البنوك المركزية الأوروبية تخشى مزيداً من الاضطرابات في العلاقات المتوترة مع واشنطن

عبرت عن مخاوفها من تدخل سياسي يهدد أدوات الاستقرار المالي

رئيس «الاحتياطي الفيدرالي» كيفين وارش برفقة محافظ بنك كندا تيف ماكليم ومحافظ بنك إنجلترا أندرو بيلي خلال ندوة «جاكسون هول» (رويترز)
رئيس «الاحتياطي الفيدرالي» كيفين وارش برفقة محافظ بنك كندا تيف ماكليم ومحافظ بنك إنجلترا أندرو بيلي خلال ندوة «جاكسون هول» (رويترز)
TT

البنوك المركزية الأوروبية تخشى مزيداً من الاضطرابات في العلاقات المتوترة مع واشنطن

رئيس «الاحتياطي الفيدرالي» كيفين وارش برفقة محافظ بنك كندا تيف ماكليم ومحافظ بنك إنجلترا أندرو بيلي خلال ندوة «جاكسون هول» (رويترز)
رئيس «الاحتياطي الفيدرالي» كيفين وارش برفقة محافظ بنك كندا تيف ماكليم ومحافظ بنك إنجلترا أندرو بيلي خلال ندوة «جاكسون هول» (رويترز)

يغادر محافظو البنوك المركزية الأوروبية اجتماعهم السنوي مع نظرائهم الأميركيين وهم بعيدون عن الاطمئنان إلى استمرار القواعد الراسخة للتعاون العالمي، ويخشون مزيداً من الاضطرابات في علاقة متوترة بالفعل مع واشنطن، وفقاً لمصادر مطلعة على المناقشات.

وبذل مسؤولو مجلس «الاحتياطي الفيدرالي» الأميركي جهوداً كبيرة هذا الأسبوع لتهدئة مخاوف نظرائهم، مؤكدين التزامهم بجميع التعهدات التي قطعوها.

لكن، في ظل الفصل المؤسسي بين البنك المركزي والإدارة الأميركية، لم يتمكن المسؤولون من تقديم ضمانات تحول دون تغييرات مفاجئة في السياسة من جانب الرئيس دونالد ترمب، وفقاً لأكثر من نصف دزينة من المسؤولين الذين تحدثوا على هامش ندوة جاكسون هول الاقتصادية السنوية التي ينظمها بنك الاحتياطي الفيدرالي في كانساس سيتي.

وقال المسؤولون، الذين طلبوا عدم الكشف عن هوياتهم لـ«رويترز»، إن تدخلات وزارة الخزانة الأميركية الأخيرة لدعم الين الياباني وخفض تكاليف الاقتراض الأميركية طويلة الأجل أثارت قلقاً خاصاً، لأنها تنذر بمزيد من التدخلات والخروج على القواعد المتعارف عليها.

وبعد عملية التدخل في سوق الين في الأول من أغسطس (آب)، أكَّد وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت أن الوزارة باعت اليورو مقابل العملة اليابانية، وقال إنه طمأن البنوك المركزية في المنطقة إلى أن الخطوة لم تكن سوى «إعادة تخصيص للموارد». وقال الجمعة إن أصول النقد الأجنبي المستخدمة لشراء الين جاءت من صندوق استقرار سعر الصرف التابع لوزارة الخزانة.

لكن المسؤولين الأوروبيين كانوا مستائين بصورة خاصة من عدم قيام الولايات المتحدة بإخطارهم مسبقاً، وفقاً للأعراف المتبعة، بأن بيع اليورو سيكون جزءاً من العملية.

وقال أحد المصادر: «كان ذلك مثيراً للغضب. فأنت دائماً ترفع الهاتف وتبلغهم مسبقاً».

وأضاف: «الرسالة بالنسبة لي هي أن الولايات المتحدة تفعل ما تريده».

وكان آخرون أكثر تسامحاً، وقالوا إن العملية كانت غير اعتيادية إلى درجة قد تجعل عدم الإخطار المسبق مجرد سهو غير مقصود.

ورفض متحدثون باسم البنك المركزي الأوروبي ومجلس «الاحتياطي الفيدرالي» التعليق.

وقال مسؤول أميركي إن التدخل الأميركي الياباني استهدف مواجهة التحركات غير المنظمة في سعر الين ودعم استقرار الأسواق المالية العالمية.

وأضاف المسؤول: «لم يكن موجهاً ضد أي طرف آخر»، مشيراً إلى أن وزارة الخزانة تحافظ على اتصالات وثيقة ومستمرة مع نظرائها الدوليين، لكنها لا تعلق على التفاصيل التشغيلية لتلك المناقشات.

مخاوف بشأن إعادة شراء السندات

وقالت المصادر إن خطة بيسنت لزيادة عمليات إعادة شراء السندات طويلة الأجل، وهي معاملات قد تحتاج إلى تمويل من خلال إصدار مزيد من أدوات الدين قصيرة الأجل، أثارت أيضاً قلق محافظي البنوك المركزية الأوروبية، لأنها، على غرار شراء الين، تشير إلى استعداد الإدارة الأميركية لاتخاذ إجراءات غير تقليدية للحد من تكاليف الاقتراض.

وقال مصدر ثانٍ: «عادة ما توفر هذه التدخلات انفراجاً مؤقتاً فقط. لكنهم قلقون بوضوح. فما الخطوة التالية؟ هل سيمارسون ضغوطاً على «الاحتياطي الفيدرالي» لبدء شراء السندات من السوق؟».

ومع أن «الاحتياطي الفيدرالي» هو الجهة الوحيدة المسؤولة عن وضع السياسة النقدية الأميركية، وقد صُمم استقلاله عن الإدارة المنتخبة لهذا الغرض، قالت المصادر إن ترمب أظهر استعداده للذهاب إلى أبعد الحدود لتحقيق أهدافه.

ويتمثل القلق في أن يؤدي ذلك إلى اضطرابات في الأسواق تتجاوز الولايات المتحدة بكثير.

ورد المسؤول الأميركي بالتأكيد على تصريحات سابقة مفادها أن زيادة عمليات إعادة شراء السندات طويلة الأجل تستهدف توفير سيولة أكبر في القطاعات الأطول أجلاً، حيث تتلقى وزارة الخزانة عروضاً عالية الجودة لإعادة الشراء.

وقال المسؤول: «إنها ليست سياسة نقدية، وليست محاولة لفرض سقف على أسعار الفائدة».

لكن مسؤولاً في وزارة الخزانة الأميركية قال للصحافيين الخميس إن الوزارة «تركز فعلاً على خفض عوائد السندات طويلة الأجل»، بعدما ارتفعت إلى مستويات تعتبرها الوزارة أعلى من «القيمة العادلة».

هل تتعرض خطوط مبادلة العملات للخطر؟

تتمثل إحدى المخاوف الأخرى لدى الأوروبيين في احتمال أن يمتد التدخل السياسي مستقبلاً إلى خطوط مبادلة السيولة بالدولار، التي يوفرها «الاحتياطي الفيدرالي» لأكبر البنوك المركزية في العالم، والتي تُعد أحد أعمدة الاستقرار المالي العالمي، وفقاً لبعض المصادر.

وتضمن خطوط المبادلة هذه استمرار حصول البنوك التجارية حول العالم على الدولار الأميركي، خصوصاً في أوقات الضغوط المالية.

ويجدد «الاحتياطي الفيدرالي» هذه التسهيلات عاماً بعد عام، انطلاقاً من أنها تحمي المصالح والأسواق الأميركية، إذ إن البنوك الأجنبية قد تضطر، خلال اضطرابات الأسواق العالمية، إلى بيع السندات الأميركية بكثافة إذا لم تتوفر لها السيولة بالدولار.

وقال مصدر ثالث: «لكن العقلانية لا تسود دائماً مع هذه الإدارة. فعندما تنتهج سياسات تجارية انتقامية مع أقرب حلفائها، قد يقول ترمب ببساطة: قد يستغلوننا، ويمكن أن تختفي خطوط المبادلة بين عشية وضحاها».

وأكدت المصادر أنه لا توجد حتى الآن أي إشارة إلى أن هذه التسهيلات مهددة، وأنها لا تزال تتوقع استمرارها من دون تغيير.

وتخضع خطوط المبادلة لموافقة اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة نفسها، وتدار حصراً من جانب «الاحتياطي الفيدرالي»، وليس من جانب الإدارة الأميركية.

وقال مسؤول وزارة الخزانة: «القرارات المتعلقة بتسهيلات (الاحتياطي الفيدرالي) وترتيبات خطوط المبادلة تقع ضمن اختصاص (الاحتياطي الفيدرالي). ولا يشير أي شيء أعلنته وزارة الخزانة بشأن عمليات الين أو إعادة شراء السندات إلى خلاف ذلك».

وأضاف المسؤول أن بيسنت يتطلع إلى مناقشة قضايا الاستقرار المالي مع وزراء مالية مجموعة العشرين ومحافظي البنوك المركزية خلال الأيام المقبلة في أشفيل بولاية نورث كارولاينا، في إطار السعي إلى دفع أجندة الإدارة الأميركية المتعلقة بعزل إيران، وتعزيز النمو، وخفض الاختلالات العالمية.

وارش يسعى إلى تعزيز العلاقات مع أوروبا

وسافر رئيس مجلس «الاحتياطي الفيدرالي» كيفين وارش إلى أوروبا بعد أكثر بقليل من شهر على توليه منصبه، وبذل جهوداً واضحة لتعزيز العلاقات مع المسؤولين الأوروبيين، تاركاً انطباعاً إيجابياً إلى حد كبير، وفقاً للمصادر.

وفي أول مشاركة له في ندوة «جاكسون هول» بصفته رئيساً لـ«الاحتياطي الفيدرالي»، ظهر وارش أيضاً في الصورة التقليدية للمؤتمر إلى جانب محافظ بنك كندا تيف ماكليم، في لفتة صغيرة لكنها تظل ذات دلالة، خصوصاً في ظل انخراط ترمب حالياً في حرب تجارية متصاعدة وحادة مع كندا.


مقالات ذات صلة

تشديد السياسة النقدية يخيّم على البنوك المركزية الكبرى وسط صدمات الطاقة

الاقتصاد مبنى البنك الاحتياطي الفيدرالي في واشنطن (رويترز)

تشديد السياسة النقدية يخيّم على البنوك المركزية الكبرى وسط صدمات الطاقة

تتجه البنوك المركزية الكبرى نحو تشديد السياسة النقدية، مع إعادة «الاحتياطي الفيدرالي» توجيه سياسته نحو موقف أكثر تشدداً، الأربعاء.

«الشرق الأوسط» (عواصم)
الاقتصاد متسوقون يسيرون في شارع أكسفورد في لندن (رويترز)

مبيعات التجزئة البريطانية ترتفع بشكل مفاجئ في أغسطس

أظهرت بيانات رسمية ارتفاع مبيعات التجزئة البريطانية بشكل مفاجئ بنسبة 0.5 في المائة في أغسطس (آب)، رغم أحدث قفزة في أسعار الوقود الناجمة عن استئناف الحرب.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد سواهاسيل نازارا يشير بيده أثناء إلقائه كلمته خلال جلسة إحاطة بشأن الموازنة في وزارة المالية في جاكرتا (رويترز)

وزير المالية الإندونيسي الجديد يبقي توقعات عجز الموازنة لعام 2026 دون تغيير

أكد وزير المالية الإندونيسي المعين حديثاً، في أول مؤتمر صحافي له يوم الجمعة، التزامه باستمرارية السياسة المالية.

«الشرق الأوسط» (جاكرتا)
الاقتصاد متداولون يمرون أمام شاشة تعرض مؤشر «كوسبي» في غرفة تداول العملات الأجنبية بمقر بنك «هانا» في سيول (أ.ب)

الأسهم الآسيوية تنتعش مع تراجع أسعار النفط

ارتفعت الأسهم الآسيوية يوم الجمعة بدعم من انخفاض أسعار النفط، في حين واصل المستثمرون تقييم جهود البنوك المركزية العالمية لمواجهة التضخم.

«الشرق الأوسط» (سنغافورة)
الاقتصاد الناس يمرّون أمام مبنى «بنك إنجلترا» في لندن (رويترز)

«بنك إنجلترا» يبقي الفائدة عند 3.75 % وسط تحذيرات من رفعها مجدداً

حذّر «بنك إنجلترا» من أنَّ التضخم في المملكة المتحدة قد يتجاوز 4 في المائة مطلع العام المقبل، مع تصاعد مخاطر استمرار ارتفاع أسعار الطاقة.

«الشرق الأوسط» (لندن)

تراجع أسهم الخليج وسط تصاعد التوتر الإقليمي

رجلان يتحدثان أمام إحدى شاشات الأسهم في السوق السعودية (رويترز)
رجلان يتحدثان أمام إحدى شاشات الأسهم في السوق السعودية (رويترز)
TT

تراجع أسهم الخليج وسط تصاعد التوتر الإقليمي

رجلان يتحدثان أمام إحدى شاشات الأسهم في السوق السعودية (رويترز)
رجلان يتحدثان أمام إحدى شاشات الأسهم في السوق السعودية (رويترز)

افتتحت أسواق الأسهم الخليجية على انخفاض، يوم الأحد، مع تراجع المؤشر السعودي بنحو 0.5 في المائة، بعد تصعيد الحوثيين باتجاه العاصمة السعودية، الرياض.

وتراجع سهم «أرامكو السعودية» 0.6 في المائة، بينما انخفض سهم «البنك الأهلي السعودي»، أكبر البنوك السعودية من حيث الأصول، بنحو 0.5 في المائة.

وجاءت التحركات في السوق بعد إصدار السلطات تحذيرات من مخاطر محتملة في محيط العاصمة، بينما أفادت «رويترز» برؤية ألسنة لهب ودخان كثيف بالقرب من المطار الرئيسي في الرياض.

وامتد التراجع إلى أسواق خليجية أخرى؛ إذ انخفض المؤشر الرئيسي في قطر 0.9 في المائة، متأثراً خصوصاً بهبوط سهم «صناعات قطر» للبتروكيماويات 3.7 في المائة.

وتأتي التطورات في ظلِّ اتساع رقعة المواجهة الإقليمية التي اندلعت عقب الضربات الأميركية والإسرائيلية على إيران في أواخر فبراير (شباط).

وفي سياق دبلوماسي متصل، قالت 3 مصادر إيرانية مطلعة إن الصين حثت طهران بشكل غير معلن على المساعدة في كبح جماح الحوثيين، وذلك بعد طلب سعودي من بكين بالتدخل لدى إيران في هذا الشأن.


النفط يبحث عن سفن... شح الناقلات يقلب حسابات تجارة الخام

ناقلة نفط عملاقة تابعة لشركة «هين ليونغ» في المياه قبالة جزيرة جورونغ بسنغافورة (رويترز)
ناقلة نفط عملاقة تابعة لشركة «هين ليونغ» في المياه قبالة جزيرة جورونغ بسنغافورة (رويترز)
TT

النفط يبحث عن سفن... شح الناقلات يقلب حسابات تجارة الخام

ناقلة نفط عملاقة تابعة لشركة «هين ليونغ» في المياه قبالة جزيرة جورونغ بسنغافورة (رويترز)
ناقلة نفط عملاقة تابعة لشركة «هين ليونغ» في المياه قبالة جزيرة جورونغ بسنغافورة (رويترز)

لم يعد السؤال في سوق النفط العالمية يقتصر على مكان العثور على البرميل، بل بات يتسع إلى سؤال أكثر تكلفة: كيف سيصل هذا البرميل إلى المصفاة؟ وكم ستبلغ فاتورة نقله؟

فبعد أشهر من الحرب التي عطلت حركة النفط عبر مضيق «هرمز»، وأعادت توجيه الإمدادات بين مناطق الإنتاج والاستهلاك، ظهرت أزمة جديدة في سوق الطاقة: شح الناقلات العملاقة القادرة على نقل الخام لمسافات طويلة. ومع ارتفاع الطلب على الرحلات البحرية الأطول، قفزت أسعار الشحن إلى مستويات قياسية، وأصبحت بعض مسارات تجارة الخام أقل جدوى اقتصادياً.

وتقول «بلومبرغ» إن نقل شحنة من هيوستن إلى آسيا يضيف حالياً نحو 26 دولاراً للبرميل إلى تكلفة إمداد أكبر منطقة مستوردة للخام في العالم، أي ما يعادل نحو 52 مليون دولار للشحنة الواحدة. وتقترب تكلفة النقل بذلك من رُبع سعر خام غرب تكساس الوسيط، بعدما كانت تمثل جزءاً صغيراً من قيمة الشحنة قبل الحرب.

وفي المسار القياسي لنقل الخام من الخليج إلى الصين، تجاوزت عوائد ناقلات الخام العملاقة «VLCC» حاجز 1.2 مليون دولار يومياً، بينما سجَّلت تكلفة استئجار ناقلة نفط على المسار نفسه أكثر من مليون دولار يومياً في وقت سابق من الشهر، للمرة الأولى على الإطلاق، وفق بيانات «بلومبرغ» وبورصة البلطيق.

سفن وناقلات في مضيق «هرمز» قبالة ساحل مسندم بعمان (رويترز)

سباق على الناقلات

المفارقة أن أزمة الشحن الحالية تحدث بالتزامن مع طفرة غير مسبوقة في طلب الناقلات الجديدة.

فبحسب «رويترز»، جرى طلب أكثر من 217 ناقلة «VLCC» منذ بداية 2026، مقارنة بـ93 ناقلة خلال العام الماضي، في موجة استثمارات تتجاوز 20 مليار دولار وتعد الأكبر منذ 25 عاماً على الأقل. والناقلة الواحدة من هذه الفئة تستطيع حمل نحو مليونَي برميل من الخام.

لكن هذه الطلبات لا تقدِّم حلاً سريعاً للاختناق الحالي. فالسفن الجديدة يجري تسليم بعضها في 2029 و2030، بينما تحتاج السوق إلى الناقلات الآن. وفي الوقت نفسه، يبلغ عمر نحو 20 في المائة من أسطول «VLCC» العالمي أكثر من 20 عاماً، ما يزيد الحاجة إلى إحلال السفن القديمة وتجديد الأسطول.

وتشير بيانات الصناعة إلى أن ارتفاع الطلب أصبح حاداً إلى درجة أن شراء ناقلة عمرها 10 سنوات بات، في بعض الحالات، أكثر تكلفة من طلب ناقلة جديدة.

وهكذا تواجه السوق مفارقةً لافتةً: الطلب على السفن الجديدة يعكس ثقة في استمرار تجارة النفط لمسافات طويلة، لكنه لا يحل نقص السفن المتاحة في الأجل القصير.

الحرب أطالت الرحلة... وقلّصت الأسطول المتاح

أعادت الحرب رسم مسارات تجارة الخام. فالسفن التي تنقل النفط من الخليج باتت تحتاج إلى وقت أطول، سواء بسبب تجنب مضيق «هرمز»، أو بسبب عمليات نقل الشحنات بين ناقلات خارج المضيق، بينما تسلك ناقلات أخرى طرقاً أطول حول أفريقيا.

وتشير بيانات تتبع السفن إلى أن حركة التجارة عبر «هرمز» ظلت عند مستويات شديدة الانخفاض. ففي 18 سبتمبر (أيلول) عبرت 4 سفن للسلع المضيق، مقارنة بمتوسط 10 أيام بلغ 16 سفينة، وفق بيانات أولية من «كبلر». وقبل ذلك بيوم واحد، عبرت 3 سفن فقط، مقابل متوسط 17 سفينة خلال 10 أيام، وفق «رويترز».

ولا يعني انخفاض عدد السفن أن النفط توقف بالكامل، إذ لجأت بعض الناقلات إلى مسارات غير معلنة أو أوقفت أجهزة التعريف الخاصة بها، كما توسعت عمليات نقل الشحنات بين السفن خارج المضيق.

لكن النتيجة الاقتصادية واحدة: كلما استغرقت الناقلة وقتاً أطول لإيصال شحنتها، قلّ عدد الرحلات التي يستطيع الأسطول العالمي تنفيذها في الفترة نفسها.

وهذا يحول اضطراب الممرات البحرية إلى أزمة في «الطاقة الفعلية» لأسطول الناقلات، حتى من دون انخفاض عدد السفن الموجودة في العالم.

سفن وناقلات في مضيق «هرمز» قبالة ساحل مسندم بعمان (رويترز)

«هرمز» يعيد توزيع البراميل

وتدفع هذه التطورات المشترين إلى البحث عن خام أقرب إلى مصافيهم.

فقد تراجعت تدفقات الخام الأميركي إلى آسيا خلال الأسابيع الأخيرة مع تضاعف تكاليف الشحن تقريباً، بينما لجأت إحدى المصافي اليابانية إلى شراء خام ألاسكا، رغم أنه أقل ملاءمة عادة لمصافيها؛ بسبب قصر المسافة البحرية.

وفي أوروبا ظهرت الفوارق بصورة أكثر وضوحاً. ففي الوقت الذي اقترب فيه خام برنت الآجل من 110 دولارات للبرميل خلال الأسبوع، تجاوز سعر خام «داتد برنت» الفعلي 131 دولاراً، مع تنافس المشترين على الشحنات القريبة، بينما تواجه المصافي الأوروبية نقصاً في الإمدادات المقبلة من الشرق الأوسط.

وهذا يخلق سوقاً للنفط تحدد فيه المسافة والممر البحري الآمن قيمة البرميل بقدر ما تحددها جودته ومصدره.

وتظهر الفوارق السعرية بين الخامات بالفعل اتساعاً كبيراً؛ إذ أصبحت بعض الخامات العالقة خلف الاختناقات اللوجستية تباع بخصومات حادة، بينما تحصل الخامات القادرة على الوصول إلى الأسواق بسهولة على علاوات كبيرة.

رهان على تجارة نفط أطول

ولا تعكس طفرة طلب الناقلات مجرد استجابة مؤقتة للحرب. فالمالكون يراهنون أيضاً على تغير طويل الأجل في خريطة تجارة النفط. ومع زيادة إنتاج البرازيل وغويانا والأرجنتين، يصبح حوض الأطلسي مصدراً أكثر أهمية للمشترين في أوروبا وآسيا، ما يعني رحلات أطول واستخداماً أكبر للناقلات العملاقة.

وتتوقع بيانات الصناعة أن يضيف إنتاج شرق أميركا الجنوبية نحو 2.5 مليون برميل يومياً حتى 2030، ما قد يعزِّز تدفقات الخام إلى الأسواق الأوروبية والآسيوية ويدعم تجارة المسافات الطويلة.

وهذا يفسر لماذا تستمر شركات الشحن في طلب ناقلات جديدة رغم ارتفاع أسعارها وطول فترات التسليم.

ناقلات نفط في مرفأ البصرة (رويترز)

البرميل الذي لا يصل هو المشكلة الجديدة

لكن ارتفاع أسعار الشحن قد يحمل في النهاية آلية لتصحيح نفسه. فإذا أصبحت تكلفة نقل البرميل لمسافة طويلة مرتفعة إلى حد يلتهم هامش التكرير، سيتوقف بعض المشترين عن تلك الشحنات، ويتجهون إلى مصادر أقرب، ما يؤدي إلى إغلاق بعض مسارات التجارة التي كانت مربحة سابقاً.

وهذا ما يفسر تراجع بعض شحنات الخام الأنغولي المتجهة إلى الصين، رغم استمرار الطلب الآسيوي على النفط.

كما أن ارتفاع تكلفة النقل ينتقل في النهاية إلى أسعار الوقود. فقد حذرت السوق من أن ارتفاع الشحن، إلى جانب ارتفاع أسعار وقود السفن، يضيف طبقة جديدة من الضغوط على تكلفة إمدادات الديزل والبنزين في وقت تعاني فيه أسواق المنتجات النفطية بالفعل من ضيق المعروض.

وبالتالي، فإن أزمة الناقلات قد تصبح حلقة إضافية في سلسلة التضخم النفطي: الحرب تعطل الممرات، والممرات تطيل الرحلات، والرحلات الأطول تستنزف الأسطول، ونقص السفن يرفع أجور الشحن، وارتفاع الشحن يعيد تحديد مصدر البرميل الذي يستطيع المشتري تحمله.

وإذا استمرت هذه الظروف، فقد لا يكون الأثر الأهم للحرب هو كمية النفط التي خرجت من السوق، وإنما إعادة تشكيل الطريقة التي ينتقل بها النفط الموجود بالفعل من المنتج إلى المستهلك.


«أنابيب الشرق» توقع عقداً مع «أرامكو» بتكلفة تتجاوز 205.6 مليون دولار

أحد مصانع «أنابيب الشرق» في السعودية (الشركة)
أحد مصانع «أنابيب الشرق» في السعودية (الشركة)
TT

«أنابيب الشرق» توقع عقداً مع «أرامكو» بتكلفة تتجاوز 205.6 مليون دولار

أحد مصانع «أنابيب الشرق» في السعودية (الشركة)
أحد مصانع «أنابيب الشرق» في السعودية (الشركة)

أعلنت شركة أنابيب الشرق المتكاملة للصناعة، توقيع عقد مع شركة «أرامكو السعودية» بقيمة تتجاوز 771 مليون ريال (205.6 مليون دولار)، شاملة ضريبة القيمة المضافة.

ويتضمَّن العقد تنفيذ أعمال تصنيع وتوريد أنابيب الصلب لصالح شركة «أرامكو». وأوضحت الشركة أن الاتفاقية جرت ترسيتها وتوقيعها اليوم، 20 سبتمبر (أيلول) 2026، وتمتد مدة تنفيذ العقد إلى 6 أشهر.

وأكدت «أنابيب الشرق» عدم وجود أطراف ذات علاقة في هذا العقد، مشيرة إلى أن الأثر المالي سيبدأ في الظهور على النتائج المالية للشركة اعتباراً من الرُّبع الرابع من السنة المالية الحالية 2026 - 2027 وحتى الرُّبع الأول من السنة المالية 2027 - 2028.