مدينة طرابلس عاصمة للثقافة العربية... والبؤس اللبناني

توفيق سلطان: رفيق الحريري مُنع عليه العمل في المدينة

الجامع المنصوري الكبير في طرابلس (أرشيفية)
الجامع المنصوري الكبير في طرابلس (أرشيفية)
TT

مدينة طرابلس عاصمة للثقافة العربية... والبؤس اللبناني

الجامع المنصوري الكبير في طرابلس (أرشيفية)
الجامع المنصوري الكبير في طرابلس (أرشيفية)

يشكو كبار مدينة طرابلس، عاصمة الشمال اللبناني، من التردي الكبير في أوضاع المدينة التي تحتفل بتتويجها «عاصمةً للثقافة العربية» بعد أن باتت على هامش التطور، بل تعاني تأخراً على جميع المستويات، بعد أن كانت رائدة في التطور المدني في لبنان.

ويقول ابن المدينة، توفيق سلطان، إن «المدارس الخاصة كلها صارت خارج طرابلس. كلية التربية والتعليم بمبناها التراثي مغلقة. مسرح الإنجا العريق الذي يتسع لـ800 كرسي هُدم. يوجد في لبنان 22 متحفاً وليس في طرابلس متحف. كان ثمة مكتبه قضوا عليها. لا توجد بلدة حولنا بلا فندق باستثناء طرابلس. قرب بيتي مدرسة فندقية مغلقة، هي أوتيل ومطبخ لم يُستخدم بعد، كلّف 800 ألف دولار، لماذا لا يتم تلزيمه؟».

صديق الرؤساء والزعماء في لبنان والعالم العربي، يفتح لك صناديقه وصوره، وهو يستعيد تاريخاً حافلاً، مع كمال جنبلاط، حيث لا يزال منخرطاً في الحزب الاشتراكي، وكذلك ترى صورة له مع الرئيس السابق للحكومة رفيق الحريري وكثر آخرين. تشاهده على خط بارليف، وفي جنازة جمال عبد الناصر.

توفيق سلطان (أرشيفية)

«تخلّت الدولة عن طرابلس، طوّقوها وحاصروها، خنقوا أهلها، زوّروا تمثيلها بقوانين انتخاب سيئة، وانتخابات أسوأ. أوصلوا طبقة سياسية لا قدرة لها على حمل طرابلس، بقيمتها التاريخية والجغرافية». وحين نسأله: من هم؟ يقول: «جميعهم دون استثناء».

يروي سلطان أن وزيرة النقل الهولندية قالت للوزير السابق عمر مسقاوي، إن «موقع طرابلس فريد من نوعه». وفي رأيه أن طرابلس لها من المرافق ما يجعلها كنزاً. مرفأ طرابلس مساحته شاسعة، وإمكاناته كبيرة. ربطه بطريق إلى دمشق يكلف مليوني دولار، ويقع قرب سكة حديد بطول 35 كلم حتى الحدود السورية. أما مرفأ بيروت فمخنوق، لا تمكن توسعته متراً واحداً، تخرج منه الشاحنات وتمر في قلب العاصمة، وتأخذ طريق الجبل الصعب إلى الشام، وتكاليفه عالية. هو متيقن أن «طرابلس لا تزدهر إلا إذا رُبطت بسوريا. الحرب ستنتهي وطرابلس عليها أن تتهيأ». سكة الحديد التي تربط لبنان بسوريا معطلة منذ 40 سنة. تم شراء حديد السكك، ووضع حجر أساسها منذ 15 سنة، والعمل لم يبدأ.

قلعة طرابلس قبل التشوهات العمرانية التي أحاطت بها (أرشيفية)

يسمونه «أبو المرفأ». يروي أن والده كان رئيساً لبلدية طرابلس في الخمسينات. وتعمل في الميناء شركة إيطالية، اقترحت تطوير الميناء ليزداد عمقه من 7 إلى 11 متراً. «ذهب أبي ورئيس بلدية الميناء سعدي غازي، وأنا عند كميل شمعون. كان عمري 15 سنة. دخل شمعون واستقبلنا بترحاب، عندما أخبره أبي باقتراح الطليان تغيَّر لونه، وهبّ واقفاً وقال: أستاذ سلطان مرفأ طرابلس لن يكون. حين يصبح لمرفأ بيروت 100 حوض بيصير عندكم مرفأ. من بيروت إلى أنطلياس وأبي يردد: لماذا كل هذا التعصب؟ بقيت هذه الحادثة محفورة في رأسي، وبقيت كل حياتي أتابع المرفأ».

يتحدث توفيق سلطان عن محاولاته لتطوير المرفأ. دعمه الرئيس السابق للحزب التقدمي وليد جنبلاط، ورئيس البرلمان نبيه بري، لكن ثمة دائماً مَن يعترض. تمنى بناء إهراءات لحفظ القمح، قبل انفجار مرفأ بيروت، ولم ينفَّذ. في النهاية تمت بعض المشاريع بتمويل ذاتيّ من المرفأ نفسه، الذي له وفرة اليوم 20 مليون دولار، تعهدت الدولة بدفع 30 في المائة من المشروع، ولم تدفع.

يكرر سلطان أن «طرابلس في التاريخ أهلها عملوها. لم يكن من ماء، أسسوا شركة (رشعين). جرّ مهندس من بيت سلهب المياه 17 كيلومتراً إلى طرابلس، باعت النساء مصاغهن وفرش الصوف وأواني النحاس، لتمويل المشروع. شركة الكهرباء قاديشا الأمر نفسه، كانت تبيع سوريا 200 ميغاواط قبل الحرب، كذلك سكة الحديد التي موّلها طرابلسيون».

يتحدث عن «مصفاة النفط المعطلة منذ 40 سنة». «أكثر من 5 ملايين متر مربع، مساحة المصفاة، ثروة هائلة بالإمكان تشغيلها وتسييل الغاز فيها. يوجد خط غاز أنابيب ممتد من سوريا إليها، كلّف 25 مليون دولار، إضافةً إلى 500 موظف».

يتناسل الكلام عن المشاريع المهمَلة. الملعب الأولمبي يُفترض أن يكون ثروة «صرفوا على بنائه 20 مليون دولار، وتركوه بلا موقف للسيارات. بمقارنة بينه وبين ملعب صيدا الأولمبي، نجد الثاني في كامل بهائه، أما الأول فليس مفهوماً إن كان ملعباً أم ثكنة عسكرية».

أيضاً المحاولة لإقامة شركة كهرباء خاصة «نور الفيحاء»، كان على رأسها الرئيس نجيب ميقاتي، لم تكتمل وفُضَّت بعد تأسيسها، «لأن رئيس الجمهورية حينها ميشال عون قال لنا، اسألوا جبران باسيل. أقمت مؤتمراً صحافياً وأعلنت أننا لا نمشي وراء جبران، وإنما نتعامل مع الدولة».

«المشاريع الكبرى بحاجة لأكتاف تحملها. النخبة الطرابلسية سافرت»، يعطي مثلاً: غسان غندور، من عائلة غندور التي كان لها مصانع في طرابلس، كلها أُقفلت. يقيم في اليونان عنده بواخر عملاقة تنقل 300 ألف طن. هناك نافذ الجندي، يقيم في السعودية، مشاريعه في لبنان وخارجه. سفيان الصالح ابن الشيخ صبحي الصالح من أكبر المهندسين في الإمارات. لماذا لا يستعان بالنخبة ويقام مجلس لإنماء طرابلس؟

يعتقد توفيق سلطان أن الانحدار الطرابلسي جاء تدريجياً. مع إعلان لبنان الكبير، قامت مظاهرات في طرابلس ضد الانفصال عن سوريا، كان رفضاً اقتصادياً وليس سياسياً. طرابلس كانت تخدم الساحل والداخل السوريين، البرجوازية السورية كانت لها بيوت في طرابلس. والمدينة مرفأ طبيعي لسوريا. يقول سلطان: «الفرنسيون قالوا للبطرك حويك عند الاستقلال، ما يهمك من طرابلس، ستخلّ بالديمغرافيا، قال لهم: إذا تركت طرابلس خارج خريطة لبنان الكبير، ستشكّل منافسة لبيروت».

خان الخياطين في طرابلس (أرشيفية)

ركز الإنجليز على ميناء حيفا، والفرنسيون أرادوا إبراز دور بيروت. أوائل القرن التاسع عشر، كان عدد سكان طرابلس أكبر من سكان بيروت.

يتحدث عن بدء نمو بيروت في ذلك الوقت، وظهور شركة «دريجانس»، التي سيّرت عربات تجرها البغال من بيروت إلى الشام، واختُصر الوقت إلى 11 ساعة مع استراحة في شتورة. الشركة نفسها تولت تسيير القطار، بمعونة شركة سويسرية ثم رصفت الطريق.

«خُنقت طرابلس وكُتمت أنفاسها. نهاية الأربعينات كان في طرابلس مستشفى أميركي، تم هدمه، ومستشفى إيطالي لا مثيل له اليوم».

يستذكر يوم أعدمت إيطاليا عمر المختار وكان في طرابلس 7 راديوهات فقط. خرج ما يقارب 30 ألف طرابلسي، وأحرقوا القنصلية الإيطالية في المدينة، وحين حاول عبد الحميد كرامي تهدئتهم، تعرضوا له.

«لبنان الكبير أصبح حقيقة. عبد الحميد كرامي كان مع تركيا، البعض صار بعدها مع الإنجليز، لم تكن عروبة رجالات الاستقلال صافية. عبد الحميد وغيره استقووا بالإنجليز للتخلص من الفرنسيين. قفزوا من العروبة».

صار مرفأ بيروت ينمو ويضمر مرفأ طرابلس. الجامعات تُفتح في بيروت، وتُغلَق عندنا. طرابلس وميناؤها، كانا مركزاً لتجار الأخشاب، ولها امتداد إلى الإسكندرية والإسكندرون. أُقيمت مشاريع فاقدة للرؤية. «عندما صار طوفان نهر أبو علي في منتصف الخمسينات، تعاملوا مع النهر كأنه الأمازون، حوّلوه إلى مجرور، تلاه سقف النهر، وإقامة سوق للثياب المستعملة فوقه. هذه فاجعة».

حين نسأله، لماذا الشكوى؟ ولماذا لم يقم رفيق الحريري بمشاريع تُنقذ طرابلس، وهو كان مقرباً منه؟ «كان ممنوعاً عليه أن يعمل في البلد، حتى في بيروت بحدود، تُقصقص جوانحه كي لا يطير. سافرت إلى مصر لسنوات وحين عدت هُدِّدتُ، وتمت مضايقتي».

ساحة التل في طرابلس (أرشيفية)

قدم لرفيق الحريري خمسة مشاريع لطرابلس، «واحد لمنطقة التل الأثرية التي أردنا أن نحدّثها، ونقيم مرآباً تحتها، واعترض الناس. ومشروع منطقة سياحية تربط بين شط الميناء والجزر البحرية وامتدادها خان التماثيلي الثري بمساحته الكبيرة، ولم نتمكن منه. ومحطة التسفير حيث أقيمت اثنتان في بيروت وصيدا، لكنّ محطة طرابلس كانت دونها عقبات».

اتُّهمت طرابلس بالظلامية وأُلبست ما ليس لها. «لكنّ المجلس البلدي الذي ليس فيه مسيحي واحد، اجتمع واتخذ قراراً بتسمية سبعة شوارع باسم مطارنة. وفي المدينة شارع الراهبات، وشارع الكنائس، ومار مارون، وحارة السيدة. هل في جونية شيء مشابه؟ لقد ألبسوا المدينة ثوباً تنكرياً».


مقالات ذات صلة

لبنان يشترط تثبيت وقف إطلاق النار لبدء المفاوضات مع إسرائيل

المشرق العربي طفل يقف على حطام مبنى دمرته غارة إسرائيلية في بلدة كفرصير بجنوب لبنان (أ.ف.ب)

لبنان يشترط تثبيت وقف إطلاق النار لبدء المفاوضات مع إسرائيل

حدّد الرئيس اللبناني جوزيف عون شرطه الأساسي لبدء المفاوضات مع إسرائيل، ويتمثل بتثبيت وقف إطلاق النار

«الشرق الأوسط» (بيروت)
العالم العربي دورية للجيش الإسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية في الجنوب (أ.ف.ب)

إسرائيل تدرج السفح الغربي لجبل الشيخ ضمن مناطق نفوذها في لبنان

ترسم إسرائيل عبر موجة إنذارات غير مسبوقة الاتساع خريطة حركة جديدة، لا تقتصر على تقييد عودة السكان، بل تمتد لتشي بإعادة توجيه ثقلها العملياتي نحو الشرق.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي من مراسم تشييع مدنيين قُتلوا بغارات إسرائيلية في بلدة البازورية بجنوب لبنان (أ.ب)

لبنان يتطلع لتمديد الهدنة وتحديد موعد التفاوض لإيحاد «حل دائم» مع إسرائيل

تتجه الأنظار إلى اللقاء الثاني الذي يجمع سفيري لبنان وإسرائيل لدى الولايات المتحدة في واشنطن؛ لتمديد وقف إطلاق النار وتحديد موعد وموقع المفاوضات المباشرة

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي نساء في مدينة النبطية يتفقدن الدمار الناتج عن غارات إسرائيلية استهدفت المدينة خلال الحرب (أ.ف.ب)

إسرائيل تدمر البنى التحتية في الجنوب اللبناني منعاً لإعادة السكان إليه

تواصل إسرائيل تصعيدها في جنوب لبنان، في مسار لا يقتصر على العمليات العسكرية المباشرة، بل يتعداه إلى اعتماد سياسة تدمير ممنهج للبنى التحتية

يوسف دياب (بيروت)
المشرق العربي طفلة أمام مبنى تعرَّض لغارات إسرائيلية في الضاحية الجنوبية لبيروت (أ.ب)

سكان جنوب لبنان وضاحية بيروت يترددون في العودة بظلّ هدنة هشّة

تفرض الهدنة المؤقتة في لبنان واقعاً ضاغطاً على السكان؛ إذ تدفعهم إلى العودة الخاطفة من دون أن تمنحهم شعوراً فعلياً بالأمان أو الاستقرار.

صبحي أمهز (بيروت)

ماكرون يعلن وفاة جندي فرنسي ثانٍ من قوات «يونيفيل» بعد إصابته في جنوب لبنان

صورة نشرها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في صفحته على «إكس» للجندي الفرنسي أنيسيه جيراردان الذي توفي الأربعاء متأثراً بجراحه بعد إصابته بكمين استهدف قوات حفظ السلام «يونيفيل» خلال مهمة بجنوب لبنان (إكس)
صورة نشرها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في صفحته على «إكس» للجندي الفرنسي أنيسيه جيراردان الذي توفي الأربعاء متأثراً بجراحه بعد إصابته بكمين استهدف قوات حفظ السلام «يونيفيل» خلال مهمة بجنوب لبنان (إكس)
TT

ماكرون يعلن وفاة جندي فرنسي ثانٍ من قوات «يونيفيل» بعد إصابته في جنوب لبنان

صورة نشرها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في صفحته على «إكس» للجندي الفرنسي أنيسيه جيراردان الذي توفي الأربعاء متأثراً بجراحه بعد إصابته بكمين استهدف قوات حفظ السلام «يونيفيل» خلال مهمة بجنوب لبنان (إكس)
صورة نشرها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في صفحته على «إكس» للجندي الفرنسي أنيسيه جيراردان الذي توفي الأربعاء متأثراً بجراحه بعد إصابته بكمين استهدف قوات حفظ السلام «يونيفيل» خلال مهمة بجنوب لبنان (إكس)

أعلن الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، عن وفاة جندي فرنسي ثانٍ يوم الأربعاء «متأثراً بجراحه» التي أصيب بها في كمين نُصب خلال عطلة نهاية الأسبوع لقوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة في لبنان «يونيفيل»، الذي نُسب إلى «حزب الله». وكان جندي آخر قد قُتل بالرصاص في كمينِ يوم السبت، الذي نفى «حزب الله» مسؤوليته عنه، بينما كان المتوفى الأربعاء أحد 3 جنود أصيبوا في الهجوم نفسه، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

قائد قوات «يونيفيل» اللواء ديوداتو أبانارا يلقي التحية على جثمان الرقيب أول الفرنسي فلوريان مونتوريو الذي قُتل خلال أدائه مهمة جنوب لبنان... بمطار بيروت في لبنان يوم 19 أبريل 2026 (رويترز)

وكتب ماكرون على منصة «إكس»: «توفي العريف أنيسيه جيراردان، من (فوج المشاة 132) التقني التابع لـ(فرقة سويب)، الذي أُعيد جثمانه أمس من لبنان حيث أصيب بجروح خطيرة على يد مقاتلي (حزب الله)، صباح اليوم (الأربعاء) متأثراً بجراحه».

وأضاف ماكرون: «لقد استشهد في سبيل فرنسا. وتُحيي الأمة، التي ستكرّم غداً ذكرى الضابط فلوريان مونتوريو الذي استشهد في الكمين نفسه، ذكرى العريف أنيسيه جيراردان وتضحيته بكل حزن. كما تُعرب عن خالص تعازيها ومواساتها لأسرته وأحبائه، وكذلك لأسر الجرحى الآخرين. وتُشيد الأمة بالتفاني المثالي لقواتنا المسلحة ضمن (قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان - يونيفيل)، التي تعمل بشجاعة وتصميم في خدمة فرنسا والسلام في لبنان».


غزة تستعد لأول انتخابات محلية منذ عقدين

صبي فلسطيني يمر قرب لافتات لمرشحي الانتخابات المحلية في دير البلح بوسط غزة الثلاثاء (أ.ف.ب)
صبي فلسطيني يمر قرب لافتات لمرشحي الانتخابات المحلية في دير البلح بوسط غزة الثلاثاء (أ.ف.ب)
TT

غزة تستعد لأول انتخابات محلية منذ عقدين

صبي فلسطيني يمر قرب لافتات لمرشحي الانتخابات المحلية في دير البلح بوسط غزة الثلاثاء (أ.ف.ب)
صبي فلسطيني يمر قرب لافتات لمرشحي الانتخابات المحلية في دير البلح بوسط غزة الثلاثاء (أ.ف.ب)

تشهد مدينة دير البلح وسط قطاع غزة أول انتخابات محلية على مستوى القطاع منذ عقدين تقريباً؛ في مشهد انتخابي ينطلق السبت، بالتزامن مع الضفة الغربية.

وتضمن قرار أصدره رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية محمود عباس أبو مازن، بالدعوة العامة إلى الانتخابات المحلية، اختيار مدينة دير البلح منطقة وحيدة ستُجرى فيها الانتخابات باعتبارها الأقل تضرراً على مستوى غزة بعد الحرب الإسرائيلية؛ إذ لا تزال بعض بناها التحتية أفضل مقارنة بباقي مناطق القطاع.

وكانت آخر انتخابات محلية شهدها القطاع قد أجريت عام 2005، وحازت حركة «حماس» الأغلبية المحلية، ثم أعقبتها في العام التالي بالفوز بالانتخابات التشريعية، وفي عام 2007 أحكمت الحركة قبضتها على القطاع بعد صراع دام مع حركة «فتح»، ومنذ عام 2005 وحتى 2023 كانت «حماس» تُعين وتزكي أعضاء اللجان المحلية والبلديات في غزة.

لكن هذه الجولة المنتظرة من الانتخابات تأتي وقد تغير وجه القطاع كلياً بفعل الحرب التي دامت سنتين، فضلاً عن التعقيدات السياسية والميدانية.

«مَن يمكنه التصويت... وكيف؟»

وفقاً للجنة الانتخابات المركزية، فإن من يحق لهم التصويت في دير البلح وفق السجل المدني «بلغ نحو 70449 ناخباً وناخبة، سيدلون بأصواتهم في 12 مركزاً للاقتراع» شملت أراضي فارغة، تم تجهيزها بالخيام، مع استمرار استخدام المدارس مراكز إيواء من قبل السكان النازحين من مناطق مختلفة لدير البلح.

ويبدو عدد من يحق لهم الانتخابات أقل من سكان دير البلح المتكدسة بالنازحين؛ إذ سُمح فقط لسكان المدينة الأصليين بالانتخاب.

وأوضحت اللجنة أنها اعتمدت 292 مراقباً من 10 مؤسسات رقابية داخل القطاع، إضافة إلى 45 صحافياً لتغطية العملية الانتخابية، فيما سيعمل 675 موظفاً ضمن طواقم الاقتراع، لضمان سير العملية الانتخابية وفق الضوابط القانونية والمهنية.

سيدتان فلسطينيتان تقرآن تعليمات التصويت بالانتخابات المحلية في مدينة دير البلح بوسط غزة يوم الثلاثاء (أ.ف.ب)

وقال جميل الخالدي، المدير الإقليمي للجنة الانتخابات المركزية في قطاع غزة لـ«الشرق الأوسط»، إن «النظام الانتخابي يعتمد على القوائم المغلقة؛ حيث يختار الناخب قائمة واحدة، ويمنح صوته لخمسة مرشحين منها، على أن يتم تشكيل المجلس البلدي من 15 عضواً من الحاصلين على أعلى الأصوات، مع ضمان تمثيل نسائي لا يقل عن 4 سيدات».

وبيّن الخالدي أنه تم توفير صناديق الاقتراع والأوراق الخاصة بالانتخابات، استعداداً للانطلاق يوم السبت، مشيراً إلى أنه «جرى تجهيز 12 مركزاً انتخاباً (موزعة على 9 خيام، و3 داخل مؤسسات المجتمع المدني)، ويضم كل منها 8 محطات اقتراع، لاستقبال جميع الناخبين».

وأفاد الخالدي بأن النتائج الأولية للانتخابات المحلية من المتوقع أن تصدر صباح الأحد، مبيناً أن «جميع القوائم المتنافسة مستقلة وعشائرية، ويطغى عليها تنافس المناطقية والعائلية».

من يؤمّن الانتخابات؟

وردّاً على سؤال مراسل «الشرق الأوسط»، حول الجهة التي ستتولى مسؤولية الأمن عند مراكز الاقتراع في دير البلح، قال الخالدي، «إن الشرطة المدنية الفلسطينية (فعلياً هي قوات الشرطة الحكومية التابعة لـ«حماس») هي مَن ستقوم بتأمين العملية الانتخابية بشكل كامل».

لكن الخالدي لفت إلى أنه «في ظل الظروف الأمنية سيبتعد عناصر الشرطة في ظل استهدافهم باستمرار من قبل الاحتلال الإسرائيلي عن مراكز الاقتراع، وسينتشرون من دون سلاح، وفي حال وقع أي إشكال سيتدخلون لفضه، ثم يعودون للانتشار خارج مراكز الاقتراع».

فتى فلسطيني يفحص موقع غارة إسرائيلية استهدفت عناصر من جهاز الشرطة التابع لحركة «حماس» وسط غزة مارس الماضي (رويترز)

وكان من المفترض أن تتولى شركة أمن وحراسة خاصة تأمين مراكز الاقتراع، كما علمت «الشرق الأوسط». وأقر الخالدي بأن هذا الطرح كان موجوداً «لكن الشرطة المدنية في غزة أصرت على أن تكون هذه مهمتها، وجرى الاتفاق لاحقاً على هذه الخطة بمعرفة كل الجهات»، وفق قوله.

«إلزام ببرنامج (منظمة التحرير)»

وتتنافس في الانتخابات 4 قوائم، تلقى المرشحون فيها دورات من قبل لجنة الانتخابات المركزية حول الانتخابات، والقوائم هي: «السلام والبناء»، و«دير البلح تجمعنا»، و«مستقبل دير البلح»، و«نهضة دير البلح»، تضم كل منها 15 مرشحاً، بينهم 4 سيدات على الأقل، على أن يتم انتخاب رئيس البلدية من بين الأعضاء الفائزين.

ووفق ما رصدته «الشرق الأوسط»، فإن دير البلح شهدت في الأيام الماضية، دعاية انتخابية تنافسية قوية عبر شبكات التواصل الاجتماعي مقابل خفوت ميداني عبّرت عنه ملصقات محدودة؛ إذ «تمول القوائم المتنافسة نفسها من دون دعم فصائلي». كما أوضح مراقبون ومتابعون.

سيدة فلسطينية تعمل مع لجنة الانتخابات في غزة تلصق تعليمات للناخبين في دير البلح بوسط القطاع يوم الثلاثاء (أ.ف.ب)

وخلال تقدمهم للترشح، تم إلزام المتنافسين في الانتخابات بالتوقيع على تعهد يقضي بالالتزام ببرنامج «منظمة التحرير الفلسطينية» والاعتراف بها ممثلاً شرعياً.

والاعتراف ببرنامج «منظمة التحرير» قضية إشكالية مع حركة «حماس» إذ يترتب عليه الالتزام بموافقها التي من بينها الاعتراف بإسرائيل، وتعمل السلطة الفلسطينية على إقرار ذلك المبدأ لكل المتقدمين في الانتخابات المقبلة، ضمن التزامها الدولي بمسار «حل الدولتين».

ووفقاً لمصدر محلي، فإن بعض الشخصيات المرشحة للانتخابات كانت تنشط في حركتي «فتح» و«حماس» سابقاً، لكنهم يقدمون أنفسهم بشكل شخصي وليس تنظيمياً. ولم يعلن أي فصيل أو تنظيم في غزة دعمه الرسمي أو العلني لأي قائمة متنافسة.


القدس: اعتقال 5 سيدات من الأقصى بالتزامن مع اقتحام مستوطنين

عناصر أمن إسرائيليون يقومون بدورية أمام قبة الصخرة في باحة المسجد الأقصى بالبلدة القديمة في القدس (أرشيفية - د.ب.أ)
عناصر أمن إسرائيليون يقومون بدورية أمام قبة الصخرة في باحة المسجد الأقصى بالبلدة القديمة في القدس (أرشيفية - د.ب.أ)
TT

القدس: اعتقال 5 سيدات من الأقصى بالتزامن مع اقتحام مستوطنين

عناصر أمن إسرائيليون يقومون بدورية أمام قبة الصخرة في باحة المسجد الأقصى بالبلدة القديمة في القدس (أرشيفية - د.ب.أ)
عناصر أمن إسرائيليون يقومون بدورية أمام قبة الصخرة في باحة المسجد الأقصى بالبلدة القديمة في القدس (أرشيفية - د.ب.أ)

أفادت محافظة القدس بأن عشرات المستوطنين اقتحموا، اليوم الأربعاء، المسجد الأقصى، بحماية مشددة من القوات الإسرائيلية.

وقالت محافظة القدس، في بيان صحافي اليوم، إن «المسجد الأقصى المبارك شهد اقتحاماً من قِبَل المستعمرين، تخلله أداء رقصات وأغانٍ جماعية، وذلك تحت حماية شرطة الاحتلال».

وأشارت إلى أن «بعض المستعمرين ارتدوا قمصاناً تحمل علم الاحتلال، كما أقدم عدد منهم على رفع العلم أثناء خروجهم من باب السلسلة»، لافتة إلى أنه «بالتزامن مع اقتحامات المستعمرين، اعتقلت قوات الاحتلال خمس سيدات من ساحات المسجد الأقصى»، وفقاً لما ذكرته «وكالة الأنباء الألمانية».

وأفادت بأن «قوات الاحتلال اعتقلت موظف دائرة الأوقاف الإسلامية رائد زغير، أثناء دخوله إلى مقر دائرة الأوقاف في منطقة باب المجلس خارج المسجد الأقصى المبارك».

وأوضحت أن «اقتحامات المستوطنين المتواصلة منذ ساعات الصباح تحت حماية قوات الاحتلال، يتزامن مع ما يسمى (يوم الاستقلال)».

وأشارت وكالة الأنباء والمعلومات الفلسطينية إلى ارتفاع وتيرة الاقتحامات منذ مطلع الشهري الحالي، حيث أدى «المستعمرون طقوساً علنية وسجوداً جماعياً داخل ساحات المسجد الأقصى».