«أولمبياد 1964»: غياب الصين... و«البربري الهولندي» يتسبب في يوم حداد لليابان

صورة لدخول المشاركين في أولمبياد طوكيو 1964 (الأولمبية الدولية)
صورة لدخول المشاركين في أولمبياد طوكيو 1964 (الأولمبية الدولية)
TT

«أولمبياد 1964»: غياب الصين... و«البربري الهولندي» يتسبب في يوم حداد لليابان

صورة لدخول المشاركين في أولمبياد طوكيو 1964 (الأولمبية الدولية)
صورة لدخول المشاركين في أولمبياد طوكيو 1964 (الأولمبية الدولية)

قصد الأولمبياد الثامن عشر طرفاً بعيداً من العالم، فاتجه عام 1964 نحو العاصمة اليابانية طوكيو التي كان مقرّراً أن تستضيف ألعاب 1940، لولا الحرب الصينية - اليابانية التي نزعتها منها وأُعطيت لهلسنكي وقبل أن يقضي جنون الحرب العالمية الثانية على الصورة الجميلة من المنافسات ويوقد نيران القتل والدمار.

وبدلاً من أن يقف الإمبراطور هيروهيتو ليعلن افتتاح أولمبياد 1940، تأجّلت كلمته المقتضبة 24 عاماً لتعود طوكيو وتحتضن أوّل دورة آسيوية.

استعادت الولايات المتحدة المركز الأوّل في ترتيب الميداليات من الاتحاد السوفياتي مع 36 ذهبية مقابل 30، وحلّت اليابان ثالثة (16).

وكانت الدورة باب الدخول الكبير للدول الأفريقية إلى «العالم الأولمبي» في ضوء استقلال غالبيتها معزّزة حجم العالم الثالث والمحور الجديد في المواجهات والمجابهات بين الشمال والجنوب. حضور انطلق خجولاً ولا سيما أن عدداً كبيراً من الوافدين الجدد تمثل ببعثات قليلة العدد.

وحضرت الجزائر وساحل العاج والكاميرون والكونغو برازافيل ومالي والنيجر والسنغال وتانجانيكا وزنزيبار وترينيداد وتوباغو وتشاد ومنغوليا والدومينيكان وماليزيا ونيبال.

وحُرمت جنوب أفريقيا من الحضور بسبب سياستها العنصرية، وغابت الصين غير المرتاحة للجار الآسيوي الذي استعاد الوقوف على قدميه، وكانت تحضّر لتجربتها النووية الأولى.

وكانت ألعاب طوكيو مناسبة لتضع اليابان في مسرح الأمم، وأرادتها حكومتها فرصة ذهبية للعلاقات العامة ولتظهر قدرتها وقوّتها في التنظيم على رغم تقاليد شعبها وعدم تفاعله وإظهار حماسته، علماً أن كل فرد فيه كان معنياً بالألعاب؛ «لأنها واجب وطني»، وبوادر الود والضيافة والتهذيب تجلت في حلة زاهية.

وأنفقت اليابان 3 مليارات دولار لتجديد عاصمتها التي دُمّرت في الحرب العالمية الثانية. وشُيّدت منشآت تتخطى زمنها من حيث العصرية والمظهر الهندسي غير المألوف. وحمل الشعلة نحو المرجل الكبير لإيقاد نيرانه في افتتاح الألعاب يوشيموري ساكاي (19 عاماً) الذي وُلد في 6 أغسطس (آب) 1945 يوم إلقاء القاذفة «بي 29» المسماة «إينولا غاي» قنبلة «ليتل بوي» (الولد الصغير) على هيروشيما.

وبفضل شبكة «موندوفيزيون»، تابع 600 مليون شخص الدورة، فضلاً عن ظهور تقنيات جديدة في التصوير الفوتوغرافي وعدساته والنقل التلفزيوني، واستُخدم المضمار الترابي (الصلصال) في ألعاب القوى للمرّة الأخيرة، كما راج استعمال الزانة المصنوعة من الألياف الزجاجية.

ونافست السباحة الأسترالية دون فرايزر الإرادة الشخصية، فحصدت ذهبية 100 متر حرة للمرة الثالثة على التوالي، وعلى الرغم من اقترابها من سن الثلاثين.

وودّعت السوفياتية الناعمة لاريسا لاتينينا صالات الجمباز بذهبيتين أضافتهما إلى 7 أخريات هي نتاج دورات سابقة، ورفعت مجموع ميدالياتها في الألعاب إلى 18 ميدالية.

وبكت اليابان عندما فاز الهولندي أنتون غيسينك «متعلّم الكار» على أيدي مواطنيها، وذلك عندما أسقط أكيو كاميناغا في نهائي الوزن المفتوح للجودو.

ويصف النقاد والمؤرخون الرياضيون «طوكيو 1964» بأنها خلت من المضايقات والمشكلات الجانبية.

منذ دخولهم «الكبير» الاستاد المكتظ بمائة ألف متفرج، أراد اليابانيون أن يفرضوا وجودهم أمة رياضية قوية تساير نظيراتها الدول الصناعية في هذا العالم، لكن الهولندي غيسينك تماهى في إنجاز غير مألوف بالنسبة لرياضيي بلاده، فهو لم يتوّج في لعبة شمالية كالتزلّج أو التزحلق، بل في رياضة «مقدّسة» عند «العرق الأصفر» هي الجودو.

غيسينك (1.98 متر و120 كلغ)، وهو أساساً خرّيج المدرسة اليابانية، فاز على معبود الجماهير الذي «لا يُقهر» كاميناغا وكان أمامه جبلاً من العضلات اللينة.

زار اليابان للمرّة الأولى عام 1956، ثم صار يتردّد عليها سنوياً ويمضي نحو أربعة أشهر في ربوعها: «خبرت العادات والعقلية والطباع اليابانية، وكنت أعرف أن منافسي يهاجم دائماً من الجهة اليسرى، ومفتاح فوزي عليه يكمن في تفوّقي البدني، وهذا ما سعيت إليه وتحقّق». فتحوّل اليوم التالي إلى يوم حداد في اليابان، في حين كرّمت ملكة هولندا غيسينك وحملت شوارع عدة اسمه.

إنه «البربري» الذي حطّم أسطورة الجودو اليابانية في غضون 30 ثانية، بعدما شلّ قدرة كاميناغا وقطع أنفاسه، وشاهد الملايين «الفاجعة» على الهواء مباشرة.

وفي ألعاب القوى، برز الأميركيون في سباقات «غير مألوفة»، أو تقليدية بالنسبة إليهم، لكنهم ظلوا على عهدهم في المسافات القصيرة، وفي مقدمة نجومهم بوب هايز الذي كسر حاجز الثواني العشر في نصف نهائي 100 متر مسجلاً 9.9 ثانية، غير أن الرقم لم يُسجّل بسبب سرعة الريح.

بلغ نهائي سباق 100 متر ستة عدّائين سود وأبيض واحد، وانصبّ اهتمام الجميع على معرفة الفائز بالمركز الثاني؛ لأن هايز كان لا يمسّ في هذا الاختصاص، وسجّل زمناً مقداره 10 ثوانٍ.

واخترق سباق الماراثون جادات وشوارع مدينة طوكيو الملوّثة بغبار الصناعة ودخانها وغازاتها وسمومها. وعاد «الجندي الإثيوبي» أبيبي بيكيلا ليجدّد فوزه، لكنه انتعل حذاء وسجل رقماً مقداره 2:12:11.2 ساعة. وبات أوّل من يحتفظ بلقب هذا السباق الصعب، واستُقبل في بلاده استقبال الفاتحين.

وباتت آن باركر أوّل بريطانية تحرز ذهبية في ألعاب القوى الأولمبية؛ إذ تُوجت بطلة لسباق 800 متر وعززت انتصارها برقم عالمي أيضاً (2:01.1 دقيقة)، وسبقتها إلى تقلد الميداليات مواطنتها ماري راند التي حلت ثانية في الخماسي الحديث.

وسعى الفرنسيون إلى نفض خيبات دورة روما عن كاهلهم، لكنهم ظلّوا بعيدين عن اعتلاء منصة المركز الأول، حتى إن عدّاءهم ميشال جازي الشخصية التي هي أكثر شعبية بعد الجنرال شارل ديغول، وحامل ثلاثة أرقام عالمية، أخفق في سباق 5 آلاف متر الذي عاد لقبه إلى الأميركي روبرت شول. والسبب المباشر لهذا «السقوط» هو الضغط الكبير على كاهله، وسوء التكتيك الميداني، ومعاناته من هطول المطر نقطة الضعف التي طالما عرقلت مشاركاته.

وفي السباحة، تبارت كريستين كارون (16 عاماً) نجمة الحوض في فرنسا وأوروبا وحاملة الرقم القياسي العالمي في 100 متر ظهراً، أمام 20 ألف متفرّج، وحلّت ثانية خلف الأميركية كايتي فيرغسون (1:07.7 دقيقة، رقم عالمي جديد) وأمام الألمانية روث دونكل. وفي العام التالي تغلبت «كي كي» على البطلة الأولمبية في عقر دارها.

ووصف بيتر دالاند مدرب فيرغسون السباحات الثلاث بأنهن من مستوى واحد، «لكن الفارق يبقى في مصلحتنا بفضل العدد الكبير للخامات الجيدة في الولايات المتحدة».

وكانت «كي كي» تحظى بشعبية فائقة، وتصل إليها يومياً إلى القرية الأولمبية ثلاثة طرود كبيرة من البطاقات البريدية تحمل تمنيات المشجعين والمحبين، وعدداً من طلبات الزواج!

وفي الختام، أنقذ الشرف الفرنسي الفارس جان جونكير أوريولا بطل دورة هلسنكي 1952 في قفز الحواجز، الذي جدّد تألقه في الجولة الثانية تحديداً على صهوة «لوتور»، فكان محارباً بكل ما للكلمة من معنى.

وضعت الألعاب أوزارها في 24 أكتوبر (تشرين الأول)، ومهّد الوداع لأولمبياد مقبل سيُحتفل به في مكسيكو. حملت سنواته الأربع حرب فيتنام وتفتق الثورة الطلابية في العالم وربيع براغ ووداع نيكيتا خروتشيف وجون كينيدي.


مقالات ذات صلة

رئيس الأولمبية الكورية الجنوبية ينتقد ألعاب «آيتشي-ناغويا» ويصفها بالفشل

رياضة عالمية البعثة الكورية الجنوبية في دورة الألعاب الآسيوية (أ.ف.ب)

رئيس الأولمبية الكورية الجنوبية ينتقد ألعاب «آيتشي-ناغويا» ويصفها بالفشل

انتقد رئيس اللجنة الأولمبية الكورية الجنوبية، اليوم، منظمي دورة الألعاب الآسيوية في «آيتشي-ناغويا»، ​قائلاً إنه سيمنحهم تقييماً سلبياً بسبب المشكلات التشغيلية.

«الشرق الأوسط» (ناغويا)
رياضة عالمية رجل يمر بجوار كبائن مؤقتة مصنوعة من حاويات تُستخدم لإقامة الرياضيين المشاركين في دورة الألعاب الآسيوية 2026 (أ.ف.ب)

«آسياد 2026»: تايلاند تنضم إلى موجة الانتقادات وتُندد بـ«التنظيم الفوضوي»

انضمت تايلاند إلى قائمة المنتقدين للتنظيم في دورة الألعاب الآسيوية المقامة في اليابان، ووصفت الأوضاع بأنها «فوضوية»، مشبّهة ما يجري بـ«لعبة الكراسي».

«الشرق الأوسط» (ناغويا (اليابان))
رياضة عالمية يوكي كوريهارا يقف بين لاعبي المنتخب الياباني للرياضات الإلكترونية الذين يكبرونه سناً (أ.ف.ب)

آسياد 2026: فتى ياباني بعمر 11 عاماً يسجّل مشاركة تاريخية في الـ «إي سبورتس»

تألق يوكي كوريهارا البالغ من العمر 11 عاماً بظهوره الأول بدورة الألعاب الآسيوية، محققاً فوزاً كاسحاً على منافسين يكبرونه بنحو ثلاثة أضعاف بالرياضات الإلكترونية

«الشرق الأوسط» (ناغويا)
رياضة عالمية منظمو دورة الألعاب الآسيوية ملتزمون بمعالجة الشكاوى التي قدمها الرياضيون والمسؤولون بشأن الإقامة (أ.ب)

منظمو «ألعاب آسيا» يدافعون عن أماكن الإقامة بعد انتقاد السكان المحليين

دافع المنظمون المحليون لدورة الألعاب الآسيوية «آيتشي-ناغويا ‌2026»، الخميس، عن أماكن إقامة الرياضيين، بعدما انضم السكان المحليون إلى الأصوات المعبِّرة عن القلق.

«الشرق الأوسط» (ناغويا (اليابان))
رياضة عالمية شين أوهاشي (أ.ف.ب)

«آسياد 2026»: السباح الياباني المراهق أوهاشي يحطم الرقم القياسي العالمي في سباق 200 متر صدراً

حطّم السّباح الياباني المراهق شين أوهاشي الرقم القياسي العالمي لسباق 200 متر صدراً، بعدما قطع المسافة بزمن قدره 2:04.83 في النسخة الـ20 من «الألعاب الآسيوية»...

«الشرق الأوسط» (ناغويا (اليابان))

من 650 ألف لاعب إلى صفقة واحدة... كيف يبني مانشستر سيتي فريقه بالبيانات؟

يبرز انتقال إليوت أندرسون من نوتنغهام فورست مثالاً على هذه الطريقة الدقيقة في العمل (موقع النادي)
يبرز انتقال إليوت أندرسون من نوتنغهام فورست مثالاً على هذه الطريقة الدقيقة في العمل (موقع النادي)
TT

من 650 ألف لاعب إلى صفقة واحدة... كيف يبني مانشستر سيتي فريقه بالبيانات؟

يبرز انتقال إليوت أندرسون من نوتنغهام فورست مثالاً على هذه الطريقة الدقيقة في العمل (موقع النادي)
يبرز انتقال إليوت أندرسون من نوتنغهام فورست مثالاً على هذه الطريقة الدقيقة في العمل (موقع النادي)

كشفت شبكة «بي بي سي» عن تفاصيل غير مسبوقة من داخل منظومة البيانات في مانشستر سيتي، التي أصبحت أحد المحاور الرئيسية في عملية بناء الفريق، واتخاذ قرارات التعاقد والبيع، في وقت يسعى فيه النادي إلى تضييق الفارق مع آرسنال والعودة للمنافسة بقوة على لقب الدوري الإنجليزي الممتاز.

وتقوم فلسفة العمل داخل النادي على سؤال أساسي هو: «ماذا يتطلب الأمر للفوز؟»، قبل أن تتحول الإجابة إلى 3 مراحل رئيسية تتمثل في تحديد اللاعبين المناسبين، وتقييم قدراتهم، ثم دراسة مدى إمكانية تطويرهم داخل الفريق. والهدف النهائي هو زيادة احتمالات نجاح سيتي في المنافسة على البطولات، مع تقليل المخاطر المرتبطة بصفقات سوق الانتقالات.

ويبدأ البحث عن أي لاعب جديد من قاعدة بيانات ضخمة، تضم نحو 650 ألف لاعب كرة قدم حول العالم. وعندما يُحدد النادي احتياجاته، تبدأ عملية تصفية واسعة تعتمد على مجموعة من المعايير المرتبطة بالمركز والقدرات وطريقة اللعب، لتقليص القائمة إلى ما بين 20 و50 اسماً، قبل أن تتدخل شبكة الكشافين لتقليصها أكثر إلى نحو 6 لاعبين.

ولا يكتفي سيتي بالأرقام التي تظهرها قاعدة البيانات، إذ تخضع الأسماء المتبقية لفحوص أكثر تفصيلاً تشمل السجل الطبي، والأداء البدني، والعادات السلوكية، إلى جانب تقييم الكشافين. وبعد جمع هذه المعلومات، يُعد لكل لاعب ملف خاص، يتضمن مجموعة من المؤشرات، من بينها «مخطط الرادار» الذي يقيس عدداً من الجوانب الفنية داخل الملعب، إضافة إلى تقييم للتأثير المتوقع للاعب فور انضمامه، وآخر يقدّر حجم تأثيره المستقبلي.

وتستخدم المنظومة كذلك ما يُعرف بـ«قيمة الإجراء»، وهي قراءة تضع اللاعب في مقارنة مع لاعبي سيتي ولاعبي الأندية المنافسة الذين يؤدون الدور نفسه أو أدواراً مشابهة. وبعد استكمال التقييمات، تتقلص القائمة عادة إلى لاعبين أو ثلاثة، قبل أن تدخل القيمة المالية المقدرة للاعب في عملية الاختيار النهائي.

ويؤكد هوغو فيانا، المدير الرياضي لمانشستر سيتي، أن البيانات ليست العامل الوحيد الذي يُحدد الصفقات. وقال لـ«بي بي سي»: «البيانات تلعب دوراً في عملية اتخاذ القرار، لكنها مجرد جزء من الصورة الكاملة»، مشيراً إلى أنها لا تستطيع إظهار شخصية اللاعب أو عقليته أو سلوكه بصورة كاملة، ولذلك يظل رأي الكشافين والمتخصصين عنصراً أساسياً في القرار.

ويبرز انتقال إليوت أندرسون من نوتنغهام فورست مثالاً على هذه الطريقة الدقيقة في العمل. فاللاعب الإنجليزي البالغ 23 عاماً كان قد أصبح عنصراً مهماً في فريقه، كما رسّخ مكانه مع المنتخب الإنجليزي، لكن أرقامه لم تكن في البداية توحي بأنه الخيار الواضح الذي انتهى إليه سيتي.

وكان النادي يدرك منذ بداية الموسم الماضي حاجته إلى لاعب وسط، خصوصاً مع رحيل برناردو سيلفا، ووجود شكوك حول مستقبل رودري ونيكو غونزاليس. ولم يكن الهدف العثور على بديل مطابق لأحد هؤلاء اللاعبين، بل لاعب قادر على بناء اللعب من مناطق مختلفة في وسط الملعب.

دخل أندرسون القائمة الأولية المستخرجة من قاعدة البيانات التي تضم 650 ألف لاعب، لكنه لم يكن من الأسماء المتقدمة فيها. وحسب «بي بي سي»، فإن السبب يعود جزئياً إلى طبيعة لعب نوتنغهام فورست، الذي لا يعتمد على الاستحواذ بالطريقة التي يعتمدها سيتي، ما جعل بعض مؤشرات اللاعب أقل لفتاً للانتباه.

لذلك أعاد محللو البيانات قراءة أرقامه في سياق مختلف، واضعين في الاعتبار أنه كان يؤدي أدواراً أقرب إلى مرماه، وبالتالي لا يحصل على الفرص نفسها التي قد تتوافر له مع فريق يسيطر على الاستحواذ ويلعب بالقرب من منطقة المنافس. وجرى بناء تصور لما يمكن أن يقدمه أندرسون في منظومة سيتي، مع دراسة قدراته في استعادة الكرة، والالتحامات، والتمريرات التي تكسر الخطوط، والكرات الهوائية، والأخطاء الدفاعية.

ومع تطور الموسم، تحسّنت قراءات أندرسون بشكل واضح، ما دفع كشافِي النادي إلى متابعته بصورة منتظمة، قبل أن تظهر نتائج التقييمات إيجابية مقارنة بلاعبي خط وسط سيتي ولاعبين آخرين كان النادي يدرس التعاقد معهم. ورغم ارتفاع قيمة الصفقة إلى ما يتجاوز التقييم الأولي للنادي، خلصت عملية التدقيق إلى أن مستوى المخاطرة لا يزال منخفضاً.

ويقول فيانا عن الصفقة: «إليوت أندرسون مثال رائع على كيفية عمل العملية. كانت البيانات إيجابية، ومنحتنا ثقة حقيقية في ملفه، لكن المعلومات التي قدمها الكشافون وفريق الأداء الأوسع ساعدتنا على فهم اللاعب وخصائصه، وهو ما أكد قناعتنا بأنه مناسب للنادي».

ولم تبدأ علاقة سيتي بالبيانات مع أندرسون، إذ سبق للنادي أن استخدمها في صفقات أثبتت قيمتها لاحقاً. وكان جوليان ألفاريز أحد الأمثلة البارزة، بعدما جاءت التوصية الأولية من الكشافين، ثم لجأ فريق البيانات إلى دراسة اللاعب بصورة أعمق، لأنه لم يكن من الأسماء التي ظهرت في البداية بقوة عبر المؤشرات.

وبسبب انخفاض تصنيف الدوري الأرجنتيني مقارنة بالدوريات الأوروبية الخمسة الكبرى، كانت الإعدادات العامة للنظام تحد من التقييم الذي يمكن أن يصل إليه اللاعبون القادمون منه. لكن سيتي تعمّق في أرقام ألفاريز وتأثيره على الكرة ونتائج فريقه ريفر بليت، ليخلص إلى أنه كان أفضل لاعب في الدوري الأرجنتيني، وأنه يمتلك القدرة على أن يصبح لاعباً أساسياً في أحد أندية النصف الأعلى من الدوريات الأوروبية الكبرى خلال عامين ونصف العام تقريباً.

وقدّر نموذج البيانات قيمة ألفاريز بين 26 و40 مليون جنيه إسترليني، بينما تعاقد معه سيتي مقابل 14 مليون جنيه إسترليني، قبل أن ترتفع قيمته المتوقعة إلى نحو 70 مليون جنيه إسترليني بعد 3 أعوام، ثم يبيعه النادي إلى أتلتيكو مدريد في 2024 مقابل 81 مليون جنيه إسترليني.

ويقدم عبد القادر خوسانوف مثالاً آخر على قدرة البيانات على اكتشاف جوانب قد لا تظهر مباشرة في أداء اللاعب. فالمدافع الأوزبكي لم يدخل في البداية قائمة سيتي المكونة من 50 لاعباً، لكن التدقيق في أرقامه كشف عن مستويات استثنائية في الجوانب البدنية، ومنها قدرته على تغطية المساحات خلف الخط الدفاعي، في حين تحسنت أرقامه المتعلقة باللعب بالكرة بصورة ملحوظة منذ انضمامه إلى النادي في يناير (كانون الثاني) 2025.

وتوضح هذه المنظومة كيف أعاد سيتي بناء فريقه خلال السنوات الأخيرة. فمنذ تتويجه بالثلاثية في 2023، خضع الفريق لعملية تغيير واسعة لم يتبقَّ بعدها سوى 4 لاعبين من تشكيلة ذلك الموسم. وكان النادي قد رصد مؤشرات داخلية قبل الثلاثية تشير إلى أن الفريق سيحتاج قريباً إلى عملية إحلال، رغم صعوبة الاستغناء عن لاعبين، مثل كيفن دي بروين وكايل ووكر ورياض محرز وإيلكاي غوندوغان بعد سنوات من العطاء.

وتساعد البيانات النادي على اكتشاف مؤشرات التراجع قبل حدوثها بمدة قد تصل إلى عامين أو ثلاثة، ما يمنحه فرصة للتخطيط لعملية البيع أو البديل في وقت مبكر، سواء من خلال تصعيد لاعب من الأكاديمية أو الدخول إلى سوق الانتقالات.

كما أسهمت هذه السياسة في خفض متوسط أعمار الفريق، الذي أصبح ثالث أصغر تشكيلة في الدوري الإنجليزي الممتاز خلف نيوكاسل يونايتد وتشيلسي، مع الحفاظ في الوقت نفسه على عناصر تملك خبرة كبيرة في أعلى المستويات، مثل الحارس جانلويجي دوناروما والمدافع مارك غيهي وإنزو فرنانديز وأندرسون.

وحسب مؤشرات النادي، فإن التشكيلة الحالية لسيتي لن تبلغ ذروة مستواها قبل عامين أو ثلاثة، فيما تشير توقعاته إلى قدرة الفريق على المنافسة على لقب الدوري هذا الموسم. لكن ما يُميز تجربة النادي أن البيانات لا تستخدم لمحاولة معرفة مَن اللاعب الأفضل فقط، بل لفهم اللاعب المناسب لطريقة لعب الفريق، وما إذا كان قادراً على التطور داخله، ومتى يكون الوقت الأنسب للتعاقد معه أو الاستغناء عنه.


إنجلترا تواجه إسبانيا في ويمبلي بحثاً عن رد الاعتبار

توماس توخيل (رويترز)
توماس توخيل (رويترز)
TT

إنجلترا تواجه إسبانيا في ويمبلي بحثاً عن رد الاعتبار

توماس توخيل (رويترز)
توماس توخيل (رويترز)

تشكل زيارة إسبانيا، بطلة العالم، إلى ملعب ويمبلي، السبت، تذكيراً مؤلماً لإنجلترا بموقعة كانت ستكون نارية لمنتخب «الأسود الثلاثة»، لكن المدرب توماس توخيل يحتاج إلى رد فعل إيجابي لإسكات الانتقادات التي أعقبت نهاية مشواره في كأس العالم.

فلو نجحت إنجلترا في الصمود خلال الدقائق الخمس الأخيرة والوقت بدل الضائع أمام الأرجنتين قبل شهرين، لكانت واجهت إسبانيا في نهائي كأس العالم.

لكن رجال توخيل استقبلوا هدفين بعدما حاول المدرب الألماني إغلاق المنافذ عبر سلسلة من التبديلات الدفاعية.

وقال توخيل لدى إعلانه تشكيلته لخوض أربع مباريات في دوري الأمم خلال الأسابيع المقبلة: «ليس هناك جدوى كبيرة من تعذيب أنفسنا بالنظر إلى الوراء».

لكن المدرب الألماني أقرّ بأنه شعر بـ«عدم الاكتمال» بعد إخفاقه في تحقيق هدف إضافة النجمة الثانية إلى قميص إنجلترا.

وذهب بوكايو ساكا أبعد من ذلك، الأربعاء، عندما كشف عن أن «هناك ندبة لا تزال في داخلنا» بسبب ما حدث في أتلانتا.

وأضاف مهاجم آرسنال: «تحاول المضي قدماً بأسرع ما يمكن، لكن الندبة تبقى ندبة، وهي تلتئم عندما يحين وقت التئامها».

وكان عدم إشراك ساكا، حتى بديلاً، خلال نصف نهائي كأس العالم واحداً من الأسباب العديدة التي دفعت للتشكيك في قرارات توخيل.

ورغم معاناته من مشكلات بدنية خلال البطولة، سجل ساكا بعد أيام قليلة ثلاثية في الفوز على فرنسا 6- 4 ليمنح إنجلترا عزاء احتلال المركز الثالث.

وعلى الرغم من الانتقادات، أكد توخيل أن تواصله مع الجماهير منذ كأس العالم كان إيجابياً.

سيبقى الفوز على المكسيك 3 -2 في ملعب أستيكا الشهير عالقاً طويلاً في الذاكرة، كما أن إنجلترا عادت مرتين من التأخر لتفوز في مباريات إقصائية بكأس العالم للمرة الأولى منذ عام 1966.

قال المدرب السابق لتشلسي الإنجليزي «99.9 في المائة من الجماهير لا تتحدث عن التبديلات أو التعديلات التكتيكية أو الأمور الفنية».

تابع: «إنهم يتحدثون عن المكان الذي شاهدوا فيه مباراة المكسيك، ويتحدثون عن الشوط الثاني، وعن الطاقة التي ميزت مباراة كرواتيا، ويتحدثون عن مدى التوتر الذي شعروا به أثناء مشاهدة مباراتنا ضد الكونغو، وأين احتفلوا بعد ذلك».

وسيحضر المباراة جمهور كامل العدد يبلغ 90 ألف متفرج السبت، ويحتاج توخيل بشدة إلى منحهم سبباً للاعتقاد بأنه الرجل القادر أخيراً على قيادة إنجلترا إلى أول لقب كبير منذ عام 1966.

ويمثل كأس أوروبا الذي تستضيفه البلاد بعد عامين فرصة مثالية، وربما أخيرة، للقائد الملهم هاري كاين الذي بلغ الثالثة والثلاثين من عمره في وقت سابق من هذا العام.

وأثبتت مسيرة إسبانيا نحو التتويج على الجانب الآخر من المحيط الأطلسي أنها المعيار الذي يجب على إنجلترا أن تطمح للوصول إليه.

ولم يخسر رجال لويس دي لا فوينتي أي مباراة رسمية، باستثناء تلك التي حسمت بركلات الترجيح، منذ ثلاثة أعوام ونصف العام.

وتتمثل مهمة توخيل في نقل حماسه إلى لاعبين أنهكتهم تجارب كأس العالم بدنياً وذهنياً.

وقد لا يلبي دوري الأمم شغف إنجلترا بإحراز بطولة كبرى، لكنه سيكون خطوة مهمة إلى الأمام ومنصة انطلاق نحو كأس أوروبا.

وقال توخيل: «نشعر أن الفجوة تضيق، ونشعر أننا قريبون ونريد إثبات ذلك. الملعب ممتلئ بالكامل، وستكون الأجواء مثيرة جداً، ولا يمكن أن يكون الدافع أكبر من مواجهة أبطال العالم».

وبلغت إسبانيا النهائي على الأقل في النسخ الثلاث الأخيرة من البطولة، في حين وصلت إنجلترا إلى نصف النهائي مرة واحدة فقط، بل وهبطت إلى المستوى الثاني في نسخة 2022 -2023.

ويُعدّ المنتخبان المصنفان أول ورابع عالمياً أبرز المرشحين لبلوغ ربع النهائي، في مجموعة تضم أيضاً كرواتيا وجمهورية تشيكيا.


غوردون: إنجلترا لن تفوز بتقليد إسبانيا

أشار غوردون إلى أن بعض قرارات اللاعبين الإسبان بالكرة تثير دهشته (أ.ف.ب)
أشار غوردون إلى أن بعض قرارات اللاعبين الإسبان بالكرة تثير دهشته (أ.ف.ب)
TT

غوردون: إنجلترا لن تفوز بتقليد إسبانيا

أشار غوردون إلى أن بعض قرارات اللاعبين الإسبان بالكرة تثير دهشته (أ.ف.ب)
أشار غوردون إلى أن بعض قرارات اللاعبين الإسبان بالكرة تثير دهشته (أ.ف.ب)

دعا أنتوني غوردون، جناح المنتخب الإنجليزي، إلى التخلي عن محاولات تقليد أسلوب المنتخب الإسباني، مؤكداً أن «الأسود الثلاثة» يملكون نقاط قوة مختلفة، وأن عليهم الاعتماد على هويتهم الخاصة إذا أرادوا المنافسة على الألقاب الكبرى.

وتأتي تصريحات غوردون قبل المواجهة المرتقبة بين إنجلترا وإسبانيا، السبت، في أول مباراة للمنتخبين منذ نهائيات كأس العالم التي حققت فيها إنجلترا أفضل نتيجة لها في المونديال منذ تتويجها باللقب عام 1966، بعدما بلغت الدور نصف النهائي قبل خسارتها أمام الأرجنتين 2 - 1، ثم تغلبت على فرنسا 6 - 4 في مباراة تحديد المركز الثالث.

وقال غوردون، وفقاً لشبكة «بي بي سي» البريطانية، خلال وجوده في معسكر المنتخب الإنجليزي بمركز سانت جورج بارك: «لا يمكننا الاستمرار في النظر إلى الدول الأخرى، ومحاولة أن نكون مثلها، لأننا لسنا مثلهم. نحن إنجليز، ولدينا نقاط قوتنا الخاصة التي لا يملكونها، كما أن لديهم نقاط قوة لا نملكها، ولذلك ربما علينا أن نبدأ اللعب بالطريقة التي نجيدها».

ويرى لاعب برشلونة أن التجربة التي خاضها في الدوري الإسباني منذ انتقاله إلى النادي الكاتالوني، قادماً من نيوكاسل مقابل 69.3 مليون جنيه إسترليني، منحته رؤية مختلفة لطريقة لعب الإسبان، وجعلته أكثر اقتناعاً بأن محاولة نقل أسلوبهم إلى المنتخب الإنجليزي ليست بالضرورة الحل.

وأضاف: «أتحدث من وجهة نظر شخص يشعر بأننا نحاول تقليد إسبانيا. بما أنني موجود في إسبانيا، أعرف أن لدينا لاعبين جيدين بالقدر نفسه، لكن لديهم خصائص مختلفة، فلماذا نحاول جعل لاعبينا مثل اللاعبين الإسبان؟».

وتابع: «الاحتفاظ بالكرة بهذه الطريقة ليس موجوداً في الحمض النووي الإنجليزي. لست متأكداً من أنه أمر يمكن تعليمه، لأنني الآن، بعدما لعبت في إسبانيا، أستطيع التحدث عن معرفة حقيقية بالطريقة المختلفة التي يحتفظون بها بالكرة».

وأشار غوردون إلى أن بعض قرارات اللاعبين الإسبان بالكرة تثير دهشته، قائلاً: «أحياناً أنظر إلى بعض القرارات التي يتخذونها بالكرة وأفكر: لست متأكداً كيف رأيتم هذا الأمر. إنها الطريقة التي بُنوا عليها. لا أعرف ما إذا كان بإمكاننا أن نطلق اسماً على ذلك، لكنهم بالتأكيد مختلفون في تكوينهم».

وتأتي هذه التصريحات في ظل الأسئلة المتكررة حول قدرة إنجلترا على التحكم في المباريات أمام المنتخبات الكبرى، بعدما خسرت نهائيين متتاليين في بطولة أوروبا، إضافة إلى خروجها أمام فرنسا والأرجنتين في آخر نسختين من كأس العالم.

وكان المنتخب الإسباني قد حسم لقب المونديال بعد تغلبه على الأرجنتين، بعدما فرض سيطرته على المباراة النهائية، واستحوذ على الكرة بنسبة 65 في المائة، بينما اكتفى المنتخب الأرجنتيني بتسديدتين خلال 120 دقيقة، لم تصب أي منهما المرمى.

كما استعاد غوردون ذكريات الخروج أمام الأرجنتين في نصف نهائي كأس العالم، بعدما سجل هدف التقدم لإنجلترا قبل أن يتم استبداله بعد 17 دقيقة، في المباراة التي انتهت بخسارة فريقه 2 - 1 بعد تسجيل الأرجنتين هدفين، أحدهما في الدقائق الأخيرة.

وقال غوردون إنه «لم يشعر بسوء أكبر» مما شعر به بعد تلك الخسارة، لكنه يرى أن آثارها يمكن أن تتحول إلى دافع في المستقبل، مضيفاً: «الندبة لا يجب أن تكون أمراً سلبياً، لأنها قد تقودنا إلى الانتصار في البطولات المقبلة».

ورغم دهشته من قرار استبداله بعد التسجيل، أوضح غوردون أنه يتفهم الأمر من الناحية التكتيكية، باعتباره لاعب جناح اعتاد الخروج من المباريات في أوقات مختلفة، مشيراً إلى أن طبيعة استبداله أمام الأرجنتين كانت مختلفة بسبب توقيت المباراة، والظروف المحيطة بها.

كما رفض تحميل المدرب الألماني توماس توخيل مسؤولية الخسارة، بعد الانتقادات التي طالت قراره التحول إلى اللعب بثلاثة مدافعين عقب تقدم إنجلترا، وهو التغيير الذي منح الأرجنتين فرصة العودة إلى المباراة، ثم حسمها في الوقت المحتسب بدل الضائع.

وقال غوردون: «لا ينبغي أن نحاول إلقاء اللوم على رجل واحد يحاول بوضوح تقديم أفضل ما لديه، والفوز بالكأس من أجلنا جميعاً».

وأضاف: «كلاعبين، كان بإمكاننا القيام بالمزيد لأخذ زمام المبادرة، والسيطرة على المباراة أمام الأرجنتين. أعتقد أننا لو فعلنا ذلك لما اتخذ المدرب قرار اللعب بخط دفاع من خمسة لاعبين».

وختم قائلاً: «بالنسبة لي، كنا نملك الفريق الأفضل، وأفضل اللاعبين في تلك المباراة، لكن خلال الدقائق العشرين الأخيرة لم نقدم أفضل كرة قدم لدينا. هذا أمر لا يستطيع المدرب التأثير فيه كثيراً من الخط الجانبي، ولذلك أعتقد أن علينا جميعاً كمجموعة أن نتحمل المسؤولية».