كان الاتحاد الإيطالي لكرة القدم يرغب في التعاقد مع المدير الفني الإسباني جوسيب غوارديولا لقيادة منتخب إيطاليا، لكنه رفض، ثم عرض الأمر على كارلو أنشيلوتي، لكنه لم يبدِ اهتماماً يُذكر، ثم توجه إلى أندريا بيرلو، لكنه رُفض من جانب بعض المسؤولين. والآن، استقال الرجلان اللذان قدّما هذه العروض للمديرين الفنيين! انتهى بحث إيطاليا عن مدير فني جديد بتعيين روبرتو مانشيني، ولكن بعد فوضى عارمة دفعت المدير الفني للاتحاد الإيطالي لكرة القدم، باولو مالديني، والمستشار الخاص ليوناردو، إلى الاستقالة بعد 16 يوماً فقط.
وقال رئيس الاتحاد الإيطالي لكرة القدم، جيوفاني مالاغو، يوم الثلاثاء، تعليقاً على رحيل مالديني وليوناردو: «كان قراراً هادئاً، واتفقنا على أن يسلك كل منا طريقه الخاص. كنتُ بحاجةٍ إلى شخصٍ يُشاركني رؤيتي بشأن من سيكون المدير الفني القادم للمنتخب الإيطالي. لم تكن هذه الرؤية المشتركة لتعيين مانشيني موجودةً لدى مالديني. كان مالديني وليو، كعادتهما، رجلين نبيلين، لكنهما كانا أيضاً واضحين وصريحين في آرائهما. وكذلك كنتُ أنا». ربما لم يعد المنتخب الإيطالي لكرة القدم يعاني من فراغ في منصب المدير الفني، لكن - حسب دانيال أوستن على موقع «بي بي سي» المستقبل لا يزال غامضاً للغاية. فما الذي كان يحدث بالضبط، وإلى أين ستسير الأمور؟ التقرير التالي يحاول الإجابة على هذه الأسئلة وغيرها:
ما هي خطط إيطاليا لتصحيح الأوضاع؟
كان من المفترض أن يكون هذا الصيف بمثابة إعادة ضبط شاملة للمنتخب الإيطالي، لكن هزيمته أمام البوسنة والهرسك في المباراة النهائية للتصفيات المؤهلة لكأس العالم في مارس (آذار) الماضي حرمته من التأهل للمونديال للمرة الثالثة على التوالي، وأعقب ذلك استقالة المدير الفني جينارو غاتوزو. وسارع أساطير كرة القدم الإيطالية للمطالبة بإجراء إصلاحات شاملة. وقال المدافع السابق فرانكو باريزي: «لا يمكن لإيطاليا أن تكتفي بالوصول إلى المرحلة الأخيرة لمجرد التأهل لكأس العالم. يجب على كرة القدم الإيطالية بأكملها أن تعترف بخطئها، لأن نتائج العشرين عاماً الماضية واضحة للعيان، باستثناء الفوز ببطولة كأس الأمم الأوروبية 2020».
ويبدو أن الإصلاحات الشاملة قد بدأت بالفعل، حيث استقال غابرييل غرافينا، رئيس الاتحاد الإيطالي لكرة القدم منذ عام 2018، إلى جانب جيانلويجي بوفون، حارس مرمى يوفنتوس السابق. انتُخب مالاغو، رجل الأعمال السابق ولاعب كرة الصالات ذو السجل الحافل في الرياضة الإيطالية كرئيس سابق للجنة الأولمبية الوطنية الإيطالية، رئيساً للاتحاد. وقال حينها: «لا ينبغي أن ننظر إلى جذورنا بحنين أو أنها تمثل عبئاً، بل يجب أن تلهمنا لنحتضن عهداً جديداً جريئاً وناجحاً، متواضعاً وطموحاً في آنٍ واحد». لكن مالاغو لجأ إلى الحنين وإلى الماضي في إدارة العهد الجديد الموعود لكرة القدم الإيطالية، فعيّن قائد المنتخب السابق مالديني في 12 يوليو (تموز) لإدارة كرة القدم الإيطالية من فرق الشباب إلى الفريق الأول. وكانت أولى مسؤوليات مالديني تتمثل في إيجاد مدير فني جديد.
لماذا عادت إيطاليا إلى مانشيني؟
قال مالاغو عند إعلانه تعيين مالديني وليوناردو: «هذا التزامٌ لأربع سنوات يجب أن يقودنا من هنا إلى كأس العالم 2030، مع وجود بطولة أوروبية في منتصف الطريق». لكن هذا الالتزام لم يدم أكثر من أسبوعين، حيث توترت العلاقة بينهما بسبب سلسلة من التعيينات الفاشلة. في البداية، تواصل مالديني وليوناردو مع غوارديولا، المدير الفني السابق لمانشستر سيتي، ووعداه براتب ضخم وحرية كاملة في إدارة شؤون كرة القدم الإيطالية وفقاً لرؤيته. وبعد دراسة العرض، رفضه غوارديولا، مفضلاً الاستمرار في فترة ابتعاده عن كرة القدم. قاد أنشيلوتي، الفائز بدوري أبطال أوروبا أربع مرات، منتخب البرازيل بشكل مخيب للآمال في كأس العالم 2026، حيث خرج من دور الستة عشر، لكن الاتحاد البرازيلي لكرة القدم أبقاه في منصبه. وتشير تقارير في إيطاليا إلى أن أنشيلوتي رفض بسرعة اهتمام مالديني وليوناردو. ثم سعى الثنائي لتعيين بيرلو، لكن الاتحاد الإيطالي لكرة القدم استبعده وسط استياء شعبي وسياسي في إيطاليا بسبب دوره في الترويج لشركة مراهنات روسية، بما في ذلك زياراته إلى موسكو عقب الغزو الشامل لأوكرانيا عام 2022.
ويبدو أن رفض تعيين بيرلو، الذي أعرب عن «مرارة شديدة» إزاء هذه الفضيحة، كان بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير بالنسبة لمالديني وليوناردو. لكن يبقى السؤال مطروحاً حول ما إذا كان بيرلو - زميل مالديني وليوناردو السابق في ميلان - خياراً مناسباً. فعلى الرغم من أناقته المعهودة ولحيته، فإن سجله التدريبي متواضع للغاية؛ فقد أُقيل بعد موسم واحد مع يوفنتوس، ثم رحل عن نادي فاتح كاراغومروك التركي متوسط الترتيب بعد 12 شهراً، وأُقيل مجدداً بعد عام واحد مع سمبدوريا في دوري الدرجة الثانية، وقضى الموسم الماضي يعمل مديراً فنياً لنادي دبي يونايتد الإماراتي. لكن مع استبعاد بيرلو، وتقويض نهج مالديني وليوناردو برمته، أصبحت مهمة ملء هذا الفراغ على عاتق مالاغو.
كان المرشح الأبرز لدى الاتحاد الإيطالي لكرة القدم لهذا المنصب هو مانشيني، الذي فاز ببطولة كأس الأمم الأوروبية 2020 في فترته التدريبية السابقة، لكنه كان أيضاً مدرباً للمنتخب الإيطالي عندما أُقصي من تصفيات كأس العالم 2022 أمام مقدونيا الشمالية. وقد ترك وظيفته فجأة ليتولى منصب المدير الفني لمنتخب السعودية. عاد مانشيني الآن - انتهى البحث أخيراً - ووافق كلاوديو رانييري، المدير الفني السابق لتشيلسي وليستر سيتي، البالغ من العمر 74 عاماً، على خلافة مالديني كمدير فني للاتحاد الإيطالي لكرة القدم. لكن سيكون من الصعب على مالاغو تصوير هذه التعيينات على أنها النهضة الحقيقية التي وعد بها.

ما أسباب تراجع إيطاليا؟
لا تحتاج إيطاليا فقط إلى استعادة بعض من مستواها الذي فقدته مؤقتاً، بل إنها تعيش حقبة من خيبات الأمل امتدت لعقدين من الزمن، باستثناء التتويج بكأس الأمم الأوروبية الذي يعتقد كثيرون، مثل باريزي، أنه كان استثناءً للقاعدة. فمنذ فوزها بكأس العالم للمرة الرابعة عام 2006، خرجت إيطاليا من دور المجموعات مرتين - في عامي 2010 و2014 - وفشلت في التأهل في أعوام 2018 و2022 و2026. وكان الفشل الأخير مؤلماً بشكل خاص نظراً لتوسع البطولة إلى 48 فريقاً.
ومنذ ذلك الحين، ازداد التركيز على المشكلات الهيكلية التي يرى البعض أنها أعاقت قدرة إيطاليا على تنمية المواهب الشابة. وفي وقت سابق من هذا العام، أصدر الاتحاد الإيطالي لكرة القدم تقريراً عن وضع اللعبة في إيطاليا، وحدد سلسلة من المشكلات الرئيسية، منها أن متوسط أعمار لاعبي الدوري الإيطالي أعلى من جميع الدوريات الأوروبية الكبرى الأخرى، وأن 32.1 في المائة فقط من لاعبي الدوري الإيطالي مؤهلون للعب مع المنتخب الإيطالي، وأن إيطاليا تحتل مرتبة متدنية للغاية في الاستثمار في تنمية الشباب على مستوى الأندية والمنتخبات الوطنية.
وخلص التقرير إلى أن الدوري الإيطالي الممتاز يحتل المرتبة 49 من بين 50 دورياً عالمياً من حيث دقائق اللعب للاعبين دون سن 21 عاماً، وأشار إلى أن الدوري الإيطالي الممتاز يحتل مرتبة متدنية في المهارات الفنية مثل المراوغة وسرعة التمرير والركض والضغط. وفي ختام التقرير، اقترح الاتحاد الإيطالي لكرة القدم أن يقوم السياسيون بتعديل القانون الإيطالي للسماح بفرض ضريبة على المراهنات، بحيث تُخصص نسبة من عائدات الرهانات على كرة القدم في إيطاليا لصندوق مخصص لتطوير كرة القدم للشباب. ربما ستستمر هذه المشكلات في جعل المضي قدماً في الحقبة الجديدة التي وعد بها مالاغو أمراً صعباً، بغض النظر عمن سيقود المنتخب الإيطالي خلال الفترة المقبلة!
