شاهدت منافسات دوري الأمم الأوروبية باهتمام. لقد كانت هذه البطولة، التي يمكن وصفها بأنها «البطولة الأوروبية المصغرة» بمثابة مُقدمة لما يمكن أن يحدث في نهائيات كأس الأمم الأوروبية 2024. وربما كانت اللحظة الأبرز بالنسبة لي هي فوز كرواتيا على البلد المضيف، هولندا، في الدور نصف النهائي. كان ملعب المباراة ممتلئا عن آخره بالجماهير، ولم تكن هولندا قد خسرت على ملعب «دي كويب» منذ 23 عاما، لكن بعد الوقت الإضافي احتفل 20 ألفاً من الكرواتيين في روتردام.
وعلى الرغم من أن عدد سكان كرواتيا لا يتجاوز أربعة ملايين نسمة، فإن المنتخب الكرواتي وصل إلى الدور نصف النهائي لكأس العالم مرتين خلال السنوات الأخيرة. ويجب التأكيد على أن منتخب كرواتيا قوي للغاية، وأن اللاعبين يلعبون بحماس منقطع النظير من أجل وطنهم، وهو الأمر الذي يجعل الجماهير الكرواتية تدعم منتخب بلادها بكل قوة. وبالطبع، يعد لوكا مودريتش هو أهم لاعب في صفوف منتخب كرواتيا. يلعب مودريتش مع منتخب بلاده منذ 17 عاماً، ويعد أحد أفضل لاعبي خط الوسط في أوروبا والعالم بأسره، بل ويعد رمزا في تاريخ كرة القدم، كما هو الحال مع تشافي أو أندريا بيرلو.
والآن، انضم إيلكاي غوندوغان إلى هذه الفئة من اللاعبين العظماء بعدما قاد مانشستر سيتي للفوز بلقب دوري أبطال أوروبا. وبعدما قضى سبع سنوات في ملعب الاتحاد، وحصل خلالها على خمسة ألقاب للدوري الإنجليزي الممتاز، كان الفوز في المباراة النهائية لدوري أبطال أوروبا في إسطنبول بمثابة نهاية حقبة. لقد تغلب المدير الفني للسيتيزنز، جوسيب غوارديولا، على الكثير من السلبيات، وأثبت أن مانشستر سيتي يمكنه الآن الفوز بأي شيء في أي وقت، تماماً كما هو الحال مع ريال مدريد وبرشلونة. ومن الواضح للجميع أن غوندوغان كان جزءاً مهماً للغاية من هذا النجاح الكبير. ولا يقل خط وسط مانشستر سيتي بقيادة غوندوغان ورودري وكيفين دي بروين بأي حال من الأحوال عن خط وسط ريال مدريد العظيم بقيادة كاسيميرو وتوني كروس ومودريتش وهم في أوج عطائهم الكروي.
في الحقيقة، لا يتميز غوندوغان ومودريتش بأنهما بارعان في مهارة واحدة، فلا يمكن القول إنهما مذهلان من حيث القوة البدنية أو السرعة أو المهارة في المواقف الفردية أو التسديد القوي من مسافات بعيدة أو ضربات الرأس، لكن أهم ما يميزهما حقا هو أنهما يمتلكان شيئا من كل شيء، بمعنى أنهما لاعبان متكاملان. إنهما يمنحان فريقيهما النظام والالتزام الخططي. وفي كل موقف من المواقف التي يتعرضان لها، فإنهما يحسبان الفرص والمخاطر، تلك الخاصة بالمنافس، والخاصة بفريقيهما أيضا. إنهما يجيدان الاحتفاظ بالكرة والانطلاق بها في الوقت المناسب تماما لتشكيل خطورة على المنافسين. إنهما يحافظان على التوازن بين الدفاع والهجوم، كما أنهما متخصصان في «إدارة المخاطر»، إن جاز التعبير، على أرض الملعب، وهو الأمر الذي يخلق الاستقرار والأمن والتحكم في زمام الأمور.
ويعرف المديرون الفنيون الناجحون أنه لا غنى على الإطلاق عن هذه النوعية من اللاعبين. كما يعرف هؤلاء المديرون الفنيون أن تحقيق الأشياء العظيمة يتطلب بعض الوقت. عندما تولى غوارديولا قيادة مانشستر سيتي، تعاقد على الفور مع غوندوغان من بوروسيا دورتموند، ثم طورا معا شيئا ما على مر السنين. ويجب الإشارة إلى أن كرة القدم لعبة جماعية وأن اللاعب بمفرده، مهما كانت قدراته، لا يمكن أن يفعل شيئا من دون التعاون مع زملائه داخل الملعب، كما أن القيمة الحقيقية للاعبين من نوعية غوندوغان تظهر عندما يتم دمجهم بشكل جيد في صفوف الفريق، وهذا هو الأمر الذي قام به غوارديولا في مانشستر سيتي.

هناك عدد كبير من اللاعبين المميزين، لكن لكي يتمكنوا من تحقيق النجاح يجب دمجهم بشكل جيد في صفوف الفريق من أجل استغلال قدراتهم الشخصية على النحو الأمثل. ويستفيد من ذلك الأمر لاعبون مثل غوندوغان وتشافي وبيرلو. يبلغ غوندوغان من العمر الآن 32 عاما، لكنه لا يزال قادرا على أن يكون القلب النابض لأي فريق يلعب له. لقد نجح النجم الألماني، بالتعاون مع المدير الفني، في تنمية وتطوير قدراته بشكل مذهل. ولكي يواصل مثل هؤلاء اللاعبين العمل بكل قوة، يتعين عليهم أن يجدوا البيئة المناسبة التي تساعدهم على القيام بذلك. وبالتالي، فإن اللاعبين في هذا المستوى يتحدثون أولا مع المدير الفني ومع مسؤولي النادي قبل الانضمام إلى أي فريق.
لذلك، كان قرار انتقال غوندوغان إلى برشلونة منطقيا تماما، لأنه إذا لم يعد بالإمكان اللعب تحت قيادة غوارديولا، فمن الأفضل أن تلعب تحت قيادة تشافي. وعندما كان تشافي لاعبا، كان جزءاً من خط وسط مذهل ويلعب بطريقة استثنائية إلى جانب أندريس إنييستا وسيرجيو بوسكيتس. والآن، انتهز تشافي فرصة عدم تجديد غوندوغان تعاقده مع مانشستر سيتي وتعاقد مع النجم الألماني، الذي يلعب بنفس الطريقة الإسبانية. لقد نجح تشافي من خلال هذه الصفقة، التي لا تحمل كثيرا من المخاطرة، في الحصول على الشيء الذي كان ينقصه في برشلونة، وتعاقد مع لاعب يمتلك قدرات هائلة.
وكان من الممكن أن يكون أرسنال أيضاً خياراً رائعاً لغوندوغان، لأن تلميذ غوارديولا السابق، ميكيل أرتيتا، قادر أيضا على استغلال قدرات غوندوغان ويضع خطة دقيقة للعمل على المدى الطويل. وفي المقابل، فإن باريس سان جيرمان، الذي كان يرغب أيضا في ضم غوندوغان، يفتقر إلى الاستمرارية والتطور.
لذلك سيكون الموسم الجديد مثيرا بالنسبة لغوندوغان. وفيما يتعلق بدوري أبطال أوروبا، التي تعد البطولة الأقوى في القارة العجوز على مستوى الأندية، أصبح مانشستر سيتي منافسا قويا، إلى جانب ريال مدريد بالطبع، الذي يعد دائما مرشحا تلقائيا للفوز باللقب. لقد ابتعد برشلونة عن المنافسة على لقب الكأس ذات الأذنين خلال السنوات الأخيرة، لكن التعاقد مع غوندوغان سوف يمنح العملاق الكتالوني فرصة كبيرة للعودة إلى المنافسة. وفي الدوري الإنجليزي الممتاز، الذي يعد الدوري الأقوى في العالم، سيسعى أرسنال لتقليل الفجوة بينه وبين مانشستر سيتي.
وبصفتي مديرا لكأس الأمم الأوروبية 2024، فإنني أتطلع بشكل خاص إلى هذه البطولة، التي تجمع أفضل المنتخبات في العالم. ويسعى مودريتش أخيرا للفوز ببطولة مع منتخب بلاده. لقد كان قريبا من ذلك في أعوام 2018 و2022 و2023، لكن الأمر صعب مع كرواتيا. لكن فرصة غوندوغان أفضل، على غرار تشافي، الذي فاز بثلاث بطولات مع منتخب إسبانيا، فمنتخبا ألمانيا وإسبانيا كبيران بما يكفي للفوز بكأس العالم أو كأس الأمم الأوروبية.
يجد غوندوغان كل الأمور التي تساعده على التألق على مستوى الأندية، لكن المنتخب الألماني يعاني في الوقت الحالي، وهو الأمر الذي يجعلني أشعر بالقلق. وعلى الرغم من وجود لاعب كبير بحجم وقيمة غوندوغان، فلا يمكنك رؤية تشكيل واضح أو خطة منظمة للمنتخب الألماني، الذي يفتقر إلى السيطرة والتوازن والاستقرار. لا يزال هناك وقت حتى انطلاق البطولة في 14 يونيو (حزيران)، لكن يجب القيام بشيء ما الآن، لأن هذه العناصر تحتاج إلى تطوير. من المؤكد أن أي بطولة تكون أفضل عندما يكون الفريق المستضيف قويا، وهو ما يجب رؤيته مع المنتخب الألماني في كأس الأمم الأوروبية 2024!
* خدمة «الغارديان»
