تبدو المعركة الرامية إلى إبعاد جياني إنفانتينو عن رئاسة الاتحاد الدولي لكرة القدم «فيفا» في طريقها إلى الانحسار، بعد أسابيع قليلة من اعتقاد معارضيه بإمكان الإطاحة به، لكن مواجهة جديدة حول حجم الصلاحيات التي يمكنه ممارستها قد تكون في بدايتها.
ويرى مسؤولون بارزون في كرة القدم العالمية أن الأزمة التي أثارتها خطة الاستثمار الخاص، والتي تراجع عنها إنفانتينو، بدأت تتحول من معركة حول خلافته إلى صراع بشأن شروط استمراره في رئاسة «فيفا».
وقد ينتهي هذا الصراع بتسوية في ملف الحوكمة يتنازل بموجبها إنفانتينو عن جزء من صلاحياته مع بقائه في منصبه. أما السيناريو الآخر، فيتمثل في «حرب باردة وساخنة» طويلة الأمد، تدخل فيها الأندية والاتحادات القارية والوطنية وممثلو اللاعبين في مواجهات متكررة مع «فيفا» بشأن المسابقات والعائدات والروزنامة الدولية.
وقال مسؤول بارز في كرة القدم العالمية لـ«رويترز»: «ما هو واضح الآن أنه لن يذهب إلى أي مكان. الحرب الباردة والساخنة تمثل مشكلة حقيقية جداً لـ(فيفا) ولكرة القدم العالمية». كما رأى مسؤول تنفيذي مخضرم في الرياضة الدولية أن إنفانتينو «متمسك بمنصبه»، لكنه تساءل عن قدرة «فيفا» على العمل بصورة طبيعية إذا استمرت معارضة عدد من أقوى الدول والمؤسسات الكروية له.
وقال: «ستكون لديك بالفعل حرب أهلية داخل منظومة الحوكمة، وهو أمر لا أتذكر حدوثه في أي هيئة رياضية من قبل. إنه أمر غير مسبوق».
وأكد مسؤولان بارزان آخران لـ«رويترز» بشكل مستقل احتمال الدخول في مواجهة طويلة داخل منظومة كرة القدم العالمية، في سيناريو قد يُبقي إنفانتينو في منصبه، لكن وسط محاولات من بعض أكبر أصحاب المصلحة في اللعبة لتقييد صلاحياته.
وتساءل المسؤول التنفيذي المخضرم: «هل يصبح رئيساً بلا نفوذ؟».
ولا توجد مؤشرات تُذكر على أن تحركات إنفانتينو الأخيرة نجحت في إنهاء الانقسام.
وفي رسالة إلى مجلس «فيفا» ورؤساء الاتحادات الوطنية الـ211، اقترح إنفانتينو تكليف جهة خارجية مستقلة بمراجعة إطار الحوكمة المعتمد في المبادرات الاستراتيجية الكبرى، إلى جانب إجراء مشاورات مع الاتحادات القارية والوطنية وأصحاب المصلحة بشأن تعزيز عملية اتخاذ القرار. كما أكد التزامه الكامل بمواصلة قيادة «فيفا».
لكن عدداً من الاتحادات الأوروبية لم يعدّ الخطوة كافية، فيما قال ألكسندر تشيفرين، رئيس الاتحاد الأوروبي لكرة القدم «يويفا»، في كلمة عبر الفيديو أمام قمة البرتغال لكرة القدم، إن إلغاء المشروع الذي تسبب في الأزمة لا يعني استعادة الثقة، مؤكداً أن الثقة في اللعبة تقوم على الوحدة والشفافية والحوكمة التي تخدم الجميع.
وجاءت تصريحات تشيفرين في إشارة إلى مشروع بيع حصة تصل إلى 20 في المائة من الحقوق التجارية لـ«فيفا»، بما فيها حقوق مرتبطة بـ«كأس العالم»، إلى مستثمرين من القطاع الخاص. وأُلغي المشروع في يوليو (تموز) بعد معارضة من «يويفا» والاتحاد الآسيوي لكرة القدم و«كونكاكاف».
يبقى أمام إنفانتينو، السويسري-الإيطالي البالغ 56 عاماً، مسار أقل صداماً يتمثل في تقديم إصلاحات جوهرية تقنع معارضيه بأن توزيع السلطة داخل «فيفا» تغير فعلياً.
وقال مسؤول بارز إن أحد السيناريوهات المطروحة يتمثل في إنشاء هيئة أو هيكل جديد يحد من سلطة الرئيس، معتبراً أن مقترحات الحوكمة التي قدمها إنفانتينو ليست سوى «الحد الأدنى» لمنحه فرصة للاستمرار.
وبحسب المسؤول، فإن حجم أي تسوية سيتوقف على مقدار الصلاحيات التي يكون إنفانتينو مستعداً للتنازل عنها، ومدى استعداد معارضيه لمواصلة الضغط للحصول عليها.
ويحمل ذلك مفارقة، إذ إن الإصلاحات التي أعقبت رحيل الرئيس السابق لـ«فيفا» سيب بلاتر استهدفت، جزئياً، تقليص السلطة المتركزة في منصب الرئيس، فيما تجد كرة القدم العالمية نفسها مجدداً أمام نقاش مماثل حول حدود تلك الصلاحيات.
وفي حال فشل التسوية، قد تتحول المواجهة إلى عملية استنزاف طويلة، إذ يمكن للأندية تحدي «فيفا» في ملفات «كأس العالم للأندية» وتوزيع العائدات وتحرير اللاعبين، بينما قد يعترض ممثلو اللاعبين على الروزنامة، وتعرقل اتحادات وطنية بعض المبادرات، وتتصدى اتحادات قارية لمحاولات توسيع مسابقات «فيفا» أو إعادة تشكيلها.
ولخص مسؤول بارز المشهد في خيارين: تسوية يتنازل فيها إنفانتينو عن بعض سلطاته مع إنشاء هياكل جديدة، أو استمرار مواجهة طويلة يخوض فيها أصحاب المصلحة معارك متكررة حول كل ملف تقريباً، بما في ذلك توسيع «كأس العالم»، وحجم أو وتيرة إقامة «كأس العالم للأندية»، وتوزيع الإيرادات.
في المقابل، هناك عامل آخر يدفع النقاش نحو كيفية التعايش مع إنفانتينو بدلاً من استبداله، إذ يبدو أن موقفه تعزز منذ اندلاع الأزمة.
وقال رئيس أحد الاتحادات الوطنية لـ«رويترز»، شريطة عدم الكشف عن هويته، إن معارضي إنفانتينو أهدروا أفضل فرصة للتحرك ضده عندما بلغت ردود الفعل ذروتها، فيما يعمل رئيس «فيفا» حالياً على إعادة بناء الدعم قبل انتخابات مارس (آذار) 2027. وتشير تقارير «رويترز» إلى أن معارضيه يواجهون صعوبة في إيجاد مرشح لمنافسته، بينما يبدو أنه لا يزال يحتفظ بدعم كافٍ لإعادة انتخابه.
ويملك إنفانتينو خلال الأشهر المقبلة سلسلة من الفرص للقاء رؤساء الاتحادات الوطنية، من خلال البطولات والجمعيات العمومية وفعاليات الاتحادات القارية، بما في ذلك اجتماعات عدة في أفريقيا، في وقت أعلن فيه الاتحاد الأفريقي لكرة القدم دعمه له.
وفي موازاة ذلك، طرح تشيفرين ورئيس «كونكاكاف» فيكتور مونتالياني مقترحاً يتيح ما لا يقل عن 10 ملايين دولار لكل واحد من الاتحادات الوطنية الـ211 خلال الدورة المالية 2027-2030، إضافة إلى التمويل المخصص عبر برنامج «فيفا فوروارد»، ما يبرز الأهمية الكبيرة للاتحادات الوطنية في الصراع الدائر حول مستقبل إدارة اللعبة.
وبالنسبة إلى اتحادات تعتمد بصورة كبيرة على تمويل «فيفا»، يمكن لهذه الأموال أن تُحدث فارقاً كبيراً. وإذا أعيد انتخاب إنفانتينو، يرى رئيس الاتحاد الذي تحدث إلى «رويترز» أن بعض الجهات التي عارضته قد تصبح أقل صداماً، بعدما تقتنع بأن أربع سنوات أخرى من المواجهة المستمرة لن تحقق لها مكاسب كبيرة.
وبذلك، قد يكون بقاء إنفانتينو في رئاسة «فيفا» أقرب من خروجه، لكن شكل السلطة التي سيمارسها خلال ولاية جديدة يبقى محور الصراع الحقيقي داخل كرة القدم العالمية.
