ترمب يهدد بقطع التجارة مع إسبانيا... ما حجم التداعيات الاقتصادية المحتملة؟

التبادل بين البلدين بلغ 47.9 مليار دولار خلال 2025

دونالد ترمب يلوّح بيده لدى وصوله على متن الطائرة الرئاسية «إير فورس وان» إلى قاعدة أندروز المشتركة في ماريلاند يوم 9 يوليو 2026 (أ.ب)
دونالد ترمب يلوّح بيده لدى وصوله على متن الطائرة الرئاسية «إير فورس وان» إلى قاعدة أندروز المشتركة في ماريلاند يوم 9 يوليو 2026 (أ.ب)
TT

ترمب يهدد بقطع التجارة مع إسبانيا... ما حجم التداعيات الاقتصادية المحتملة؟

دونالد ترمب يلوّح بيده لدى وصوله على متن الطائرة الرئاسية «إير فورس وان» إلى قاعدة أندروز المشتركة في ماريلاند يوم 9 يوليو 2026 (أ.ب)
دونالد ترمب يلوّح بيده لدى وصوله على متن الطائرة الرئاسية «إير فورس وان» إلى قاعدة أندروز المشتركة في ماريلاند يوم 9 يوليو 2026 (أ.ب)

أصدر الرئيس الأميركي دونالد ترمب يوم الأربعاء أمراً بفرض حظر تجاري على إسبانيا، مطالباً وزير الخزانة سكوت بيسنت بـ«قطع كل التجارة... بما في ذلك الزيارات» مع البلاد، وسط تصاعد التوترات بشأن الإنفاق الدفاعي.

وقال مسؤول أميركي لوكالة «رويترز» إن وزارة الخزانة ووزارة التجارة ومكتب الممثل التجاري الأميركي سيعملون على تقديم «قائمة بالمنتجات الإسبانية التي يمكن فرض حظر عليها خلال الأيام المقبلة». وتشير هذه التصريحات إلى أن الحظر التجاري المحتمل قد يكون جزئياً وليس شاملاً.

وفيما يلي نظرة على الخيارات المتاحة أمام ترمب لوقف التجارة مع إسبانيا، والتداعيات المحتملة لمثل هذه الخطوة.

- ما الصلاحيات التي يملكها الرئيس الأميركي لفرض حظر تجاري؟

يقول محامو التجارة إن قانون الصلاحيات الاقتصادية الطارئة الدولية (IEEPA) لا يزال متاحاً أمام ترمب لفرض حظر تجاري أو عقوبات اقتصادية على دولةٍ ما، رغم قرار المحكمة العليا الأميركية في فبراير (شباط) ضد استخدام ترمب القانون نفسه لفرض رسوم جمركية.

وللاستناد إلى قانون «IEEPA» يتعين على ترمب إعلان حالة طوارئ وطنية بشأن «تهديد غير عادي أو استثنائي» للأمن القومي الأميركي أو السياسة الخارجية أو الاقتصاد.

واستُخدم هذا القانون على نطاق واسع لفرض قيود تجارية على إيران وروسيا وكوريا الشمالية، ولمنع التعاملات القائمة على الدولار مع آلاف الشركات والأفراد والكيانات التي اعتُبرت تهديدات مرتبطة بالإرهاب أو الأمن القومي.

وقال بيتر شاين، أستاذ القانون في جامعة نيويورك، إنه «من الصعب رؤية» كيف يمكن اعتبار عدم تحقيق إحدى دول «حلف شمال الأطلسي» الـ32 هدف الإنفاق الدفاعي في وقت السلم بفارق ثلاث نقاط مئوية من الناتج المحلي الإجمالي حالة طوارئ بالنسبة للولايات المتحدة. لكن المحكمة العليا لم تصدر حكماً بشأن طبيعة حالة الطوارئ التي أعلنها ترمب لتبرير الرسوم الجمركية، ما يعني أن قدرته على إعلان حالة طوارئ وطنية «لم تتأثر»، وفقاً لما قاله مايور باتيل، المستشار التجاري الجمهوري السابق في لجنة المالية بمجلس الشيوخ الأميركي.

وأضاف باتيل، الذي يعمل حالياً شريكاً تجارياً في شركة «هوغان لوفيلز» للمحاماة في واشنطن: «يسمح قانون (IEEPA) لترمب بفرض حظر تجاري»، حتى لو طُعن فيه لاحقاً أمام المحاكم.

منظر عام لمحطة شحن في ميناء برشلونة (رويترز)

- إلى أي مدى سيؤثر الحظر التجاري على التجارة؟

بلغ إجمالي التجارة الثنائية في السلع بين الولايات المتحدة وإسبانيا 47.9 مليار دولار في عام 2025، وفقاً لبيانات مكتب الإحصاء الأميركي.

ومع إضافة الخدمات، بما في ذلك السفر، يرتفع إجمالي التجارة إلى 74.5 مليار دولار، وفقاً لبيانات مكتب التحليل الاقتصادي التابع لوزارة التجارة الأميركية، ما يجعل إسبانيا الشريك التجاري الأميركي الثالث والعشرين من حيث الحجم الإجمالي.

وتبيع الولايات المتحدة لإسبانيا من السلع أكثر مما تشتري منها؛ إذ بلغت صادراتها إلى إسبانيا 26.6 مليار دولار في عام 2025، مقابل واردات بقيمة 21.35 مليار دولار، ما حقق فائضاً تجارياً أميركياً قدره 5.25 مليار دولار.

وتشمل أبرز فئات الواردات الأميركية من إسبانيا، وفقاً لبيانات مكتب الإحصاء الأميركي، المنتجات الدوائية، والمحولات الكهربائية ومحوّلات الطاقة، ومنتجات العناية الشخصية، والمنتجات النفطية، والسيراميك المطلي، وزيت الزيتون.

أما أبرز الصادرات الأميركية إلى إسبانيا فتشمل المنتجات الدوائية، والنفط الخام، والطائرات المدنية، والذرة.

وقد يؤدي الحظر التجاري أيضاً إلى تعطيل الاستثمارات الثنائية. فقد استثمرت الشركات الإسبانية 97.2 مليار يورو (111 مليار دولار) في الولايات المتحدة، ما يجعلها أكبر وجهة استثمارية لها عالمياً، وفقاً لبيانات «يوروستات» التي نقلتها غرفة التجارة الأميركية في إسبانيا.

وتُعد الولايات المتحدة أكبر مستثمر أجنبي في إسبانيا، باستثمارات إنتاجية تتجاوز 116 مليار يورو (132.4 مليار دولار)، توفر وظائف لنحو 200 ألف شخص في مختلف أنحاء البلاد.

- ماذا سيحدث للسفر من وإلى إسبانيا؟

لا يزال من غير الواضح كيف يمكن لترمب تقييد سفر الإسبان إلى الولايات المتحدة، حيث يخوض منتخب كرة القدم الإسباني مباراة في كأس العالم يوم الجمعة. لكن إدارته فرضت العام الماضي حظراً على دخول مواطني أكثر من 30 دولة إلى الولايات المتحدة، بمن في ذلك السياح والطلاب والمسافرون لأغراض الأعمال، بدعوى وجود مخاوف أمنية.

كما لم يوضح ترمب ما إذا كان أي حظر سفر محتمل سيشمل الزوار الأميركيين المتجهين إلى إسبانيا، حيث يُعد إنفاقهم هناك بمنزلة واردات خدمية للولايات المتحدة.

ووفقاً لمعهد الإحصاء الوطني الإسباني، زار نحو 4.45 مليون أميركي إسبانيا لأكثر من يوم واحد في عام 2025، بزيادة 4.3 في المائة مقارنة بعام 2024.

وشكّل الأميركيون نحو 4.6 في المائة من إجمالي زوار إسبانيا البالغ عددهم 96.8 مليون زائر في عام 2026، ليكونوا سادس أكبر مصدر للسياح بعد بريطانيا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا وهولندا. لكن وفقاً لبيانات بنك إسبانيا، كان المسافرون الأميركيون رابع أكبر مصدر لعائدات السياحة في البلاد؛ إذ أنفقوا 6.15 مليار يورو في عام 2024. وقال البنك إن الأميركيين يميلون إلى الإقامة لفترات أطول، وإنفاق مبالغ أكبر في كل رحلة مقارنة بالسياح الآخرين.

- ما الخيارات المتاحة بخلاف فرض حظر شامل؟

قال باتيل إن ترمب يمكنه، بموجب قانون «IEEPA»، فرض حظر انتقائي، كما فعل هو وسلفه جو بايدن ضد روسيا، بحيث يُسمح بدخول بعض السلع التي تُعتبر ضرورية.

وفي حالة روسيا، تشمل هذه السلع اليورانيوم المخصب والأسمدة والبلاديوم.

وسبق لترمب أن أعفى قطع غيار الطائرات من الرسوم الجمركية التي فرضها، ولذلك قد تكون مكونات توربينات محركات الطائرات التي تنتجها شركة «آي تي ​​بي أيرو» الإسبانية لصالح شركتَي «جنرال إلكتريك» و«برات آند ويتني» التابعة لـ«آر تي إكس» من بين السلع المحتملة للإعفاء.

كما يمتلك ترمب أدوات أخرى لفرض رسوم جمركية أو إجراءات تجارية انتقامية، بما في ذلك المادة 301 من قانون التجارة لعام 1974، وهي أداة خاصة بالممارسات التجارية غير العادلة، تستخدمها إدارته حالياً لاقتراح رسوم مرتبطة بالعمل القسري على سلع من 60 شريكاً تجارياً، من بينهم الاتحاد الأوروبي.

إضافة إلى ذلك، يمتلك ترمب قانوناً تجارياً يعود إلى حقبة الحرب الباردة، وهو المادة 232 من قانون توسيع التجارة لعام 1962، والذي استخدمه لحماية قطاعات السيارات والصلب والألمنيوم وغيرها من القطاعات التي يعتبرها مهمة للأمن القومي.

ويتمثل أحد التعقيدات في أي إجراء تجاري محتمل ضد إسبانيا في أن الاتحاد الأوروبي هو الجهة المسؤولة عن السياسة التجارية للدول الأعضاء، ويفرض معاملة موحدة لجميع دول التكتل. لكن الولايات المتحدة سبق أن هددت دولاً أوروبية منفردة بفرض رسوم بسبب ضرائب الخدمات الرقمية.

كما يمكن لوزارة التجارة الأميركية استهداف واردات إسبانية محددة عبر تحقيقات تتعلق بمكافحة الإغراق والرسوم التعويضية.

وخلال ولايته الأولى، وبناءً على طلب منتجي الزيتون في كاليفورنيا، فرضت إدارة ترمب رسوماً لمكافحة الإغراق بنسبة 30 في المائة على زيتون إسباني أسود، بموجب قانون الرسوم الجمركية لعام 1930، بعد أن خلص تحقيق منفصل لوزارة التجارة إلى أن المنتجين الإسبان استفادوا من دعم غير عادل.

عمّال يجهزون سقّالة ضخمة في حين يرفرف العلم الإسباني بساحة كولون في العاصمة مدريد (رويترز)

- ألم يهدد ترمب إسبانيا من قبل؟

جاء أول تهديد بعقوبات تجارية في أكتوبر (تشرين الأول) 2025، عندما قال ترمب إنه «قد» يعاقب إسبانيا برسوم جمركية بسبب رفضها، خلال قمة لـ«حلف شمال الأطلسي» في لاهاي قبل أربعة أشهر، الالتزام برفع الإنفاق الدفاعي إلى 5 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي.

وفي مارس (آذار) من هذا العام، ذهب إلى أبعد من ذلك؛ إذ أمر بيسنت والممثل التجاري الأميركي جاميسون غرير ببدء تحقيقات لفرض حظر على جميع المنتجات الإسبانية.

وحتى الآن، لم تُعلن أي تحقيقات من هذا النوع في السجل الفيدرالي الأميركي.

- ما حجم مساهمة إسبانيا في حلف «الناتو»؟

من المتوقع أن يصل الإنفاق الدفاعي الأساسي لإسبانيا إلى 35.41 مليار يورو في عام 2026 (40.4 مليار دولار)؛ أي ما يعادل 2 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، وفقاً لأحدث تقديرات حلف «الناتو».

ويمثل ذلك ارتفاعاً من 11.17 مليار يورو (12.8 مليار دولار) عندما تولى رئيس الوزراء بيدرو سانشيز منصبه عام 2018.

وكانت إسبانيا سابع أكبر منفق دفاعي في حلف «الناتو» من حيث القيمة المطلقة عام 2025، وفقاً لمسؤولين حكوميين إسبان استناداً إلى بيانات الحلف. كما قدمت إسبانيا دعماً إجمالياً لأوكرانيا بقيمة 3.795 مليار يورو منذ عام 2022.


مقالات ذات صلة

روبيو يرفض التعليق على اتهامات متعلّقة بسفيرة أميركا لدى اليونان

الولايات المتحدة​ ماركو روبيو برفقة السفيرة الأميركية لدى اليونان كيمبرلي غيلفويل في مطار أثينا الدولي قبيل مغادرته إلى البرتغال يوم 8 أكتوبر 2026 (أ.ف.ب)

روبيو يرفض التعليق على اتهامات متعلّقة بسفيرة أميركا لدى اليونان

رفض وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، الخميس، بشكل قاطع التعليق على تقرير جديد يفيد بأن السفيرة الأميركية لدى اليونان كيمبرلي غيلفويل تورطت في سلوك غير لائق.

«الشرق الأوسط» (أثينا)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب يلوّح للصحافيين أثناء سيره في الحديقة الجنوبية عند وصوله إلى البيت الأبيض يوم 8 أكتوبر 2026 (أ.ب)

ترمب: نجري محادثات بنّاءة مع إيران ولن نهاجمها قبل الانتخابات

قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الخميس، إن الولايات المتحدة تُجري محادثات مثمرة مع إيران ولن تشن هجوماً عليها قبل انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأميركي.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ الرئيس دونالد ترمب أمام لوحة إعلانية تدعو إلى المشاركة في الانتخابات النصفية للكونغرس... بولاية تكساس مساء 7 أكتوبر 2026 (رويترز)

ترمب يروّج للجمهوريين في تكساس رغم المآخذ على باكستون

حشد الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، الناخبين في تكساس؛ دعماً لمرشحه كين باكستون في مواجهة أجواء سياسية متوترة بشأن احتمال فوز الديمقراطيين بالانتخابات النصفية...

علي بردى (واشنطن)
أوروبا المستشار الألماني فريدريش ميرتس والرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي يوقعان على علم لجنود الحرس الوطني الأوكراني في كييف الأحد (د.ب.أ)  p-circle

روبيو يحذر من خطر «الجمود» في الحرب الأوكرانية

حذر ماركو روبيو من أن «الجمود» في الحرب الأوكرانية «خطير جداً» مع احتمال لجوء طرفي النزاع إلى التصعيد...

«الشرق الأوسط» (لشبونة)
المشرق العربي مزارع فلسطيني يتحدث مع جنود إسرائيليين خلال موسم الحصاد في كروم الزيتون الفلسطينية بقرية رنتس قرب رام الله في الضفة الغربية المحتلة (أ.ف.ب)

دبلوماسي أميركي لدى إسرائيل أخفى عن واشنطن تقارير سلبية حول نتنياهو

يحجب دبلوماسي أميركي رفيع في إسرائيل برقيات من السفارة إلى المسؤولين في واشنطن، محاولاً إضفاء «ايجابية» على نشاطات حكومة بنيامين نتنياهو في الضفة الغربية.

علي بردى (واشنطن)

تراجع «وول ستريت» مع ارتفاع النفط ومخاوف تجدد الحرب مع إيران

مدخل بورصة نيويورك (أ.ب)
مدخل بورصة نيويورك (أ.ب)
TT

تراجع «وول ستريت» مع ارتفاع النفط ومخاوف تجدد الحرب مع إيران

مدخل بورصة نيويورك (أ.ب)
مدخل بورصة نيويورك (أ.ب)

تراجعت أسهم «وول ستريت» في مستهل تعاملات الخميس، بعد ارتفاع حاد في أسعار النفط إثر تقارير أفادت بأن الولايات المتحدة قد تشن هجمات جديدة على إيران قبل انتخابات التجديد النصفي الحاسمة.

وانخفض مؤشر «داو جونز» الصناعي بنسبة 0.2 في المائة إلى 51,074.31 نقطة، في حين تراجع مؤشر «إس آند بي 500» الأوسع نطاقاً بنسبة 0.3 في المائة إلى 7,776.28 نقطة.

كما انخفض مؤشر «ناسداك» المركب، الذي تغلب عليه أسهم شركات التكنولوجيا، بنسبة 0.5 في المائة إلى 27,405.11 نقطة.

وأرجع بيتر كارديلو من شركة «سبارتان كابيتال سيكيوريتيز» هذه البداية السلبية إلى «عاملين يلقيان بظلالهما على السوق: الارتفاع الحاد في أسعار النفط، وعودة عوائد السندات إلى مستويات الذروة التي سجلتها بالأمس».

وقال كارديلو لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» إن هذه العوامل ستشكل «مشكلة مستمرة للسوق على المدى القريب».

وأشار إلى أن أسعار النفط قفزت بعد تصريحات للرئيس الأميركي دونالد ترمب قال فيها إنه لا يرغب في التعامل مع إيران.

وحذَّر قائلاً: «يبدو الآن أن هناك تحولاً في الاستراتيجية، من الضغط الاقتصادي على الاقتصاد الإيراني إلى جولة جديدة من القصف المكثف».

وعقب تقارير أفادت باحتمال شن واشنطن هجمات جديدة على إيران، ارتفع سعر خام برنت القياسي العالمي إلى 105.46 دولار للبرميل.

كما ارتفع سعر خام غرب تكساس الوسيط، وهو العقد الرئيسي في الولايات المتحدة، إلى 92.82 دولار للبرميل قبل أن يتراجع قليلاً.

وفي الوقت نفسه، ارتفع العائد على سندات الخزانة الأميركية لأجل 10 سنوات إلى 5.3 في المائة، في حين بلغ العائد على السندات لأجل 30 عاماً 5.7 في المائة.


«مجلس الشؤون الاقتصادية» يؤكد مرونة السعودية في مواجهة المستجدات

اجتماع سابق للمجلس برئاسة ولي العهد رئيس مجلس الوزراء رئيس مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية الأمير محمد بن سلمان (واس)
اجتماع سابق للمجلس برئاسة ولي العهد رئيس مجلس الوزراء رئيس مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية الأمير محمد بن سلمان (واس)
TT

«مجلس الشؤون الاقتصادية» يؤكد مرونة السعودية في مواجهة المستجدات

اجتماع سابق للمجلس برئاسة ولي العهد رئيس مجلس الوزراء رئيس مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية الأمير محمد بن سلمان (واس)
اجتماع سابق للمجلس برئاسة ولي العهد رئيس مجلس الوزراء رئيس مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية الأمير محمد بن سلمان (واس)

ناقش مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية السعودي التطورات الاقتصادية العالمية والإقليمية وتأثيراتها على الاقتصاد الوطني، في وقتٍ أظهر نشاط القطاع الخاص استمراراً في النمو، للشهر الخامس على التوالي، مع ارتفاع مؤشر مديري المشتريات إلى 53.8 نقطة في أغسطس (آب) 2026، من 53.1 نقطة في الشهر السابق.

واستعرض المجلس، في اجتماع عبر الاتصال المرئي، التقرير الشهري لوزارة الاقتصاد والتخطيط، الذي تناول أبرز التطورات في مشهد الاقتصاد العالمي، في ضوء المتغيرات الجيوسياسية المتسارعة وما نتج عنها من ارتفاع الضغوط التضخمية عالمياً وتشديد السياسات النقدية لدى البنوك المركزية الرئيسة، متناولاً انعكاس ذلك على الاقتصاد الوطني، والتحديات والفرص التي تتيحها هذه المتغيرات، حيث أكد التقرير متانة الاقتصاد الوطني ومرونته في مواجهة المستجدات الإقليمية والعالمية.

وقد حافظ معدل التضخم السنوي بالمملكة على استقراره عند 1.8 في المائة، للشهر الرابع على التوالي، خلال شهر أغسطس 2026، وبمعدل يُعدّ الأقل عالمياً.

كما سجل مؤشر ثقة الأعمال في المملكة 56.7 نقطة، مرتفعاً بمقدار 0.2 نقطة، مقارنةً بالشهر السابق، بما يعكس تحسناً في مستويات الثقة لدى قطاع الأعمال، مدعوماً بارتفاع الثقة في قطاعَي التصنيع والخدمات.

وأشار التقرير إلى استمرار النمو في نشاط القطاع الخاص، والمتمثل في ارتفاع مؤشر مديري المشتريات إلى 53.8 نقطة في أغسطس 2026، مقارنةً بـ53.1 نقطة في الشهر السابق، مواصلاً نموه، للشهر الخامس على التوالي، رغم التوترات الإقليمية، إلى جانب تسجيل مؤشر ثقة الأعمال 56.7 نقطة، بارتفاع قدره 0.2 نقطة عن الشهر السابق، بما يعكس ثقة قطاع الأعمال في آفاق الاقتصاد الوطني وقدرته على مواصلة النمو.

وناقش التقرير، المقدَّم من مكتب الإدارة الاستراتيجية بمجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية حيال أداء برامج تحقيق «رؤية 2030» والاستراتيجيات الوطنية، للربع الثاني من عام 2026، الجهود التحولية خلال الأعوام العشرة الماضية وما أرسته من أسس متينة تنتقل بها الرؤية إلى مرحلة تعظيم الأثر، وترسيخ المكتسبات، واستدامة الإنجازات المتحققة في محاورها الثلاثة: مجتمع حيوي، واقتصاد مزدهر، ووطن طموح.

وأبرزَ التقرير التطورات النوعية التي تعكس مرونة الرؤية وقدرتها على التكيّف مع المتغيرات كافة.

وبات أثر التحول، الذي حققته «رؤية 2030»، ملموساً في تنوع القاعدة الاقتصادية وبلوغ مساهمة الأنشطة غير النفطية مستويات قياسية، إلى جانب اتساع دور القطاع الخاص والمواطن كشريكين فاعلين في التنمية.

وأشار إلى أن المرحلة المقبلة ستشهد مضاعفة الجهود وتوجيه التنفيذ نحو الأولويات، بما يضمن استدامة الأثر لِما بعد عام 2030.

العاصمة السعودية الرياض (رويترز)

كما تتسم «رؤية 2030» بالمرونة، مستندة إلى ما راكمته من قدرات مؤسسية واقتصادية وتشغيلية، وما شهدته القطاعات الحيوية من تطوير، إلى جانب التوسع في البنية التحتية وتنويع الاقتصاد وتعزيز التكامل بين الجهات الحكومية والقطاع الخاص. وأسهم ذلك في رفع مستوى الجاهزية، وتوسيع خيارات الاستجابة، وتعزيز قدرة الاقتصاد على استيعاب المتغيرات والتعامل مع آثارها بكفاءة. ومِن شأن مواصلة الاستثمار في التنمية وبناء القدرات تعزيز صمود المملكة، ومنح مؤسساتها واقتصادها مرونة أكبر في مواجهة التحديات، ومواصلة التقدم نحو المستهدفات.

مركز برنامج جودة الحياة

من جهة أخرى، اطلع المجلس على التقرير السنوي لمركز برنامج جودة الحياة، الذي اشتمل على أبرز أعمال المركز في عام 2025 في تمكين برنامج جودة الحياة؛ أحد برامج تحقيق «رؤية 2030»، من تنفيذ أهدافه الاستراتيجية والتقدم المُحرَز في مبادراته، حيث أشار التقرير إلى عدد من المُنجزات التي حققها البرنامج خلال العام، ومِن بينها بلوغ مساهمة مبادراته في المحتوى المحلي 44 في المائة بنهاية عام 2025، متجاوزة المستهدَف البالغ 37 في المائة، وبلوغ مساهمتها في الناتج المحلي الإجمالي 78 مليار ريال (20.8 مليار دولار)، متجاوزة المستهدَف البالغ 77.1 مليار ريال (20.6 مليار دولار).

كما اطلع المجلس على التقرير السنوي المقدَّم من أمانة لجنة برنامج حساب المواطن، حيال التقرير السنوي للبرنامج لعام 2025.

واستعرض التقريرُ أبرز جهود البرنامج من خلال توجيه الدعم إلى الأُسر والأفراد المستحقين، ورحلة المستفيد من التسجيل والأهلية والاستحقاق، إضافة إلى الأثر التشغيلي والاقتصادي والمالي للبرنامج؛ حيث بلغ إجمالي الدعم المقدم عبر برنامج حساب المواطن، منذ انطلاقه، نحو 262 مليار ريال (69.9 مليار دولار)، وبلغ إجمالي عدد المستفيدين من الدعم نحو 2.4 مليون مستفيد، ما يعكس دور البرنامج في دعم الأُسر المستفيدة وتعزيز منظومة الحماية الاجتماعية.

المركز الوطني لقياس أداء الأجهزة العامة

وتناول المجلس العرض الربعي المقدَّم من المركز الوطني لقياس أداء الأجهزة العامة، للربع الثاني من عام 2026، وأداء مؤشرات ومبادرات الأجهزة الحكومية في «رؤية 2030»، والأعمال التي جرت في مجالات دعم وتمكين الأجهزة الحكومية لتحقيق مستهدَفاتها، ونتائج تقييم ممارسات إدارة هذه الأجهزة، مؤكداً استمرار أعمال المركز في تفعيل قياس الاستراتيجيات الوطنية ومراجعة الوثائق الاستراتيجية، وضمان تغطية المؤشرات والمبادرات لجميع الأهداف الاستراتيجية، مع مواصلة الجهود في دعم تلك الأجهزة، عبر عقد جلسات المراجعة، لمعالجة التحديات، ومتابعة الخطط، وإبراز الفرص التحسينية ومتابعة تطبيقها، بما يعزز تحسين الأداء الحكومي.

ونظر الاجتماع إلى عدد من المعاملات الإجرائية؛ ومنها: استراتيجية تطوير المرفق العدلي، ومشروع نظام الدراسات السريرية، كما أُحيطَ المجلس بنتائج الملخصين التنفيذيين الشهريين للرقم القياسي لأسعار المستهلك وأسعار الجملة، والتقرير الربعي لنتائج أعمال اللجنة الدائمة لمراقبة الأسعار، والملخص التنفيذي الشهري للتجارة الخارجية، والتقارير الأساسية التي بُنيت عليها تلك الملخصات.


حكومة اليابان تتخلى عن خطاب التحفيز المفرط

حكومة اليابان تتخلى عن خطاب التحفيز المفرط
TT

حكومة اليابان تتخلى عن خطاب التحفيز المفرط

حكومة اليابان تتخلى عن خطاب التحفيز المفرط

تسعى رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي إلى تغيير الصورة التي رسختها الأسواق عن سياستها الاقتصادية القائمة على التوسع المالي والتحفيز النقدي، في محاولة لاحتواء ارتفاع عوائد السندات الحكومية وطمأنة المستثمرين بشأن استدامة الدين العام. لكن نجاح هذا التحول سيعتمد على قدرة حكومتها على ترجمة التصريحات الجديدة إلى إجراءات ملموسة في الموازنة المقبلة، ولا سيما ضبط الإنفاق وتحديد مصادر تمويل التخفيضات الضريبية. وتواجه الحكومة تحدياً كبيراً مع ارتفاع تكلفة الاقتراض، في ظل دين عام تبلغ قيمته نحو 7 تريليونات دولار، وهو الأكبر بين الاقتصادات المتقدمة، بينما تزداد حساسية أسواق السندات العالمية تجاه مخاطر التضخم والعجز المالي.

وتعهدت تاكايتشي بحصر إصدارات الدين الجديدة عند نحو 40 تريليون ين (253 مليار دولار)، رغم وصول طلبات الإنفاق للعام المالي المقبل إلى مستوى قياسي يبلغ 143 تريليون ين. كما أن خطتها لخفض ضريبة الاستهلاك لمدة عامين ستكلف الخزانة نحو 4 تريليونات ين سنوياً.

وتأمل الحكومة في سد الفجوة بالاستفادة من ارتفاع الإيرادات الضريبية والأموال المتاحة في الصناديق الحكومية، لكنّ محللين يحذرون من أن هذه الإجراءات قد لا توفر حلاً مستداماً، فضلاً عن احتمال زيادة السيولة والضغوط التضخمية في الاقتصاد.

وقال إيجي دوكي، كبير استراتيجيي السندات لدى «إس بي آي سيكيوريتيز»، إن «الأسواق تنظر إلى جوهر السياسات ولن تصدق الكلمات وحدها»، موضحاً أن المستثمرين يركزون على النتائج المالية الفعلية أكثر من الرسائل التي تحاول الحكومة إيصالها. وتعود جذور هذه المعضلة إلى تولي تاكايتشي رئاسة الوزراء في أكتوبر (تشرين الأول) من العام الماضي، عندما تعهدت بتوسيع الإنفاق لتحفيز النمو، وعينت عدداً من المؤيدين للسياسات التوسعية في اللجان الاستشارية الحكومية.

وكانت رؤيتها آنذاك تقوم على أن تعزيز النمو الاقتصادي يمثل الطريق إلى تحقيق الاستدامة المالية، وهو ما انعكس في دعم الوقود والتعهدات الضريبية وخطط الاستثمار الكبيرة.

غير أن ارتفاع عوائد السندات فرض قيوداً كبيرة على هذه التوجهات، ودفع الإدارة إلى إعادة صياغة خطابها الاقتصادي.

تحول في الخطاب الاقتصادي

قالت تاكايتشي أمام البرلمان، الاثنين، إن «الاستدامة المالية شرط أساسي» لتنفيذ سياستها المالية التي تصفها بأنها «مسؤولة واستباقية»، في تحول واضح عن خطابها السابق الذي كان يمنح النمو أولوية على الانضباط المالي. وتعهدت أيضاً بالسيطرة على إصدارات السندات وتعزيز التواصل مع الأسواق، في إشارة إلى إدراك الحكومة لحساسية المستثمرين تجاه ارتفاع العوائد إلى مستويات لم تُسجل منذ عقود.

وتسارعت جهود تغيير صورة الإدارة بعد دعوات وجهها وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت في أغسطس (آب) إلى اليابان للابتعاد عن سياسات «أبينوميكس»، التي اعتمدها رئيس الوزراء الراحل شينزو آبي، وجمعت بين التوسع المالي والتيسير النقدي لمكافحة الانكماش.

وقادت وزيرة المالية ساتسوكي كاتاياما جهود تعديل الخطاب الحكومي. وقالت في مقابلة إعلامية إن الحكومة قررت أواخر أغسطس إعادة ضبط رسائلها لطمأنة الأسواق بأن تاكايتشي لا تتبنى سياسات تستهدف تحفيز التضخم.

وبدأ هذا التحول يظهر في تصريحات مستشاري الحكومة. فقد أعلن وزير الاقتصاد مينورو كيوتشي، في 25 سبتمبر (أيلول)، انتهاء مرحلة السياسات التحفيزية على غرار «أبينوميكس». كما قال نائب محافظ بنك اليابان السابق ماسازومي واكاتابي، الذي يعمل مستشاراً للحكومة، إن السياسات التحفيزية المفرطة «لم يعد لها مكان في اليابان الآن».

وامتد تغير اللهجة إلى السياسة النقدية، إذ أعلنت أيانو ساتو، عضو مجلس إدارة بنك اليابان المعروفة سابقاً بميلها إلى التيسير التي اختارتها تاكايتشي، دعمها لزيادات مستقبلية في أسعار الفائدة. وباتت الحكومة تؤكد أن خطط الإنفاق تستهدف توسيع الطاقة الإنتاجية للاقتصاد، بدلاً من مجرد تحفيز الطلب ورفع التضخم.

الموازنة المقبلة تحسم المصداقية

تتجه أنظار المستثمرين الآن إلى مشروع الموازنة المقبلة، بوصفه الاختبار الحقيقي لمدى التزام الحكومة بالانضباط المالي. ومن المتوقع أن تساعد أرباح الشركات القوية والتضخم في زيادة الإيرادات الضريبية الاسمية، التي يقدر بعض المحللين أنها قد تصل إلى 90 تريليون ين العام المقبل. وتعهدت كاتاياما بالبحث عن الإنفاق غير الضروري والاستفادة من الأموال غير المستخدمة في الصناديق الحكومية، ضمن مبادرة تستلهم جهود تحسين الكفاءة الحكومية في الولايات المتحدة. وتتركز الأنظار على نحو 7 تريليونات ين موزعة على قرابة 200 صندوق حكومي، يمكن إعادة النظر في استخداماتها للمساهمة في تمويل أولويات الإدارة. لكنّ محللين يرون أن الاعتماد على هذه الأموال لا يوفر مصدراً دائماً للتمويل، وقد يؤدي إلى زيادة الإنفاق والطلب في وقت يحاول فيه بنك اليابان احتواء التضخم عبر رفع أسعار الفائدة.

وتبرز هنا مفارقة أساسية: فبينما يسعى البنك المركزي إلى تقليص الدعم النقدي لمنع ارتفاع الأسعار، قد تؤدي السياسة المالية التوسعية إلى زيادة الطلب المحلي، بما يعقد مهمة السيطرة على التضخم. كما أن استمرار ارتفاع عوائد السندات قد يزيد تكلفة تمويل الشركات ويحد من الاستثمار الخاص، وهو ما يتعارض مع هدف الحكومة المعلن بتعزيز النمو طويل الأجل.

وقال أساهي نوغوتشي، العضو السابق في مجلس إدارة بنك اليابان والمعروف بتأييده السابق للسياسات التحفيزية، إن الوقت الحالي يتطلب تجنب زيادة الطلب بصورة تدفع عوائد السندات إلى الارتفاع وتزاحم استثمارات القطاع الخاص. وأضاف أن الإدارة ربما افتقرت في البداية إلى رؤية اقتصادية متماسكة، مع تمسك بعض أعضائها بإرث «أبينوميكس»، لكنه أشار إلى أن هذا الوضع يبدو أنه تغير. وشدد على أن الاختبار الأساسي يتمثل في خفض الإنفاق غير الضروري وإقناع الأسواق بأن اليابان جادة في إصلاح ماليتها العامة. وبين تعهدات ضبط الدين وضغوط تمويل التخفيضات الضريبية والاستثمارات الجديدة، تواجه تاكايتشي معادلة صعبة تتطلب التوفيق بين دعم النمو وكبح التضخم والحفاظ على ثقة المستثمرين. ولذلك، لن يكون تغيير الخطاب الحكومي وحده كافياً لتبديد مخاوف الأسواق. فالموازنة المقبلة، وما ستتضمنه من قرارات بشأن الإنفاق والضرائب وإصدارات السندات، ستحدد ما إذا كانت الإدارة قد انتقلت فعلاً من سياسات التحفيز المفرط إلى نهج مالي أكثر انضباطاً، أم أن التحول لا يزال مقتصراً على التصريحات.