الحصار يخنق صادرات النفط الإيرانية وطهران تقترب من نفاد مخزونها العائم

29 مليون برميل فقط خارج القيود البحرية... والشحنات الجديدة عالقة

سفن تعبر مضيق هرمز قبالة سواحل مدينة بندر عباس الساحلية جنوب إيران في 5 سبتمبر (أ.ف.ب)
سفن تعبر مضيق هرمز قبالة سواحل مدينة بندر عباس الساحلية جنوب إيران في 5 سبتمبر (أ.ف.ب)
TT

الحصار يخنق صادرات النفط الإيرانية وطهران تقترب من نفاد مخزونها العائم

سفن تعبر مضيق هرمز قبالة سواحل مدينة بندر عباس الساحلية جنوب إيران في 5 سبتمبر (أ.ف.ب)
سفن تعبر مضيق هرمز قبالة سواحل مدينة بندر عباس الساحلية جنوب إيران في 5 سبتمبر (أ.ف.ب)

تقترب إيران من فقدان أحد أهم مصادر تدفق العملة الصعبة إلى اقتصادها، مع تراجع كميات النفط الإيراني الموجودة على متن الناقلات خارج نطاق الحصار البحري الأميركي إلى نحو 29 مليون برميل، مقابل نحو 90 مليون برميل في منتصف يوليو (تموز)، وفق بيانات شركة «كبلر» لتتبع السفن.

وبحسب تقرير لصحيفة «وول ستريت جورنال»، لم تعبر أي شحنات من الخام الإيراني خط الحصار منذ إعادة فرضه من جانب البحرية الأميركية في منتصف يوليو (تموز)، وفق بيانات شركة «كبلر» لتتبع السفن.

وتشير تقديرات الشركة إلى أن الكميات المتاحة حالياً قد تنفد خلال الشهر المقبل، في وقت لم تتمكن فيه أي شحنة نفط إيرانية من عبور خط الحصار منذ إعادة فرضه من جانب البحرية الأميركية في منتصف يوليو (تموز).

وتواصل إيران تحميل كميات محدودة من الخام على ناقلات داخل الخليج، إلا أن هذه الشحنات لا تستطيع الوصول إلى المشترين خارج المنطقة، ما يقلص تدريجياً قدرة طهران على تحويل صادرات النفط إلى إيرادات نقدية.

ويأتي ذلك بعد نحو ستة أشهر من الحرب، وفي وقت يواجه فيه الاقتصاد الإيراني ضغوطاً متزايدة مع تراجع قيمة الريال وارتفاع التضخم وانكماش النشاط الاقتصادي.

تاجر عملات يحمل أوراقاً نقدية من فئة 100 دولار في طهران (رويترز)

مخزون النفط على السفن يتراجع سريعاً

كانت إيران قد استفادت من فترة التهدئة التي أعقبت مذكرة تفاهم مع الولايات المتحدة في منتصف يونيو (حزيران)، والتي تضمنت توقف الحصار لعدة أسابيع، لنقل كميات كبيرة من النفط إلى خارج منطقة الخليج تمهيداً لتسليمها لاحقاً.

وتعتمد طهران حالياً على الإيرادات الناتجة عن تلك الشحنات، إلا أن هذا المخزون يتقلص بسرعة.

وتقدر «كبلر» أن عمليات التسليم الحالية تبلغ نحو مليون برميل يومياً، تذهب غالبيتها إلى الصين، وهو ما قد يؤدي إلى استنزاف النفط الإيراني الموجود على الناقلات بحلول منتصف أكتوبر (تشرين الأول).

كما يُرجح أن تتراجع المدفوعات المرتبطة بشحنات جرى تسليمها بالفعل بحلول منتصف ديسمبر (كانون الأول)، فيما قد تصبح عملية تحصيل تلك الأموال أكثر صعوبة نتيجة العقوبات الأميركية التي تستهدف البنوك والقنوات المالية التي تسهّل التعاملات الإيرانية.

وقال وزير النفط الإيراني محسن باك نجاد، الجمعة، إن عمليات بيع النفط وتسليمه إلى العملاء تمت «على بُعد آلاف الكيلومترات من الخليج وبحر عُمان»، في إشارة إلى اعتماد طهران على شحنات جرى نقلها خارج منطقة القيود.

صادرات جديدة محدودة

وتظهر بيانات «كبلر» مدى الانخفاض في نشاط تحميل النفط الإيراني. فقد بلغ متوسط الكميات التي حُمّلت على ناقلات داخل الخليج خلال أغسطس (آب) نحو 255 ألف برميل يومياً، أي أقل بنسبة 85 في المائة من متوسط الفترة بين فبراير (شباط) وأبريل (نيسان).

ولا تزال هذه الشحنات الجديدة داخل منطقة الحصار، ولم تصل إلى المشترين.

ويمثل النفط عادة نحو ثلث إيرادات الموازنة الإيرانية، كما يوفر دخلاً مباشراً يساعد الدولة على تمويل مؤسساتها وأجهزتها العسكرية.

وتقول وزارة الخزانة الأميركية إن القوات المسلحة الإيرانية، بما فيها «الحرس الثوري»، تعتمد على شركات مخصصة وشبكات من «أسطول الظل» لبيع النفط وتوفير موارد مالية إضافية.

ومع تقلص القدرة على تصدير الخام، لا تواجه إيران مشكلة في الإيرادات فقط، بل تواجه أيضاً خطر اضطرارها إلى خفض الإنتاج.

تخفيض الإنتاج لتفادي امتلاء الخزانات

لم ترتفع مخزونات النفط داخل إيران بصورة كبيرة رغم القيود المفروضة على التصدير، وهو ما يشير إلى أن المنتجين بدأوا خفض مستويات الإنتاج لتقترب من احتياجات الاستهلاك المحلي، بحسب هومایون فلاكشاهي، رئيس تحليل النفط الخام في «كبلر».

ويعكس ذلك احتمال تحقق السيناريو الذي توقعه محللون خلال مرحلة الحصار الأولى في الربيع، عندما حذروا من أن استمرار منع التصدير قد يجبر إيران على خفض الإنتاج حتى لا تصل منشآت التخزين إلى طاقتها الاستيعابية القصوى.

ولا توفر الطرق البرية بديلاً عملياً لصادرات النفط البحرية. ووفق فلاكشاهي، تستطيع إيران نقل ما لا يزيد على نحو 40 ألف برميل يومياً بالشاحنات، وهي كمية محدودة للغاية مقارنة بصادراتها قبل الحرب، التي كانت تقترب من مليوني برميل يومياً.

كما تفتقر البلاد إلى عدد كافٍ من عربات السكك الحديدية المخصصة لنقل الخام والمنتجات النفطية المكررة.

الصين تعوض جزءاً من الخام الإيراني

بدأ بعض المشترين الصينيين في الاتجاه بصورة أكبر إلى خامات من السعودية والعراق والإمارات، وفق مسؤولين في قطاع الطاقة.

ويعكس هذا التحول تغيراً في خيارات المصافي الآسيوية مع تقلص الإمدادات الإيرانية. وفي بعض الحالات أصبح الخام الإيراني أكثر تكلفة بالنسبة إلى المشترين نتيجة انخفاض المعروض، رغم المخاطر التي ترافق التعامل معه.

وفي المقابل، قدم العراق خصومات تقترب من 30 دولاراً للبرميل على بعض درجات الخام، في وقت كان خام برنت يتداول حول 97 دولاراً للبرميل الاثنين.

ولا تعني هذه التحولات أن الصين تخلت عن النفط الإيراني، لكنها تشير إلى أن استمرار القيود يدفع المشترين إلى تنويع مصادر الإمداد، خصوصاً من المنتجين الخليجيين.

ضغوط تتجاوز النفط

تمتد تداعيات القيود البحرية إلى قطاع البتروكيماويات، الذي يمثل ثاني أكبر مصدر لإيران للعملة الأجنبية بعد النفط.

وتعتمد شركات البتروكيميائيات الإيرانية أيضاً بدرجة كبيرة على الشحن البحري، وقد تراجعت عمليات تحميل منتجاتها بنحو الثلثين في أغسطس مقارنة ببداية العام، وفق تقديرات «كبلر».

وفي المقابل، تمكن منتجو النفط الخليجيون الآخرون من المحافظة على تدفق كميات كبيرة من الخام، مستفيدين من مسارات بديلة للممر البحري.

وهذا الفارق يضع إيران في وضع أكثر صعوبة، إذ تعتمد بدرجة أكبر على النقل البحري المباشر لتسويق صادراتها.

نسخ من صحيفتي «همشهري» و«جام جم» الإيرانيتين تحمل صورة الرئيس الأميركي دونالد ترمب وعنواناً باللغة الفارسية: «بندقية العقوبات الفارغة» (إ.ب.أ)

الريال والتضخم في دائرة الضغط

تنعكس أزمة الصادرات على قدرة طهران على الحصول على الدولار والعملات الأجنبية اللازمة لتمويل الواردات، بما في ذلك المواد الخام التي تحتاج إليها المصانع.

ومع ارتفاع تكلفة الواردات نتيجة ضعف العملة، يزداد الضغط التضخمي، في وقت تجاوز فيه معدل التضخم الرسمي في إيران 80 في المائة على أساس سنوي.

وقال هَمَد حسين، الاقتصادي لدى «كابيتال إيكونوميكس»، إن الريال الإيراني فقد نحو 15 في المائة من قيمته أمام الدولار منذ إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب حملة الضغط الاقتصادي في أغسطس.

ويتوقع صندوق النقد الدولي انكماش الاقتصاد الإيراني بنسبة 5.4 في المائة خلال العام الحالي، وهو ما سيكون أسوأ أداء للاقتصاد الإيراني منذ ثمانينات القرن الماضي.

التجارة مستمرة لكن بتكلفة أعلى

ولم تتوقف التجارة الإيرانية بالكامل رغم الضغوط. فقد صدرت البلاد قرابة 15 مليار دولار من السلع غير النفطية بين منتصف مارس (آذار) ومنتصف أغسطس، وفق وسائل إعلام إيرانية، وإن كانت القيمة أقل من مستويات العام السابق.

لكن القيود طالت أحد أهم الممرات التجارية لإيران، بعدما توقفت إلى حد كبير التجارة الرسمية عبر الإمارات، عقب إعلان أبوظبي الشهر الماضي تعليق المعاملات المالية والاقتصادية مع طهران، وفق مسؤولين مطلعين على الأمر.

ولا تزال بعض الأنشطة التجارية تمر عبر شركات وشبكات غير رسمية، بينما تتحول أجزاء أخرى من التجارة إلى طرق عبر تركيا والعراق وعُمان وباكستان.

إلا أن تغيير المسارات يضيف وقتاً وتكاليف إلى عمليات الاستيراد والتصدير، ما يزيد الأعباء على الاقتصاد الإيراني.

هل تنجح استراتيجية الضغط؟

تضع هذه التطورات استراتيجية واشنطن للضغط الاقتصادي على إيران أمام اختبار مهم. فالإدارة الأميركية تراهن على أن تراجع عائدات النفط وارتفاع تكلفة التجارة سيزيدان الضغوط على طهران ويدفعانها إلى تقديم تنازلات.

لكن التأثير الاقتصادي لا يعني بالضرورة تغيير الموقف السياسي أو العسكري.

وقال حسين إن المسار المقبل سيتوقف بدرجة كبيرة على مقدار الألم الاقتصادي الذي يكون النظام الإيراني مستعداً لتحمله في سبيل تحقيق أهدافه العسكرية والجيوسياسية.

كما ترى إيلي جيرنمايه، مسؤولة شؤون إيران في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، أن العقوبات سيكون لها تأثير كبير في الأسر الإيرانية، لكنها تشكك في أن يؤدي ذلك وحده إلى دفع طهران إلى الاستسلام على طاولة المفاوضات.

وقالت إن المعطيات المتاحة تشير إلى أن النظام الإيراني «من المرجح أن يقاوم».

حركة المرور تسير على طول أحد الشوارع في حين ترسو سفينة تجارية في مضيق هرمز قبالة بندر عباس في إيران (أ.ب)

أزمة السيولة تقترب من مرحلة جديدة

وبينما لا تزال طهران قادرة على تحقيق إيرادات من النفط الذي نُقل إلى خارج منطقة الحصار خلال فترة التهدئة، فإن حجم هذا المخزون يتراجع بسرعة.

ومع انخفاضه إلى نحو 29 مليون برميل، وتراجع عمليات التحميل الجديدة، تواجه إيران خلال الأسابيع المقبلة اختباراً أكثر صعوبة في الحفاظ على تدفق النقد الأجنبي.

وإذا استمر معدل التسليم الحالي، فقد ينفد النفط الموجود على الناقلات خارج الحصار بحلول منتصف أكتوبر، وفق تقديرات «كبلر».

وعندها لن يكون التحدي أمام طهران هو مجرد بيع كميات أقل من النفط، بل الحفاظ على تدفق العملة الصعبة إلى اقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على صادرات الطاقة، في وقت تتزايد فيه تكلفة الواردات ويتراجع فيه سعر العملة ويشتد التضخم.

وتشير هذه التطورات إلى أن تأثير الحصار انتقل من تعطيل حركة الصادرات إلى الضغط على الإنتاج والإيرادات والعملة والتجارة في آن واحد، ما يضع الاقتصاد الإيراني أمام مرحلة أكثر صعوبة إذا استمرت القيود البحرية.


مقالات ذات صلة

بريطانيا توسع عقوبات إيران إلى السفن والطيران

شؤون إقليمية بريطانيا توسع عقوبات إيران إلى السفن والطيران

بريطانيا توسع عقوبات إيران إلى السفن والطيران

أصدرت بريطانيا، الثلاثاء، تشريعاً يفرض عقوبات أشد على إيران، ويوسع القيود التجارية والصلاحيات المتعلقة باستهداف السفن، ضمن إجراءات قالت الحكومة إنها تستهدف كبح

«الشرق الأوسط» ( لندن)
المشرق العربي سيارات متوقفة أمام معهد لغات في طهران في 7 سبتمبر 2026... دعت بغداد طهران لتوفير الظروف الملائمة لأمن وسلامة طلبة ومواطني العراق في إيران (أ.ف.ب)

العراق يدعو إيران لضمان حماية وسلامة أمن طلّابه الدارسين في جامعاتها

دعت الخارجية العراقية، طهران، إلى توفير الظُرُوف المُلائِمة التي تكفل أمن وسلامة الطلبة والمُواطِنين العراقيّين في إيران، وضمان عدم تكرار الاعتداء عليهم.

«الشرق الأوسط» (بغداد)
شؤون إقليمية سائقون يصطفون أمام محطة وقود للتزود بالبنزين في طهران الثلاثاء (أ.ف.ب)

إيران تضاعف سعر البنزين الحر وسط ضغوط الحرب

أعلنت الحكومة الإيرانية، الأحد، مضاعفة سعر البنزين المبيع خارج الحصص المدعومة إلى 10 آلاف تومان للتر اعتباراً من فجر الثلاثاء.

«الشرق الأوسط» (لندن-طهران)
شؤون إقليمية حمائم قرب لوحة مناهضة للولايات المتحدة تحمل صورة الرئيس الأميركي دونالد ترمب جنوب طهران 24 أغسطس 2026 (إ.ب.أ) p-circle

طهران تنشئ «مقر الحرب الاقتصادية» لمواجهة الخناق الأميركي

أنشأت وزارة الاقتصاد الإيرانية «مقراً للحرب الاقتصادية» لتسريع معالجة تداعيات الحرب والعقوبات والحصار الأميركي، مع تصاعد الضغوط على صادرات النفط.

«الشرق الأوسط» (لندن - واشنطن - طهران)
شؤون إقليمية سفن تعبر مضيق هرمز قبالة شاطئ بندر عباس في إيران 5 سبتمبر 2026 (رويترز)

ورقة «هرمز» تتآكل مع اشتداد الخناق الأميركي على طهران

بعد ستة أشهر من صراع هز الأسواق ودفع الخليج إلى حافة حرب أوسع، ربما بدأ ميزان المواجهة يميل ضد إيران، مع شن واشنطن هجوماً اقتصادياً غير مسبوق.

«الشرق الأوسط» (لندن)

موازنة لبنان تتجنّب العجز الاسمي... ولا تحقّق الانتظام المالي

وسط بيروت (أ.ف.ب)
وسط بيروت (أ.ف.ب)
TT

موازنة لبنان تتجنّب العجز الاسمي... ولا تحقّق الانتظام المالي

وسط بيروت (أ.ف.ب)
وسط بيروت (أ.ف.ب)

​كرّس التزام وزارة المال، للعام الثاني على التوالي، بإعداد مشروع قانون الموازنة العامة ضمن المهلة الدستورية قبل بداية شهر سبتمبر (أيلول) الحالي، وبدء مناقشته في مجلس الوزراء، مبدأ الانتظام القانوني، من دون القدرة على التزام الإصلاحات الهيكلية في إدارة المالية العامة، ريثما تتضح الصيغة النهائية التي ستعتمدها الحكومة لمشروع قانون الاستقرار المالي واسترداد الودائع.

وتُشكِّل المندرجات التي سترد في قانون «الفجوة»، المرتكز الأساسي لتحديد خريطة الطريق الإجرائية والزمنية لإصلاحات هيكلية شاملة في القطاع المالي، وبدء سريان قانون إصلاح أوضاع المصارف، وصولاً إلى إعادة هيكلة الدين العام، بما يشمل خصوصاً سندات الدين الدولية، وتحديد دور الدولة وحصتها في توزيعات خسائر الانهيارات المالية والنقدية، والمقدّرة بعد السداد الجزئي للودائع، وعمليات الحسم المطروحة، بما يتراوح بين 50 و55 مليار دولار.

ولا تبدو «الرحلة» التشريعية لمشروع القانون الارتكازي، سهلة المنال، حسب مسؤول مالي معني، لا من حيث مضامينها ولا في مهلتها الزمنية، في ظل اعتراضات وملاحظات تتناول بعض المواد الأساسية، وترتبط خصوصاً، بتوزيع مسؤوليات «الفجوة»، وآليات إيفاء حقوق المودعين نقداً وبالسندات الآجلة، ومساهمة الدولة، وتحديد طبيعة ومصير توظيفات المصارف لدى مصرف لبنان. بينما تظهر، بالتوازي، اختلافات الرؤى والمقاربات، بين الجهات المعنيّة المعترضة، لا سيما صندوق النقد الدولي، والبنك المركزي، وجمعية المصارف.

ويزيد في تعقيدات المسار التشريعي، التأييد غير المضمر للانتقادات المتنوعة من قبل كتل نيابية وازنة، وعدد من النواب المستقلين، مما يرجِّح طول إقامة مشروع القانون في اللجان النيابية، بدءاً من لجنة «المال والموازنة»، وهو ما يتطابق مع توقع حاكم البنك المركزي، كريم سعيد، بتعذر إقراره قبل 6 إلى 8 أشهر، متوقعاً أن «تصبح الصيغة المتوافق عليها أمام المجلس النيابي بنهاية شهر سبتمبر الحالي»، ومؤكداً وجود «ملاحظات عليه من مصرف لبنان»، فضلاً عن ملاحظات «شديدة» من صندوق النقد.

ويؤكد وزير المال، ياسين جابر، أن «إصلاح الموازنة ليس إصلاحاً تقنياً فحسب، بل هو جزء أساسي من إعادة بناء الدولة وقدرتها على التخطيط والتنفيذ وتحقيق النتائج»، مبيناً أن «الاستجابة للأزمات تتطلب، في ظلِّ استمرار عدم الاستقرار، انضباطاً مالياً صارماً وأولوية واضحة للإنفاق، والاستعداد للتعافي والعمل على المحركات الاستراتيجية للنهوض فور توافر الظروف الملائمة».

وأشار إلى أن دور وزارة المالية هو وضع الإطار المالي، وتحديد القيود والإمكانات المتاحة، وضمان الانضباط المالي الكلي والاستدامة المالية، والتأكد من أن الخيارات والسياسات تنسجم مع الموارد المتاحة والأهداف العامة للحكومة، ومن هنا يأتي دور الإطار المالي متوسط الأجل، والذي «يحدِّد السقف المالي الذي يجب أن تتحرك ضمنه السياسات الحكومية، وبسقوف واضحة للوزارات والقطاعات، وربط الموارد بالأولويات بكفاءة، وضمانة الاستخدام الأفضل للموارد».

البنك المركزي اللبناني في بيروت (رويترز)

المشروع... بالأرقام

رقمياً، يظهر مشروع قانون موازنة العام المقبل، المرفوع من وزير المال، إلى الحكومة، توازناً «نظرياً» بين الإيرادات الحكوميّة والنفقات عند نحو 6.9 مليار دولار، أي نحو 615 تريليون ليرة، وبزيادة نسبتها 14.2 في المائة عن أرقام قانون موازنة العام الحالي. في حين تظل التوقعات على إيجابيتها، بإمكانية تحقيق فوائض أولية لا تقل عن 500 مليون دولار، بفضل زيادات ضريبية والتشدد في جباية موارد الخزينة.

وتُشكِّل مخصصات القطاع العام أكثر من 53 في المائة من النفقات في مشروع الموازنة، تتقدمها التقديمات الاجتماعيّة، بنسبة نحو 29 في المائة من الإجمالي، تضاف إلى المتوقّعة ببند الرواتب وملحقاتها التي تحوز نسبة نحو 15 في المائة. في حين جرى تخصيص النفقات الاستثماريّة بنسبة نحو 11 في المائة من الإجمالي، والأعباء الإدارية لتشغيل مؤسسات الحكومة بنحو 9 في المائة، وتم إدراج الباقي تحت بند «نفقات مختلفة».

وزير المال ياسين جابر مشاركاً في جلسة لوزراء المالية ومحافظي المصارف المركزية خلال اجتماعات الربيع (الصندوق)

عزل بند خدمة الدين العام

ومن الواضح، استمرار عزل بند خدمة الدين العام، باستثناء ما يتعلق بمتوجبات اشتراكات وأقساط عائدة لمؤسسات إقليمية ودولية لا تحتمل «العزل»، ريثما تتضح مرتكزات استعادة الانتظام المالي وبدء التفاوض مع حاملي السندات السيادية (اليوروبوندز)، بينما برز إيجابياً الاستمرار بتنفيذ قرار عدم لحظ أي تمويل لصالح مؤسسة الكهرباء، والتي شكَّل إقراضها «السخي» أحد العوامل الأساسية لأزمة المالية العامة. مع التنويه بتواصل التقنين القاسي للغاية بالكهرباء، وتكبّد المستهلكين والشركات أكلافاً جسيمة، جراء ارتفاع سعر الديزل أويل، للتزود بالتيار من المولدات الخاصة.

الإيرادات الضريبية

وفي باب الواردات، لحظ مشروع الموازنة مساهمة كبيرة جداً بنسبة نحو 86 في المائة من الإجمالي للإيرادات الضريبيّة، والباقي من إيرادات غير ضريبيّة، ما يستدعي التنبيه من تعميق العجوزات المعيشية لمعظم الشرائح الاجتماعية، حيث تشير المسوحات الميدانية إلى ارتفاع الحد الأدنى لإنفاق الأسرة العادية إلى نحو 1200 دولار شهرياً، بينما تتدنى متوسطات معظم المداخيل في القطاعين العام والخاص عن الألف الواحد، ويستهلك الارتفاع المستمر في فواتير الكهرباء والمحروقات والتضخم العام الذي يشمل سائر بنود الإنفاق، كامل القدرات الشرائية.

وتُشكِّل الضرائب على السلع والخدمات الحصّة الأكبر بنسبة تتعدى 52 في المائة من إجمالي الإيرادات، بينما ترتقب أن تشكّل الرسوم على التجارة الدوليّة نحو 11 في المائة. في حين تشمل الإيرادات غير الضريبيّة إيرادات المؤسّسات المملوكة من الدولة مثل الموانئ، والمطار، وقطاع الاتصالات وغيرها. بينما أدخل مشروع القانون بنداً جديداً يمنح المقيمين في مهلة 6 أشهر من تاريخ نشر مشروع القانون، للتصريح وتسديد الضريبة على الإيرادات على اختلاف أنواعها التي يحصلون عليها من الخارج، ولم يصرّحوا عنها، دون فرض أيّ غرامة تحقّق أو تحصيل.


السعودية والصين لتوسيع شراكات القطاع الخاص عبر توطين القدرات ونقل المعرفة

مساعد وزير الاستثمار السعودي يتحدث إلى الحضور في «معرض الصين الدولي للاستثمار والتجارة لعام 2026» (واس)
مساعد وزير الاستثمار السعودي يتحدث إلى الحضور في «معرض الصين الدولي للاستثمار والتجارة لعام 2026» (واس)
TT

السعودية والصين لتوسيع شراكات القطاع الخاص عبر توطين القدرات ونقل المعرفة

مساعد وزير الاستثمار السعودي يتحدث إلى الحضور في «معرض الصين الدولي للاستثمار والتجارة لعام 2026» (واس)
مساعد وزير الاستثمار السعودي يتحدث إلى الحضور في «معرض الصين الدولي للاستثمار والتجارة لعام 2026» (واس)

أكد مساعد وزير الاستثمار السعودي، المهندس إبراهيم المبارك، أهمية اتساع نطاق الاستثمار وتنوعه بين الرياض وبكين، ليشمل قطاعات وفرصاً جديدة، ويؤسس لشراكات أعمق بين شركات البلدين، تقوم على الاستثمار المشترك، وتوطين القدرات، ونقل المعرفة والتقنية، وبناء سلاسل قيمة أكثر تكاملاً، متطلعاً إلى حضور أوسع للاستثمارات السعودية في الصين، امتداداً لما حققته شركات وطنية رائدة من حضور في مجالات متعددة، كالطاقة والبتروكيماويات وغيرها من القطاعات ذات الأولوية للبلدين.

ونيابةً عن وزير الاستثمار فهد آل سيف، ألقى مساعد وزير الاستثمار المهندس إبراهيم المبارك في مدينة شيامن بالصين اليوم، كلمة المملكة في «معرض الصين الدولي للاستثمار والتجارة 2026».

وأوضح أن مشاركة المملكة ضيف شرف في «معرض الصين الدولي للاستثمار والتجارة لعام 2026» تأتي انعكاساً لما وصلت إليه العلاقات بين البلدين من عُمق، وما تحمله من إمكاناتٍ للمستقبل.

وبحسب المبارك، فإنَّ المملكة تؤكد أهمية توسيع الحضور الاستثماري في الصين، وتعزيز التكامل الاقتصادي والاستثماري بين البلدين، عبر بناء صناعات جديدة، وتطوير سلاسل إمدادٍ أكثر تنوعاً ومرونة، وتوطين قدراتٍ وتقنياتٍ جديدة، والانطلاق من المملكة إلى أسواقٍ أوسع.

وبيَّن أن العلاقات بين المملكة والصين تطورت بدعمٍ واهتمامٍ من قيادتَي البلدين، إلى شراكةٍ استراتيجيةٍ شاملة، وتمثل المواءمة بين «رؤية 2030» و«مبادرة الحزام والطريق» أساساً مهماً للانتقال بها إلى آفاقٍ أوسع، مفيداً أن بكين هي الشريك التجاري الأول للرياض، والسعودية أكبر شريكٍ تجاريٍّ للصين في منطقة الشرق الأوسط.

وكشف المبارك عن بلوغ حجم التبادل التجاري بين البلدين نحو 115 مليار دولار في العام الماضي، مؤكداً أن هذه الأرقام لا تمثل الطموح للمستقبل كون المرحلة المقبلة هي مرحلة تعميق الاستثمار، وتوسيع التعاون الصناعي والتقني، وبناء قيمة اقتصادية أكبر للبلدين.

وقال: «المملكة تدخل هذا العام المرحلة الثالثة والأخيرة من رحلة رؤية السعودية 2030، فبعد بناء الأُسُس وإطلاق الإصلاحات وتسريع التنفيذ، تتجه المملكة اليوم إلى تعظيم الأثر الاقتصادي، وتوسيع الفرص، وتعميق دور الاستثمار والقطاع الخاص، وقد وصلت مساهمة الأنشطة غير النفطية إلى 55 في المائة من الناتج المحلي الحقيقي في العام الماضي، عند مستوى قياسي، في انعكاسٍ لاتساع قاعدة الاقتصاد السعودي والفرص المتاحة أمام المستثمرين والشركاء».

ويرى أن الشراكة المتبادلة بين البلدين في اتساع وتنوع، مبيناً أن رصيد الاستثمارات الصينية في المملكة بلغ نحو 40 مليار ريال في العام الماضي، بارتفاع بلغ 27 في المائة مقارنةً بعام 2024، بينما تعمل في المملكة أكثر من 1900 شركة صينية، من بينها 43 اتخذت من السعودية مقراً إقليمياً لأعمالها.

وتطرق إلى الفرص الواسعة بين البلدين في الصناعة المتقدمة، والطاقة، والتقنية والذكاء الاصطناعي، والخدمات اللوجستية، وسلاسل الإمداد، والاقتصاد الرقمي.

وأبان أن الشراكة بين البلدين لا تقتصر على الاقتصاد والاستثمار، بل تمتد إلى روابط ثقافية وتعليمية متنامية بين الشعبين، وقد أدرجت المملكة تعليم اللغة الصينية في مدارس التعليم العام، إيماناً بأن اللغة ليست أداةً للتواصل فحسب، بل جسرٌ لفهم الثقافات، وتقريب الشعوب، وبناء شراكاتٍ أكثر عمقاً واستدامة.


«المركزي الأسترالي» يناقش رفع الفائدة وسط استمرار ضغوط التضخم

مشاة يسيرون أمام مبنى البنك المركزي الأسترالي وسط سيدني (رويترز)
مشاة يسيرون أمام مبنى البنك المركزي الأسترالي وسط سيدني (رويترز)
TT

«المركزي الأسترالي» يناقش رفع الفائدة وسط استمرار ضغوط التضخم

مشاة يسيرون أمام مبنى البنك المركزي الأسترالي وسط سيدني (رويترز)
مشاة يسيرون أمام مبنى البنك المركزي الأسترالي وسط سيدني (رويترز)

قال نائب محافظ البنك المركزي الأسترالي، الثلاثاء، إن البنك المركزي سيناقش مبررات رفع أسعار الفائدة خلال اجتماعه للسياسة النقدية هذا الشهر، مشيراً إلى أن التضخم لا يزال مرتفعاً، وأن المخاطر ما زالت تميل إلى الاتجاه الصعودي.

وقال أندرو هاوزر، في مقابلة مع هيئة الإذاعة الأسترالية، إنه أصبح أكثر قلقاً بشأن التضخم بعدما اطلع خلال زيارة حديثة إلى الولايات المتحدة على تأثير مراكز البيانات، وفق «رويترز».

وأوضح هاوزر أن السؤال الرئيسي الذي يواجه صانعي السياسة يتمثّل فيما إذا كانت الزيادات الثلاث في أسعار الفائدة التي أُقرت حتى الآن هذا العام كافية لاحتواء التضخم، أم أن هناك حاجة إلى مزيد من الإجراءات.

وأضاف أن مجلس البنك سيناقش مبررات رفع أسعار الفائدة خلال اجتماعه المقبل المقرر يومي 28 و29 سبتمبر (أيلول).

ورداً على سؤال عما إذا كان رفع الفائدة «حتمياً»، قال هاوزر: «يمكنني أن أخبركم اليوم بما أعتقد أنني قد أرغب في فعله، لكن هناك تسعة أشخاص يصوتون على القرار، ولذلك سيكون من الجنون أن تأخذوا بنصيحتي».

وتشير تسعيرات الأسواق حالياً إلى احتمال بنسبة 68 في المائة لرفع أسعار الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس إلى 4.60 في المائة في 29 سبتمبر، بعدما جاءت بيانات التضخم لشهر يوليو (تموز) أعلى من المتوقع. كما تشير التسعيرات إلى احتمال بنسبة 60 في المائة لوصول أسعار الفائدة إلى 4.85 في المائة العام المقبل.

وقال هاوزر إن البنك المركزي لم يصل بعد إلى مرحلة تستدعي رفع أسعار الفائدة بشكل حاد لإعادة التضخم إلى نطاقه المستهدف بين 2 و3 في المائة، لكنه أشار إلى أن استمرار تجاوز التضخم للمستهدف لفترة طويلة قد يتطلّب في نهاية المطاف استجابة أقوى من السياسة النقدية.

وأضاف: «ظل التضخم أعلى من المستهدف لفترة طويلة، وفي مرحلة ما سيتعيّن علينا القول إن هذه المدة أصبحت طويلة بما يكفي. وسنرفع أسعار الفائدة إلى مستويات أعلى مما كنا سنحتاج إليه في الظروف العادية، لكننا لم نصل إلى تلك المرحلة بعد».