فرانز بيكنباور... لاعب سابق لعصره جعل كرة القدم تتطور معه

كان موهوباً بشكل مذهل ويرى أشياء داخل الملعب لا يراها آخرون

كان الناس دائماً ينظرون إلى بيكنباور ويرون أنه لاعب قادم من عصر آخر (أ.ب)
كان الناس دائماً ينظرون إلى بيكنباور ويرون أنه لاعب قادم من عصر آخر (أ.ب)
TT

فرانز بيكنباور... لاعب سابق لعصره جعل كرة القدم تتطور معه

كان الناس دائماً ينظرون إلى بيكنباور ويرون أنه لاعب قادم من عصر آخر (أ.ب)
كان الناس دائماً ينظرون إلى بيكنباور ويرون أنه لاعب قادم من عصر آخر (أ.ب)

قال هيلموت شون، أحد أبرع وأشهر مدربي ألمانيا الغربية على الإطلاق، عن فرانز بيكنباور في فبراير (شباط) عام 1965 بعد استدعائه إلى قائمة منتخب ألمانيا الغربية للمرة الأولى: «بالنسبة لي، إنه لاعب المستقبل، ربما ليس في خط الوسط، بل ربما في خط الهجوم». كان الناس دائماً ينظرون إلى بيكنباور ويرون أنه لاعب قادم من عصر آخر، وكان هذا يعني على مدار فترة طويلة أنه لم يكن أحد يعرف بالضبط كيف يمكن استغلال قدرات وإمكانات هذا اللاعب الفذ. لقد كان لاعباً وسيماً يمتلك كاريزما هائلة، كما كان يلعب بشكل أنيق للغاية من شأنه أن يثير غضب أولئك الذين يعتقدون أن كرة القدم هي صناعة تعتمد على المجهود البدني الكبير فقط في ذلك الوقت. لقد كان موهوباً من الناحية الفنية بشكل مذهل، وكان يرى أشياء داخل الملعب لا يراها الآخرون، كما كان يتمتع بالذكاء الحاد.

ومنذ أن كان طفلاً صغيراً، كان من الواضح أن بيكنباور سيكون لاعباً فذاً على أعلى المستويات. لكن المشكلة الحقيقية كانت تتمثل في المركز الذي يناسب قدراته وإمكاناته داخل الملعب، ولم يتمكن أي شخص من إيجاد حل لهذه المشكلة. لذلك، يمكن القول إن بيكنباور اخترع دوراً لنفسه. يُنظر إلى بيكنباور الآن على أنه أفضل من لعب في مركز الليبرو، لكنه لم يكن ليبرو بالمعنى الإيطالي المعروف، فلم يكن يكتفي بالوقوف خلف مهاجمي الفرق المنافسة وصناعة الهجمات بتمريرات طويلة من الخلف للأمام. وقال بيكنباور نفسه إنه لو كان يشبه أي لاعب في فريق إنتر ميلان العظيم تحت قيادة هيلينيو هيريرا، الذي كان أول من بدأ الاعتماد على الليبرو خلال الفترة التي فاز فيها ببطولتين لكأس أوروبا، فإنه يشبه المدافع الأيسر جياسينتو فاكيتي، وهو مدافع يجيد التقدم إلى الأمام واختراق صفوف المنافسين والانضمام إلى خط الهجوم.

بيكنباور... قاد المنتخب الألماني للفوز بكأس العالم عام 1974 (أ.ب)

لقد كانت مسيرة بيكنباور المبكرة عبارة عن قصة لاعب يبحث عن دور له داخل الملعب. فعندما ظهر لأول مرة مع الفريق الأول لبايرن ميونيخ في عام 1964 عندما كان يبلغ من العمر 18 عاماً، في ملحق الصعود ضد سانت باولي، لعب في مركز الجناح الأيسر. وفي مباراته التالية، التي كانت أمام تسمانيا برلين، عاد للخلف لكي يلعب قلب دفاع عندما تقدم المهاجم راينر أولهاوزر للأمام في الوقت الذي كان يبحث فيه بايرن ميونيخ عن إحراز هدف التعادل، وقدم بيكنباور أداءً جيداً جعله يلعب مرة أخرى أمام بوروسيا نيونكيرشن. وفي مباراة المجموعة الثانية ضد سانت باولي، شارك بيكنباور في التشكيلة الأساسية لاعب خط وسط، ثم عاد للخلف للمساعدة في الحد من خطورة التوغولي غاي أكولاتسي لاعب خط الوسط (أول لاعب أسمر يلعب في ألمانيا)، وانتهى به الأمر باللعب مهاجماً صريحاً، بينما كان بايرن ميونيخ يسعى لإحراز هدف الفوز.

كانت فرق ألمانيا الغربية في تلك الأيام تميل إلى اللعب بطريقة 3-2-2-3، التي كانت تعرف آنذاك باسم «دبليو إم»، بحيث يتراجع خلالها أحد لاعبي خط الوسط لكي يلعب خلف المدافعين و«ينظف» الهجمات، لكن مثل هذا اللاعب لم يكن يقوم بهذا الدور على نحو مبدع، على عكس ما كان يحدث في إيطاليا. بدلاً من ذلك، كان قلب الدفاع يراقب المهاجم الصريح للمنافس، لكن لم يكن مسموحاً له بالتقدم كثيراً للأمام، على الرغم من أنه يعرف أن هناك لاعباً آخر يغطي المساحة الخالية من خلفه. ثم جاء بيكنباور ليقوم بهذا الدور بشكل مختلف عن أي لاعب قبله.

فشل بايرن ميونيخ في الصعود بفارق نقطة واحدة في ذلك الموسم، لكنه صعد إلى الدوري الألماني الممتاز في الموسم التالي، وكان بيكنباور يلعب كقلب دفاع، على الرغم من الحديث المستمر في الصحف عن أنه من الأفضل أن يلعب في خط الوسط لأنه لاعب مبدع. يبدو أن زلاتكو كايكوفسكي، المدير الفني لبايرن ميونيخ آنذاك، كانت لديه شكوك مماثلة، وتعاقد في ذلك الصيف مع ديتير دانزبيرغ ليلعب قلب دفاع، وهو ما سمح لبيكنباور بالتقدم إلى الأمام. لكن دانزبيرغ حصل على بطاقة حمراء في المباراة الافتتاحية للموسم التالي، التي كانت أمام ميونيخ 1860، وتم إيقافه لمدة ثمانية أسابيع. عاد بيكنباور للعب في مركز قلب الدفاع بدلاً من دانزبيرغ، ولم يتركه بعد ذلك أبداً، وقاد بايرن ميونيخ للوصول إلى المباراة النهائية لكأس ألمانيا ضد إس في ميدريتش عام 1966.

تم تقييد القدرات الهجومية لبيكنباور بسبب ضرورة بقائه في الخلف للتعامل مع المهاجم الخطير روديغر ميلكي، لكن قبل نهاية المباراة بثماني دقائق، وبينما كانت النتيجة تشير إلى تقدم بايرن ميونيخ بثلاثة أهداف مقابل هدفين، استعاد أولهاوزر الكرة وأدرك فجأة أن بيكنباور قد انطلق للأمام، ومرر له الكرة ليسجل الهدف الحاسم من على حافة منطقة الجزاء ويقتل المباراة تماماً. أصبح بيكنباور يلعب في مركز الليبرو بشكل مستمر، وفي ظل وجود جورج شوارزنبيك في مركز قلب الدفاع بجانبه، قاد بيكنباور بايرن ميونيخ لتحقيق العديد من النجاحات خلال فترة السبعينيات من القرن الماضي.

وعلى مستوى المنتخب الوطني، كان المركز الذي يلعب به بيكنباور أكثر إثارةً للجدل. ففي فبراير (شباط) 1965، وفي مباراة ودية ضد تشيلسي، لعب بيكنباور في خط الوسط، حيث قام شون بتجربة اللعب بأربعة لاعبين في الخط الخلفي. وبخلاف مباراتين في جولة الفريق في أمريكا الجنوبية والوسطى عام 1968، عندما تم الاعتماد على ويلي شولتز كقلب دفاع وبيكنباور كليبرو، ظل بيكنباور يلعب في خط الوسط حتى عام 1971 عندما وافق شون أخيراً على السماح لبيكنباور بالعودة واللعب في مركز الليبرو.

منذ طفولته كان من الواضح أن بيكنباور سيكون لاعباً فذاً (غيتي)

وفي العام التالي، كان بيكنباور ضمن تشكيلة منتخب ألمانيا الغربية الذي فاز على إنجلترا بثلاثة أهداف مقابل هدف وحيد على «ملعب ويمبلي» في مباراة الذهاب للدور ربع النهائي لكأس الأمم الأوروبية عام 1972، وقدم أداءً مذهلاً على مدار نصف ساعة. وقالت صحيفة «ليكيب» إن ما قدمه بيكنباور «ينتمي لكرة القدم التي ستُلعب عام 2000». لكن الحقيقة هي أنه مهما بدت ألمانيا الغربية متقدمة مقارنة بالمنتخب الإنجليزي تحت قيادة ألف رامسي، فقد كانت كرة القدم التي تلعبها تنتمي إلى أوائل السبعينات من القرن الماضي وليس عام 2000!

يُقال إن محاولة المنتخب الألماني اللعب بشكل مستمر في ظل المدرج الرئيسي بسبب درجة الحرارة الشديدة في ليون خلال كأس العالم 1970 هي التي علمت ألمانيا الغربية كيفية الاستحواذ على الكرة، بالإضافة إلى أن الحرية التي يتمتع بها بيكنباور في التقدم من الخلف للأمام ليكون لاعباً إضافياً في خط الوسط كانت حاسمة في السماح لألمانيا الغربية في اللعب بهذه الطريقة. ونجحت ألمانيا الغربية بهذه الطريقة، التي يمكن وصفها بأنها شكل من أشكال «الكرة الشاملة» لكن بدون الضغط المتواصل على المنافس، في الفوز بكأس الأمم الأوروبية عام 1972 وكأس العالم 1974. لكن الزمن نجح أخيراً في أن ينال من الرجل القادم من المستقبل ليعتزل كرة القدم. وعندما اتجه للعمل في مجال التدريب، كان بيكنباور مدرباً محافظاً. وقال: «الموقف الدفاعي يتوافق مع طبيعة ألمانيا. إننا ندرس طريقة لعب المنافس ثم نفرض أسلوب لعبنا عليه».

وعندما أشار مساعده كلاوس أوجنثالر إلى ضرورة الاعتماد على أربعة لاعبين في الخط الخلفي، أصر بيكنباور على أن «شخصيتنا ونظامنا» يعتمدان على الليبرو، بالإضافة إلى مدافعين يراقبون مهاجمي الفريق المنافس. لقد قاد بيكنباور منتخب بلاده للوصول إلى المباراة النهائية لكأس العالم مرتين، في عامي 1986 و1990، وفاز باللقب عام 1990، لكن ربما أدى تأخير الاعتماد على طريقة الضغط العالي على المنافسين إلى ما يمكن وصفه بالعقد الضائع في التسعينات من القرن الماضي (على الرغم من الفوز بكأس الأمم الأوروبية عام 1996).

لكن لماذا كان بيكنباور مُنظِّراً عظيماً؟ ولماذا كان، كمدير فني، من بين أفضل المديرين الفنيين فيما يتعلق بالتطوير الخططي والتكتيكي؟ يعود السبب في ذلك إلى أنه كان اللاعب الذي غيّر الطريقة التي تُلعب بها كرة القدم، بعدما ظهر كلاعب سابق لعصره ليجعل كرة القدم كلها تتكيف مع ما يقدمه، وليس العكس!

*خدمة «الغارديان»


مقالات ذات صلة

الدوري الألماني: فولفسبورغ يهزم برلين... والمدربة إيتا تدخل التاريخ

رياضة عالمية ماري لويز توجه لاعبيها خلال المباراة (إ.ب.أ)

الدوري الألماني: فولفسبورغ يهزم برلين... والمدربة إيتا تدخل التاريخ

حققت ماري لويز إيتا إنجازاً استثنائياً بوصفها أول مدربة تقود فريقاً في دوري الدرجة الأولى الألماني للرجال.

«الشرق الأوسط» (برلين)
رياضة عالمية من مباراة بوروسيا دورتموند وهوفنهايم (د.ب.أ)

بايرن على أعتاب التتويج بلقب «البوندسليغا» بعد تعثر دورتموند

أصبح بايرن ميونيخ قريباً من التتويج بلقب الدوري الألماني للمرة الخامسة والثلاثين في تاريخه، مستفيداً من تعثر ملاحقه المباشر بوروسيا دورتموند.

«الشرق الأوسط» (برلين)
رياضة عالمية فينسنت كومباني المدير الفني لفريق بايرن ميونيخ (رويترز)

كومباني: سنواصل العمل كالمعتاد حال تُوّج بايرن بلقب الدوري غداً

أكد فينسنت كومباني، المدير الفني لفريق بايرن ميونيخ، أن حسم لقب الدوري الألماني لن يُغيّر من نهج الفريق أو طريقة عمله.

«الشرق الأوسط» (ميونيخ)
رياضة عالمية لاعب كولن لوكا فالدشميت يحتفل بتسجيل هدف أمام سانت باولي (د.ب.أ)

الدوري الألماني : كولن يتعادل مع سانت باولي

 تعادل كولن مع مضيفه سانت باولي بنتيجة 1-1، اليوم الجمعة، ضمن منافسات الجولة 30 من الدوري الألماني لكرة القدم.

«الشرق الأوسط» (برلين)
رياضة عالمية بعد إقصاء ريال مدريد وبلوغ نصف نهائي دوري الأبطال يصبو بايرن ميونيخ إلى التتويج بلقب «الدوري الألماني» (أ.ف.ب)

«بطولة ألمانيا»: بايرن ميونيخ المنتشي أوروبياً يتطلع لحسم اللقب الأول في حلم «الثلاثية»

بايرن ميونيخ يتطلع لتجاوز عَقبة شتوتغارت وحسم لقب «البوندسليغا» مع تعثر دورتموند أمام هوفنهايم


الدوري الألماني: فولفسبورغ يهزم برلين... والمدربة إيتا تدخل التاريخ

ماري لويز توجه لاعبيها خلال المباراة (إ.ب.أ)
ماري لويز توجه لاعبيها خلال المباراة (إ.ب.أ)
TT

الدوري الألماني: فولفسبورغ يهزم برلين... والمدربة إيتا تدخل التاريخ

ماري لويز توجه لاعبيها خلال المباراة (إ.ب.أ)
ماري لويز توجه لاعبيها خلال المباراة (إ.ب.أ)

حققت ماري لويز إيتا إنجازاً استثنائياً بوصفها أول مدربة تقود فريقاً في دوري الدرجة الأولى الألماني للرجال، لكن فريقها يونيون برلين تعثر أمام ضيفه فولفسبورغ (1-2)، السبت، في المرحلة الثلاثين لـ«البوندسليغا».

سجل المهاجم النمساوي باتريك فيمر الهدف الأول للضيوف في الدقيقة 28، ومع بداية الشوط الثاني ضاعف دزينان بيتشينوفيتش النتيجة بتسجيله الهدف الثاني في الدقيقة 54، وهو الفوز الذي أنهى سلسلة من 12 مباراة دون انتصار لفولفسبورغ وأنعش آماله في البقاء.

من جانبه، دفع يونيون برلين ثمن إهدار الفرص المحققة طوال اللقاء، حيث لم ينجح في تقليص الفارق إلا في الدقيقة 85 عبر المهاجم الاسكوتلندي أوليفر بيرك، وهو هدف جاء متأخراً ولم يكن كافياً لتفادي الهزيمة.

وتجمّد رصيد يونيون برلين الذي حقّق انتصارين فقط منذ بداية عام 2026 عند 32 نقطة في المركز الحادي عشر، بفارق ست نقاط فقط عن منطقة الهبوط.

وحصد فيردر بريمن نقاطاً ثمينة في صراع البقاء بفوزه على أرضه على غريمه الشمالي هامبورغ الذي أنهى اللقاء بعشرة لاعبين (3-1). وفي أول مباراة له منذ منتصف مارس (آذار)، سجل لاعب الوسط الدولي الدنماركي ينس شتاغه هدفين (37 و57)، وأضاف الإسباني كاميرون بويرتاس الثالث (90+1)، فيما سجل روبرت غلاتسل الهدف الوحيد للضيوف (41). وطُرد المهاجم النيجيري لهامبورغ فيليب أوتيلي في الدقيقة 79.

وابتعد بريمن بفارق خمس نقاط عن مركز الملحق بعدما رفع رصيده إلى 31 نقطة في المركز الرابع عشر بفارق الأهداف خلف هامبورغ الثالث عشر.


كيف نجح إيراولا في تحويل بورنموث إلى مصنع حقيقي للمواهب؟

نجح إيراولا في تحويل بورنموث إلى أحد أكثر فرق الدوري الإنجليزي إمتاعاً (رويترز)
نجح إيراولا في تحويل بورنموث إلى أحد أكثر فرق الدوري الإنجليزي إمتاعاً (رويترز)
TT

كيف نجح إيراولا في تحويل بورنموث إلى مصنع حقيقي للمواهب؟

نجح إيراولا في تحويل بورنموث إلى أحد أكثر فرق الدوري الإنجليزي إمتاعاً (رويترز)
نجح إيراولا في تحويل بورنموث إلى أحد أكثر فرق الدوري الإنجليزي إمتاعاً (رويترز)

لم تستطع جدران ملعب الإمارات أن تخفي ابتسامة أندوني إيراولا العريضة. فبينما كان يعبر خط التماس في الجولة الماضية من مسابقة الدوري الإنجليزي بعد فوز بورنموث على آرسنال بهدفين مقابل هدف وحيد، لم تكن خطواته تنمّ عن ذهول متسرع، بل كان يصفق لجماهير الفريق الضيف، ويداعب لاعبيه ويضرب بشكل خفيف على ظهورهم المتعرقة نتيجة المجهود الكبير الذي بذلوه خلال اللقاء. وكان المدير الفني الإسباني يعلم أن فريقه قد تفوّق تماماً على متصدر جدول ترتيب الدوري الإنجليزي، محققاً فوزه الثالث في أربع مباريات على آرسنال.

لم يكن هذا فوزاً مفاجئاً لبورنموث كما كان الحال في السابق، بل كان دليلاً إضافياً على أن ملاعب الخصوم هذه أصبحت الآن مسرحاً لمستويات استثنائية من جانب بورنموث ولاعبيه. وعلى مدى عقدين من الزمن، لم ينجح صعود بورنموث المذهل؛ من الإفلاس وقاع دوري الدرجة الثانية إلى الدوري الإنجليزي الممتاز، في ترسيخ سمعته كفريقٍ قادر على تحقيق نتائج جيدة باستمرار، خصوصاً أمام الفرق الكبرى. وحتى عندما نجح بورنموث، بقيادة إيدي هاو، في سحق تشيلسي تحت قيادة المدرب الإيطالي ساري في عام 2019 وألحق به واحدة من أسوأ هزائمه في عهد أبراموفيتش، بالفوز عليه برباعية نظيفة، كان من «المستحيل» على المدير الفني الإيطالي استيعاب ما حدث، لأن هذا كان أمام بورنموث في نهاية المطاف، وليس أمام نادٍ كبير!

بعد انتهاء ولاية هاو الاستثنائية بالهبوط في عام 2020، اتجه بورنموث نحو المديرين الفنيين المحليين الذين يعملون بطريقة عملية. لم يكن جيسون تيندال مؤهلاً للمنصب، فعاد سريعاً إلى العمل ضمن الطاقم التدريبي لهاو. أما جوناثان وودغيت فقد شدد قبضته على الفريق، لكنه خسر مباراة فاصلة في ملحق الصعود أمام برنتفورد بقيادة توماس فرانك الأكثر طموحاً. وقاد سكوت باركر الفريق للعودة إلى الدوري الإنجليزي الممتاز، لكن الهزيمة المذلة أمام ليفربول على ملعب آنفيلد بتسعة أهداف دون رد أظهرت عدم استعداده التام لمواجهة الفرق الكبرى. وبعد رحيل باركر، تولى غاري أونيل المسؤولية وقدم أداءً رائعاً، حيث قاد الفريق لإنهاء الموسم متقدماً بخمس نقاط عن منطقة الهبوط.

بدا أونيل قادرا على خلافة إيدي هاو بشكل جيد، حيث جمع بين الاستقرار والدهاء، وكان قادراً على إحداث مفاجآت بتعديلات خططية ذكية بين الشوطين. ومع ذلك، أُقيل من منصبه، في خطوة بدت في ذلك الوقت بمنزلة مقامرة متهورة من المالك الأميركي الجديد بيل فولي. لكن عندما ننظر الآن إلى الماضي، نجد أنها كانت خطوة نحو ضمان ترسيخ أقدام النادي.

تلقى إيراولا تدريبه في نادي أتلتيك بلباو، حيث لعب 510 مباريات قبل أن يختتم مسيرته الكروية في الدوري الأميركي للمحترفين.

أُعجب إيراولا بالتزام النادي باللعب المباشر، واعتماده على الكرات العرضية «مثل الفرق البريطانية الكلاسيكية»، كما صرّح لشبكة «سكاي سبورتس» في أغسطس (آب) الماضي. أكدت النتائج الأولية صحة توقعات المتشككين، فبعد تسع مباريات فقط تحت قيادة إيراولا في عام 2023، لم يحقق بورنموث أي فوز، محتلاً المركز التاسع عشر في جدول الترتيب، كما جاءت خمس من هزائمه الست بفارق كبير من الأهداف.

وبعد فوز صعب على منافسه بيرنلي في صراع الهبوط، تلقى الفريق هزيمة ساحقة بنتيجة ستة أهداف مقابل هدف وحيد أمام مانشستر سيتي، وكان من المقرر أن يستضيف نيوكاسل بقيادة هاو على ملعب «دين كورت» بعد أسبوع. لكن ثنائية دومينيك سولانكي كانت كافية لتحقيق الفوز على نيوكاسل بهدفين دون رد، مما أدى إلى انطلاق سلسلة من سبع مباريات متتالية دون هزيمة في الدوري، وحصد الفريق 19 نقطة ثمينة.

أليكس سكوت أحد نجوم بورنموث في طريقه لهز شباك آرسنال (رويترز)

وفي عامه الأول تحت قيادة إيراولا، لم يحصد بورنموث سوى 0.42 نقطة في المباراة الواحدة أمام «الستة الكبار».

ومنذ ذلك الحين، حقق إيراولا سجلاً حافلاً بالانتصارات أمام عمالقة الدوري: 1.5 نقطة في المباراة الواحدة في كل من موسم 2024-2025 والموسم الحالي، متضمنةً تسعة انتصارات وسبع هزائم. يعتمد إيراولا على اللياقة البدنية العالية، والجهد الكبير داخل المستطيل الأخضر، والجرأة في التعامل مع الكرة. تجب الإشارة هنا إلى أن الفرق التي تلعب تحت قيادة إيراولا لا تضمن تحقيق النجاح باستمرار -ويشهد على ذلك احتلال بورنموث المركز الحادي عشر هذا الموسم- لكنها قد تكون أكثر إمتاعاً بكثير من منافسيها الذين يلعبون بطريقة تكتيكية صارمة.

يلعب فريق بورنموث بأريحية واضحة بمجرد أن يجد إيقاعه داخل الملعب، وهو ما يخلق تبايناً صارخاً عند مواجهته، على سبيل المثال، فريقاً متوتراً مثل آرسنال. وجاءت انطلاقة إيراولا الحقيقية في الوقت الذي كانت فيه الأندية الكبيرة تستلهم أفكارها من كيفية نجاة الفرق الصغيرة في المواسم الماضية، معتمدةً على الكرات الثابتة وإعطاء الأولوية على ما يبدو لتقليل المخاطر (من خلال طرق اللعب القائمة على التمركز والخطط الدفاعية المُحكمة).

ودفعت المنافسة الباهتة على اللقب في موسم 2023-2024 بين مانشستر سيتي وآرسنال، جوسيب غوارديولا وغيره من المديرين الفنيين إلى البحث عن طرق لإضفاء الحيوية على خططهم التكتيكية الدقيقة.

ومع تحقيق بورنموث نتائج مميزة بأسلوب هجومي رائع، ازداد الطلب على إيراولا ولاعبيه من الأندية الكبيرة. تم اختيار سولانكي ليحل محل هاري كين في توتنهام (55 مليون جنيه إسترليني). وكان دين هويسن وإيليا زابارني مطلوبَين بشدة في جميع أنحاء القارة، وانضما إلى ريال مدريد (50 مليون جنيه إسترليني) وباريس سان جيرمان (54.5 مليون جنيه إسترليني) على التوالي.

وبعد سنوات من شراء لاعبين من ليفربول لم يقدموا المستويات المتوقعة منهم في كثير من الأحيان، حصل بورنموث على 40 مليون جنيه إسترليني من ليفربول مقابل بيع ميلوس كيركيز، الذي كان إيراولا يساعده على التغلب على نقاط ضعفه الدفاعية بشكل أفضل، نظراً لأن إيراولا نفسه كان يلعب في نفس مركز كيركيز، ظهيراً أيسر. وأصبح دانغو واتارا، البديل المميز في بورنموث، أغلى صفقة في تاريخ برنتفورد عندما ضمه مقابل 42 مليون جنيه إسترليني.

وقبل ثلاثة أشهر، انتعشت آمال مانشستر سيتي في المنافسة على اللقب جزئياً بانضمام اللاعب الممتع أنطوان سيمينيو (62.5 مليون جنيه إسترليني).

لقد نجح بورنموث في الحصول على عائدات غير متوقعة من بيع هؤلاء اللاعبين بلغت 304 ملايين جنيه إسترليني: ستة لاعبين رحلوا إلى الأندية «الستة الكبار»، وبطل دوري أبطال أوروبا، وأندية أخرى تعتمد على الإحصائيات والأرقام للتعاقد مع لاعبيه الجدد.

عندما تولى إيراولا قيادة بورنموث، لم يكن من المتوقع أن يتحول النادي إلى مصنع للمواهب. أما الآن، فقد انضم إلى برايتون وبرنتفورد -هذين الناديين المزدهرين والمتوازنين مالياً- بوصفه نموذجاً لأندية وسط جدول الترتيب التي تتمتع بمهارة كبيرة في اكتشاف المواهب الصاعدة. وقد تشكلت بالفعل الموجة التالية، بقيادة إيلي جونيور كروبي، وأليكس سكوت، وريان، وأدريان تروفيرت.

لن يفتقر إيراولا للعروض من أكبر الأندية الأوروبية بعد رحيله عن بورنموث (رويترز)

لذا، سيرحل إيراولا نفسه هذا الصيف بحثاً عن تحدٍّ جديد. إن تحقيقه فوزين وتعادلاً على ملعب «أولد ترافورد» يرشّحه لأن يكون بديلاً لمايكل كاريك على رأس القيادة الفنية لمانشستر يونايتد. ربما يحاول أتلتيك بلباو، صاحب المركز التاسع في الدوري الإسباني الممتاز تحت قيادة إرنستو فالفيردي، التعاقد مع إيراولا بصفته أحد أبناء المدينة. وقد تُمثّل العودة إلى الديار خطوةً حاسمةً قبل تولي قيادة فريقٍ أوروبيٍّ كبير، أو قد تكون محطةً مثاليةً لحلّ مشكلات التأقلم التي واجهها فرانك وغراهام بوتر بعد رحيلهما عن برنتفورد وبرايتون.

لن يفتقر إيراولا للعروض من أكبر الأندية الأوروبية، لكنّ المدرب الإسباني يقول إنه لم يفكر حتى في المكان الذي قد ينتهي به المطاف فيه. وقال المدرب الإسباني: «ليست لديّ أي فكرة. لا أعرف ما إذا كنت سأدرّب الموسم المقبل. لست في عجلة من أمري لمعرفة ذلك. اتخذنا القرار ولم يتأثر هذا القرار بأي نادٍ آخر».

وقال إيراولا إن النادي بذل قصارى جهده للإبقاء ‌عليه، وقدم له عرضاً رسمياً لتمديد عقده في ديسمبر (كانون الأول) الماضي. وأضاف المدرب الإسباني: «حاولت التعبير عن مشاعري. أعلم أنهم كانوا يعملون من أجل المستقبل.

لم يحدث ذلك بشكل مفاجئ... كنت راضياً للغاية خلال المواسم التي قضيتها هنا، ‌ولا أريد المخاطرة بذلك تقريباً. أشعر بطاقة كبيرة ولست مرهقاً بل أشعر بمزيد من الحماس لإنهاء هذا الموسم. لكن في بعض الأحيان عليك أن تختار اللحظة المناسبة للرحيل».

لقد كان تأثير إيراولا كبيراً لدرجة أن النادي يبدو مصمماً على عدم العودة إلى عاداته القديمة. فبدلاً من البحث عن مدربين أُقيلوا مؤخراً من الدوري الإنجليزي الممتاز ودوري الدرجة الأولى، يبدو أن هدف بورنموث الأول هو التعاقد مع الألماني ماركو روزه، وهو أيضاً من مُحبي أسلوب الضغط العالي الذي حقق نتائج باهرة مع إيرلينغ هالاند وجود بيلينغهام وغيرهما. وتوصل بورنموث بالفعل إلى اتفاق مع روزه من أجل تعيينه مدرباً خلفاً للإسباني إيراولا.

انتعشت آمال مانشستر سيتي في المنافسة على اللقب بانضمام أنطوان سيمينيو (أ.ف.ب)

قد يكون هذا هو الوضع الطبيعي الجديد للنادي لفترةٍ من الزمن. ومن المحتمل أيضاً ألا يتمكن أحدٌ من تكرار ديناميكية إيراولا المميزة مع لاعبيه. لكن في الوقت الحالي، يستطيع بورنموث التعاقد مع خليفته استناداً إلى سجله الحافل بالنجاحات الكبيرة في تطوير اللاعبين. فبينما أسهمت استثمارات فولي في تطوير مشروع النادي، ضمنت ثقافة إيراولا ونظامه تحقيق نتائج أفضل. في النهاية، لم يعد بورنموث مجرد نادٍ يسعى لتكرار أيام مجده تحت قيادة هاو، خصوصاً أن الحياة بعد هاو قد جلبت إثارةً لم يستطع هو نفسه مجاراتها، فقد صنع إيراولا إرثاً خاصاً به وكتب اسمه بأحرف من نور في تاريخ هذا النادي.

* خدمة «الغارديان»


إنريكي: إدارة الفريق خطوة مهمة لفوز باريس سان جيرمان بالثنائية

لويس إنريكي مدرب باريس سان جيرمان (أ.ف.ب)
لويس إنريكي مدرب باريس سان جيرمان (أ.ف.ب)
TT

إنريكي: إدارة الفريق خطوة مهمة لفوز باريس سان جيرمان بالثنائية

لويس إنريكي مدرب باريس سان جيرمان (أ.ف.ب)
لويس إنريكي مدرب باريس سان جيرمان (أ.ف.ب)

شدد لويس إنريكي، مدرب باريس سان جيرمان، على أهمية التعامل بحذر مع قوام الفريق في ظل ضغط المباريات، وذلك في إطار سعيه لتحقيق ثنائية الدوري الفرنسي ودوري أبطال أوروبا هذا الموسم.

ويتصدر الفريق الباريسي جدول ترتيب الدوري بفارق نقطة واحدة عن لانس، صاحب المركز الثاني، مع تبقي مباراتين مؤجلتين، إلى جانب سبع جولات متبقية، تبدأ بمواجهة أولمبيك ليون، غداً الأحد.

ويستعد سان جيرمان لخوض تسع مباريات خلال أربعة أسابيع فقط، بعد تأهله إلى نصف نهائي دوري الأبطال، حيث سيواجه بايرن ميونيخ، عقب تجاوزه ليفربول ذهاباً وإياباً.

وقال إنريكي في مؤتمر صحافي: «ينتظرنا أسبوع مهم جداً في الدوري، والحصول على نقاط المباريات الثلاث المقبلة سيكون خطوة ضرورية».

وأضاف: «لدينا مواجهات أخرى مهمة، وعلينا مواصلة حصد النقاط، قبل خوض نصف نهائي دوري الأبطال. إدارة التشكيلة والاعتماد على جميع اللاعبين سيكونان عنصرين أساسيين».

وتابع: «نخوض عدداً كبيراً من المباريات خلال 27 يوماً، لذا فإن تدوير التشكيل أمر ضروري، ونحن معتادون على ذلك».

وبعد مواجهة ليون، يستضيف باريس سان جيرمان فريق نانت، الأربعاء، ثم يحل ضيفاً على أنجيه بعد ثلاثة أيام، قبل مواجهة بايرن ميونيخ في ذهاب نصف النهائي يوم 28 أبريل (نيسان) على ملعب «حديقة الأمراء».

ويبلغ باريس سان جيرمان نصف نهائي دوري الأبطال للموسم الثالث توالياً.

وعلى صعيد الغيابات، تحوم الشكوك حول جاهزية البرتغالي نونو مينديش لمواجهة ليون بسبب إصابة في الفخذ تعرض لها أمام ليفربول، بينما أصبح الإسباني فابيان رويز جاهزاً للعودة بعد تعافيه من الإصابة التي أبعدته منذ يناير (كانون الثاني).