تحولت دقائق كان من المفترض أن يقضيها كريستيانو رونالدو داخل الملعب إلى أزمة طغت على معسكر المنتخب البرتغالي، بعدما انتهى خلاف بدأ من مقاعد البدلاء أمام النرويج بمغادرة قائد المنتخب معسكر بلاده في كوبنهاغن، عشية مواجهة الدنمارك في دوري الأمم الأوروبية.
وخلال أقل من 48 ساعة، انتقلت القضية من غضب بسبب الإحماء دون المشاركة، إلى حديث عن تسوية الخلاف مع المدرب خورخي خيسوس، ثم تدخل رئيس الاتحاد البرتغالي لكرة القدم بيدرو بروينسا، قبل أن يقلب رونالدو المشهد بإعلان رحيله، ووعده البرتغاليين بكشف «الحقيقة» في الوقت المناسب.
وبحسب قناة «سيك» البرتغالية، تعود جذور الأزمة إلى اتفاق مسبق بين رونالدو وخيسوس بشأن إدارة مشاركة قائد المنتخب خلال النافذة الدولية.
وقضى الاتفاق بأن يشارك رونالدو فقط في المباراتين اللتين تقامان على أرض البرتغال، أمام ويلز في 24 سبتمبر (أيلول)، ثم النرويج الأحد المقبل، وبالتالي لم يكن مقرراً أن يشارك في مباراة أوسلو.

غير أن السيناريو تغير أثناء فوز البرتغال على النرويج (2 - 1)، الأحد، عندما رأى خيسوس إمكانية الاستعانة برونالدو خلال آخر 30 دقيقة، وطلب منه البدء في عمليات الإحماء.
استجاب رونالدو، وبدأ الاستعداد للدخول، إلا أن خيسوس قرر في نهاية المطاف عدم الدفع به، ليبقى قائد المنتخب على مقاعد البدلاء حتى صافرة النهاية.
وأفادت «سيك» بأن ذلك أثار غضبه، وهو ما فسر توجهه مباشرة إلى غرف تبديل الملابس عقب المباراة.
ولم ينفِ خيسوس غضب رونالدو منه، موضحاً أن الخطة الأصلية وُضعت بالاتفاق مع اللاعب، قبل أن تدفعه ظروف المباراة إلى التفكير في الاستعانة به.
وقال المدرب إن رونالدو أبدى استعداده عندما طُلب منه الإحماء، مضيفاً: «جعلته يقوم بالإحماء لفترة أطول مما كان ينبغي، وهنا غضب مني»، مؤكداً في الوقت نفسه أن نيته كانت حماية المنتخب واللاعب.
وشدد خيسوس على أن القرار الفني يبقى من اختصاصه، موضحاً أنه أبلغ رونالدو مسبقاً بأنه لن يبدأ أساسياً، وأن إمكانية مشاركته في آخر 30 دقيقة ستتوقف على حاجة المنتخب إليه.
وبدا أن القضية تتجه نحو الاحتواء، عندما تحدثت تقارير برتغالية عن محادثة جديدة بين رونالدو وخيسوس انتهت بتسوية الخلاف، إلا أن الساعات التالية حملت تطورات مغايرة.
وغاب رونالدو عن التدريب الجماعي، الثلاثاء، فيما أوضح الاتحاد البرتغالي أنه أدى تدريبات خاصة في صالة الألعاب الرياضية بالفندق، بسبب عدم توفر المعدات اللازمة في الملعب.
ومع استمرار الجدل، غيّر بروينسا برنامجه وتوجه إلى كوبنهاغن مساء الثلاثاء لمتابعة الوضع ومحاولة تهدئته، في وقت تحدثت فيه الصحافة البرتغالية عن مساعٍ لإغلاق الملف وإعادة التركيز إلى مواجهة الدنمارك.
وفي المؤتمر الصحافي الذي سبق تدريب الأربعاء، حاول خيسوس وضع حد للقضية، وأكد أن رونالدو سيكون حاضراً في الحصة التدريبية، كما أعلن أن غونسالو راموش سيبدأ أساسياً أمام الدنمارك.
ووافق المدرب البرتغالي أيضاً على تصريحات مدرب الدنمارك برايان ريمر، الذي اعتبر أن أفضل نسخة من المنتخب البرتغالي تكون بوجود رونالدو، موضحاً أن ذلك ينطبق عندما يحصل «كريس» على الوقت الكافي للتعافي بين المباريات.
لكن ما حدث بعد المؤتمر أعاد الأزمة إلى نقطة أكثر تعقيداً. غادر رونالدو ملعب «باركن» في كوبنهاغن ولم يشارك في التدريب، رغم تأكيد خيسوس قبل ذلك بقليل أنه سيكون موجوداً.
وبحسب ما نقلته الصحافة البرتغالية، حاول خيسوس وبروينسا إقناع رونالدو بالعدول عن قراره، إلا أن قائد المنتخب مضى في خيار المغادرة.
وجاء الحسم، مساء الأربعاء، عندما أعلن رونالدو بنفسه مغادرة المعسكر، موضحاً أن قراره اتخذ بعد المؤتمر الصحافي لخيسوس ومحادثة مع رئيس الاتحاد البرتغالي.
وقال رونالدو: «بعد المؤتمر الصحافي للمدرب، وفي أعقاب محادثة مع رئيس الاتحاد البرتغالي لكرة القدم، اتخذت قرار مغادرة معسكر المنتخب الوطني. في الوقت المناسب سأقول الحقيقة لجميع البرتغاليين بشأن الأسباب التي دفعتني إلى مغادرة المنتخب، الذي كرست نفسي له دائماً».
وأضاف: «الآن حان الوقت لأتمنى التوفيق للبرتغال ولجميع زملائي في الفريق، من دون استثناء».
وأكد الاتحاد البرتغالي بدوره مغادرة رونالدو معسكر المنتخب في كوبنهاغن، موضحاً أن الاستعداد لمواجهتَي الدنمارك والنرويج، على أن تقام الأخيرة على ملعب «دراغاو»، سيستمر وفق البرنامج المحدد بوجود اللاعبين الـ24 المتبقين في القائمة.
ولم تبق القضية داخل حدود المعسكر، إذ تحولت سريعاً إلى الموضوع الرئيسي في الإعلام البرتغالي.
واعتبرت صحيفة «إكسبريسو» أن الساعات الـ48 التالية لمباراة النرويج شهدت سيلاً من التعليقات والتكهنات والنقاشات التلفزيونية، إلى درجة أن الجدل المتعلق برونالدو طغى على فوز المنتخب وعلى مباراته المقبلة أمام الدنمارك.
واستعادت الصحيفة ما حدث في كأس العالم 2022 في قطر، عندما فقد رونالدو موقعه في التشكيلة الأساسية للبرتغال، وما صاحب ذلك حينها من ضجة واسعة حول قائد المنتخب.
أما صحيفة «أبولا»، فذهبت في مقال رأي إلى التركيز على الأثر الأوسع للقضية، منتقدة الحجم الذي بلغه الجدل بشأن مشاركة رونالدو، ومعتبرة أن المنتخب سيظل بعيداً عن حالة التوازن ما دام السؤال حول وجوده أساسياً من عدمه يهيمن على التحليلات والبرامج التلفزيونية والمؤتمرات الصحافية.
وهكذا، فإن قضية بدأت باتفاق بين اللاعب ومدربه على إدارة مشاركاته، ثم تغيرت عندما طُلب من رونالدو الإحماء لمدة 30 دقيقة دون أن يدخل الملعب، انتهت خلال أيام بمغادرته المعسكر.
وبعدما كانت الصحافة البرتغالية تتحدث صباح الأربعاء عن مصالحة وانتهاء الخلاف، أعاد الرحيل كل الاحتمالات إلى الواجهة، فيما أضاف رونالدو بنفسه مزيداً من الغموض عندما وعد بكشف الأسباب الحقيقية لقراره.
ولم يعد التساؤل في البرتغال مقتصراً على أسباب مغادرة كوبنهاغن، بل امتد إلى ما يمكن أن يعنيه القرار لمستقبل رونالدو الدولي؛ خصوصاً أن رسالته لم تحسم ما إذا كانت الخطوة مرتبطة بالمعسكر الحالي فقط.
وامتدت أصداء القضية إلى الصحافة الأوروبية، مع إبراز الصحف الرياضية الإسبانية تطوراتها، فيما طرحت صحيفة «ليكيب» الفرنسية تساؤلاً حول ما إذا كانت مسيرة رونالدو الدولية تقترب من نهايتها.
وبين اتفاق لم يصمد، و30 دقيقة من الإحماء لم تنتهِ بالمشاركة، ومحاولات لاحتواء الموقف، ثم مغادرة مفاجئة، ووعد بكشف «الحقيقة»، انتقلت البرتغال خلال أيام من الحديث عن انتصارها على النرويج إلى أزمة أصبح قائدها عنوانها الأول.
