ما الذي أهّل «الدرعية» لتكون خامس مشاريع السعودية الكبرى؟

إنزيريلو لـ«الشرق الأوسط»: أصالة الماضي وعراقة التاريخ تشكّلان قيمة مهمة لجميع أعمالنا

وضَع الملك سلمان بن عبد العزيز حجر الأساس لمشروع «بوابة الدرعية» في نوفمبر 2019 (الشرق الأوسط)
وضَع الملك سلمان بن عبد العزيز حجر الأساس لمشروع «بوابة الدرعية» في نوفمبر 2019 (الشرق الأوسط)
TT

ما الذي أهّل «الدرعية» لتكون خامس مشاريع السعودية الكبرى؟

وضَع الملك سلمان بن عبد العزيز حجر الأساس لمشروع «بوابة الدرعية» في نوفمبر 2019 (الشرق الأوسط)
وضَع الملك سلمان بن عبد العزيز حجر الأساس لمشروع «بوابة الدرعية» في نوفمبر 2019 (الشرق الأوسط)

بدوافع الرغبة في خلق وجهة سياحية وثقافية عالمية، وتقديم تجربة متكاملة للزوار من داخل البلاد وخارجها، وتحقيق الأثر المتمثِّل في تعزيز وحماية التاريخ الحضاري للسعودية عبر تطوير المواهب المحلية في مجال البحوث الأكاديمية، ورفع قيمة التراث السعودي وتعزيز الفخر بالتاريخ المرتبط بالدرعية، والمساهمة في الناتج المحلي من خلال العوائد المستدامة لاستثمار البنى التحتية والخدمات والمرافق السياحية، يمضي «مشروع الدرعية» قُدماً ليسجّل نفسه كأحد المشاريع المحورية في مسيرة النهضة التي تمر بها السعودية ضمن رؤيتها التنموية «رؤية 2030» خصوصاً بعد إعلان ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي، في التاسع من يناير (كانون الثاني) الجاري، عن ضمه إلى صندوق الاستثمارات العامة كخامس المشاريع الكبرى المملوكة للصندوق.
وفي هذا الإطار قال الرئيس التنفيذي لمجموعة «هيئة تطوير بوابة الدرعية» جيري إنزيريلو: إن «للدرعية طابعها الخاص وأصالة ماضيها وعراقة تاريخها، وجميع هذه الميزات تشكّل قيمة كبرى ترتبط بجميع مشاريعنا التطويرية، وهي لا تقتصر على مشروعٍ معينٍ فحسب، ولكنها سمة مميزة وعلامة فارقة لجميع المشاريع والأصول، سواءً في مطل البجيري أو حي الطريف التاريخي أو المسار الرياضي على امتداد وادي حنيفة وغيرها، وكذلك ما يرتبط بها من بيئة عمرانية وتجارية، مما سيلبّي احتياجات الأجيال الشابة المتطلّعة إلى نمط حياة متميز يجمع بين العراقة والتطوّر في ذات المكان والزمان».

جانب من أحد المطاعم العالمية في مشروع «مطل البجيري» بعد إنجازه (الشرق الأوسط)

«تطوير بوابة الدرعية»
وفي حديثٍ خاص لـ«الشرق الأوسط» مع الرئيس التنفيذي ومسؤولين في الهيئة، أكّد إنزيريلو، أن مشروع «تطوير بوابة الدرعية» الذي تتجاوز مساحته 14 كم مربع «تم وفقاً للمخطط العام للمشروع الذي جرى من خلاله تقسيمه إلى مناطق متعددة تشمل تطوير البنى التحتية، وقد تم الانتهاء من تطوير مطل البجيري وحي الطريف التاريخي اللذين تم افتتاحهما مؤخراً للزوار من مختلف مناطق المملكة ومن أنحاء العالم كافة».

وادي صفار وميدان الدرعية
وفي التفاصيل، كشف إنزيريلو أنه «إلى جانب عملنا المتواصل على تطوير وادي صفار، كما أعلنت الهيئة في وقتٍ سابق عن رؤيتها المستقبلية لمشروع ميدان الدرعية بوصفه المركز التجاري والقلب النابض لبوابة الدرعية، ومن المزمع افتتاحه عام 2024 ليضم أكثر من 450 علامة تجارية عالمية راقية توفّر للزوار والأهالي خيارات متنوعة على صعيدَي التسوّق والترفيه، بالإضافة إلى عددٍ من الفنادق الفاخرة والمرافق والخدمات»، واستدرك إنزيريلو: «وما ذكرته هو مثالٌ بسيط على جزءٍ من المشاريع التي نعتزم تنفيذها في الفترة المقبلة».

الإقبال الكثيف يوجِد سوقاً واعدة
ورأى الرئيس التنفيذي لمجموعة هيئة تطوير بوابة الدرعية، أن الفرص الاستثمارية والتجارية التي يحويها المشروع متعددة ومتنوعة، لعدة أسباب، أهمها «الكثافة المتوقعة لزوار الدرعية وسكانها بعد اكتمال المشروع، حيث إنه من شأن هذا الإقبال أن يوجِد سوقاً تنافسية واعدة ومليئة بالفرص النوعية». وأضاف إنزيريلو: «نحن بدورنا نشجّع رواد الأعمال والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة على المشاركة في منظومة الخدمات والمشاريع التي تقدمّها هيئة تطوير بوابة الدرعية وشركة الدرعية في إطار المعايير والضوابط والالتزامات التي تحكم عملها وتنسجم مع أهدافها الاستراتيجية».

الاستدامة
وفي جانب الاستدامة، أفاد إنزيريلو بأن هيئة تطوير بوابة الدرعية «أَوْلت منذ انطلاقها معايير الاستدامة أهميّة بالغة في جميع مشاريعها، سواءً على مستوى شراء المواد المستخدمة من خلال دعم السوق المحلية المنتج لها أو عقد الاتفاقيات مع الشركات والجهات المتخصصة بإعادة تدوير النفايات ومخلّفات البناء والأجهزة الإلكترونية وغيرها؛ لتعزيز التعاون في مجال الدراسات والأبحاث وإعادة التدوير، سعياً إلى رفع العائد الاقتصادي وتعزيز الاستدامة وإسهاماً في رفع جودة الحياة، الذي يُعدّ أحد أبرز مستهدفات (رؤية المملكة 2030)، كما نعمل على بناء شراكات فاعلة مع القطاعات الاستثمارية والشركات ذات الخبرة العالية من أجل تعظيم الأثر الاقتصادي لمشاريع الدرعية».

ولي العهد السعودي والرئيس التنفيذي لهيئة تطوير بوابة الدرعية في صورة تفاعلية على هامش منافسات «فورمولا إي»

خمسة أعوام مذهلة بالكم والنوع
ووفقاً لمسؤولين في «هيئة تطوير بوابة الدرعية»، فقد حققت الهيئة طوال عمرها البالغ خمسة أعوام منذ تأسيسها في عام 2017، كثيراً من المنجزات «المذهلة من حيث الكم والنوعية مقارنةً بمدة عمرها القصيرة»، إذ تتولّى الهيئة مسؤوليات عدة ضمن نطاق المشروع وصولاً إلى إعلان الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء ورئيس مجلس إدارة صندوق الاستثمارات العامة مؤخراً، عن ضمّه كخامس المشاريع الكبرى المملوكة لصندوق الاستثمارات العامة، ليصبح واحداً من المشاريع الفريدة من نوعها على مستوى العالم، وتتويجاً لسلسلة الإنجازات المتوالية التي حقّقتها الهيئة وتميّز بها المشروع في إطار مخططه الرئيسي الذي يستهدف تعزيز مفهوم الاستدامة ويواكب المتطلبات المستقبلية.
وأكّد المسؤولون ذاتهم أن الهيئة قطعت شوطاً كبيراً في إتمام مراحل التطوير على نحوٍ تم خلاله افتتاح عددٍ من الوجهات الثقافية والتاريخية والترفيهية لأهالي الدرعية وزوّارها من مختلف مناطق المملكة ومن جميع أنحاء العالم، بينما يجري العمل بوتيرة متصاعدة لاستكمال مراحل أخرى تُعدّ من المراحل المتقدمة للمشروع.

حي الطريف التاريخي (الشرق الأوسط)

 

القيمة النّوعية للمشروع
وفي ردٍّ على سؤال حول أبرز العوامل التي تجعل من «مشروع الدرعية» أحد المشاريع الكبرى في السعودية، وأحد الأصول الرئيسية في صندوق الاستثمارات العامة، أجاب المسؤولون بأن قيمة المشروع من حيث ارتباطه بالدرعية «له رمزية تاريخية وثقافية وحضارية، كونها مَهْد انطلاق الدولة السعودية منذ ما يقارب 300 عام وبوصفها أرض الملوك والأبطال، إضافةً إلى ضخامة الأصول والمستهدفات النوعية للمشروع والمتضمنة تحويله إلى وجهة ثقافية وسياحية هي الأولى عالمياً، فضلاً عن موقعه الحيوي على امتداد وادي حنيفة بطبيعته الجميلة، كما يضم المشروع حي الطريف التاريخي المسجّل في قائمة اليونيسكو لتراث العالمي منذ 2010 والذي تم افتتاحه للزوار مؤخراً بعد اكتمال أعمال التطوير فيه، إذ يعد مقر حكم أئمة الدولة السعودية في بدايات تأسيسها، ويحوي عدداً من القصور والمساجد والنطاق السكاني لأهالي الدرعية منذ ذلك الحين، إلى جانب افتتاح مطل البجيري الذي يشكّل جزءاً قيّماً من المشروع، حيث تضم منطقة المشاة ما يزيد على 20 مطعماً، منها أربعة مطاعم حاصلة على نجمة ميشلان، هي: لونغ تشيم، وهاكاسان، وتاتيل، وشي برونو، إضافةً إلى مطاعم أخرى منتقاة بدقة تقدّم باقة من المأكولات السعودية التقليدية والمعاصرة».

 

جانب من مشروع «مطل البجيري» بعد إنجازه (الشرق الأوسط)

ومن المقرّر أن يصل إجمالي عدد الفنادق في الدرعية عند اكتمال المشروع إلى 38 فندقاً ذات علامات تجارية تُعد هي الأرقى والأشهر عالمياً، وسيكون افتتاح أول تلك الفنادق خلال العام الجاري، كما سيضم المشروع 110 آلاف متر مربع كمساحة مكتبية إبداعية تضم أكثر من 23 مبنًى مكتبياً، وحسب المسؤولين في الهيئة، فإن كل هذه العوامل هي جزءٌ مما يجعل «مشروع الدرعية» أحد أهم المشاريع النوعية في السعودية وخامس المشاريع الكبرى في محفظة صندوق الاستثمارات العامة.

المستجدّات في «مشروع الدرعية»
وتتسارع وتيرة الإنجاز الذي يشهده «مشروع الدرعية»، إذ إنه من المخطط الإعلان عن افتتاح مشاريع وأصول متنوّعة سنوياً، بدءاً من عام 2022 حتى اكتمال المشروع، وفضلاً عمّا سبقت الإشارة إليه من مشروعات منجزة وأخرى يتم العمل على إنجازها، فإن المشروع وفي إطار الاهتمام بالطبيعة والغطاء النباتي سيوفّر مجموعة من المساحات الترفيهية المفتوحة، بما في ذلك 6 حدائق مع مساحات خضراء واسعة تمتد على مساحة تفوق 2 كم مربع يتخلّلها أكثر من 9 كم من الممرات والمسارات للمشي وركوب الدراجات وركوب الخيل، وسيضم أيضاً 6 معارض وأكثر من 26 معلماً ثقافياً وأكثر من 400 متجر متنوع، بالإضافة إلى أكثر من 100 سوق وبازار للحرف التقليدية المحلية والمنتجات المصنوعة يدوياً، إلى جانب العلامات التجارية المعروفة عالمياً. كما سيوفّر المشروع مواقف للسيارات مكونة من 3 طوابق تقارب مساحتها الإجمالية مليون متر مربع تقع أسفل ميدان الدرعية، فيما ستتجاوز سعتها أكثر من 10500 مركبة.

قصر سلوى في الدرعية (الشرق الأوسط)

شركة ومفهوم جديدان يرسمان الخطة الاستراتيجية
وضمن خطتها للانتقال إلى مرحلة استراتيجية جديدة تحقّق الموازنة بين الأعمال التشريعية والتطويرية، أنشأت هيئة تطوير بوابة الدرعية «شركة الدرعية». وستكون الشركة مستقلة عن «هيئة تطوير بوابة الدرعية» التي ستمثّل الجهة التشريعية والمقدمة لجميع الخدمات الحكومية، وستدعم الشركة وتمكّن قدرات منسوبيها لخدمة جميع الأعمال التطويرية والتشغيلية. كما تم إطلاق مفهوم «الدرعية» كعلامة تجارية؛ لتكون ذراعاً تسويقية للوجهة السياحية والأصول المرتبطة بها.
إذ تسعى «الدرعية» إلى الإسهام في تنويع الإيرادات ومصادر الدخل، حيث تعمل على استكشاف فرص جديدة وواعدة عبر الاستثمار المباشر في الأصول المختلفة وغيرها من الفرص الاستثمارية الأخرى، بناءً على الأسس التي انطلق منها المشروع وبما يُسهم في رفع القيمة التنافسية للدرعية سياحياً واقتصادياً، فيما تواصل سعيها للارتقاء بمستوى الأداء وتوظيف جميع الإمكانات والقدرات بشكلٍ فاعلٍ يجعل منها وجهة أولى عالمياً ويُسهم في تحقيق النمو الاقتصادي.

دعم لا محدود من قيادة البلاد
وأكد المسؤولون أن «شركة الدرعية» و«هيئة تطوير بوابة الدرعية» تحظيان بدعمٍ لا محدود واهتمام بالغٍ من القيادة، حيث يُعد المشروع جزءاً من «رؤية السعودية 2030»، وسوف «يُسهم في الاحتفاظ بهذا الإرث التاريخي العظيم وإبراز أرض الملوك والأبطال كمنطلق الدولة السعودية منذ ما يقارب 300 عام، إضافةً إلى جعل الدرعية وجهة سياحية وثقافية هي الأولى عالمياً»، مما سيسهم بشكلٍ مباشر في استقطاب 27 مليون زائر محلي ودولي بحلول عام 2030، والذي يعد دعماً للاستراتيجية الوطنية للسياحة التي تهدف إلى استضافة 100 مليون سائح من أنحاء العالم في السعودية بحلول العام 2030.


مقالات ذات صلة

السعودية ترحب بإعلان وقف النار في لبنان

الخليج لقاء مباشر بين ممثلي لبنان وإسرائيل بحضور دبلوماسيين أميركيين في واشنطن الثلاثاء الماضي (أ.ف.ب) p-circle 00:39

السعودية ترحب بإعلان وقف النار في لبنان

رحَّبت السعودية بإعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن وقف إطلاق النار في لبنان، معربة عن تثمينها للدور الإيجابي الكبير الذي قام به نظيره اللبناني جوزيف عون.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
يوميات الشرق استعرضت «منصة الإلهام» تجارب ملهمة للمنظمات غير الربحية (وزارة الثقافة السعودية)

مبادرة سعودية لدعم المجتمعات المحلية في ترميم البلدات التراثية

أعلنت وزارة الثقافة السعودية عن مبادرة دعم المجتمعات المحلية في ترميم البلدات التراثية؛ لتعزيز مساهمة المجتمع في الحفاظ على أصوله التراثية ذات القيمة وتأهيلها.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
تحليل إخباري ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان مستقبلاً رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة الأربعاء (واس) p-circle 00:33

تحليل إخباري الشراكة السعودية – الباكستانية... من التنسيق الاستراتيجي إلى صناعة الاستقرار

وصف محللون تصاعد العلاقات السعودية - الباكستانية بأنها تحولت من الشراكة إلى صناعة الاستقرار والسلام، عادِّين زيارة محمد شهباز شريف للمملكة تجسيداً لعمق العلاقة

جبير الأنصاري (الرياض)
عالم الاعمال شراكة بين «كيو» و«مارغوليز هولزلي» لتطوير مراكز البيانات في السعودية والمنطقة

شراكة بين «كيو» و«مارغوليز هولزلي» لتطوير مراكز البيانات في السعودية والمنطقة

أعلنت شركة «كيو» عن إبرام شراكة استراتيجية مع «مارغوليز هولزلي أركيتكتشر»، بهدف تطوير حلول متكاملة لمشروعات مراكز البيانات في السعودية ودول الخليج وأوروبا.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد زياد الشعار الرئيس التنفيذي لـ«دارغلوبال» وأحمد القاسم رئيس الخدمات المصرفية للأعمال في «الإمارات دبي الوطني» بعد توقيع الاتفاقية (الشرق الأوسط)

«دار غلوبال» تحصل على قرض مشترك بـ250 مليون دولار من «الإمارات دبي الوطني»

أعلنت شركة «دار غلوبال» عن حصولها على تسهيلات قرض مشترك لأجل بقيمة 250 مليون دولار مقدمة من بنك الإمارات دبي الوطني، في خطوة تهدف إلى دعم خططها للنمو.

«الشرق الأوسط» (دبي)

السعودية ترحب بإعلان وقف النار في لبنان

TT

السعودية ترحب بإعلان وقف النار في لبنان

لقاء مباشر بين ممثلي لبنان وإسرائيل بحضور دبلوماسيين أميركيين في واشنطن الثلاثاء الماضي (أ.ف.ب)
لقاء مباشر بين ممثلي لبنان وإسرائيل بحضور دبلوماسيين أميركيين في واشنطن الثلاثاء الماضي (أ.ف.ب)

رحَّبت السعودية، الخميس، بإعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن وقف إطلاق النار في لبنان، مُعرِبة عن تثمينها للدور الإيجابي الكبير الذي قام به نظيره اللبناني جوزيف عون، ورئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام، ورئيس البرلمان نبيه بري.

وجدَّد بيان لوزارة الخارجية التأكيد على وقوف السعودية إلى جانب لبنان في بسط السيادة وحصر السلاح بيد الدولة ومؤسساتها الشرعية، والخطوات الإصلاحية التي اتخذتها، ومساعيها للحفاظ على مقدرات لبنان وسلامة ووحدة أراضيه.


الشراكة السعودية – الباكستانية... من التنسيق الاستراتيجي إلى صناعة الاستقرار

TT

الشراكة السعودية – الباكستانية... من التنسيق الاستراتيجي إلى صناعة الاستقرار

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان مستقبلاً رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة الأربعاء (واس)
ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان مستقبلاً رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة الأربعاء (واس)

وصف محللون تصاعد العلاقات السعودية - الباكستانية بأنها تحولت من الشراكة إلى صناعة الاستقرار والسلام، عادِّين زيارة رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف للمملكة؛ تجسيداً لعمق العلاقة الاستثنائية بين البلدين، وتنسيقهما الاستراتيجي بشأن تطورات المنطقة الراهنة.

وتحدث المحللون مع «الشرق الأوسط» في إطار المشاورات السياسية التي يجريها البلدان لتكثيف المساعي المشتركة لخفض التصعيد بالمنطقة، والتوصل لاتفاق ينهي الحرب الإيرانية، بما يحقق الأمن والاستقرار الإقليمي.

وجرت في جدة (غرب السعودية)، الأربعاء، نقاشات بين الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي، ومحمد شهباز شريف، رئيس الوزراء الباكستاني، حول مجريات أوضاع المنطقة، والمستجدات المتعلقة بالمحادثات بين الولايات المتحدة وإيران التي تستضيفها إسلام آباد.

توحيد الرؤى

يُوضِّح علي عواض عسيري، السفير السعودي الأسبق لدى باكستان، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن الزيارة تأتي ضمن التواصل المكثف والزيارات المستمرة بين البلدين حول مختلف القضايا الإقليمية والدولية، وتعكس حرص إسلام آباد على التنسيق الوثيق وتوحيد الرؤى مع الرياض فيما يتعلق بمستجدات المنطقة والإقليم.

بدوره، أكد الدكتور عبد الله الرفاعي، أستاذ الإعلام بجامعة الإمام محمد بن سعود، في حديثٍ لـ«الشرق الأوسط»، أن «الشراكة السعودية - الباكستانية تجاوزت مرحلة التنسيق إلى صناعة الاستقرار»، وقال إن «الزيارة تأتي في لحظة إقليمية مضطربة تتداخل فيها الأزمات والمصالح؛ لهذا لا تكون التحركات الدبلوماسية بين البلدين مجرد لقاءات بروتوكولية، بل خطوات فاعلة لإعادة تشكيل موازين الاستقرار»

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان مستقبلاً رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة الأربعاء (واس)

وحسب الرفاعي، تكتسب زيارات المسؤولين الباكستانيين المتواصلة إلى السعودية «أهمية خاصة، بوصفها تعبيراً عن عمل استراتيجي عميق يتجاوز الظرف الآني إلى بناء موقف مشترك تجاه تحولات المنطقة»، ويرى أنه «لا يمكن قراءة هذه الزيارات بمعزل عن الدور الذي تضطلع به باكستان في مسارات الوساطة الإقليمية».

عمق العلاقات

العلاقات التاريخية الراسخة بين السعودية وباكستان ارتقت إلى مستوى «الشراكة الاستراتيجية»، ويصفها السفير الأسبق بأنها «مميزة ومستدامة، ومبنية أساساً على العقيدة»، موضحاً أنه «لم يشُبها أي شيء منذ نشأت، ولم تتغير بتغير القيادات في البلدين كلياً، بل بالعكس تنمو مع كل قيادة».

وبينما يُنظر إلى السعودية بوصفها ركيزة أساسية لاستقرار المنطقة والعالم، يقول عسيري إن «باكستان تعتمد على رأي القيادة السعودية، وتتشاور معها سواءً في علاقاتها مع الدول الأخرى، أو فيما يتعلق بالحرب ما بين إيران وأميركا وإسرائيل، ونجحت في التوصل إلى هدنة لمدة أسبوعين، وهناك أمل بتمديد أسبوعين إضافيين، ويوجد حوار ربما ينهي هذه الحرب».

وصرَّح الدكتور مطلق المطيري، أستاذ الإعلام السياسي بجامعة الملك سعود، لـ«الشرق الأوسط»، بأن «العلاقة بين السعودية وباكستان تطوَّرت من تحالف تقليدي إلى شراكة استراتيجية متعددة الأبعاد (سياسية، أمنية، اقتصادية)، هدفها الأساسي إدارة الأزمات، ومنع التصعيد، وبناء استقرار مستدام في المنطقة».

ويستدل المطيري بأن الزيارات المتكررة تعكس أن «العلاقة ليست بروتوكولية بل تشاورية مستمرة، خصوصاً في ظل بيئة إقليمية مضطربة»، منوهاً بأن «هذه اللقاءات تسعى لتنسيق المواقف تجاه التوترات الإقليمية وقضايا الأمن البحري والطاقة».

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان خلال لقائه رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة (واس)

تغليب السلام

عن المساعي المشتركة تجاه تطورات المنطقة، يقول السفير عسيري إن «السعودية ليست بلد حرب»، ويضيف أن «جهودها داعمة لاستضافة باكستان المشاورات الأميركية – الإيرانية في إسلام آباد»، كما يرى أن باكستان مؤهلة لحيادها بين الطرفين، «فعلاقتها مميَّزة بأميركا منذ عام 1971، حيث كان لها دور ممتاز في علاقة أميركا مع الصين وإيقاف حرب فيتنام، وكانت خير حليف لأميركا في الحرب على الإرهاب، وفي الوقت نفسه ساعدتها في خروج آمن من أفغانستان، فضلاً عن أنها جارة لإيران وعلاقتها طيبة معها».

يوافقه الرفاعي والمطيري الرأي، حيث أشار الأول إلى «محاولة إسلام آباد استثمار علاقاتها المتوازنة لفتح نوافذ للحلول السياسية، مستفيدة من الدعم السعودي لهذه الجهود بوصفه امتداداً لنهج ثابت يقوم على تغليب الحلول السلمية، وتجنب الانزلاق إلى مسارات التصعيد»، وأفاد الآخر بأن دعم الرياض لوساطة إسلام آباد يعكس تقاسم أدوار ذكي، ففي حين لباكستان علاقات متقاربة مع أميركا وإيران، تحظى السعودية بثقلٍ سياسي واقتصادي عالمي؛ ما يمنح الوساطة قوة دفع، ويُعزز فرص الوصول إلى حلول سلمية».

ويشرح أستاذ الإعلام بجامعة الإمام محمد بن سعود بالقول إن «المملكة، التي راكمت خبرة طويلة في إدارة الأزمات، تدرك أن الاستقرار لا يُفرض بالقوة، بل يُبنى عبر التفاهمات والتوازنات الدقيقة»، متابعاً: «في المقابل، تعكس هذه التحركات مكانة الرياض باعتبارها ركيزة أساسية في معادلة الاستقرار الإقليمي والدولي». بينما يؤكد المطيري أن «التحرك السعودي لا يقتصر على البعد السياسي، بل يرتبط أيضاً بحماية أسواق الطاقة العالمية، وتأمين خطوط التجارة، وتعزيز بيئة الاستثمار؛ ما يجعل المملكة ركيزة استقرار إقليمي ودولي».

رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف لدى وصوله إلى مطار الملك عبد العزيز الدولي في جدة الأربعاء (إمارة مكة المكرمة)

رؤية استراتيجية

شدَّد الرفاعي على أن «السعودية لم تعد مجرد لاعب مؤثر في سوق الطاقة، بل أصبحت فاعلاً سياسياً واقتصادياً قادراً على التأثير في مسارات الأزمات، وصياغة المبادرات، وبناء التحالفات التي تعزز الأمن الجماعي»، مؤكداً أن «هذا الدور المتنامي لا يأتي من فراغ، بل يستند إلى ثقل سياسي، واقتصاد متماسك، ورؤية استراتيجية واضحة تسعى لتحويل الاستقرار مشروعاً دائماً، لا مجرد استجابة مؤقتة للأزمات».

وحول الموقف من طهران، اعتبر عسيري في حديثه إيران «عاملاً للقلاقل الموجودة في المنطقة، والرئيسان الأميركيان السابقان باراك أوباما وجو بايدن كانت لهما توجهات مختلفة عن الرئيس دونالد ترمب الذي بحنكته عرف أن هناك مخاطر من إيجاد سلاح نووي مع إيران، وانسحب من الاتفاق المبرم معها»، متابعاً: «ما ترجوه السعودية أن تكون إيران بلداً جاراً آمناً ومستقراً، وليس مزعجاً لجيرانه، ولا يسبب أي قلق في المنطقة نفسها».

بموازاة ذلك، أوضح السفير الأسبق أن «توجهات السعودية سلمية، و(رؤية 2030) خير برهان، إذ تُمثّل خطة أمن وسلام ونهضة وتنمية، وتوجهات حضارية وليست عدائية لأحد»، مردفاً: «سعت المملكة بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز وولي العهد الأمير محمد بن سلمان إلى إيجاد حل مع الإيرانيين بأي شكل، وتم ذلك باتفاق بكين بين الرياض وطهران، لكن إيران وبكل أسف لم تحترم المساعي الحميدة التي أُنجز فيها الاتفاق، لم تحترمها إيران باعتداءاتها على المملكة ودول الخليج جيرانها والذين ليس لهم علاقة بالحرب».

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان التقى رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة 12 مارس 2026 (واس)

حماية متوازنة

بشأن التعاون العسكري السعودي - الباكستاني، يروي عسيري أنه «بدأ من السبعينات، وكان تدريب جميع القوات السعودية البرية والبحرية والجوية بعناصر باكستانية، واستمر ذلك، وكان هناك اتفاقية عام 1982»، مبيناً أن «وجود القوة العسكرية الباكستانية التي وصلت مؤخراً إلى المملكة -ضمن اتفاقية الدفاع المشترك- يعكس حرص إسلام آباد على وقوفها بجانب الرياض، كما يبرهن على تنفيذ ما اتفق عليه الجانبين»، ومؤكداً أن «باكستان بحبها للسعودية وقيادتها والحرمين الشريفين، لن تتخلى عنها في حال هُوجِمت حتى لو لم تكن هناك اتفاقية».

وطبقاً لذلك؛ أرجع المطيري الحضور العسكري الباكستاني إلى «الامتداد التاريخي للعلاقات العسكرية بين البلدين، ويعكس الثقة الاستراتيجية المتبادلة»، منوهاً بأنه «يأتي في إطار التعاون الدفاعي المشروع بين دولتين ذاتي سيادة، وتعزيز الجاهزية والتدريب المشترك، ودعم أمن المنطقة دون نية عدائية».

وفي الإطار نفسه، يشير الرفاعي إلى أن هذا «يعكس عمق الشراكة الأمنية بين البلدين، التي تعزز استقرار المنطقة، وتؤكد أن أمن المملكة جزء لا يتجزأ من منظومة أمن إقليمي أوسع»، ويُبيِّن قدرة هذه الشراكة الاستراتيجية على «توفير مظلات حماية متوازنة دون الانجرار إلى مواجهات مفتوحة».

من لقاء ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان ورئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة بحضور عاصم منير قائد قوات الدفاع رئيس أركان الجيش الباكستاني 12 مارس 2026 (واس)

من ناحية أخرى، لفت عسيري إلى أن «السعودية خير حليف وأخ لباكستان، ودائماً تقف معها في أزماتها، ولها مواقف مُشرِّفة، منها دعمها البنك المركزي الباكستاني بعد زلزال 2005 الذي راح ضحيته أكثر من 80 ألف شخص، وكانت أول دولة تسيّر جسراً جوياً ومستشفيين ميدانيين بأطباء سعوديين وممرضين لمعالجة المصابين».

شراكة عميقة

وفقاً للرفاعي، فإن «التقارب السعودي - الباكستاني لا يقتصر على الأبعاد السياسية والأمنية، بل يمتد ليشمل آفاقاً اقتصادية واعدة؛ فالبلدان يدركان أن الشراكة الحقيقية تُبنى على المصالح المتبادلة، واستثمار الفرص، وخلق مسارات تنموية مشتركة»، وأكمل بالقول: «من هنا، تتجه الجهود نحو دفع التعاون الاقتصادي إلى مستويات أكثر عمقاً، سواء عبر الاستثمارات، أو المشاريع المشتركة، أو استكشاف قطاعات جديدة قادرة على تحقيق قيمة مضافة للطرفين».

المطيري ذهب إلى صعود الجانب الاقتصادي، وأنه أصبح محوراً رئيسياً في العلاقات بين الرياض وإسلام آباد، خاصة مع «رؤية السعودية 2030»، وحاجة باكستان إلى الاستثمار والطاقة، مؤكداً تركيز التوجه الحالي على الاستثمارات المشتركة، والطاقة والبنية التحتية، والتعدين والزراعة، وهذا يحول العلاقة من سياسية وعسكرية إلى شراكة تنموية طويلة الأمد.

وعن الوديعة السعودية الحالية بمليارات الدولارات، يقول عسيري إنها «ليست أول مرة تدعم المملكة البنك المركزي الباكستاني، وهذا الدعم له جانبان رئيسيان دائماً، أولهما بالسيولة عندما يهتز الاقتصاد الباكستاني أو العملة الباكستانية، والآخر بتأجيل مدفوعات نفطية، وهذان أهم عنصرين، فضلاً عن المساعدات الإغاثية».

مصافحة بين وزير المالية السعودي محمد الجدعان ونظيره الباكستاني محمد أورنغزيب عقب الاتفاق على دعم الرياض الإضافي لإسلام آباد (وزارة المالية الباكستانية)

تفعيل الاتفاقيات

تحدَّث عسيري عن الاتفاقيات التي شهدتها زيارات ولي العهد السعودي لإسلام آباد، وأن «المطلوب هو تفعيلها»، مشيراً إلى «وجود فرص لدى باكستان في شركات تسليح وتصنيع، وتصديرها أجهزة جراحية لدول أوروبا، والقطن لشركات معروفة في أميركا، لكن تنقصها الخبرة في تسويق الفرص التي لا يعرف عنها القطاع الخاص السعودي ولم يبحث عنها».

ولتحقيق الأهداف المرجوة؛ اقترح السفير الأسبق «عقد ندوات أو إجراءات زيارة وفود من الغرف التجارية السعودية إلى باكستان، للاطلاع على الفرص الموجودة، كذلك الحال بالنسبة للجانب الباكستاني»، متطرقاً في الوقت نفسه إلى «وجود أكثر من 120 شركة باكستانية مستثمرة في المملكة بمجالات التقنية وغيرها».


سلطان عُمان وأمير قطر يبحثان التطورات واحتواء التصعيد

السلطان هيثم بن طارق  والشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير قطر (العمانية)
السلطان هيثم بن طارق والشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير قطر (العمانية)
TT

سلطان عُمان وأمير قطر يبحثان التطورات واحتواء التصعيد

السلطان هيثم بن طارق  والشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير قطر (العمانية)
السلطان هيثم بن طارق والشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير قطر (العمانية)

بحث العاهل العماني السلطان هيثم بن طارق مع الشيخ تميم بن حمد أمير قطر، تطورات الأوضاع بالمنطقة في ظل تصاعد التوترات الإقليمية.

ووصل أمير قطر إلى مسقط في زيارة لسلطنة عُمان، حيث أجرى مع السلطان هيثم بن طارق في قصر البركة يوم الخميس، مباحثات تبادلا خلالها وجهات النظر بشأن المستجدّات الراهنة، ولا سيما ما يتعلق بتداعياتها على أمن المنطقة واستقرارها، وانعكاساتها على إمدادات الطاقة وحركة الملاحة الدولية.

بحث السلطان هيثم والشيخ تميم تطورات الأوضاع بالمنطقة في ظل تصاعد التوترات الإقليمية (العمانية)

وقال الديوان الأميري القطري إن الجانبين أكدا أهمية تكثيف الجهود الإقليمية والدولية لخفض التصعيد، وضرورة تغليب الحلول الدبلوماسية والحوار لتسوية النزاعات، بما يسهم في تعزيز الأمن والاستقرار على المستويين الإقليمي والدولي.

كما شددا على أهمية التنسيق والتشاور المستمر بين البلدين إزاء مختلف القضايا ذات الاهتمام المشترك، بالإضافة إلى العلاقات الراسخة بين البلدين، وسُبل تعزيزها وتطويرها في مختلف المجالات.

عقب ذلك، عقد سلطان عُمان وأمير قطر لقاء ثنائياً تبادلا فيه وجهات النظر حول تعزيز التعاون بين البلدين، وعدد من الموضوعات ذات الاهتمام المشترك.