هل يضغط إنفانتينو حقاً لإقامة كأس عالم تضم 64 منتخباً؟

انتخابه رئيساً لـ«فيفا» اعتمد على وعود تضمنت توسيع البطولة

الإنجازات الرائعة التي حققها منتخب الرأس الأخضر أحد العوامل التي يُعوِّل عليها إنفانتينو لتوسيع المونديال (رويترز)
الإنجازات الرائعة التي حققها منتخب الرأس الأخضر أحد العوامل التي يُعوِّل عليها إنفانتينو لتوسيع المونديال (رويترز)
TT

هل يضغط إنفانتينو حقاً لإقامة كأس عالم تضم 64 منتخباً؟

الإنجازات الرائعة التي حققها منتخب الرأس الأخضر أحد العوامل التي يُعوِّل عليها إنفانتينو لتوسيع المونديال (رويترز)
الإنجازات الرائعة التي حققها منتخب الرأس الأخضر أحد العوامل التي يُعوِّل عليها إنفانتينو لتوسيع المونديال (رويترز)

إذا كان هناك درسٌ واحدٌ يمكن استخلاصه من 10 سنواتٍ قضاها جياني إنفانتينو رئيساً للاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا)، فهو أنه يسعى دائماً إلى المزيد: المزيد من البطولات، المزيد من المباريات، والمزيد من الأموال. علاوة على ذلك، فقد شهدت كأس العالم للأندية بحلتها الجديدة، وكأس العالم الموسَّعة ارتفاعاً هائلاً في أسعار تذاكر المباريات. وبالطبع، رأينا العرض الاستثنائي الذي امتدَّ على غرار مباراة «السوبر بول» (المباراة النهائية لبطولة دوري كرة القدم الأميركية)، والذي جعل الاستراحة بين شوطَي نهائي كأس العالم تستمر 27 دقيقة و22 ثانية.

هل سيتوقف إنفانتينو عند هذا الحد؟

يبدو أن إنفانتينو -حسب ديل جونسون على موقع «بي بي سي»- قد فتح الباب على مصراعيه أمام بطولة كأس عالم تضم 64 فريقاً؛ حيث قال: «إذا لم تُمنح الدول الصغيرة فرصة المشاركة، فستفتقر إلى الحافز لمواصلة التطور». إلا أن الدول الصغيرة –بالطبع- لا تُحرم من هذه الفرصة؛ لأنها إذا كانت جيدة بما يكفي، فإنها ستتأهل، وخير مثال على ذلك الرأس الأخضر، وكوراساو، والأردن، وأوزبكستان.

إذا نظرنا إلى الأمور من ناحية نظام البطولة فقط، فإن الأمر يبدو منطقياً تماماً؛ حيث سيتأهل الفريقان الأول والثاني من كل مجموعة من المجموعات الـ16 إلى الأدوار الإقصائية، ولن تكون هناك حاجة بعد الآن لتأهل بعض الفرق التي تحتل المركز الثالث. ولكن هل هناك أي سبب منطقي آخر للتوسع إلى 64 فريقاً؟

رئيس الاتحاد الأوروبي تشيفرين (يمين) يرفض فكرة التوسيع في حين يطالب بها دومينغيز رئيس «كونميبول» (د.ب.أ)

من يقف وراء هذا التوسع المقترح؟

لنبدأ بكيفية وصولنا إلى هذه النقطة. ستصادف بطولة كأس العالم 2030 مرور مائة عام على انطلاق أول بطولة كأس عالم، والتي أقيمت في أوروغواي. وستستضيف البطولة بشكل أساسي دول المغرب والبرتغال وإسبانيا، ولكن المباريات الثلاث الافتتاحية ستقام في أوروغواي والأرجنتين وباراغواي لارتباطها بالذكرى المئوية. ويرغب اتحاد أميركا الجنوبية لكرة القدم (كونميبول) في استضافة مزيد من المباريات.

في أبريل (نيسان) 2025، طلب الاتحاد إقامة بطولة استثنائية تضم 64 فريقاً ليتمكن من استيعاب البرنامج الكامل للمجموعات الأربع الإضافية. وقال رئيس الاتحاد، أليخاندرو دومينغيز، إنها ستضمن «عدم استبعاد أي فريق على وجه الأرض من البطولة». وكرر دومينغيز، الاثنين، عبر وسائل التواصل الاجتماعي، الدعوة إلى توسيع نطاق البطولة، وحث «فيفا» على توسيع نسخة الذكرى المئوية ‌للبطولة.

وكتب ‌دومينغيز: «النسخة القادمة ستكون على أرضنا! ‌في عام 2030، ستقام ‌بطولة كأس العالم في أوروغواي والأرجنتين وباراغواي». وأضاف: «ستكون هذه فرصة رائعة لكرة القدم ‌للاحتفال بالذكرى المئوية لكأس العالم من خلال بطولة تضم 64 فريقاً».

ولم تحظَ هذه الخطوة بتأييد يُذكر من جهات أخرى. فقد رفض رئيس الاتحاد الأوروبي لكرة القدم، ألكسندر تشيفرين، الفكرة ووصفها بأنها «فكرة سيئة» للبطولة ولعملية التصفيات على حد سواء. وقال فيكتور مونتاغلياني، رئيس اتحاد أميركا الشمالية والوسطى والكاريبي (كونكاكاف)، العام الماضي، إنها «ستضر بالمنظومة الكروية الأوسع». واتفق معه رئيس الاتحاد الآسيوي لكرة القدم، الشيخ سلمان بن إبراهيم آل خليفة، قائلاً إن أي توسع إضافي قد يُحدِث «فوضى». لا يعني أي من هذا أن البطولة لن تتوسع؛ حيث يتم اتخاذ القرار من قبل أعضاء مجلس «فيفا» البالغ عددهم 37 عضواً.

هل ستؤدي إضافة مزيد من الفرق إلى التقليل من قيمة كأس العالم؟

إذا أقيمت البطولة من 64 فريقاً، فإنها ستتميز بميزتين رئيسيتين: سيكون نظام التأهل للأدوار الإقصائية أفضل، وستكون فرص الدول الصغيرة في الصعود أكبر. وهذه النقطة الأخيرة هي التي يُدافع عنها إنفانتينو؛ خصوصاً بعد الإنجازات الرائعة التي حققتها الرأس الأخضر.

وقد واجه الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) انتقادات قبل انطلاق البطولة؛ حيث أشارت بعض الآراء إلى أن الفرق الإضافية لن تكون قادرة على المنافسة. ثم تعادل منتخب الرأس الأخضر مع إسبانيا وأوروغواي ليحتل المركز الثاني في مجموعته؛ بل وكاد أن يُقصي الأرجنتين في دور الـ16؛ حيث أجبرها على خوض وقت إضافي قبل أن يخسر بنتيجة 3 أهداف مقابل هدفين.

العرض الاستثنائي الذي جعل الاستراحة بين شوطي النهائي تستمر أكثر من 27 دقيقة واجه الكثير من الانتقادات (د.ب.أ)

لكن تجب الموازنة بين هذه النتائج الرائعة ومستوى المنافسة العالي في البطولة. فقد فشلت منتخبات هايتي والعراق والأردن وبنما وتونس وأوزبكستان في حصد أي نقطة، كما أن مرحلة المجموعات هذا الصيف لم تشهد أي صعوبة تُذكَر بالنسبة للمنتخبات الكبرى. وبإضافة مزيد من الفرق، سيكون من الصعب تكرار سيناريو عدم تأهل منتخبات كبرى إلى الأدوار الإقصائية، مثل بلجيكا (مونديال 2022)، وألمانيا (2018)، وإسبانيا (2014)، وإيطاليا (2010)، وفرنسا (2002).

هناك رأي يقول إنه في حال توسيع البطولة مرة أخرى، ينبغي منح أوروبا حصة أكبر من المقاعد لتحقيق التوازن التنافسي. ولكن من جهة أخرى، يرى البعض أن إشراك مزيد من المنتخبات في كأس العالم يُسهم في نهاية المطاف في تطوير اللعبة في تلك الدول.

سيُسوِّق إنفانتينو للتوسع بوصفه مفيداً للعبة عالمياً، ولكن لا بد من وجود شكوك حول جدواه بالنسبة للمنافسة نفسها. ويعني النظام المقترح مشاركة ما يقارب ثلث منتخبات «فيفا» البالغ عددها 211 منتخباً.

التحديات اللوجستية لوجود 64 فريقاً

إن توسيع كأس العالم إلى 64 فريقاً يعني إضافة 4 مجموعات إضافية، تضم كل منها 4 فرق. ولكن مزيداً من المجموعات يعني مزيداً من الوقت. لقد استمرت بطولة هذا العام 39 يوماً، كما أن إضافة 24 مباراة أخرى ستتطلب 20 فترة زمنية إضافية، أي 5 أيام أخرى. ولكن مونديال هذا الصيف كان فريداً لسببين: تعدد المناطق الزمنية، والملاعب المغلقة. لقد تمكن الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) من تمديد اليوم في بدايته ونهايته؛ حيث تمت جدولة المباريات على مدار 14 ساعة، وذلك للالتزام بفترات البث التلفزيوني الحصرية. ولكن الأمر لن يكون بهذه السهولة في المستقبل، حتى في ظل وجود 48 فريقاً.

يُصعِّب تغير المناخ اللعب خلال النهار؛ انظر إلى موجات الحر القياسية التي شهدتها أوروبا خلال الأسابيع الأخيرة. ومن غير المرجح أن تمتلك دول أخرى ملاعب مغطاة مثل تلك الموجودة في أتلانتا ودالاس وهيوستن وفانكوفر للتخفيف من هذه المشكلة. ومن المرجح أن يُنقَل موعد كأس العالم في السعودية إلى يناير (كانون الثاني) 2035، ولكن من غير الواضح كيف ستتغلب الدول الأخرى على هذه المشكلة المتفاقمة.

وحتى هذا العام، أقيمت كأس العالم مرة واحدة فقط في دولتين في آن واحد، وهما اليابان وكوريا الجنوبية عام 2002. ومن الصعب تخيل أن دولة واحدة ستتمكن بمفردها من استضافة هذا الحدث مرة أخرى. فهل ستقام كأس العالم في المملكة المتحدة والدول الإسكندنافية مثلاً؟ أو دول أوروبا الشرقية؟ وكيف ستتمكن دولة آسيوية أو أفريقية من تمويل استضافة كأس العالم؟

دعونا نلقي نظرة على بعض القضايا التي تحتاج إلى حل. خلال الصيف الجاري، كان هناك 16 مدينة مضيفة بملاعب تتراوح سعتها بين 43 ألفاً و81 ألف متفرج. وسيكون هناك حاجة إلى المزيد. وستكون هناك حاجة لتوفير 64 منشأة تدريبية فردية على مستوى النخبة للمنتخبات المتأهلة. كما يجب توفير فنادق للجماهير، وبنية تحتية وشبكة الدعم اللازمة لتنقلهم. وبالتالي، فتوسيع كأس العالم ليس مجرد منح مزيد من الفرص لمزيد من الدول.

كان أحد أبرز وعود إنفانتينو عند انتخابه هو جلب المزيد من الأموال إلى اللعبة (أ.ب)

هل يتعلق التوسع بالمال في المقام الأول؟

كان أحد أبرز وعود إنفانتينو عند انتخابه هو جلب مزيد من الأموال إلى اللعبة. يُتاح لكل اتحاد كرة قدم الآن تمويل بقيمة 8 ملايين دولار (5.9 مليون جنيه إسترليني) على مدى 4 سنوات، بالإضافة إلى 1.2 مليون دولار (890 ألف جنيه إسترليني) للدول الأصغر. وتحصل الاتحادات القارية على 60 مليون دولار (44.5 مليون جنيه إسترليني) لتطوير كرة القدم والترويج لها وتنظيمها. لهذا السبب، من المرجح أن يُعاد انتخاب إنفانتينو بالتزكية العام المقبل.

لا بد من أن يأتي هذا المال من مصدر ما، وبالأخص من كأس العالم. في عام 2017، توقع الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) أن تُدِرَّ بطولة كأس العالم التي تضم 48 فريقاً 6.5 مليار دولار (4.8 مليار جنيه إسترليني). وفي عام 2022، عدَّل «فيفا» نظام البطولة مرة أخرى وأضاف 24 مباراة. ويتوقع الآن تحقيق إيرادات بقيمة 9 مليارات دولار (6.7 مليار جنيه إسترليني) هذا العام. ومن المرجح أن تحقق البطولة التي تضم 64 فريقاً عائدات أكبر من البث التلفزيوني وحقوق الرعاية ومبيعات التذاكر.

يؤكد «فيفا» مسؤوليته عن تطوير اللعبة، ويبدو أن وسيلته لتحقيق ذلك هي زيادة عدد مباريات كرة القدم. ولكن يرى النقاد أنه لا بد من وجود حدٍّ يصبح عنده التوسع غير مفيد للُّعبة!