القوة العسكرية السعودية من التأسيس إلى الرؤية... الحرس الوطني نموذجاً

الملك عبد العزيز في عرض عسكري في الطائف وقد بدا جلوساً الأمير سعود الكبير والأمير (الملك) سعود بن عبد العزيز
الملك عبد العزيز في عرض عسكري في الطائف وقد بدا جلوساً الأمير سعود الكبير والأمير (الملك) سعود بن عبد العزيز
TT

 القوة العسكرية السعودية من التأسيس إلى الرؤية... الحرس الوطني نموذجاً

الملك عبد العزيز في عرض عسكري في الطائف وقد بدا جلوساً الأمير سعود الكبير والأمير (الملك) سعود بن عبد العزيز
الملك عبد العزيز في عرض عسكري في الطائف وقد بدا جلوساً الأمير سعود الكبير والأمير (الملك) سعود بن عبد العزيز

تتبادر تساؤلات عدة إلى الذهن في ذكرى ميلاد الدولة السعودية، 22 فباير (شباط) 1727. واحد من أبرز تلك التساؤلات يتمثل في بدايات القوة العسكرية السعودية، والقوة الوريثة لجيش التأسيس.

تظل الإجابات حول التساؤل الأخير وغيره بحاجة إلى مزيد من الاستقصاء والبحث، خصوصاً ما يتعلق بتاريخ مؤسسات الدولة ونشأتها وتطورها؛ فالدولة السعودية تُعدّ أكبر مرحلة تحول حدثت في تاريخ الجزيرة العربية، بعد انتقال عاصمة الخلافة الراشدة منها سنة 656 (36هــ)، فقد جاء ذلك التحول الكبير بتوحيد الجزيرة العربية تحت حُكم عربي مستقل، أو بإعادة الحكم العربي المركزي للجزيرة العربية، مهد الحضارة ومنطلق الرسالة، وكان المنعطف الأبرز والعلامة الفارقة في تاريخ العرب وجزيرتهم خلال 10 قرون أو تزيد، هذا إذا استثنينا بعض السنوات والومضات التي لم يُكتَب لها الاستمرار.

المقاتلون المتطوعون

يقول المؤرخ الفرنسي فليكس مانجان (1772 - 1862) عن القوة العسكرية السعودية: «عندما امتدت فتوحات سعود (يقصد الإمام سعود بن عبد العزيز بن محمد بن سعود، 1161 - 1229هـ: 1748 - 1818م، إلى ما وراء صحراء نجد، كان لديه جيش كبير، وكان يمتلك تحت تصرفه سكان البلاد التي يحكمها، وأهل البلاد التي أخضعها، وكان قبل أن يسير في أي حملة يحدد الأقاليم التي ينبغي عليها أن تقدم المتطوعين». ومن هذا النص نستطيع أن نستخلص بعض العناصر والمقارنات والمقاربات... وهنا مفارقة، فالمملكة العربية السعودية أو الدولة السعودية في كل أطوارها توحدت على يد المتطوعين، وهذا بحث آخر ومفارقة نادرة في التاريخ، لماذا؟ لأن هؤلاء المتطوعين آمنوا بفكرة الدولة، ومشروعها. هذه الثنائية بين إنسان الأرض وقيادة البلاد التي حملت لواء مشروع إنسان الجزيرة هي التي صنعت هذه المعجزة.

الأمراء القادة

يواصل مانجان وصفه: «كان الأمراء يصدرون أوامرهم لتجنيد الناس في مناطقهم، وكان الذي يقود أولئك المتطوعين أحد الأعيان من كل مدينة ومن كل إقليم بنفسه إلى المكان الذي حُدد له. إنه قائدهم يقودهم مدة دوام الحرب، وكان جماعة كل إقليم يشكلون فرقة مستقلة تأتمر بأمر أميرها، الذي يسير في ركابه اثنان من الكتبة وإمام. الإمام تقتصر وظيفته على إقامة الصلوات في المعسكر، وهو في الوقت نفسه وسيط في المحادثات التي يمكن أن تجري، ولكنه نادراً ما كان يجد الفرصة لممارسة هذا الجانب من مهمته. يحمل كل محارب معه سلاحه ومؤونته وذخيرته، ويتلقى الفقير مساعدة الغني ليعد نفسه، ويتكفل الأغنياء بتوفير مستلزمات الحياة لأسرة ذلك الفقير، ويمكن لمن طلب منه الأمير الخروج للقتال أن يقدم بديلاً يجهزه بما يحتاج إليه، وإلا فهو مجبر على تقديم جمل أو حصان...». وهنا إشارة إلى الخيل والإبل ودورها في الجيوش.

التشكيل وتكتيك المعارك

يتابع مانجان في وثيقته: «لا يتلقى جنود المشاة أو الهجانة أي راتب. أما الفارس فله ولحصانه مخصصات شهرية، والغنائم تُقسَّم أقساماً متساوية بين أفراد الجيش كله، ويتساوى في هذه الحالة وحدها القائد مع الجندي، ويذهب خُمس الغنائم إلى بيت المال الذي ترفده أيضاً عوائد العشور والغرامات، وعندما يسير الجيش في الليل أو في النهار يُختار أولئك الذين يسيرون في الطليعة والمؤخرة من خيرة الفرسان، ينتظم الجيش في رتل واحد أو عدد من الأرتال، حسب الظروف، ويقود كل أمير أبناء المنطقة التي يحكمها (والأمير هنا إما أنه أمير بلدة ما أو أمير قبيلة وما إلى ذلك)، أما الفرسان والهجانة، فإنهم يسيرون على رأس الجيش وفي ساقته، ويسير في الوسط رجال المدفعية والمشاة الذين يمتطون الجمال، ويحمل كل جمل جنديين مع مؤنتهما». وعدا الجوانب المادية والتموين نلحظ هنا ما يمكن أن نطلق عليه اليوم «(سرايا الاستطلاع) وكذلك التشكيل القتالي للجيش».

إن «لجنود الدرعية ميزةً على غيرهم، وتؤول إلى زعمائهم القيادة في المدن على الدوام. يأكل السعوديون إبان الحملات التمور، وربما غمسوها في حليب النوق الذي يشربونه يومياً، وقلما يأكلون الخبز واللحم، ويتقدمون إلى ساحة المعركة مشاة، ويتركون جمالهم وهجنهم خلفهم يحرسها الخدم؛ فإذا كانت الغَلَبة لعدوهم أصبحت هذه الحيوانات بمثابة متراس يتحصن المقاتلون خلفه، وتتألف كل كتيبة من أبناء المنطقة نفسها يقودهم أمير المنطقة وزعماء القرى، وتكون الصفوف مزدوجة، وعندما يتضح أن الصف الأول قد أنهكه التعب أو كثرت فيه الإصابات يستبدل به الصف الذي وراءه، ويحملون جثث القتلى لدفنهم، وأنه لمن العار ألا يؤدي الأحياء هذا الواجب الأخير تجاه القتلى». وكأن مانجان يتحدث عن الأنساق الهجومية أثناء القتال.

الأسلحة وسر الليل

يمضي مانجان واصفاً جيش «ابن سعود»: «تنسحب القوات بانتظام في حال الهزيمة. وفي حالة النصر لا يطارد المشاة العدو المنهزم، ولكن الفرسان والهجانة يظلون يناوشونه حتى يبتعد مسافة معينة ترتفع خلال المعركة أصوات السعوديين تنادي: (الله أكبر)، أو بعض العبارات المشابهة».

وفي وصفه للسلاح يقول: «يتسلح جندي المشاة ببندقية ذات فتيلة اعتاد أن يحشوها بسرعة، وبخنجر مغمد في الحزام، وجعبة يضع فيها الطلقات، ويحمل الفارس رمحاً وسيفاً، ويحمل بعضهم مسدساً، ويحضّر كل جندي البارود الذي يستخدمه ويصفي ملح البارود الذي يُستخرج من الجبال. وعندما يعسكر الجيش، يختار كل جندي مكانه، ويكون القائد في وسط المعسكر، ويضرب الفرسان طوقاً حول خيمته، وتوضع مواقع من المشاة والفرسان على مسافة فرسخ (5 كيلومترات) من المعسكر، ولهم كلمة سر يتعارفون بها بالليل، ويبدَّل المرابطون في هذه المواقع كل 24 ساعة». وهنا نلحظ نظاماً للمناوبات.

أما عن حراسة القائد، فيقول: «يقوم بحراسة قائد الجيش حراس متميزون. يخلد الجنود إلى النوم في النهار، ولا نرى القوات إلا في أوقات الصلاة التي يؤدونها 5 مرات في اليوم. وفي الليل يصحو الجميع ويسمرون ويرتلون القرآن ويقصون الحكايات. وعند طلوع الفجر، وبعد صلاة الصبح، يهجع الجميع».

الجزاءات العسكرية

«نادراً ما تحدث مشاحنات وخصومات. إن النظام قاسٍ؛ فالزعيم الذي يخلّ بواجباته، والذي يأتي من الأفعال ما يجعل الآخرين يشكون منه يُزاح من منصبه، وفي بعض الأحيان تُفرَض عليه غرامة. أما عقوبة الجندي فهي القرع بالعصا، وعندما يكون الفعل الذي أتاه يستحق الموت يُقطَع رأسه وينال العقوبة نفسها إذا لاذ بالفرار أمام العدو. يتميز السعوديون بالقناعة ويصبرون على الجوع والعطش، وقد يقضون يومين بلا شراب ولا طعام، ولم تصدر عن أي منهم أي شكوى».

الملابس والمأكولات

وبما أننا نتحدث عن الجيش، فلعلنا نعرج على وصف الملابس، ومانجان نفسه حينما يصف ملابس ذلك الزمن يقول: «تتألف ملابس أهل نجد عموماً من سروال قطني وثوب، يلبسون فوقه العباءة، ويرتدي الموسرون فوق الثوب قفطاناً من الجوخ، ويغطي الجميع رؤوسهم بغطاء مصنوع من القطن مخطط بالأحمر والأخضر، ويُطوى غطاء الرأس على شكل مثلث، وهو موشّى في أطرافه بأهداب، وينحدر حتى الظهر والكتفين، وينتعلون نوعاً من الأخفاف لها رباطات جلدية تربط فوق القدم».

أما ما يتناولونه من مآكل ومشارب، فيقول مانجان: «وشُرْب القهوة متعة لا تدانيها متعة لديهم؛ يشربونها مخلوطة بالقرنفل والقرفة. والتمور والحليب غذاؤهم الأساسي: والخبز بالنسبة لديهم من الكماليات. وباستثناء لحم بعض الطيور لا يأكلون إلا لحم الغنم والماعز والغزلان».

ومن وصف مانجان لجيش الدولة السعودية وطريقته القتالية، يتبين أنه يصف جيشاً منظماً حتى وإن كان من المتطوعين. وإذا تمعَّنا في شكل أو نموذج القوة العسكرية السعودية منذ ستة قرون والملابس والمأكولات التي أوردها مانجان ووسائل النقل من خيل وإبل، يتضح أن هذه العناصر أو المكونات استمرت؛ بل وحتى المهام العسكرية لتلك القوات بقيت كما هي في أطوار الدولة السعودية الثلاثة؛ فبالإضافة للمهام القتالية، كانت تقوم بمهمات أمنية، مثل حماية القوافل والمدن والموارد.

القوة العسكرية في عهد الملك عبد العزيز

بدأت التنظيمات العسكرية تتطور في عهد الملك عبد العزيز، ويرى المؤرخ العسكري السعودي اللواء الدكتور إبراهيم بن عويض العتيبي، أنها «تحوَّلت من القوة التقليدية التي استمرت من دخول الرياض (1319هـ - 1902م) إلى نشأة الهجر لتوطين القبائل وتشكيل الإخوان (1330هـ - 1912م) كقوة شبه نظامية، وصولاً إلى بناء القوات النظامية بعد انضمام الحجاز (1344هـ - 1925م)؛ حيث تشكلت قوات الهجانة كقطاع عسكري. وسنحاول هنا تتبُّع مسار القوة الوريثة لجيش التأسيس؛ فبعد استقرار الأوضاع في الحجاز صدر أمر الملك عبد العزيز بتسريح المقاتلين المرابطين هناك وتشكيل قوة جديدة من فرقتين؛ إحداهما في مكة والأخرى في المدينة، وذلك عام 1345هـ - 1926م. كما تم تشكيل فرق أخرى في باقي مدن الحجاز عامي 1346 و1347هـ - 1927 و1928م، وتم إلحاق أعداد من المقاتلين المسرَّحين بوحدات الهجانة أو بالشرطة أو بغيرها من التشكيلات العسكرية. ووفقاً للوزير والمستشار فؤاد حمزة، فإن القوات العسكرية السعودية، عام 1350هـ - 1932م كانت تتشكل من الشرطة والعسة، وقوة الهجانة، والقوات النظامية (الجيش)، وخفر السواحل، وحرس الحدود، والقوة الجوية، والجند المرابط (المجاهدين). ويُلاحَظ أنه (في عام 1349هـ - 1930م) كان هناك (ديوان الجهاد) المرتبط بـ(ديوان جلالة الملك الخاص)، للنظر في أحوال أهل الجهاد ومراقبتهم ومراقبة سلاحهم وإبلهم وأعطياتهم، وأهل الجهاد هنا هم حَمَلة السلاح الرسمي، ويصفهم إبراهيم العتيبي بـ(المرابطين في الرياض أو في القرى القريبة منها في أماكن معلومة لا يبرحونها إلا بإذن من الملك شخصياً، وهم بمثابة القوة العسكرية الجاهزة للطوارئ). وبينما يرى بعض المؤرخين أنهم جزء من الإخوان، أرى غير ذلك، إذ إن بعض المصادر التاريخية أشارت إلى أن (حرس الملك وخدمه هم جزء من أهل الجهاد)، وسيظهر معنا أيضاً مسمى المجاهدين، وهذا قد يبرر اللبس الذي وقع فيه بعض المؤرخين في الخلط بين المسميات».

كانت التشكيلات العسكرية تتطور وفقاً لمراحل تطور الدولة وظروفها، لذا صدر قرار من مجلس الوكلاء في عام 1354هـ - 1935م بإلغاء قوة الهجانة كقطاع عسكري، ووُزّعت بعض وحداتها على القطاعات العسكرية الأخرى، مثل الشرطة والجيش، وأعيد تشكيل البقية تحت اسم «ألوية المجاهدين»، وتحول اسم «ديوان الجهاد» إلى ديوان أو مكتب الجهاد والمجاهدين، وظل تابعاً لديوان الملك الخاص،

حتى ألحق في عام 1383هـ - 1963 بوزارة الداخلية وأصبح اسمه الإدارة العامة للمجاهدين، ووفقاً للعتيبي: «تولى هذا المكتب الإشراف على جميع شؤون ألوية المجاهدين وتوزيعهم وصرف مرتباتهم وتنظيم وحداتهم وترتيب وظائفهم وسجلات أسلحتهم، وتحوَّلت هذه الألوية إلى قوات احتياطية تتولى بعض المهمات، مثل حراسة بعض المنشآت والمشاركة في الحج ومع دوريات حرس الحدود. وهناك الكثير من التفاصيل حول هذه التطورات لا يتسع المجال لذكرها، لكن المؤرخ العسكري السعودي اللواء الركن خالد بن ناصر بن مرعيد يشير إلى أن ألوية المجاهدين (تحول اسمها إلى «الأفواج») تولَّت حماية خط التابلاين، إضافة إلى المشاركة في تأمين الحدود. ويؤكد الدكتور عبد العزيز بن نايف بن عبود أمير الفوج الأول في الحرس الوطني أن الفوجين الأول والثاني تأسسا بأمر من الملك عبد العزيز (رحمه الله)، في شهر محرم 1372هـ - سبتمبر (أيلول) 1952م، وكان مقرهما في الشميسي بين مكة وجدة، ثم انتقل الفوج الأول إلى بحرة (جنوب شرقي جدة) والفوج الثاني إلى الشرائع (شرق مكة).

الحرس الوطني نموذج لبناء الدولة

كانت نقطة التحول الكبرى بتحويل ألوية المجاهدين إلى مؤسسة عسكرية وتسميتها «الحرس الوطني» في عهد الملك سعود، ويحتاج التأريخ لنشأة لحرس الوطني وتطوره كمؤسسة عسكرية بهذا الاسم، خصوصاً في مراحله الأولى، إلى تتبُّع دقيق؛ فما زالت هناك صفحات غائبة في تاريخه. كما أن هناك زوايا مهمة تتعلق بالحرس الوطني كأنموذج لم تحظَ بما تستحقه من الدراسة والتوثيق: أولها أن الحرس الوطني مع الإدارة العامة للمجاهدين بوزارة الداخلية هما اليوم امتداد القوة العسكرية السعودية الأولى، إذا نظرنا إلى خصائصها ومواصفاتها وتوصيفاتها، بل وحتى مهامها المختلفة. وهذه نستطيع أن نجدها في بدايات وتكوين الحرس الوطني؛ فهي نفسها التي بدأت قبل ثلاثة قرون.

النقطة الثانية التي لم يُتطرق لها: أن الحرس الوطني يُعد نموذجاً من نماذج بناء الدولة التي بُنيت وفق نموذج سعودي مستقل. فالمملكة العربية السعودية لم يكن فيها مستعمر، ولم تنشأ وفق نماذج مستوردة، فكان هناك سعي لإيجاد النموذج المحلي (السعودي)، يؤكد ذلك ما ورد في المذكرة الإيضاحية التي أعدتها وزارة الخارجية في المملكة الحجازية النجدية وملحقاتها عن الوضع العسكري والقوى المحاربة، وقدمها الوزير المفوّض في لندن، حافظ وهبة، إلى السكرتير العام لعصبة الأمم، السير إيرك روموند، في مؤتمر نزع السلاح بجنيف (1350هـ - 1932م)، وكان ذلك قبل إعلان توحيد البلاد وتسميتها «المملكة العربية السعودية». من بعض ما ورد في تلك المذكرة يمكن أن نستخلص الكثير عما أقصده بـ«النموذج السعودي»:

«...كما أن الأحوال الطبيعة والاجتماعية في هذه البلاد أحوال خاصة تكاد تكون هذه البلاد مستقلة بها، فكذلك التشكيلات العسكرية؛ فإنها تشكيلات خاصة لا تشابه ما هو معروف في الدول المعاصرة، ولكنها على كلّ تشكيلات أساسها طبيعة البلاد وأحوال سكانها، وعمادها الشكل الأكثر انطباقاً على خواص البادية وعلى موارد البلاد الضئيلة، وهي أيضاً مرتبطة بالوقت القصير الذي انقضى على قيام هذه الحكومة بشكلها الحاضر، ومتصلة بما ورثته عن الحكومات السابقة من عتاد وتشكيلات محدودة. وليس من شك في أن إحداث تشكيلات عسكرية لحفظ النظام الداخلي فقط في هذه البلاد الشاسعة على أساس التشكيلات المتبعة في الدول المعاصرة أمر يستغرق ميزانية الدولة، وتعجز مقدرتها المالية على تحمل هذه التبعات، ولكن الحكومة عملت كما ذكرت على طراز مخصوص يجمع بين ضعف المقدرة المالية وضرورة تأمين الأمن. وقد اعتمدت إلى أقصى حد ممكن على الهيبة الحكومية، واستفادت منها كل الاستفادة، ولولا ذلك لما كان لها من مواردها ما يكفي لإكمال تسليحها على الطراز الحديث، كما أنه لم يمضِ عليها الوقت الكافي لإحداث هذه التشكيلات. من أجل هذا كله، أحب أن أوضح بصراحة تامة أن التشكيلات المالية في البلاد لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تعبر عما يجب أن يكون موجوداً، ولا عن الذي يكفي فعلاً لحفظ الأمن الداخلي والاستعداد للطوارئ».

وإذا نظرنا إلى الحرس الوطني وتشكيلاته وتكويناته، فهمنا لماذا نعدّه نموذجاً من نماذج بناء الدولة؟ لأنه ليس مؤسسة عسكرية فقط، بل مؤسسة حضارية. فإلى جانب البعد العسكري، هناك الأبعاد التعليمية والثقافية والصحية. فعند النظر إلى التعليم نجد عدداً كبيراً من حَمَلة الشهادات العليا بين منسوبيه، وكثير من هؤلاء يمثلون الجيل الأول أو الثاني لأسر لم تحصل على أي تعليم، ناهيك بدور الحرس الوطني في محو الأمية، وامتلاكه لمنظومة تعليمية متطورة، كما يمتلك واحدة من أرقى المنظومات الصحية العالمية. إضافة إلى أن الحرس الوطني كان هو الأمين ولعقود على الإرث الثقافي السعودي ممثلاً في الخيل والإبل التي ارتبطت بهذه الأرض وإنسانها وثقافتها وحضارتها، من خلال كتيبة الفرسان ثم نادي الفروسية، وسباقات الهجن ومهرجاناتها. كما ساهم في الحفاظ على موروث العرضة السعودية (رقصة الحرب) والشعر (إعلام الحرب)، والملابس والمأكولات وغيرها من الجوانب التراثية من خلال مهرجان الجنادرية. وكل جانب من هذه الجوانب يستحق دراسة مستقلة.

مؤسسة الصهر الوطني

لكن النقطة الأهم في تقديري، فضلاً عن الجوانب الحضارية والوشائج التاريخية المرتبطة بالحرس الوطني؛ أنه كان مؤسسة للصَّهْر الوطني بين أبناء مختلف القبائل والمناطق ومكوناتها الاجتماعية، الذين انصهروا في كيان الحرس الوطني، ليشكلوا نموذجاً من نماذج الوحدة الوطنية والمجتمعية في المملكة العربية السعودية، وحصناً من حصونه المنيعة، ومؤسسة من مؤسساته الحضارية، ومَعلَماً من معالمه التنموية؛ كيف لا وهو الامتداد والعمق لجذور القوة العسكرية السعودية، التي تأسست مع بدايات تكوين الكيان السياسي للدولة السعودية قبل ثلاثة قرون بقيادة الإمام محمد بن سعود.


مقالات ذات صلة

«سعوديبيديا» تحتفي بالإرث التاريخي للسعودية في ملحق خاص بـ«يوم التأسيس»

إعلام «سعوديبيديا» تحتفي بالإرث التاريخي للسعودية في ملحق خاص بـ«يوم التأسيس»

«سعوديبيديا» تحتفي بالإرث التاريخي للسعودية في ملحق خاص بـ«يوم التأسيس»

أصدرت الموسوعة السعودية «سعوديبيديا» ملحقاً خاصاً بـ«يوم التأسيس» السعودي احتفاءً بالإرث التاريخي للسعودية، تزامناً مع احتفال المملكة بيوم التأسيس.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
رياضة عالمية بالشراكة مع «كأس السعودية» سيتم منح هذه السيارة الفريدة للفائز في الحدث (الشرق الأوسط)

ضمن فعاليات «كأس السعودية»... «لوسيد» تكشف عن سيارتها الجديدة

كشفت مجموعة «لوسيد» (المدرجة في بورصة ناسداك)؛ الشركة المصنعة لأكثر السيارات الكهربائية تطوراً في العالم، اليوم عن سيارتها «إس يو في».

«الشرق الأوسط» (الرياض)
رياضة عالمية كريستيانو رونالدو كان سعيداً بلقاء ولي العهد الأمير محمد بن سلمان (حساب رونالدو في إكس)

رونالدو: تشرفت بلقاء ولي العهد في كأس السعودية

أبدى النجم البرتغالي كريستيانو رونالدو نجم النصر السعودي سعادته البالغة لحضور منافسات كأس «السعودية 2025» لسباق الخيل في ذكرى يوم التأسيس مع ولي العهد السعودي.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
يوميات الشرق فنان العرب محمد عبده يغنّي للوطن في ليالي التأسيس (يوم التأسيس)

احتفالات تعمّ السعودية في «يوم التأسيس»

عمّت الاحتفالات الرسمية والشعبية مختلف أنحاء المملكة العربية السعودية في «يوم التأسيس» أمس، مستعيدة 3 قرون من المجد والموعد الذي عقده الإمام محمد بن سعود

«الشرق الأوسط» (الرياض)
يوميات الشرق الأطفال يبرعون في أزياء التأسيس اللافتة التي تعبر عن حقبة زمنية عريقة في تاريخ الدولة السعودية (واس)

السعوديون يرسمون لوحة فرح واعتزاز في يوم التأسيس

تحولت المدن السعودية إلى لوحة فرح واعتزاز بيوم تأسيس الدولة السعودية، والاحتفال بالذكرى التي تحل للمرة الرابعة.

عزيز مطهري (الرياض)

الجابري يكشف لـ«الشرق الأوسط» عن أحداث المكلا التي أعقبت «الهروب الكبير»

TT

الجابري يكشف لـ«الشرق الأوسط» عن أحداث المكلا التي أعقبت «الهروب الكبير»

أركان قطاع بلفقيه في لواء النخبة الحضرمي رائد الجابري (الشرق الأوسط)
أركان قطاع بلفقيه في لواء النخبة الحضرمي رائد الجابري (الشرق الأوسط)

مع تفاقم الأوضاع الأمنية في حضرموت، على خلفية المواجهات بين قوات «درع الوطن» التابعة للحكومة اليمنية، مع قوات المجلس الانتقالي، وتراجع الأخيرة ميدانياً، انهار المشهد الأمني بشكل مفاجئ، وسرعان ما غرقت مدينة المكلا في فوضى عارمة، نتيجة «الهروب الكبير» وانسحاب جميع النقاط العسكرية من مواقعها، باستثناء نقطة واحدة فقط تمسكت بموقعها ولم تغادره.

وفي وقتٍ تهاوت فيه المواقع تحت وطأة الفوضى والنهب، في الرابع من يناير (كانون الثاني) الحالي، برز قطاع بلفقيه بوصفه خط الدفاع الأخير داخل المدينة، وصمام الأمان الذي حال دون انزلاق الأوضاع إلى فوضى أشمل، في واحدة من أكثر اللحظات خطورة منذ سنوات.

ويستعيد أركان قطاع بلفقيه، رائد الجابري، في حديثه إلى «الشرق الأوسط»، تفاصيل تلك الساعات العصيبة التي تزامنت مع اختلال أمني واسع وانسحاب بعض المواقع العسكرية، مؤكداً أن عدداً من الوحدات ثبتت في مواقعها، وفي مقدمتها لواء النخبة الحضرمية، التي وصف رجالها بـ«الصامدين الذين حافظوا على شرفهم العسكري».

ويقول الجابري: «يوم السبت 4 يناير 2026 شهدت المكلا حالة فوضى عارمة، شملت نهباً وسلباً في مواقع مدنية وعسكرية، ورغم ذلك، ثبتنا في قيادة قطاع بلفقيه، الذي يُعد صمام أمان داخل مدينة المكلا، وأثبتنا حضورنا في هذا المنعطف الخطير».

ويضيف أن القطاع ظل على تواصل مستمر مع قيادة لواء النخبة الحضرمية، مشيداً بدور قائد اللواء العميد محمد بامهير، الذي «صمد أمام جنوده وأفراده، وقدم نموذجاً مشرّفاً في القيادة»، على حد تعبيره. ويتابع: «كنا الوحيدين الذين ثبتوا في مواقعهم، وكان الثبات من الله أولاً، ثم من عزيمة الرجال الذين كانوا معنا».

وحول أسباب الانسحابات الأخرى، يوضح الجابري: «نحن لا نعلم لماذا انسحبت بقية المواقع، بالنسبة لنا، لم نتلقَّ أي أوامر بالانسحاب، بل على العكس، كانت الاتصالات تأتينا من قيادة لواء النخبة الحضرمية تؤكد على الصمود والثبات والتصدي لأعمال التخريب».

ويكشف الجابري عن أن قوام القوة في القطاع بلغ نحو 100 فرد، موزعين بين نقطة الستين البحرية، ونقطة بلفقيه الجبلية، مؤكداً أن الجميع كانوا «على قلب رجل واحد». ويقول: «في حال حدوث أي صدام عند إحدى النقاط، كان الجميع يتجه فوراً إلى الموقع، كنا، نحن قيادة القطاع، في مقدمة جنودنا وأفرادنا الأبطال، الذين لم يتخلوا عنا، ولم ينجرفوا خلف الفتن أو الإشاعات أو أعمال النهب».

ويصف الجابري المشهد في تلك الساعات قائلاً: «واجهنا أشكالاً غريبة لم نعهدها في مدينة المكلا، مسلحون منتشرون في مواقع متعددة، وعمليات نهب وسلب واسعة، ومع ذلك، حافظنا على مواقعنا، وأمّنا المواقع المجاورة، وساعدنا في تأمين المواطنين في الطريق المحاذي لنا».

يذكر أن من أبرز المواقع المجاورة للنقطة مقر السلطة المحلية في حضرموت ممثلة في المحافظ سالم الخنبشي، وعدد من المؤسسات الحيوية والخاصة.

ويؤكد رائد الجابري أن القطاع تصدى لعدد من المخربين في أكثر من ثلاث مواجهات، موضحاً: «كنا نردعهم في كل مرة، فيلوذون بالفرار». واستمرت عمليات التأمين – حسب الجابري – من الساعة الثالثة فجراً يوم السبت وحتى يوم الأحد، حين بدأت الأوضاع تستقر، مضيفاً: «كنا ننام ساعتين فقط ثم نعود مباشرة إلى العمل».

ويختم الجابري حديثه بالتأكيد على مشاعر الفخر التي رافقت تلك التجربة الصعبة، قائلاً: «مررنا بمواقف وصدامات كثيرة، لكن شعورنا بالفخر والعزة والشرف لا يوصف، حافظنا على موقعنا وعلى المكانة التي أوكلت إلينا، وذلك بفضل الله، ثم بفضل قيادتنا في لواء النخبة الحضرمية بقيادة العميد بامهير».


وزير الخارجية الصومالي: أي اعتراف أحادي بمناطق انفصالية غير قابل للحياة

وزير الخارجية الصومالي عبد السلام علي (الخارجية الصومالية)
وزير الخارجية الصومالي عبد السلام علي (الخارجية الصومالية)
TT

وزير الخارجية الصومالي: أي اعتراف أحادي بمناطق انفصالية غير قابل للحياة

وزير الخارجية الصومالي عبد السلام علي (الخارجية الصومالية)
وزير الخارجية الصومالي عبد السلام علي (الخارجية الصومالية)

في توقيت إقليمي بالغ الحساسية، وجّه وزير الخارجية الصومالي، عبد السلام عبد الله علي، تحذيراً واضحاً من مغبة أي اعتراف أحادي بمناطق انفصالية، معتبراً أن مثل هذه الخطوات غير قابلة للحياة، وتمثل تصرفاً غير مسؤول سياسياً، ستكون له تداعيات سلبية على العلاقات الثنائية والاستقرار الإقليمي.

وفي حوار مع «الشرق الأوسط»، شدد الوزير على توافق مقديشو والرياض بشأن ضرورة تحييد البحر الأحمر وخليج عدن عن العسكرة والأنشطة غير المشروعة والمناكفات الجيوسياسية، مؤكداً أن زيارته الثانية إلى المملكة خلال أسبوعين تعكس مستوى التنسيق الوثيق والمستمر مع السعودية إزاء التطورات الإقليمية المتسارعة، لا سيما تلك المرتبطة بأمن الملاحة البحرية والقرن الأفريقي.

وزير الخارجية الصومالي عبد السلام علي (الخارجية الصومالية)

أهداف زيارة السعودية

وأوضح وزير الخارجية الصومالي أن الهدف الأساسي من زيارته يتمثل في التشاور الوثيق مع المملكة العربية السعودية حول التطورات الإقليمية المتسارعة، لا سيما تلك المرتبطة بالبحر الأحمر والقرن الأفريقي وأمن الملاحة البحرية، إلى جانب تعزيز التعاون الثنائي في المجالات السياسية والاقتصادية والأمنية والتنموية، وضمان التنسيق الكامل في القضايا التي تمس سيادة الصومال ووحدته واستقراره.

ويشير الوزير إلى أن هذه الزيارة هي الثانية إلى الرياض خلال أقل من أسبوعين، بما يعكس كثافة التواصل وأهمية المشاورات مع المملكة في هذه المرحلة الدقيقة، لافتاً إلى أن لقاءه السابق مع وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان شهد مناقشات صريحة وبنّاءة هدفت إلى منع التصعيد والحفاظ على التوازن الإقليمي واحترام القانون الدولي.

كما نوّه بانعقاد اجتماع طارئ لوزراء خارجية منظمة التعاون الإسلامي، لمناقشة «الانتهاك غير القانوني لسيادة الصومال ووحدته وسلامة أراضيه»، معتبراً ذلك دليلاً على مستوى التعاون الرفيع والدور المحوري الذي تضطلع به المملكة في دعم استقرار المنطقة.

وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان خلال استقباله نظيره الصومالي عبد السلام علي (واس)

علاقات تاريخية

ويؤكد عبد السلام عبد الله علي أن العلاقات بين البلدين «قوية وتاريخية واستراتيجية»، تستند إلى وحدة الدين وروابط شعبية ممتدة وتوافق في المصالح الإقليمية. مبيناً أن الزيارة تعكس مستوى عالياً من الثقة والتفاهم السياسي، مؤكداً أن الصومال تنظر إلى السعودية بوصفها شريكاً رئيسياً في مسار التعافي، وإصلاح القطاع الأمني، وتحقيق الاستقرار الاقتصادي، والدبلوماسية الإقليمية، وأن المباحثات الحالية تركز على تحويل هذه العلاقة المتينة إلى نتائج عملية تخدم البلدين وتعزز الاستقرار الإقليمي الأوسع.

رفض قاطع الاعتراف بـ«صومالي لاند»

وشدد وزير الخارجية على أن الحكومة الفيدرالية الصومالية «ترفض بشكل قاطع» أي إعلان أو إجراء يهدف إلى الاعتراف بأي جزء من الصومال ككيان منفصل، مؤكداً أن هذه الخطوات تفتقر إلى أي أساس قانوني، وتنتهك سيادة الصومال ووحدة أراضيه، وتتعارض مع القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة ومنظمة التعاون الإسلامي ومبادئ الاتحاد الأفريقي. معرباً في الوقت نفسه عن امتنان بلاده للسعودية على موقفها المبدئي والداعم لوحدة الصومال، كما يثمّن مواقف الدول والمنظمات الإقليمية والدولية التي أبدت تضامنها مع مقديشو. كما حذّر من أن هذا الإعلان لا يُعد مجرد موقف سياسي، بل «سابقة مزعزعة للاستقرار» تهدد النظام الإقليمي، مؤكداً أن الصومال تتعامل مع الملف عبر قنوات دبلوماسية متزنة وبالتنسيق مع الشركاء الإقليميين والدوليين.

دور سعودي محوري وبنّاء

ويرى وزير الخارجية الصومالي أن المملكة العربية السعودية تلعب دوراً «محورياً وبنّاءً» في تعزيز الاستقرار والأمن في العالم العربي ومنطقة البحر الأحمر والقرن الأفريقي، مشيراً إلى أن قيادتها في مجالات الدبلوماسية وخفض التصعيد وأمن الملاحة تحظى بتقدير واسع. وقال إن الصومال تثمن النهج المتوازن الذي تنتهجه المملكة، لا سيما احترام سيادة الدول والحفاظ على التماسك الإقليمي ومنع التفكك المزعزع للاستقرار.

حذر وزير الخارجية الصومالي من مغبة أي اعتراف أحادي بمناطق انفصالية معتبراً أن مثل هذه الخطوات غير قابلة للحياة (الخارجية الصومالية)

تداعيات محتملة

وحذر عبد السلام علي من أن أي اعتراف أحادي بصومالي لاند «باطل قانونياً وعملياً»، ويزيد من هشاشة وضع إقليمي يعاني أصلاً تحديات أمنية وإنسانية ومناخية. مشيراً إلى أن مثل هذه الخطوات تشجع على التفكك، وتغذي صراعات الوكالة، وتفتح الباب أمام تدخلات خارجية، ما يضر بأمن القرن الأفريقي والملاحة البحرية والتوازن الإقليمي.

كما يعبّر علي عن قلق حقيقي من أن تؤدي هذه التطورات إلى تقويض المكاسب التي تحققت في مكافحة التطرف والإرهاب، وهي مكاسب حيوية للأمن الإقليمي والدولي. وقال إن الصومال، بصفتها عضواً غير دائم في مجلس الأمن، تعمل مع شركائها على احتواء التداعيات عبر الحوار والدبلوماسية والانخراط متعدد الأطراف، التزاماً بالقانون الدولي وتسوية النزاعات سلمياً.

عسكرة البحر الأحمر

وقال إن مقديشو والرياض يشتركان في مصلحة حيوية لحماية أحد أهم الممرات البحرية الاستراتيجية في العالم، مؤكداً ضرورة إبقاء البحر الأحمر وخليج عدن بعيدين عن العسكرة والأنشطة غير المشروعة.

وأضاف: «نحن متفقون على ضرورة أن يظل البحر الأحمر وخليج عدن بمنأى عن العسكرة، والأنشطة غير المشروعة، والمناكفات الجيوسياسية».

ويرى أن تعزيز التعاون في تبادل المعلومات الاستخباراتية، وحوكمة البحار، وأطر التنسيق الإقليمي، يمكّن الصومال والسعودية من أداء دور محوري في ضمان حرية الملاحة وتعزيز الأمن الجماعي.

يقظة مستمرة

وأكد عبد السلام علي أن الصومال «في حالة يقظة» لمتابعة أي تطورات، لكنها واثقة بوجود إجماع دولي واسع يدعم سيادتها ووحدتها وسلامة أراضيها، مستنداً إلى القانون الدولي ومعايير الاتحاد الأفريقي.

ولفت إلى أن أي اعتراف أحادي سيكون غير قابل للحياة وله آثار سلبية على العلاقات الثنائية، مجدداً التزام حكومته، بتوجيهات الرئيس، بالتعامل مع الملف بهدوء ودبلوماسية بناءة، وبالتنسيق الوثيق مع الشركاء الإقليميين والدوليين، إلى جانب تعزيز الحوار الوطني الشامل بين الصوماليين.


إجماع إسلامي على دعم وحدة الصومال... ورفض أي مساس بسيادته

من الاجتماع الاستثنائي لوزراء خارجية دول منظمة التعاون الإسلامي حول الوضع في الصومال (الخارجية السعودية)
من الاجتماع الاستثنائي لوزراء خارجية دول منظمة التعاون الإسلامي حول الوضع في الصومال (الخارجية السعودية)
TT

إجماع إسلامي على دعم وحدة الصومال... ورفض أي مساس بسيادته

من الاجتماع الاستثنائي لوزراء خارجية دول منظمة التعاون الإسلامي حول الوضع في الصومال (الخارجية السعودية)
من الاجتماع الاستثنائي لوزراء خارجية دول منظمة التعاون الإسلامي حول الوضع في الصومال (الخارجية السعودية)

أعلن وزراء خارجية الدول الأعضاء في منظمة التعاون الإسلامي رفضهم القاطع لما وصفوه بـ«إقدام إسرائيل، بوصفها قوة احتلال، على الاعتراف بإقليم ما يسمى (أرض الصومال) دولةً مستقلةً»، مؤكدين أن هذه الخطوة تمثل «انتهاكاً صارخاً لسيادة جمهورية الصومال الفيدرالية، ووحدة وسلامة أراضيها، وحدودها المعترف بها دولياً».

وفي بيان ختامي صدر عقب اختتام أعمال الدورة الاستثنائية الـ22 لمجلس وزراء خارجية المنظمة، التي عُقدت في جدة مساء السبت، شدَّد الوزراء على أن التحرك الإسرائيلي «يشكل تهديداً مباشراً للسلم والأمن في منطقتَي القرن الأفريقي والبحر الأحمر، ويمس حرية الملاحة والتجارة الدولية».

وأضاف البيان أن هذه الخطوة «تندرج ضمن محاولات خطيرة لتغيير الخريطة الجيوسياسية للسواحل الصومالية وخليج عدن والبحر الأحمر»، داعياً المجتمع الدولي إلى «التصدي لمثل هذه التحركات التي تهدد الاستقرار الإقليمي».

وأكد الوزراء تضامنهم الكامل مع جمهورية الصومال الفيدرالية، حكومةً وشعباً، مجددين رفضهم أي إجراءات أو تدابير من شأنها تقويض وحدتها أو المساس بسيادتها على كامل أراضيها، ومشيرين إلى أن احترام سيادة الدول ووحدتها الإقليمية «يشكل حجر الزاوية للأمن والاستقرار الإقليميَّين»، وأن أي إخلال بهذا المبدأ «ينعكس سلباً على السلم والأمن الدوليَّين».

وشدد البيان على أن إقليم «أرض الصومال» «جزء لا يتجزأ من جمهورية الصومال الفيدرالية»، عادّاً أن أي محاولة لإضفاء صفة قانونية دولية مستقلة عليه «تمثل تدخلاً سافراً في الشأن الداخلي الصومالي، واعتداءً مباشراً على وحدة وسيادة الدولة».

كما أقر الوزراء بحق الصومال في اللجوء إلى الآليات القانونية والقضائية الدولية لمساءلة أي طرف ينتهك سيادته ووحدة أراضيه، داعين في الوقت نفسه جميع الدول والمنظمات الدولية والإقليمية إلى الامتناع عن أي تعامل سياسي أو دبلوماسي أو اقتصادي أو قانوني، بشكل مباشر أو غير مباشر، مع سلطات الإقليم خارج إطار السيادة الوطنية الصومالية.

وفي بُعد متصل، حذَّر الوزراء من أي تعاون مباشر أو غير مباشر مع ما وصفوها بـ«مخططات التهجير الإسرائيلية للشعب الفلسطيني»، مؤكدين أن مثل هذه الممارسات تمثل تورطاً في انتهاكات جسيمة للقانون الدولي والقانون الدولي الإنساني.

وجدد البيان رفضه التام لأي محاولات أو إجراءات تستهدف تهجير الفلسطينيين قسراً من أرضهم تحت أي مسمى، عادّاً أن هذه السياسات «تقوض الجهود الإقليمية والدولية لمكافحة الإرهاب، وتسهم في خلق بيئات هشة قابلة للاختراق والاستغلال من قبل الجماعات المتطرفة».