تعلم المدير الفني الأرجنتيني ماوريسيو بوكيتينو من الفترة التي قضاها مع باريس سان جيرمان، ألا يأخذ أي شيء على أنه أمر مسلَّم به، ويرى أنه ليس لديه أي أعذار لتحقيق هدفه الأساسي، وهو تحويل تشيلسي إلى فريق قادر على حصد البطولات والألقاب مرة أخرى، على الرغم من أن صيفاً آخر من التغيير في «ستامفورد بريدج» جعل تشيلسي فريقاً مليئاً بالمواهب الشابة التي لا تمتلك خبرات كبيرة. ويركز بوكيتينو بشكل كامل الآن على التأكد من أن فريقه الجديد جاهز تماماً لمواجهة ليفربول الأحد المقبل.
وقال المدير الفني لـ«البلوز»: «نحن نبني شيئاً مميزاً»، معترفاً بأن لجنة التعاقدات بالنادي تقوم بعملية كبيرة لإعادة بناء الفريق، بعد صدمة ضعف الأداء الموسم الماضي. وقال المدير الفني الأرجنتيني: «إنها عملية طويلة، ونحن بحاجة إلى بعض الوقت؛ لكن في كرة القدم لا يمكنك أن تطالب بالانتظار لبعض الوقت؛ بل يتعين عليك تحقيق نتائج إيجابية الآن. نحن تشيلسي، وحتى لو كان لدينا لاعبون شباب ضد ليفربول، فإننا لا نفكر في شيء سوى الفوز».
وكانت الرسالة التي بعث بها بوكيتينو مراراً وتكراراً هي ضرورة رفع سقف الطموح، على الرغم من الشكوك حول ما إذا كان تشيلسي بإمكانه أن يستعيد مكانته بين أندية النخبة أم لا. لقد سادت الفوضى داخل تشيلسي منذ أن اشتراه تود بوهلي ومجموعة «كليرليك كابيتال» من رجل الأعمال الروسي رومان أبراموفيتش العام الماضي. لقد فتح النادي خزائنه، وأنفق بسخاء شديد تحت قيادة الملكية الجديدة، وغيَّر عدداً كبيراً من المديرين الفنيين، لدرجة أن بوكيتينو يُعدّ المدير الفني الخامس منذ الاستحواذ على النادي. والآن، لدى تشيلسي الفرصة لتعويض جماهيره عن النتائج السيئة التي حققها الموسم الماضي، والتي جعلته يحتل مركزاً في النصف الثاني من جدول ترتيب الدوري الإنجليزي الممتاز، للمرة الأولى منذ عام 1996.

ويجب الاعتراف بأن مهمة بوكيتينو الذي وقَّع عقداً مع النادي لمدة عامين، ليست سهلة على الإطلاق. عندما تولى المدير الفني البالغ من العمر 51 عاماً القيادة الفنية لتوتنهام، كان تشيلسي الذي يواجهه يضم كوكبة من اللاعبين أصحاب الخبرات الكبيرة والقادرين على قيادة الفريق لتحقيق الانتصارات وحصد البطولات. صحيح أنه لم تكن هناك استمرارية كبيرة تحت قيادة أبراموفيتش؛ لكن اللاعبين كانوا يعرفون دائماً كيف يحققون الفوز. لكن هذا الجيل مختلف تماماً. لقد سمح تشيلسي للاعبين أصحاب الخبرات الكبيرة بالرحيل هذا الصيف، ومنح مهمة التعاقدات الجديدة للمديرين الرياضيين: لورانس ستيوارت، وبول وينستانلي. وتعاقد النادي مع مجموعة من اللاعبين الشباب الواعدين، ويحتاج الفريق إلى تدعيم في خط الوسط، ويسعى الآن للتعاقد مع نجم برايتون، مويسيس كايسيدو.
يقول بوكيتينو: «أنا متحمس لبدء مهمة متوسطة وطويلة الأمد؛ لكن في كرة القدم لا يمكنك أن تتنبأ أبداً بما يمكن أن يحدث. نحتاج جميعاً إلى أن نكون معاً لمعرفة ما إذا كان بإمكاننا تطوير شيء مميز هنا. في الوقت الحالي، نحن لا نزال في بداية الاستعداد للموسم الجديد. أنا سعيد للغاية لأننا نعمل بجدية كبيرة. إنني أعرف تماماً مدى صعوبة بناء فريق قادر على منافسة مانشستر سيتي وليفربول وغيرهما من الأندية القوية. وأعتقد أننا نسير في الاتجاه الصحيح».
ويضيف: «رسالتي للاعبين والجماهير والجميع هي أننا تشيلسي، ويتعين علينا تحقيق الفوز بشكل فوري: اليوم وأمس، وليس غداً! في الوقت نفسه، يتعين علينا أن نعمل بكل جدية، وأن نتحلى بالمهارة والذكاء فيما يتعلق بكيفية الاستعداد للشهر المقبل وللأشهر الستة المقبلة وللسنة القادمة. نحن بحاجة إلى خطة واضحة وإلى دليل يقول: (يتعين علينا أن نصل إلى هذه النقطة). وإذا نجحنا في الوصول إلى هدفنا قبل الوقت المحدد، فسيكون هذا مثالياً؛ لكن إذا لم يحدث هذا، فنحن نعلم أننا سنصل إلى هدفنا في الوقت المحدد».

من الواضح أن بوكيتينو مستعد لتحمل الضغوط. لقد بنى المدير الفني الأرجنتيني فريقاً قوياً في توتنهام، وجعله أحد الأندية الأربعة الأولى في جدول ترتيب الدوري الإنجليزي الممتاز بشكل منتظم، ووصل إلى المباراة النهائية لدوري أبطال أوروبا في 2019. لقد أصبحت المنافسة على لقب الدوري الإنجليزي الممتاز أكثر قوة منذ رحيل بوكيتينو عن توتنهام قبل 4 سنوات، ويقول عن ذلك: «التطور شيء طبيعي. في بعض الأحيان يكون التطور بطيئاً في الدوريات الأخرى؛ لكن في الدوري الإنجليزي الممتاز كل شيء يتحسن في كل مجال. لا يتعلق الأمر الآن بالحديث عن أفضل 6 أو 8 أندية، ولكن عن أفضل 20 نادياً، فجميع الفرق المشاركة في المسابقة قادرة على التحسن والتطور، ولديها موارد مالية كبيرة لإنفاقها. ويرغب اللاعبون من كل مكان في الانضمام إلى جميع أندية الدوري الإنجليزي الممتاز، بما في ذلك الأندية الصاعدة من دوري الدرجة الأولى».
يقول بوكيتينو الذي أحضر مساعديه الذين يثق بهم إلى تشيلسي، عن الكيفية التي تغير بها مع مرور الوقت: «نحن أكبر سناً الآن، وعندما تبلغ من العمر 50 عاماً يتعين عليك أن تتوخى الحذر؛ لأنك تتغير بشكل أسرع. لقد حصلنا على خبرات من العمل في الدوريات المختلفة، وفي باريس سان جيرمان، وأصبحنا أكثر نضجاً. نحن نعمل دائماً على تقييم أنفسنا ونسعى دائماً إلى التحسن. وفيما يتعلق بكرة القدم، فإننا نتحرك دائماً إلى الأمام، ونشاهد كل شيء، ونسعى لتطوير أفكار مختلفة. أما من حيث التدريب والإدارة، فإن العمل في بلد مختلف يوفر لك مزيداً من الأدوات التي تساعدك في إدارة الأشخاص والتعامل معهم. نحن أفضل بكثير الآن».
لقد تغير الكثير منذ أن تولى بوكيتينو الذي بدأ مسيرته التدريبية في إسبانيول، القيادة الفنية لساوثهامبتون في يناير (كانون الثاني) 2013 بدلاً من نايغل أدكنز. لم يكن بوكيتينو معروفاً لكثيرين في إنجلترا آنذاك؛ لكنه سرعان ما صنع اسماً كبيراً من خلال قيادة فريقه لتقديم كرة قدم ممتعة تعتمد على الضغط العالي على المنافسين. يقول المدير الفني الأرجنتيني: «كرة القدم في السنوات القليلة الماضية أصبحت تعتمد على اللعب بهذه الطريقة بشكل أكبر؛ حيث يتعين على الفريق أن يتحلى بالشجاعة اللازمة، وأن يمارس الضغط العالي على المنافس. أعتقد أن التكنولوجيا وفرت لبقية العالم إمكانية تعلم اللعب بهذه الطريقة».
ويضيف: «اليوم، لا يمكن لأحد أن يزعم أنه هو من يمتلك فكرة اللعب بالضغط العالي أو بأي أسلوب مختلف، فنحن جميعاً نتشارك الفكرة نفسها. ومع ذلك، فإن الأشخاص الذين يصنعون الفارق هم اللاعبون. يمكن أن يكون لدى المدير الفني الأفكار أو الفلسفة أو المعرفة بشأن كرة القدم؛ لكن الأمر يتوقف دائماً على اللاعبين القادرين على صناعة الفارق داخل المستطيل الأخضر. اللاعبون هم من يمتلكون كرة القدم، وهم الممثلون الرئيسيون في هذا العرض الكروي، ويتعين علينا أن نزودهم بأفضل الأدوات اللازمة. والآن، لم يعد الأمر يتعلق بأن تلعب بطريقة الضغط العالي على المنافس أو بأي طريقة أخرى؛ لكنه يتعلق بقدرة اللاعبين أنفسهم على تطبيق هذه الأفكار، وبما إذا كانت لديهم القدرات والإمكانات التي تساعدهم على تطبيق ذلك خلال المباريات أم لا. سيكون هذا هو الحل دائماً».
لم يكن نقص المواهب يمثل مشكلة لبوكيتينو في باريس سان جيرمان، فقد كان لديه خط هجوم ناري مكون من كيليان مبابي وليونيل ميسي ونيمار؛ لكنه لم يحقق نتائج مرضية خلال العامين اللذين قضاهما في النادي الفرنسي. لقد انهار باريس سان جيرمان أمام مانشستر سيتي وريال مدريد في الأدوار الإقصائية بدوري أبطال أوروبا، ورحل بوكيتينو بعد فوزه بلقب الدوري الفرنسي الممتاز في موسمه الثاني. وكان هناك انطباع بأن طريقة اللعب التي يعتمد عليها بوكيتينو تتأثر كثيراً بعدم قدرة -أو عدم رغبة- مبابي وميسي ونيمار على القيام بالواجبات الدفاعية عندما يفقد الفريق الكرة. وكان هناك شعور بأن المدير الفني الأرجنتيني يشعر براحة أكبر وهو يلعب مع لاعبين شباب لديهم الرغبة في إثبات أنفسهم.
ومع ذلك، سارع بوكيتينو بالدفاع عما حققه مع باريس سان جيرمان، قائلاً: «أعتقد أن الأمور لم تتغير مع الطاقم الفني التالي للنادي الفرنسي. لقد وصلنا إلى الدور نصف النهائي لدوري أبطال أوروبا أمام مانشستر سيتي في موسمنا الأول. وحققنا الفوز على برشلونة، عندما كان ميسي لا يزال في برشلونة. وأقصينا بايرن ميونيخ وبلغنا الدور نصف النهائي في موسمنا الأول». وأضاف: «وفي الموسم الثاني، لعبنا مباراة رائعة ضد ريال مدريد على ملعب حديقة الأمراء، وكان بإمكاننا تسجيل هدفين أو 3 أهداف، وأهدرنا ركلة جزاء. ثم في مباراة الإياب أعتقد أننا كنا نستحق أكثر من ذلك بكثير. لقد كنا متقدمين بهدف دون رد، ثم انقلبت النتيجة رأساً على عقب في غضون بضع دقائق على ملعب (سانتياغو برنابيو)».
لقد كان باريس سان جيرمان متقدماً بهدفين دون رد في مجموع مباراتي الذهاب والعودة؛ لكن ريال مدريد نجح في قلب الطاولة والعودة في النتيجة، وهو الأمر الذي جعل باريس سان جيرمان يفقد الثقة في بوكيتينو. يقول المدير الفني الفرنسي: «لقد بدأ النادي يفكر في تغيير كل شيء. عندما تنظر إلى مانشستر سيتي أو ليفربول، تجد أنهما يخسران في الدور نصف النهائي أو النهائي، ورغم ذلك يواصلون تقديم الدعم اللازم للمدير الفني، للعمل من أجل الاستعداد للموسم الجديد. لقد كان هناك كثير من الأشياء التي كان من المستحيل عليك أن تفهمها».

ويضيف: «لقد تعلمنا كثيراً من الأشياء الإيجابية للغاية من هذه التجربة، مع العلم بأنه عندما تتولى القيادة الفنية لنادٍ مثل باريس سان جيرمان، فإن الهدف الأساسي يكون هو الفوز بدوري أبطال أوروبا. وإذا لم تنجح في تحقيق هذا الهدف، فيتعين عليك الرحيل. آمل أن يتغير هذا الأمر؛ لأنني أعتقد أن سان جيرمان يستحق العمل في أجواء يسودها الاستقرار. لا يمكنك أن تحقق الفوز إذا لم تقم ببناء فريق قوي واكتفيت بالتعاقد مع اللاعبين أصحاب الأسماء الكبيرة. لقد فاز ليفربول بالبطولات والألقاب بعد سنوات من العمل الجاد والثبات، وفاز مانشستر سيتي بلقب دوري أبطال أوروبا بعد 7 سنوات تحت قيادة جوسيب غوارديولا، وحدث الشيء نفسه مع ريال مدريد أيضاً. بشكل عام من يفوز هو النادي الأكثر استقراراً وثباتاً».
ويفكر بوكيتينو بالطريقة نفسها، من أجل بناء فريق قوي لتشيلسي. يمتلك المهاجمان الجديدان نيكولاس جاكسون وكريستوفر نكونكو إمكانات واعدة، كما وقَّع المدافع البارز ليفي كولويل عقداً جديداً طويل الأمد. وخلال مرحلة الاستعداد للموسم الجديد لم يتعرض تشيلسي لأي خسارة، وفاز بالبطولة الصيفية الودية للدوري الإنجليزي الممتاز، في الوقت الذي اعتمد فيه بوكيتينو على لاعبيه الشباب. وإضافة إلى ذلك، فإن عدم مشاركة تشيلسي في البطولات الأوروبية الموسم المقبل سيمنح بوكيتينو الوقت اللازم لغرس فلسفته التدريبية في نفوس لاعبيه في التدريبات.
يقول بوكيتينو: «لقد فزنا بالبطولة الصيفية للدوري الإنجليزي الممتاز، ويتعين علينا أن نواصل العمل والتقدم للأمام؛ لأننا بحاجة إلى الفوز في المباراة التالية».
وكان بوكيتينو قد أعرب عن دعمه لكل من إنزو فرنانديز وميخايلو مودريك ورحيم سترلينغ، من أجل تقديم مستويات تتناسب مع المبالغ المالية الكبيرة التي دفعها النادي للتعاقد معهم؛ لكنه حذر نجومه المتعثرين من أنه لن تكون هناك أي أعذار لتقديم مستويات غير جيدة الموسم المقبل. ويحرص بوكيتينو على رفع الحالة المعنوية في «ستامفورد بريدج»، ويدرك تماماً أن التغيير الكبير الذي حدث في تشيلسي جعل من الصعب على أي لاعب جديد أن يشعر بالاستقرار. ولم يقدم فرنانديز ومودريك أداء جيداً منذ انضمامهما لـ«البلوز» بمقابل مادي كبير في فترة الانتقالات الشتوية الماضية، ولم يستعِدْ سترلينغ أفضل مستوياته منذ انتقاله لتشيلسي قادماً من مانشستر سيتي مقابل 47.5 مليون جنيه إسترليني الصيف الماضي، كما قدم مارك كوكوريلا أداء مثيراً للإحباط منذ قدومه من برايتون مقابل 62 مليون جنيه إسترليني.

وقال بوكيتينو: «الآن بداية جديدة، ويتعين عليهم إظهار جودتهم الحقيقية. لكن يتعين علينا أن نهيأ لهم الأجواء التي تجعلهم يشعرون بالراحة، وأن نخلق لهم المساحة التي تساعدهم على تقديم أداء جيد، وعلى التطور والتحسن. لقد جاء هؤلاء اللاعبون في ظروف صعبة، وهو ما يمثل تحدياً كبيراً بالنسبة لنا؛ لأننا نحب العمل بهذه الطريقة. يتعين علينا أن نمنحهم الفرصة لإظهار أنهم قادرون على التعامل مع الضغوط الناجمة عن اللعب لتشيلسي». وأضاف: «ليس من مسؤولية المدير الفني أن يراعي الحالة المزاجية للجميع، ويتعين على اللاعب نفسه أن يتحمل مسؤولية محاولة التكيف، وأن تكون لديه الدوافع الخاصة به، وأن يحاول العمل بكل جدية، ويدعنا ندير الأمور ونحاول تحقيق الأفضل».
* خدمة «الغارديان»

