برز الفرنسي آرسين فينغر، المدرب التاريخي لآرسنال الإنجليزي ومدير تطوير كرة القدم العالمية في «الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا)»، مرشحاً محتملاً لمنافسة جياني إنفانتينو على رئاسة «الاتحاد الدولي»، وسط تصاعد الانتقادات الموجهة إلى الرئيس الحالي، واقتراب إغلاق باب الترشيحات في 18 نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، دون ظهور منافس رسمي له حتى الآن.
ووفق صحيفة «تلغراف» البريطانية، فإن فينغر، الذي سيبلغ الـ77 من عمره الخميس المقبل، يمثل الفرصة الأخيرة لمنع إنفانتينو من الفوز بولاية رابعة دون منافسة، في ظل تداعيات الجدل الذي أثارته محاولة نقل الحقوق التجارية لكأس العالم إلى شركة استثمارية مرتبطة بجوشوا كوشنر، شقيق جاريد كوشنر صهر الرئيس الأميركي دونالد ترمب.
وتسببت هذه الخطوة في أزمة داخل «الاتحاد الدولي»، بعدما واجه إنفانتينو انتقادات حادة من مسؤولين بارزين في مؤسسته، بينهم أحد كبار مستشاريه، ومدير العمليات، والأمين العام، الذين اعترضوا على طريقة إدارة الملف، وما صاحبها من إجراءات أثارت تساؤلات بشأن الشفافية والحوكمة.
وامتدت تداعيات الأزمة إلى «الاتحاد الأوروبي لكرة القدم»، حيث قاد رئيسه ألكسندر تسيفرين موجة الاعتراضات على مشروع «فيفا فوروارد إنتربرايز»، ولوّح بمقاطعة كأس العالم، قبل أن تتراجع حدة التحركات الأوروبية دون أن تتحول إلى خطوات عملية لمنافسة إنفانتينو في الانتخابات المقبلة.
وكان تسيفرين قد وصف الوضع داخل «الاتحاد الدولي» خلال اجتماع في كوبنهاغن بقوله إن «الإمبراطور عارٍ»، في إشارة إلى افتقاد القيادة الحالية المصداقية، غير أن موقفه لم يتطور إلى إعلان ترشحه أو دعم شخصية أخرى قادرة على خوض المنافسة.
وفي المقابل، بدأت احتمالات ترشح فينغر تزداد بعدما ظهرت خلافات بينه وبين إنفانتينو على خلفية مشروع الحقوق التجارية. ورغم أن المدرب الفرنسي احتاج إلى أكثر من أسبوع قبل أن يعلن تأييده إلغاء المشروع، فإن معلومات متداولة داخل المؤسسة الدولية تفيد بأنه شعر بغضب شديد لاستبعاده من تفاصيل الترتيبات المتعلقة بالصفقة.
وتشير هذه التطورات إلى أن فينغر يدرس بجدية إمكانية الترشح لرئاسة «الاتحاد الدولي»، رغم علاقته الطويلة بإنفانتينو، ودعمه السابق مشروعات مثيرة للجدل، أبرزها مقترح إقامة كأس العالم كل عامين.
ويشغل فينغر منصبه الحالي في «فيفا» منذ عام 2019، بعدما أمضى 22 عاماً مدرباً لآرسنال، ضمن مسيرة تدريبية امتدت 34 عاماً، اكتسب خلالها مكانة عالمية بوصفه أحد أبرز المدربين في تاريخ كرة القدم الحديثة.
ويمنحه عمله في تطوير اللعبة قاعدة مختلفة عن المرشحين التقليديين، خصوصاً بعد إسهامه في إنشاء أكاديميات لتطوير المواهب في 60 دولة، ضمن برامج تستهدف تقليص الفجوة بين الاتحادات الغنية وتلك الفقيرة وإتاحة فرص أكبر للاعبين الشباب.
وتبرز أهمية هذا الرصيد في مؤسسة لم يتعاقب على رئاستها سوى 3 أشخاص خلال 52 عاماً، هم البرازيلي جواو هافيلانج، والسويسري جوزيف بلاتر، ومواطنه إنفانتينو، وسط أزمات متكررة تتعلق بالإدارة والفساد والنفوذ المالي.
ولم يسبق لأي لاعب كرة قدم محترف أن تولى رئاسة «فيفا»، في حين يعد الفرنسي روبير غيران، أول رئيس لـ«الاتحاد» عام 1904، الشخصية التدريبية الوحيدة التي وصلت إلى المنصب.
وتعزز السيرة المهنية لفينغر فرص تقديم نفسه مرشحاً للإصلاح، خصوصاً أنه سبق أن انتقد ظاهرة «المنشطات المالية» في كرة القدم، محذراً من آثار الإنفاق غير المنضبط الذي ظهر في أندية أوروبية كبرى، بينها تشيلسي ومانشستر سيتي.
كما رفض خلال مسيرته التدريبية عروضاً مالية أعلى إغراءً من باريس سان جيرمان وريال مدريد، مفضلاً الاستمرار مع آرسنال، وهو ما يعزز صورته بوصفه شخصية تقدم الارتباط بالمشروع الرياضي على المكاسب المالية.
وفي المقابل، أثارت الترتيبات المالية المرتبطة بمشروع الحقوق التجارية الجديد انتقادات إضافية لإنفانتينو، بعدما تضمنت، وفق المعلومات المنشورة، إمكانية حصوله على منصب مفوض في كيان تجاري خاص بمقابل مالي يزيد 5 أضعاف على راتبه الرسمي في «فيفا»، البالغ نحو 4.5 مليون جنيه إسترليني سنوياً.
وتبقى التحديات الانتخابية العقبة الكبرى أمام فينغر، خصوصاً في القارة الأفريقية التي لا يزال إنفانتينو يتمتع فيها بدعم واسع، رغم الانتقادات التي تعرض لها في أوروبا وآسيا وأميركا الشمالية.
وأعلنت اتحادات أفريقية، بينها أوغندا ومالاوي، استمرار تأييدها الرئيس الحالي، في حين أكد رئيس الاتحاد الموريتاني خلال اجتماعات في زيوريخ الأسبوع الماضي ثقته بأن إنفانتينو يمثل الخيار المناسب لقيادة «الاتحاد الدولي».
وجاءت هذه المواقف بالتزامن مع إعلان زيادة التمويل المخصص للاتحادات الوطنية بقيمة إجمالية تبلغ نحو 2.6 مليار جنيه إسترليني، بما يضمن حصول كل اتحاد على ما لا يقل عن 19 مليون جنيه إسترليني، الأمر الذي يمنح الرئيس الحالي نفوذاً انتخابياً كبيراً داخل الجمعية العمومية التي تضم 211 اتحاداً وطنياً.
ومع ذلك، يمتلك فينغر روابط قوية مع الكرة الأفريقية، تعود إلى تجربته مع آرسنال ودوره في إبراز المواهب الآتية من القارة داخل الدوري الإنجليزي الممتاز، فضلاً عن نشاطه الحالي في برامج التطوير.
وزار المدرب الفرنسي مؤخراً الرأس الأخضر، حيث عبّر عن تفاؤله بقدرة منتخب أفريقي على الفوز بكأس العالم مستقبلاً، وهو موقف يعكس اهتمامه بتطوير كرة القدم خارج مراكزها التقليدية.
وقد تمنحه هذه العلاقات فرصة لاختراق قاعدة الدعم الأفريقية لإنفانتينو، خصوصاً إذا استطاع بناء تحالف انتخابي يجمع الاتحادات الأوروبية والآسيوية والأفريقية الراغبة في تغيير القيادة الحالية.
ويبرز إلى جانب فينغر اسمان سبق لهما دخول المنافسة على رئاسة «الاتحاد الدولي»، هما الشيخ سلمان بن إبراهيم آل خليفة، رئيس «الاتحاد الآسيوي لكرة القدم»، والأمير علي بن الحسين، رئيس «الاتحاد الأردني لكرة القدم»، اللذان خسرا سباق انتخابات عام 2016 أمام إنفانتينو.
ومع اقتراب موعد إغلاق الترشيحات، تبقى الخطوة الحاسمة مرتبطة بقرار فينغر نفسه، وما إذا كان مستعداً للانتقال من موقع المسؤول الفني داخل «فيفا» إلى منافسة انتخابية مباشرة مع الرجل الذي عمل تحت قيادته طيلة السنوات الـ7 الماضية.
وتنتهي المهلة المحددة لتقديم الترشيحات في 18 نوفمبر المقبل، وسط احتمالات أن يخوض إنفانتينو الانتخابات منفرداً لرابع مرة، ما لم يقرر فينغر أو أحد منافسيه المحتملين دخول السباق خلال الأسابيع القليلة المتبقية.