أهالي يتابعون عملية استخراج جثث ذويهم من قبور عشوائية لإعادة دفنها في مقابر رسمية (الشرق الأوسط)

إعادة دفن جثامين قتلى الحرب تنكأ جراح السودانيين

استخرجت الفرق الميدانية، صباح الأحد، نحو 85 جثة من ساحات المنازل وباحات المساجد والميادين العامة في حي جبرة جنوب الخرطوم تمهيداً لإعادة دفنها في مقابر رسمية.

بهرام عبد المنعم (الخرطوم)

إسرائيل تُوسّع «المنطقة الحمراء» جنوب لبنان

سكان من جنوب لبنان يحملون أسماء بلداتهم المحتلة والمعرضة للتدمير الإسرائيلي خلال اعتصام في ساحة الشهداء بوسط بيروت (أ.ف.ب)
سكان من جنوب لبنان يحملون أسماء بلداتهم المحتلة والمعرضة للتدمير الإسرائيلي خلال اعتصام في ساحة الشهداء بوسط بيروت (أ.ف.ب)
TT

إسرائيل تُوسّع «المنطقة الحمراء» جنوب لبنان

سكان من جنوب لبنان يحملون أسماء بلداتهم المحتلة والمعرضة للتدمير الإسرائيلي خلال اعتصام في ساحة الشهداء بوسط بيروت (أ.ف.ب)
سكان من جنوب لبنان يحملون أسماء بلداتهم المحتلة والمعرضة للتدمير الإسرائيلي خلال اعتصام في ساحة الشهداء بوسط بيروت (أ.ف.ب)

ردّت إسرائيل على المطالب اللبنانية بـ«خفض التصعيد» في الجنوب، بإنذارات إخلاء أصدرتها لبلدات إضافية من شأنها أن تفاقم الضغوط الداخلية على الدولة.

وتحدثت مصادر جنوبية لـ«الشرق الأوسط» عن نشوء «منطقة حمراء» موسعة، تحاذي «الخط الأصفر»، وتمتد إلى محيط النبطية على مساحة تتجاوز 35 كيلومتراً عرضاً، وتتعمق لنحو 25 كيلومتراً داخل الأراضي اللبنانية، وتشمل عشرات القرى التي باتت عُرضة للقصف أو لإنذارات الإخلاء، ما أدى إلى موجات إضافية من النزوح.

وبينما يضغط الرئيس اللبناني جوزيف عون عبر مروحة اتصالات دبلوماسية، لإلزام إسرائيل اتفاق الهدنة الذي مدَّده الرئيس الأميركي دونالد ترمب ثلاثة أسابيع، مطالباً بإطلاق الأسرى والسماح للصليب الأحمر الدولي بزيارتهم، ومندداً باستهداف المدنيين والطواقم الطبية، صعّد «حزب الله» هجومه على عون، على خلفية المفاوضات المباشرة، وخلاف عون مع رئيس مجلس النواب نبيه برّي الذي بات علنياً.

ورأى عضو كتلة الوفاء للمقاومة (حزب الله) النائب علي فياض، أن موقف رئيس الجمهورية «يدعو للقلق، لأنه يسوِّق المذكرة الأميركية، بدل التبرؤ منها»، مضيفاً أن «الأمر الأكثر خطورة، أنه يوافق عليها من دون تسجيل اعتراض على مبدأ حرية الحركة للإسرائيليين، رغم مطالبته بوقف إطلاق النار».


تجنيد حوثي تحت غطاء مراكز ترفيهية


«رحلة مدرسية» لأطفال في معسكر صيفي تابع للحوثيين في عمران (الشرق الأوسط)
«رحلة مدرسية» لأطفال في معسكر صيفي تابع للحوثيين في عمران (الشرق الأوسط)
TT

تجنيد حوثي تحت غطاء مراكز ترفيهية


«رحلة مدرسية» لأطفال في معسكر صيفي تابع للحوثيين في عمران (الشرق الأوسط)
«رحلة مدرسية» لأطفال في معسكر صيفي تابع للحوثيين في عمران (الشرق الأوسط)

انطلقت منذ يومين الدورة الصيفية التابعة للحوثيين في اليمن، بنشر كتب ذات طباعة فاخرة وأنشطة تبدو ترفيهية وتعليمية لكنها تعمل غطاء للتجنيد والتدريب على السلاح.

وإذ تزايدت هذه المراكز مع سيطرة الحوثيين على صنعاء في 2014، شكّل العام الحالي 2026 انعطافة لها، إذ ترسخت سلطتها عبر المؤسسات الرسمية وأصبحت شبه إلزامية، فربطت بعض المدارس تسليم نتائج الامتحانات والتسجيل للعام المقبل بشهادة مشاركة في المراكز الصيفية.

وتستقطب النشاطات تلاميذ بعمر الخامسة في مخيمات نهارية يعودون بعدها إلى منازلهم، وتعمل معسكرات طلاب المراحل الإعدادية والثانوية على عزل اليافعين عن عائلاتهم لفترات طويلة وتوزيعهم عبر معسكرات تدريب.

ولا تستثني هذه النشاطات الفتيات، إذ هناك مراكز مخصصة تتولى إدارتها «الهيئة النسائية الثقافية العامة».


السفارة الأميركية في بيروت إلى انخراط مباشر بين لبنان وإسرائيل

قنبلة تنفجر في الجانب اللبناني من الحدود مع إسرائيل، ودخانها الأبيض يرجّح كونها فوسفورية (رويترز)
قنبلة تنفجر في الجانب اللبناني من الحدود مع إسرائيل، ودخانها الأبيض يرجّح كونها فوسفورية (رويترز)
TT

السفارة الأميركية في بيروت إلى انخراط مباشر بين لبنان وإسرائيل

قنبلة تنفجر في الجانب اللبناني من الحدود مع إسرائيل، ودخانها الأبيض يرجّح كونها فوسفورية (رويترز)
قنبلة تنفجر في الجانب اللبناني من الحدود مع إسرائيل، ودخانها الأبيض يرجّح كونها فوسفورية (رويترز)

دعت السفارة الأميركية في بيروت إلى انخراط مباشر بين لبنان وإسرائيل، معتبرة أن البلاد تقف عند «مفترق طرق» يتيح لشعبها فرصة تاريخية لاستعادة السيادة وبناء مستقبل مستقل.

وفي بيان نشرته عبر منصة «إكس»، أشارت السفارة إلى أن التهدئة الممتدة التي تحققت «بناءً على طلب شخصي من الرئيس الأميركي دونالد ترمب»، وفّرت للبنان مساحة لطرح مطالبه بدعم كامل من الحكومة الأميركية.

وأضافت أن عقد لقاء مباشر بين رئيس الجمهورية جوزيف عون ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، برعاية ترمب، قد يشكّل للبنان فرصة للحصول على ضمانات تتعلق بالسيادة الكاملة، وسلامة الأراضي، وأمن الحدود، إضافة إلى دعم إنساني وإعادة الإعمار، واستعادة سلطة الدولة على كامل أراضيها.

وختمت السفارة بيانها بالتأكيد أن الولايات المتحدة مستعدة للوقوف بجانب لبنان في هذه المرحلة، داعية إلى اغتنام الفرصة «بثقة وحكمة»، معتبرة أن الوقت لم يعد يحتمل التردد.