واشنطن تضغط على أوروبا لسحب مخزونات الديزل... أو مواجهة حظر للصادرات

في إطار سعي ترمب لخفض أسعار الوقود قبل انتخابات التجديد النصفي

يقوم أحد العاملين بتزويد سيارة بالوقود في محطة بنزين ببرلين (رويترز)
يقوم أحد العاملين بتزويد سيارة بالوقود في محطة بنزين ببرلين (رويترز)
TT

واشنطن تضغط على أوروبا لسحب مخزونات الديزل... أو مواجهة حظر للصادرات

يقوم أحد العاملين بتزويد سيارة بالوقود في محطة بنزين ببرلين (رويترز)
يقوم أحد العاملين بتزويد سيارة بالوقود في محطة بنزين ببرلين (رويترز)

ضغطت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب على ألمانيا وفرنسا لسحب جزء من مخزونات الديزل الطارئة للمساعدة في زيادة المعروض العالمي وخفض أسعار الوقود، ملوّحة بإمكانية فرض حظر أميركي على صادرات الديزل إذا لم تستجب الدولتان، وفق ثلاثة مصادر مطلعة على المناقشات.

وطلبت الإدارة الأميركية من الاتحاد الأوروبي، وفق مصدر أوروبي، الإفراج عن نحو 120 مليون برميل من الديزل خلال الأشهر الستة المقبلة، في خطوة تعكس تصاعد الضغوط على أوروبا للمساهمة في تخفيف شح المنتجات النفطية المكررة في الأسواق العالمية.

وتجري المفوضية الأوروبية وفرنسا وإيطاليا وآيرلندا وبريطانيا، إلى جانب ألمانيا، مباحثات الخميس بشأن الحاجة المحتملة إلى الإفراج عن مخزونات الديزل، وفق مسؤول في الاتحاد الأوروبي.

وقال مسؤول أميركي إن من مصلحة أوروبا «العمل مع الولايات المتحدة» في مسارات متعددة لزيادة إمدادات المنتجات المكررة وخفض تكاليفها على المستهلكين.

ويأتي الضغط الأميركي في وقت تدرس فيه إدارة ترمب حظر صادرات الديزل الأميركية بهدف زيادة المعروض في السوق المحلية وخفض أسعار الوقود، مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر (تشرين الثاني).

وقال وزير الطاقة الأميركي كريس رايت، الأربعاء، إن الإدارة تتوقع صدور إعلانات أوروبية قريباً بشأن إمدادات إضافية من الديزل، مشيراً إلى أن الأسواق فقدت جزءاً من صادرات الديزل القادمة من الشرق الأوسط والصين.

وأضاف رايت أن بعض صادرات الديزل من الشرق الأوسط بدأت في العودة، لكن الاضطرابات الأخيرة أدت إلى فقدان كميات كبيرة من الإمدادات.

شخص يمسك بفوهة مضخة وقود في محطة بنزين ببرلين (رويترز)

ضغط على فرنسا وألمانيا

وتشعر الإدارة الأميركية بقلق خاص تجاه فرنسا وألمانيا، إذ ترى واشنطن أن البلدين لم ينفذا بالكامل تعهدات سابقة بالإفراج عن مخزونات الطوارئ من النفط والمنتجات النفطية، وفق ما أوردته «رويترز» في وقت سابق.

وقال مسؤول في قصر الإليزيه إن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لم يناقش المسألة مع ترمب خلال لقائهما على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك الأسبوع الماضي.

لكن المسؤول أوضح أن ماكرون سيعقد مؤتمراً عبر الفيديو مع قادة دول مجموعة السبع لبحث ارتفاع أسعار الوقود وتوفر المنتجات المكررة عالمياً، بما في ذلك تنسيق الإفراج عن الاحتياطيات بالتعاون مع وكالة الطاقة الدولية.

أوروبا تعتمد أكثر على الوقود الأميركي

وتزايد اعتماد أوروبا على الوقود الأميركي بعدما حظرت واردات النفط والمنتجات الروسية في أعقاب الحرب الروسية على أوكرانيا، في وقت أدت فيه الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران إلى تعطيل إمدادات من الشرق الأوسط.

ويأتي التحرك الأميركي في وقت تواجه فيه أسواق المنتجات المكررة ضغوطاً متزايدة نتيجة اضطرابات الإمدادات وتراجع بعض التدفقات من مناطق رئيسية، مما دفع واشنطن إلى البحث عن مصادر إضافية للمعروض خارج السوق الأميركية.


مقالات ذات صلة

نواب ديمقراطيون يدعون للتحقيق في إعلانات حكومية يظهر فيها ترمب

الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب (إ.ب.أ)

نواب ديمقراطيون يدعون للتحقيق في إعلانات حكومية يظهر فيها ترمب

طالب نائبان ديمقراطيان اليوم الخميس بإجراء تحقيقات مستقلة بشأن إعلانات تلفزيونية ممولة من أموال دافعي الضرائب يظهر فيها الرئيس الأميركي دونالد ترمب.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شؤون إقليمية الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض في واشنطن، الأربعاء (رويترز)

ترمب لا يستبعد تكثيف ضربات إيران بعد الانتخابات

قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب إن تكثيف الضربات على إيران «ممكن» بعد انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر (تشرين الثاني).

«الشرق الأوسط» (لندن-واشنطن)
الولايات المتحدة​ ترمب وماتشادو بُعيد تسليمها ميدالية جائزة «نوبل للسلام» له خلال اجتماعهما في واشنطن (البيت الأبيض)

خبراء: ترمب لن يفوز بجائزة نوبل هذا العام لكنه قد يؤثر على الاختيار

قال خبراء إن الرئيس الأميركي دونالد ترمب لن يفوز بجائزة نوبل للسلام هذا العام بسبب الحرب التي يشنها على إيران، لكن اللجنة التي تختار الفائز ستظل تشعر بتأثيره.

«الشرق الأوسط» (أوسلو)
أفريقيا طائرات تُستخدم لترحيل المهاجرين على مدرج مطار في ولاية تكساس الأميركية (أ.ب)

بوروندي توافق على استقبال أفراد من دول ثالثة ترحّلهم أميركا

‌وافقت بوروندي على الانضمام إلى مجموعة من الدول الأفريقية تستقبل مهاجرين ترحلهم الولايات المتحدة ويحملون ​جنسيات دول ثالثة.

«الشرق الأوسط» (بوغومبورا)
الولايات المتحدة​ صلاح صرصور رئيس الجمعية الإسلامية في ميلووكي يوم 18 يونيو 2026 (أ.ب)

قاضٍ أميركي يحكم بترحيل رئيس مسجد ميلووكي الفلسطيني

قضى ‌قاضي محكمة هجرة بأن الحكومة الأميركية يمكنها ترحيل الفلسطيني الأميركي صلاح صرصور، رئيس الجمعية الإسلامية في ميلووكي.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

«تينسنت» تستأجر 100 ألف رقاقة ذكاء اصطناعي من «أوراكل»

شعار شركة «تينسنت» على مقرها في مدينة شينزن الصينية (رويترز)
شعار شركة «تينسنت» على مقرها في مدينة شينزن الصينية (رويترز)
TT

«تينسنت» تستأجر 100 ألف رقاقة ذكاء اصطناعي من «أوراكل»

شعار شركة «تينسنت» على مقرها في مدينة شينزن الصينية (رويترز)
شعار شركة «تينسنت» على مقرها في مدينة شينزن الصينية (رويترز)

أبرمت شركة «تينسنت» الصينية اتفاقاً ضخماً مع «أوراكل» الأميركية لاستئجار قدرات حوسبة تعتمد على نحو 100 ألف رقاقة متقدمة للذكاء الاصطناعي غير متاحة داخل الصين، في خطوة تعكس تصاعد سباق شركات التكنولوجيا الصينية لتأمين القوة الحاسوبية اللازمة لتطوير نماذج الذكاء الاصطناعي، وسط تشديد القيود الأميركية على تصدير أشباه الموصلات المتطورة.

وذكرت صحيفة «فاينانشال تايمز»، في تقرير نقلاً عن أشخاص مطلعين على الأمر، أن الاتفاق يمثل أكبر صفقة استئجار خارجية تبرمها «تينسنت»، ويشمل استخدام مراكز بيانات متعددة تابعة لـ«أوراكل» في جنوب شرقي آسيا.

ووفق التقرير، فقد توصلت الشركتان خلال العام الحالي إلى اتفاق يمتد 5 سنوات، وتقدر قيمته بنحو 7 مليارات دولار، على أن تسدد «تينسنت» نحو 30 في المائة من قيمة الصفقة مقدماً؛ مما يعكس حجم التزام الشركة الصينية بتوسيع قدراتها الحاسوبية على المدى الطويل.

ولم تتمكن «رويترز» من التحقق بشكل مستقل من التقرير، كما لم ترد «أوراكل» و«تينسنت» فوراً على طلبات للتعليق.

وتسلط الصفقة الضوء على الزيادة الكبيرة في احتياجات «تينسنت» من قدرات الحوسبة، مع تكثيف استثماراتها في تطوير وتشغيل نماذج اللغة الكبيرة وغيرها من تطبيقات الذكاء الاصطناعي التي تتطلب أعداداً ضخمة من المعالجات المتقدمة.

ويتيح الاعتماد على مراكز بيانات «أوراكل» خارج الصين للشركة الصينية الوصول إلى بنية تحتية حاسوبية لا تتوافر لها بالسهولة نفسها في السوق المحلية، في ظل القيود الأميركية المتصاعدة على وصول الشركات الصينية إلى أحدث تقنيات الرقائق.

وأصبحت القدرة على تأمين المعالجات المتقدمة عاملاً حاسماً في المنافسة العالمية على الذكاء الاصطناعي، إذ تحتاج النماذج الأعلى تطوراً إلى مجموعات ضخمة من وحدات المعالجة لتدريبها وتشغيلها. ولذلك؛ تتسابق شركات التكنولوجيا الصينية على تأمين القدرات المتاحة في الخارج، بالتوازي مع زيادة الاعتماد على البدائل المحلية.

وتأتي الصفقة أيضاً في وقت توسع فيه «تينسنت» مجموعة منتجاتها المرتبطة بالذكاء الاصطناعي. وأطلقت الشركة أخيراً نسخة تجريبية من نموذج جديد لتوليد الصور موجهٍ إلى المستخدمين المحترفين، ويوفر إمكانات تشمل إنشاء الصور انطلاقاً من النصوص وتحويل الصور إلى صور جديدة.

ويمثل الاتفاق مع «أوراكل» مؤشراً على أن المنافسة لم تعد تقتصر على امتلاك الرقائق نفسها، بل امتدت إلى استئجار القدرة الحاسوبية من شركات الحوسبة السحابية ومراكز البيانات في الأسواق الخارجية.

وتواجه شركات التكنولوجيا الصينية معادلة متنامية التعقيد. فمن جهة؛ تحتاج إلى زيادة استثماراتها بسرعة لمواكبة التطور العالمي في نماذج الذكاء الاصطناعي، ومن جهة أخرى، أصبحت قدرتها على الحصول على أحدث الرقائق الأميركية أكبر تقييداً بفعل ضوابط التصدير التي تفرضها واشنطن.

وفي المقابل، تدفع بكين باتجاه تطوير بدائل محلية وتقليل الاعتماد على مزودي التكنولوجيا الأميركيين، في إطار استراتيجية أوسع لتحقيق قدر أكبر من الاكتفاء الذاتي في أشباه الموصلات والتقنيات المتقدمة.

وإذا تأكدت تفاصيل الصفقة، فإن قيمتَها البالغة 7 مليارات دولار، وحجمَها الذي يصل إلى نحو 100 ألف رقاقة، يبرزان حجم رأس المال المطلوب للمنافسة في الجيل الجديد من الذكاء الاصطناعي. كما تكشف أن القيود على توريد الرقائق إلى الصين تدفع بالشركات الكبرى إلى البحث عن ترتيبات جديدة للوصول إلى قوة الحوسبة خارج حدود البلاد.


انخفاض طلبات إعانة البطالة الأميركية الأسبوع الماضي

لافتة «نوظف الآن» تتضمن رمز استجابة سريعة بنافذة أحد المتاجر في أرلينغتون (رويترز)
لافتة «نوظف الآن» تتضمن رمز استجابة سريعة بنافذة أحد المتاجر في أرلينغتون (رويترز)
TT

انخفاض طلبات إعانة البطالة الأميركية الأسبوع الماضي

لافتة «نوظف الآن» تتضمن رمز استجابة سريعة بنافذة أحد المتاجر في أرلينغتون (رويترز)
لافتة «نوظف الآن» تتضمن رمز استجابة سريعة بنافذة أحد المتاجر في أرلينغتون (رويترز)

انخفضت الطلبات الجديدة للحصول على إعانات البطالة في الولايات المتحدة الأسبوع الماضي، كما تراجعت عمليات تسريح العمال في سبتمبر (أيلول)، في مؤشر على استمرار استقرار سوق العمل، رغم بقاء أصحاب العمل حذرين بشأن زيادة التوظيف.

وذكرت وزارة العمل يوم الخميس أن الطلبات الأولية للحصول على إعانات البطالة الحكومية انخفضت بمقدار ألف طلب إلى 197 ألف طلب، بعد التعديل الموسمي، خلال الأسبوع المنتهي في 26 سبتمبر. وكان خبراء اقتصاد استطلعت «رويترز» آراءهم قد توقعوا تسجيل 200 ألف طلب خلال الأسبوع.

وتقترب الطلبات من أدنى مستوياتها في 57 عاماً، رغم ازدياد الرياح المعاكسة الناجمة عن الحرب مع إيران، التي تدفع أسعار الطاقة إلى الارتفاع، فيما سجلت أسعار الديزل مستويات قياسية. وقال خبراء اقتصاد إن النمو القوي في أرباح الشركات وصمود الطلب المحلي يسهمان في حماية العمال من عمليات التسريح.

وأظهر تقرير منفصل صادر عن شركة «تشالنجر غراي آند كريسمس» المتخصصة في خدمات التوظيف وإعادة التأهيل المهني، أن عمليات التسريح المخطط لها من جانب أصحاب العمل في الولايات المتحدة انخفضت بنسبة 18 في المائة إلى 43.281 ألف عملية في سبتمبر. كما تراجعت عمليات إلغاء الوظائف المعلنة بنسبة 20 في المائة مقارنةً بالعام الماضي. ومنذ بداية العام، أعلن أصحاب العمل عن تسريح 573.195 ألف عامل، بانخفاض 39 في المائة مقارنةً بالأشهر التسعة الأولى من عام 2025. كما تراجعت عمليات إلغاء الوظائف المخطط لها بنسبة 43 في المائة في الربع الثالث.

ومع ذلك، لا يبدو أصحاب العمل في عجلة من أمرهم لزيادة أعداد الموظفين، إذ بلغت خطط التوظيف 90.787 وظيفة الشهر الماضي. ورغم أن هذا الرقم يمثل زيادة حادة مقارنةً بـ12.325 ألف وظيفة في أغسطس (آب)، فإن نيّات التوظيف انخفضت بنسبة 23 في المائة عن العام الماضي، مسجلةً أدنى مستوى لأي شهر سبتمبر منذ عام 2011.

وقالت «تشالنجر غراي آند كريسمس» إن الزيادة المعتادة في التوظيف الموسمي، التي تبدأ عادةً في سبتمبر، غابت هذه المرة.

وقال آندي تشالنجر، الرئيس التنفيذي للإيرادات في الشركة: «تمر الشركات حالياً بمرحلة ترقب وانتظار». وأضاف أن أصحاب العمل يواجهون تكاليف طاقة مرتفعة، وحالة من عدم اليقين بشأن حرب محتملة في إيران، وارتفاعاً في أسعار الفائدة قد يزيد تكلفة التوظيف، فضلاً عن احتمال ارتفاع تكاليف الرعاية الصحية.

وكان «الاحتياطي الفيدرالي» قد رفع الشهر الماضي سعر الفائدة القياسي على الإقراض لليلة واحدة بمقدار 25 نقطة أساس إلى نطاق يتراوح بين 3.75 و4 في المائة، في أول زيادة من نوعها منذ ثلاث سنوات، كما أشار إلى احتمال إجراء مزيد من الزيادات في تكاليف الاقتراض خلال الأشهر المقبلة.

وأظهر تقرير طلبات إعانة البطالة أن عدد الأشخاص الذين يتلقون الإعانات بعد الأسبوع الأول من المساعدة (وهو مؤشر يُستخدم لقياس وتيرة التوظيف) انخفض بمقدار 11 ألف شخص إلى 1.701 مليون شخص، بعد التعديل الموسمي، خلال الأسبوع المنتهي في 19 سبتمبر. ورغم أن ما تُعرف بـ«طلبات الإعانة المستمرة» تقع عند الحد الأدنى للنطاق المسجل هذا العام، فإن بعض من فقدوا وظائفهم يواجهون فترات بطالة طويلة.

في سياق متصل، أظهر مسح أجرته مؤسسة «كونفرنس بورد» يوم الثلاثاء، انخفاض نسبة المستهلكين الذين يرون أن فرص العمل «متوفرة بكثرة» في سبتمبر إلى أدنى مستوى لها منذ فبراير (شباط) 2021، في حين ارتفعت نسبة من يرون أن الحصول على وظيفة «صعب» إلى أعلى مستوى لها منذ أكثر من خمس سنوات ونصف.

ولا تؤثر بيانات طلبات الإعانة هذه في تقرير التوظيف لشهر سبتمبر، إذ تقع خارج الفترة الزمنية التي يغطيها المسح المستخدم لإعداد التقرير. وتشير توقعات الاقتصاديين في استطلاع أجرته «رويترز» إلى أن عدد الوظائف في القطاعات غير الزراعية ارتفع بنحو 90 ألف وظيفة الشهر الماضي، بعد زيادة بلغت 162 ألف وظيفة في أغسطس. ومن المتوقع أن يظل معدل البطالة ثابتاً عند 4.1 في المائة للشهر الثالث على التوالي، مع بقاء المخاطر مائلة نحو الارتفاع.


السعودية تدخل 2027 بتعافٍ قوي وتنوع أكبر في محركات النمو

المركز المالي في السعودية (واس)
المركز المالي في السعودية (واس)
TT

السعودية تدخل 2027 بتعافٍ قوي وتنوع أكبر في محركات النمو

المركز المالي في السعودية (واس)
المركز المالي في السعودية (واس)

تدخل المالية العامة السعودية عام 2027 من قاعدة مختلفة عن العام الحالي، مع توقعات بتعافي النمو بقوة بعد الانكماش المرتبط بتراجع إنتاج النفط، في وقت أظهر فيه الاقتصاد غير النفطي قدرة متزايدة على دعم النشاط وتخفيف أثر الصدمة النفطية. ويعكس بيان الميزانية التمهيدي استمرار الرهان على الإنفاق الاستثماري، وتنويع مصادر النمو، بالتوازي مع مسار يستهدف خفض العجز تدريجياً خلال السنوات المقبلة.

وتوقع البيان نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنسبة 12.8 في المائة 2027، بعد انكماش متوقع بنحو 3.6 في المائة خلال 2026، فيما يُقدّر العجز عند 3.6 في المائة من الناتج المحلي. وفي الوقت نفسه، يواصل القطاع غير النفطي توسيع إسهاماته في الاقتصاد، مدعوماً بتنامي الإيرادات غير النفطية، ودور القطاع الخاص والاستثمارات المرتبطة بالتحول الاقتصادي.

وقال مختصون لـ«الشرق الأوسط» إن هذه المؤشرات تعكس تحولاً تدريجياً في مصادر النمو والإيرادات، مع استمرار النفط في أداء دوره الرئيسي في المالية العامة والصادرات، لكن ضمن اقتصاد أصبحت لديه قاعدة أوسع من الأنشطة القادرة على توليد النمو والدخل.

وتوقعت السعودية إنفاقاً حكومياً بنحو 1.392 تريليون ريال (371 مليار دولار) في موازنة 2027، مقابل إيرادات عند 1.202 تريليون ريال (320.5 مليار دولار)؛ بحيث يتوقع أن يبلغ العجز ما قيمته 190 مليار ريال (50.5 مليار دولار) فيما يُقدّر عجز الموازنة بنحو 3.6 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي.

3 سيناريوهات للإيرادات

وتضمنت تقديرات موازنة 2027 ثلاثة سيناريوهات للإيرادات خلال الفترة من 2027 إلى 2029، مع تثبيت الإنفاق الحكومي عند نحو 1.392 تريليون ريال سنوياً، بما يعكس اختلاف النتائج المالية المحتملة تبعاً لمسار الإيرادات.

وحسب السيناريو الأساسي، تُقدّر الإيرادات عند 1.202 تريليون ريال، مقابل عجز يبلغ نحو 191 مليار ريال، فيما يفترض السيناريو المرتفع ارتفاع الإيرادات إلى 1.261 تريليون ريال، وتراجع العجز إلى نحو 132 مليار ريال. وفي المقابل، يفترض السيناريو المنخفض تراجع الإيرادات إلى 1.134 تريليون ريال، ليرتفع العجز إلى نحو 259 مليار ريال.

وتعكس هذه السيناريوهات اتساع نطاق الاحتمالات أمام المالية العامة، في ظل ارتباط جزء من الإيرادات بتطورات أسواق النفط والاقتصاد العالمي، مع استمرار الحكومة في التخطيط للإنفاق ضمن مستويات محددة. كما تُظهر قدرة السياسة المالية على استيعاب تفاوت الإيرادات، من خلال تغير مستوى العجز، بدلاً من ربط الإنفاق بالكامل بالتقلبات قصيرة الأجل في الإيرادات.

الإنفاق والعجز

قال أستاذ الاقتصاد المساعد في جامعة الملك فهد للبترول والمعادن، الدكتور عبد الله المير، إن استمرار الإنفاق عند مستويات مرتفعة رغم تسجيل عجز في موازنة 2027 يعكس توجهاً لاستخدام السياسة المالية لدعم النمو وتمويل التحول الهيكلي في الاقتصاد.

وأوضح أن العجز المقدر بنحو 3.6 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي يأتي، من وجهة نظره، ضمن سياسة مالية تسعى إلى الموازنة بين دعم النشاط الاقتصادي والحفاظ على الاستدامة المالية، مشيراً إلى أن تقييم مستوى العجز يرتبط بطبيعة الإنفاق الذي يموله.

وأضاف أن توجيه الإنفاق إلى مشروعات البنية التحتية والتنمية والتحول الاقتصادي يمكن أن يدعم النمو ويوسع قاعدة الأنشطة غير النفطية، في حين أن ارتفاع الإنفاق الجاري غير المنتج قد يزيد أعباء الدين وتكاليف التمويل ويضغط على الاحتياطيات.

وأشار المير إلى أن الدين العام في السعودية، وفق تقديراته، يدور حالياً بين 30 و33 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، مع استمرار الحكومة في استخدام أدوات التمويل المحلية والدولية، بما فيها الصكوك والسندات.

الإيرادات غير النفطية

ويرى المير أن التحول في هيكل الإيرادات يُمثل أحد المؤشرات المهمة على اتساع القاعدة الاقتصادية وانخفاض حساسية المالية العامة لتقلبات أسعار النفط، مشيراً إلى ارتفاع نسبة تغطية الإيرادات غير النفطية لإجمالي النفقات من نحو 17 في المائة خلال 2015 إلى نحو 36 في المائة 2025.

وقال إن هذا التحول تزامن مع توسع الاقتصاد السعودي ونمو إسهامات القطاع الخاص والاستثمارات، مدفوعاً باتساع الأنشطة غير النفطية في قطاعات تشمل البنية التحتية والسياحة والتحول الرقمي.

وأضاف أن الاستثمارات المرتبطة باستراتيجية الاستثمار الوطنية، وتوسع صندوق الاستثمارات العامة، وبرنامج المقرات الإقليمية، أسهمت في تنشيط القطاعات غير النفطية، مشيراً، وفق تقديراته، إلى استقطاب أكثر من 700 شركة عالمية لمقراتها الإقليمية في الرياض.

مخاطر خارجية

وحول المخاطر التي قد تواجه موازنة 2027، أشار المير إلى أن التطورات الجيوسياسية في المنطقة والعالم تظل من أبرز العوامل المؤثرة في أسواق النفط والسلع وحركة الشحن.

وأوضح أن تباطؤ الاقتصاد العالمي، بالتزامن مع ارتفاع أسعار الطاقة، قد ينعكس على الطلب على النفط السعودي والصادرات غير النفطية، في حين يمكن لاستمرار التضخم العالمي وارتفاع أسعار الفائدة أن يرفع تكاليف التمويل على القطاع الخاص.

ولفت كذلك إلى احتمال انتقال جزء من الضغوط التضخمية العالمية إلى الأسعار المحلية عبر ارتفاع تكاليف السلع والخدمات والشحن، مشيراً إلى أن التضخم في السعودية يُتوقع أن يبلغ 2.1 في المائة خلال 2026.

مؤشر الاقتصاد غير النفطي

ويرى المير أن نمو الناتج المحلي الحقيقي للأنشطة غير النفطية سيكون المؤشر الأهم لمتابعة أداء الاقتصاد السعودي خلال 2027، بوصفه مؤشراً على استمرار التنويع الاقتصادي وتراجع الاعتماد النسبي على النفط.

وأضاف أن نمو الأنشطة غير النفطية ينعكس على الإيرادات غير النفطية واستدامة المالية العامة وسوق العمل، إلى جانب مؤشرات أخرى تشمل التضخم، ونسبة تغطية الإيرادات غير النفطية للنفقات، والبطالة بين السعوديين، وإسهامات القطاع الخاص في الناتج المحلي ونسبة الدين إلى الناتج.

التحول الاقتصادي

من جهته، قال الدكتور والمستشار المالي حسين العطاس إن أرقام موازنة 2027 تكشف عن تركيز السياسة المالية على استدامة النمو الاقتصادي بالتوازي مع الاستدامة المالية، وليس فقط ضبط الإنفاق أو تقليص العجز.

وأوضح أن الموازنة تستهدف مواصلة الإنفاق على المشروعات والقطاعات الداعمة للتحول الاقتصادي، وتعزيز دور القطاع الخاص ورفع إسهامات الأنشطة غير النفطية، مع الحفاظ على مستويات إنفاق قادرة على دعم النمو والاستثمار.

ويرى العطاس أن ذلك يعكس انتقال السياسة المالية من التركيز على إدارة الإيرادات النفطية إلى إدارة اقتصاد أكثر تنوعاً، واستخدام المالية العامة بوصفها أداة لتمكين النمو المستدام.

المركز المالي في السعودية (واس)

نمو الإيرادات غير النفطية

وأشار العطاس إلى أن أبرز التحولات خلال العقد الماضي تمثّل في النمو الكبير للإيرادات غير النفطية، التي ارتفعت من نحو 166 مليار ريال في 2015 إلى نحو 505 مليارات ريال في 2025، عادّاً أن هذا النمو يعكس تحولاً هيكلياً في الاقتصاد، وليس مجرد زيادة مؤقتة في الإيرادات.

وأضاف أن توسع قاعدة الأنشطة الاقتصادية غير النفطية، إلى جانب تنامي دور القطاع الخاص والسياحة والخدمات والصناعة والتقنية والاستثمار، جعل الاقتصاد السعودي يمتلك قاعدة أوسع لتوليد النمو والإيرادات.

النفط لا يزال ركيزة

وحسب العطاس، فإن أبرز إنجاز اقتصادي بعد نحو عقد على إطلاق «رؤية 2030» يتمثل في انتقال التنويع الاقتصادي من مرحلة التخطيط والمبادرات إلى ظهور أثره الفعلي في الاقتصاد والمالية العامة، مشيراً إلى أن الإيرادات غير النفطية أصبحت مصدراً مهماً للمالية العامة.

ولفت إلى أن انخفاض حساسية الاقتصاد السعودي لتقلبات أسعار النفط لا يعني زوال تأثير الخام، إذ لا يزال مكوناً رئيسياً في الإيرادات والصادرات، ومن ثم يظل تغير الأسعار والإنتاج مؤثراً في المالية العامة.

لكنه أشار إلى أن الفارق اليوم يتمثل في اتساع الاقتصاد غير النفطي وقدرته على توليد النمو والإيرادات، ما يجعل الاقتصاد السعودي أكثر تعدداً في محركاته، مع بقاء النفط ركيزة أساسية.

وقال العطاس إن جوهر التحول الاقتصادي لا يتمثل في الاستغناء عن النفط، وإنما في بناء اقتصاد يستطيع مواصلة النمو والتوسع مع اختلاف ظروف السوق النفطية.