ترمب يهدد بقطع التجارة مع إسبانيا... ما حجم التداعيات الاقتصادية المحتملة؟

التبادل بين البلدين بلغ 47.9 مليار دولار خلال 2025

دونالد ترمب يلوّح بيده لدى وصوله على متن الطائرة الرئاسية «إير فورس وان» إلى قاعدة أندروز المشتركة في ماريلاند يوم 9 يوليو 2026 (أ.ب)
دونالد ترمب يلوّح بيده لدى وصوله على متن الطائرة الرئاسية «إير فورس وان» إلى قاعدة أندروز المشتركة في ماريلاند يوم 9 يوليو 2026 (أ.ب)
TT

ترمب يهدد بقطع التجارة مع إسبانيا... ما حجم التداعيات الاقتصادية المحتملة؟

دونالد ترمب يلوّح بيده لدى وصوله على متن الطائرة الرئاسية «إير فورس وان» إلى قاعدة أندروز المشتركة في ماريلاند يوم 9 يوليو 2026 (أ.ب)
دونالد ترمب يلوّح بيده لدى وصوله على متن الطائرة الرئاسية «إير فورس وان» إلى قاعدة أندروز المشتركة في ماريلاند يوم 9 يوليو 2026 (أ.ب)

أصدر الرئيس الأميركي دونالد ترمب يوم الأربعاء أمراً بفرض حظر تجاري على إسبانيا، مطالباً وزير الخزانة سكوت بيسنت بـ«قطع كل التجارة... بما في ذلك الزيارات» مع البلاد، وسط تصاعد التوترات بشأن الإنفاق الدفاعي.

وقال مسؤول أميركي لوكالة «رويترز» إن وزارة الخزانة ووزارة التجارة ومكتب الممثل التجاري الأميركي سيعملون على تقديم «قائمة بالمنتجات الإسبانية التي يمكن فرض حظر عليها خلال الأيام المقبلة». وتشير هذه التصريحات إلى أن الحظر التجاري المحتمل قد يكون جزئياً وليس شاملاً.

وفيما يلي نظرة على الخيارات المتاحة أمام ترمب لوقف التجارة مع إسبانيا، والتداعيات المحتملة لمثل هذه الخطوة.

- ما الصلاحيات التي يملكها الرئيس الأميركي لفرض حظر تجاري؟

يقول محامو التجارة إن قانون الصلاحيات الاقتصادية الطارئة الدولية (IEEPA) لا يزال متاحاً أمام ترمب لفرض حظر تجاري أو عقوبات اقتصادية على دولةٍ ما، رغم قرار المحكمة العليا الأميركية في فبراير (شباط) ضد استخدام ترمب القانون نفسه لفرض رسوم جمركية.

وللاستناد إلى قانون «IEEPA» يتعين على ترمب إعلان حالة طوارئ وطنية بشأن «تهديد غير عادي أو استثنائي» للأمن القومي الأميركي أو السياسة الخارجية أو الاقتصاد.

واستُخدم هذا القانون على نطاق واسع لفرض قيود تجارية على إيران وروسيا وكوريا الشمالية، ولمنع التعاملات القائمة على الدولار مع آلاف الشركات والأفراد والكيانات التي اعتُبرت تهديدات مرتبطة بالإرهاب أو الأمن القومي.

وقال بيتر شاين، أستاذ القانون في جامعة نيويورك، إنه «من الصعب رؤية» كيف يمكن اعتبار عدم تحقيق إحدى دول «حلف شمال الأطلسي» الـ32 هدف الإنفاق الدفاعي في وقت السلم بفارق ثلاث نقاط مئوية من الناتج المحلي الإجمالي حالة طوارئ بالنسبة للولايات المتحدة. لكن المحكمة العليا لم تصدر حكماً بشأن طبيعة حالة الطوارئ التي أعلنها ترمب لتبرير الرسوم الجمركية، ما يعني أن قدرته على إعلان حالة طوارئ وطنية «لم تتأثر»، وفقاً لما قاله مايور باتيل، المستشار التجاري الجمهوري السابق في لجنة المالية بمجلس الشيوخ الأميركي.

وأضاف باتيل، الذي يعمل حالياً شريكاً تجارياً في شركة «هوغان لوفيلز» للمحاماة في واشنطن: «يسمح قانون (IEEPA) لترمب بفرض حظر تجاري»، حتى لو طُعن فيه لاحقاً أمام المحاكم.

منظر عام لمحطة شحن في ميناء برشلونة (رويترز)

- إلى أي مدى سيؤثر الحظر التجاري على التجارة؟

بلغ إجمالي التجارة الثنائية في السلع بين الولايات المتحدة وإسبانيا 47.9 مليار دولار في عام 2025، وفقاً لبيانات مكتب الإحصاء الأميركي.

ومع إضافة الخدمات، بما في ذلك السفر، يرتفع إجمالي التجارة إلى 74.5 مليار دولار، وفقاً لبيانات مكتب التحليل الاقتصادي التابع لوزارة التجارة الأميركية، ما يجعل إسبانيا الشريك التجاري الأميركي الثالث والعشرين من حيث الحجم الإجمالي.

وتبيع الولايات المتحدة لإسبانيا من السلع أكثر مما تشتري منها؛ إذ بلغت صادراتها إلى إسبانيا 26.6 مليار دولار في عام 2025، مقابل واردات بقيمة 21.35 مليار دولار، ما حقق فائضاً تجارياً أميركياً قدره 5.25 مليار دولار.

وتشمل أبرز فئات الواردات الأميركية من إسبانيا، وفقاً لبيانات مكتب الإحصاء الأميركي، المنتجات الدوائية، والمحولات الكهربائية ومحوّلات الطاقة، ومنتجات العناية الشخصية، والمنتجات النفطية، والسيراميك المطلي، وزيت الزيتون.

أما أبرز الصادرات الأميركية إلى إسبانيا فتشمل المنتجات الدوائية، والنفط الخام، والطائرات المدنية، والذرة.

وقد يؤدي الحظر التجاري أيضاً إلى تعطيل الاستثمارات الثنائية. فقد استثمرت الشركات الإسبانية 97.2 مليار يورو (111 مليار دولار) في الولايات المتحدة، ما يجعلها أكبر وجهة استثمارية لها عالمياً، وفقاً لبيانات «يوروستات» التي نقلتها غرفة التجارة الأميركية في إسبانيا.

وتُعد الولايات المتحدة أكبر مستثمر أجنبي في إسبانيا، باستثمارات إنتاجية تتجاوز 116 مليار يورو (132.4 مليار دولار)، توفر وظائف لنحو 200 ألف شخص في مختلف أنحاء البلاد.

- ماذا سيحدث للسفر من وإلى إسبانيا؟

لا يزال من غير الواضح كيف يمكن لترمب تقييد سفر الإسبان إلى الولايات المتحدة، حيث يخوض منتخب كرة القدم الإسباني مباراة في كأس العالم يوم الجمعة. لكن إدارته فرضت العام الماضي حظراً على دخول مواطني أكثر من 30 دولة إلى الولايات المتحدة، بمن في ذلك السياح والطلاب والمسافرون لأغراض الأعمال، بدعوى وجود مخاوف أمنية.

كما لم يوضح ترمب ما إذا كان أي حظر سفر محتمل سيشمل الزوار الأميركيين المتجهين إلى إسبانيا، حيث يُعد إنفاقهم هناك بمنزلة واردات خدمية للولايات المتحدة.

ووفقاً لمعهد الإحصاء الوطني الإسباني، زار نحو 4.45 مليون أميركي إسبانيا لأكثر من يوم واحد في عام 2025، بزيادة 4.3 في المائة مقارنة بعام 2024.

وشكّل الأميركيون نحو 4.6 في المائة من إجمالي زوار إسبانيا البالغ عددهم 96.8 مليون زائر في عام 2026، ليكونوا سادس أكبر مصدر للسياح بعد بريطانيا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا وهولندا. لكن وفقاً لبيانات بنك إسبانيا، كان المسافرون الأميركيون رابع أكبر مصدر لعائدات السياحة في البلاد؛ إذ أنفقوا 6.15 مليار يورو في عام 2024. وقال البنك إن الأميركيين يميلون إلى الإقامة لفترات أطول، وإنفاق مبالغ أكبر في كل رحلة مقارنة بالسياح الآخرين.

- ما الخيارات المتاحة بخلاف فرض حظر شامل؟

قال باتيل إن ترمب يمكنه، بموجب قانون «IEEPA»، فرض حظر انتقائي، كما فعل هو وسلفه جو بايدن ضد روسيا، بحيث يُسمح بدخول بعض السلع التي تُعتبر ضرورية.

وفي حالة روسيا، تشمل هذه السلع اليورانيوم المخصب والأسمدة والبلاديوم.

وسبق لترمب أن أعفى قطع غيار الطائرات من الرسوم الجمركية التي فرضها، ولذلك قد تكون مكونات توربينات محركات الطائرات التي تنتجها شركة «آي تي ​​بي أيرو» الإسبانية لصالح شركتَي «جنرال إلكتريك» و«برات آند ويتني» التابعة لـ«آر تي إكس» من بين السلع المحتملة للإعفاء.

كما يمتلك ترمب أدوات أخرى لفرض رسوم جمركية أو إجراءات تجارية انتقامية، بما في ذلك المادة 301 من قانون التجارة لعام 1974، وهي أداة خاصة بالممارسات التجارية غير العادلة، تستخدمها إدارته حالياً لاقتراح رسوم مرتبطة بالعمل القسري على سلع من 60 شريكاً تجارياً، من بينهم الاتحاد الأوروبي.

إضافة إلى ذلك، يمتلك ترمب قانوناً تجارياً يعود إلى حقبة الحرب الباردة، وهو المادة 232 من قانون توسيع التجارة لعام 1962، والذي استخدمه لحماية قطاعات السيارات والصلب والألمنيوم وغيرها من القطاعات التي يعتبرها مهمة للأمن القومي.

ويتمثل أحد التعقيدات في أي إجراء تجاري محتمل ضد إسبانيا في أن الاتحاد الأوروبي هو الجهة المسؤولة عن السياسة التجارية للدول الأعضاء، ويفرض معاملة موحدة لجميع دول التكتل. لكن الولايات المتحدة سبق أن هددت دولاً أوروبية منفردة بفرض رسوم بسبب ضرائب الخدمات الرقمية.

كما يمكن لوزارة التجارة الأميركية استهداف واردات إسبانية محددة عبر تحقيقات تتعلق بمكافحة الإغراق والرسوم التعويضية.

وخلال ولايته الأولى، وبناءً على طلب منتجي الزيتون في كاليفورنيا، فرضت إدارة ترمب رسوماً لمكافحة الإغراق بنسبة 30 في المائة على زيتون إسباني أسود، بموجب قانون الرسوم الجمركية لعام 1930، بعد أن خلص تحقيق منفصل لوزارة التجارة إلى أن المنتجين الإسبان استفادوا من دعم غير عادل.

عمّال يجهزون سقّالة ضخمة في حين يرفرف العلم الإسباني بساحة كولون في العاصمة مدريد (رويترز)

- ألم يهدد ترمب إسبانيا من قبل؟

جاء أول تهديد بعقوبات تجارية في أكتوبر (تشرين الأول) 2025، عندما قال ترمب إنه «قد» يعاقب إسبانيا برسوم جمركية بسبب رفضها، خلال قمة لـ«حلف شمال الأطلسي» في لاهاي قبل أربعة أشهر، الالتزام برفع الإنفاق الدفاعي إلى 5 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي.

وفي مارس (آذار) من هذا العام، ذهب إلى أبعد من ذلك؛ إذ أمر بيسنت والممثل التجاري الأميركي جاميسون غرير ببدء تحقيقات لفرض حظر على جميع المنتجات الإسبانية.

وحتى الآن، لم تُعلن أي تحقيقات من هذا النوع في السجل الفيدرالي الأميركي.

- ما حجم مساهمة إسبانيا في حلف «الناتو»؟

من المتوقع أن يصل الإنفاق الدفاعي الأساسي لإسبانيا إلى 35.41 مليار يورو في عام 2026 (40.4 مليار دولار)؛ أي ما يعادل 2 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، وفقاً لأحدث تقديرات حلف «الناتو».

ويمثل ذلك ارتفاعاً من 11.17 مليار يورو (12.8 مليار دولار) عندما تولى رئيس الوزراء بيدرو سانشيز منصبه عام 2018.

وكانت إسبانيا سابع أكبر منفق دفاعي في حلف «الناتو» من حيث القيمة المطلقة عام 2025، وفقاً لمسؤولين حكوميين إسبان استناداً إلى بيانات الحلف. كما قدمت إسبانيا دعماً إجمالياً لأوكرانيا بقيمة 3.795 مليار يورو منذ عام 2022.


مقالات ذات صلة

«إيباك» تنفق الملايين في انتخابات أميركا... ودعم إسرائيل يتحول إلى عبء

الولايات المتحدة​ شخص يغادر مقر انتخابات مقاطعة ميامي-ديد في فلوريدا (إ.ب.أ)

«إيباك» تنفق الملايين في انتخابات أميركا... ودعم إسرائيل يتحول إلى عبء

يواصل «إيباك»، أبرز لوبي مؤيّد لإسرائيل في الولايات المتحدة، إنفاق أموال طائلة على انتخابات التجديد النصفي الأميركية المرتقبة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ الطائرة الهليكوبتر «مارين 1» خلال الهبوط في مهبط البيت الأبيض (رويترز)

طاقم هليكوبتر ترمب لم يتصل بمراقبي الحركة الجوية قبل واقعة تتعلق بالسلامة

لم يتصل طاقم طائرة هليكوبتر عسكرية كانت تقل الرئيس دونالد ترمب، واقتربت أكثر ‌من اللازم من ‌طائرة ​ركاب، ⁠بمراقبي الحركة الجوية قبل الإقلاع.

«الشرق الأوسط» (واشنطن )
شؤون إقليمية أشخاص يسيرون بجانب مجسم رمزي لصاروخ إيراني بأحد شوارع طهران في مشهد يعكس تصاعد الخطاب العسكري والتعبئة الداخلية بالتزامن مع المفاوضات الجارية حول اتفاق محتمل بين طهران وواشنطن لإنهاء الحرب (رويترز)

بعد 6 أشهر… الصراع مع إيران يؤول إلى جمود مكلف

آلت الحرب مع إيران، بعد ستة أشهر، إلى حالة جمود مكلفة. فبعد ستة أشهر على الهجوم الذي شنته القوات الأميركية والإسرائيلية على إيران وأسفر عن مقتل المرشد الإيراني.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب يستمع لسؤال أحد الصحافيين في مكتب البيضاوي (أ.ب)

ترمب يؤكد: روسيا «لن تهاجم أراضي» حلف الناتو

أكّد الرئيس الأميركي دونالد ترمب أن روسيا «لن تهاجم» أراضي دول حلف (الناتو)، داحضاً تقارير إعلامية بشأن قلق واشنطن من إقدام موسكو على خطوة من هذا القبيل.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب وإلى جانبه وزير الداخلية دوغ بورغوم... وبدت خريطة عليها اسم «بحيرة أميركا» (رويترز) p-circle

ترمب يأمر بتغيير تسمية بحيرة أونتاريو إلى «بحيرة أميركا»

وقّع الرئيس الأميركي دونالد ترمب، ​الخميس، أمراً تنفيذياً بتغيير اسم بحيرة أونتاريو إلى «بحيرة أميركا».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

أسهم اليابان ترتفع والسندات تحت ضغط

شاشة تعرض حركة الأسهم في العاصمة اليابانية طوكيو (أ.ب)
شاشة تعرض حركة الأسهم في العاصمة اليابانية طوكيو (أ.ب)
TT

أسهم اليابان ترتفع والسندات تحت ضغط

شاشة تعرض حركة الأسهم في العاصمة اليابانية طوكيو (أ.ب)
شاشة تعرض حركة الأسهم في العاصمة اليابانية طوكيو (أ.ب)

أنهت الأسواق اليابانية تعاملات الأسبوع على صورة متباينة؛ إذ ارتفعت الأسهم بدعم من شركات التكنولوجيا وأشباه الموصلات، بينما تعرضت السندات الحكومية لضغوط بيعية دفعت بعض العوائد إلى مستويات قياسية، في ظل تصاعد مخاوف التضخم وترقب المستثمرين للخطوة المقبلة من بنك اليابان، إلى جانب خطاب رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي كيفن وارش في «جاكسون هول».

وارتفع مؤشر «نيكي» بنسبة 0.4 في المائة، الجمعة، ليغلق عند 66405.56 نقطة، مسجلاً مكاسب أسبوعية بلغت 0.6 في المائة. كما صعد مؤشر «توبكس» الأوسع نطاقاً 0.7 في المائة إلى 4146.71 نقطة، لترتفع مكاسبه خلال الأسبوع إلى نحو 2 في المائة.

وجاء الدعم الرئيسي من أسهم التكنولوجيا بعد المكاسب القوية التي سجَّلها القطاع في «وول ستريت»، حيث ارتفع مؤشر فيلادلفيا لأشباه الموصلات 2.3 في المائة الخميس.

وصعد سهم «أدفانتست»، المتخصصة في معدات اختبار الرقائق، 1.9 في المائة، ليقدم أكبر دعم لمؤشر «نيكي»، بينما ارتفع سهم مجموعة «ريكروت» للتوظيف عبر الإنترنت 4.9 في المائة.

وكان سهم شركة الأمن الإلكتروني «ترند مايكرو» الأفضل أداءً على المؤشر بارتفاع بلغ 5.9 في المائة.

ومن بين 225 سهماً يتكون منها «نيكي»، ارتفع 146 سهماً مقابل تراجع 74، بينما استقرت خمسة أسهم. لكن الزخم الإيجابي للأسهم اصطدم بارتفاع عوائد السندات الحكومية، بعدما عززت بيانات التضخم في طوكيو احتمالات إقدام بنك اليابان على رفع أسعار الفائدة الشهر المقبل، بالتزامن مع ارتفاع أسعار النفط واستمرار حالة عدم اليقين في الشرق الأوسط.

وقالت ماكي ساوادا، الاستراتيجية في «نومورا سيكيوريتيز»، إن السوق اليابانية تتبنى موقف «الانتظار والترقب» قبل خطاب وارش؛ إذ يفضل المستثمرون معرفة الرسائل التي سيقدمها بشأن السياسة النقدية الأميركية قبل اتخاذ قرارات استثمارية جديدة.

وكان الضغط أكثر وضوحاً في سوق السندات الحكومية اليابانية، حيث أدى ضعف الطلب في مزاد للسندات لأجل عامين إلى تسارع عمليات البيع.

وقفز عائد السندات لأجل خمس سنوات 4 نقاط أساس إلى مستوى قياسي بلغ 2.195 في المائة، بينما ارتفع عائد السندات لأجل عامين 1.5 نقطة أساس إلى 1.7 في المائة، بعدما كان مستقراً قبل إعلان نتائج المزاد. كما ارتفع عائد السندات القياسية لأجل عشر سنوات 3.5 نقطة أساس إلى 2.925 في المائة، فيما امتدت الضغوط إلى آجال الاستحقاق الأطول؛ فزاد عائد سندات العشرين عاماً 4 نقاط أساس إلى 3.805 في المائة، وقفز عائد الثلاثين عاماً 5 نقاط أساس إلى 4.11 في المائة.

ويعكس هذا التحرك مجموعة من المخاوف المتداخلة؛ فمن جهة، يؤدي ارتفاع أسعار الطاقة إلى زيادة احتمالات استمرار الضغوط التضخمية في اليابان، التي تعتمد بدرجة كبيرة على استيراد الوقود.

ومن جهة أخرى، أظهرت بيانات الجمعة ارتفاع الضغوط السعرية في طوكيو، خلال أغسطس (آب)، ما يدعم مبررات تشديد السياسة النقدية.

وبالنسبة للمستثمرين، فإن استمرار ارتفاع عوائد السندات قد يتحول إلى عامل ضغط على الأسهم، لأن زيادة العوائد ترفع تكلفة التمويل وتوفر في الوقت نفسه بديلاً أكثر جاذبية للأصول عالية المخاطر. وقد تكون الشركات ذات التقييمات المرتفعة، وفي مقدمتها أسهم التكنولوجيا، أكثر حساسية لهذا التحول.

ومع ذلك، تمكنت السوق اليابانية من الاستفادة من استمرار الحماس العالمي تجاه الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات، ما ساعد «نيكي» على إنهاء الأسبوع بمكاسب رغم ارتفاع العوائد.

وتدخل الأسواق اليابانية الأسبوع المقبل أمام اختبارين مترابطين؛ الأول هو مدى استمرار التضخم في تعزيز توقعات رفع الفائدة من بنك اليابان، والثاني هو اتجاه السياسة النقدية الأميركية بعد خطاب «جاكسون هول». وبين قوة أسهم التكنولوجيا وارتفاع تكلفة الأموال، تبدو قدرة الأسهم اليابانية على مواصلة الصعود مرتبطة بشكل متزايد بما ستفعله أسواق السندات.


الاقتصاد الفرنسي يتوقف عن النمو والتضخم يتسارع

زحام في محطة قطارات بالعاصمة الفرنسية باريس (أ.ف.ب)
زحام في محطة قطارات بالعاصمة الفرنسية باريس (أ.ف.ب)
TT

الاقتصاد الفرنسي يتوقف عن النمو والتضخم يتسارع

زحام في محطة قطارات بالعاصمة الفرنسية باريس (أ.ف.ب)
زحام في محطة قطارات بالعاصمة الفرنسية باريس (أ.ف.ب)

دخل الاقتصاد الفرنسي مرحلة أكثر صعوبة خلال الربع الثاني من العام، بعدما أظهرت بيانات رسمية توقف النمو تماماً بالتزامن مع تسارع التضخم وتراجع القوة الشرائية للأسر، في مزيج يزيد الضغوط على الحكومة التي تستعد لمفاوضات شاقة بشأن خفض الإنفاق في موازنة 2027.وقال المعهد الوطني للإحصاء والدراسات الاقتصادية «إنسي»، الجمعة، إن الناتج المحلي الإجمالي لم يسجل أي نمو خلال الربع الثاني، خافضاً تقديراته الأولية التي كانت تشير إلى توسع بنسبة 0.2 في المائة.كما عدل المعهد بيانات الربع الأول بالخفض، ليظهر أن الاقتصاد انكمش بنسبة 0.2 في المائة بدلاً من التقدير السابق البالغ 0.1 في المائة. وتعني الأرقام الجديدة أن ثاني أكبر اقتصاد في الاتحاد الأوروبي لم يحقق نمواً خلال النصف الأول من العام، بل سجل تراجعاً طفيفاً في النشاط.وعزا «إنسي» جانباً من المراجعات إلى تدهور الإنتاج الزراعي بصورة أكبر مما كانت تشير إليه المعلومات المتاحة في نهاية يوليو (تموز). لكن الصورة الاقتصادية الأوسع تكشف عن ضغوط تتجاوز القطاع الزراعي، إذ يعاني الاقتصاد الفرنسي تباطؤاً منذ الربع الثالث من العام الماضي، وسط ضعف إنفاق المستهلكين وارتفاع تكاليف الطاقة.وزادت الحرب ضد إيران من هذه الضغوط بعدما دفعت أسعار الطاقة إلى الارتفاع، وهو ما انعكس على تكاليف الشركات والأسر، وأعاد التضخم إلى الواجهة في وقت كان الاقتصاد بحاجة فيه إلى تحسن الاستهلاك لدعم النمو.وأظهرت البيانات تسارع معدل التضخم إلى 2.4 في المائة خلال أغسطس (آب)، مقابل 2.1 في المائة في يوليو. ويضع ارتفاع الأسعار الأسر أمام ضغوط إضافية، خصوصاً بعدما أظهرت بيانات «إنسي» انخفاض القوة الشرائية للأسر بنسبة 0.5 في المائة خلال الربع الثاني، بعد تراجعها 0.1 في المائة في الأشهر الثلاثة الأولى.ويشكل تزامن ضعف النمو مع ارتفاع التضخم معضلة للاقتصاد الفرنسي، لأن استمرار الضغوط السعرية يقلل قدرة الأسر على زيادة الاستهلاك، بينما يؤدي ضعف الطلب بدوره إلى الحد من قدرة الشركات على الاستثمار والتوسع.وتأتي الأرقام في توقيت حساس للحكومة الفرنسية التي تحاول التوصل إلى خفض كبير في الإنفاق ضمن موازنة 2027، بهدف السيطرة على عجز المالية العامة.وبلغ عجز الموازنة الفرنسية 5.1 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، العام الماضي، وهو مستوى يتجاوز بفارق كبير سقف 3 في المائة المحدد لدول منطقة اليورو. ولذلك تحتاج الحكومة إلى خفض العجز، لكن ضعف الاقتصاد يجعل المهمة أكثر تعقيداً، فالتقشف المالي في بيئة يتوقف فيها النمو قد يؤدي إلى مزيد من الضغط على الطلب المحلي إذا جاء سريعاً أو واسع النطاق، بينما يؤدي تأجيل ضبط المالية العامة إلى إبقاء العجز والدين تحت مراقبة الأسواق والمؤسسات الأوروبية.وتزداد حساسية هذه المعادلة مع تراجع القوة الشرائية، فخفض الإنفاق الحكومي بالتزامن مع ضعف استهلاك الأسر قد يحرم الاقتصاد من اثنين من محركات الطلب في الوقت نفسه، ما يجعل استعادة النمو أكثر اعتماداً على الاستثمار والصادرات وتحسن أسعار الطاقة. وتكشف بيانات الربع الثاني بذلك عن تحول في التحدي الذي تواجهه باريس. فلم يعد الأمر يتعلق فقط بإعادة التضخم إلى مستويات مريحة، بل بكيفية تحقيق ذلك في اقتصاد فقد زخمه ويواجه في الوقت نفسه ضرورة إصلاح أوضاعه المالية.وستتجه الأنظار خلال الأشهر المقبلة إلى قدرة الاقتصاد الفرنسي على العودة إلى النمو، وإلى مسار أسعار الطاقة والتضخم، فضلاً عن تفاصيل موازنة 2027. فكلما طال أمد الركود وضعفت القوة الشرائية، أصبحت مهمة الحكومة في خفض العجز أكثر صعوبة، وازدادت المفاضلة بين دعم النشاط الاقتصادي واستعادة الانضباط المالي.


القضاء الأميركي يوقف عقوبات البنتاغون على «أنثروبيك»

صورة تعبيرية تحمل شعاري «أوبن إيه آي» و«أنثروبيك» (رويترز)
صورة تعبيرية تحمل شعاري «أوبن إيه آي» و«أنثروبيك» (رويترز)
TT

القضاء الأميركي يوقف عقوبات البنتاغون على «أنثروبيك»

صورة تعبيرية تحمل شعاري «أوبن إيه آي» و«أنثروبيك» (رويترز)
صورة تعبيرية تحمل شعاري «أوبن إيه آي» و«أنثروبيك» (رويترز)

وجه القضاء الأميركي ضربة إلى إدارة الرئيس دونالد ترمب في نزاعها مع شركة «أنثروبيك»، بعدما قضت محكمة اتحادية بأن العقوبات التي فرضتها الحكومة على الشركة بسبب خلاف بشأن استخدام تقنياتها في التطبيقات العسكرية كانت غير قانونية، في حكم قد تكون له انعكاسات واسعة على علاقة شركات الذكاء الاصطناعي بالمؤسسات الدفاعية الأميركية.

وقضت القاضية ريتا لين بأن قرار الإدارة وقف استخدام منتجات «أنثروبيك» داخل الوكالات الحكومية، وتصنيف الشركة باعتبارها «خطراً على سلسلة التوريد» للأمن القومي، استندا إلى رغبة في معاقبة الشركة بسبب موقفها من الحكومة أكثر من كونهما نتيجة تهديد أمني فعلي.

وقالت القاضية في حكم من 59 صفحة إن استخدام الأمن القومي لا يمنح الحكومة «شيكاً على بياض» لمعاقبة منتقديها.

ويجعل الحكم دائماً التعليق المؤقت للعقوبات الذي أصدرته المحكمة في مارس (آذار)، كما يمنع الوكالات الفيدرالية المشمولة بالدعوى من تطبيق أمر ترمب الذي طالبها بوقف استخدام أدوات «أنثروبيك»، ويلغي تصنيف وزارة الدفاع للشركة باعتبارها خطراً على سلاسل التوريد.

غير أن النزاع لم ينتهِ تماماً، إذ لا يزال بإمكان الحكومة استئناف الحكم، كما بقي إجراء منفصل فرضه البنتاغون استناداً إلى قواعد المشتريات العامة سارياً في انتظار حكم محكمة أخرى في واشنطن.

وبدأ الصدام بعدما رفضت «أنثروبيك» السماح باستخدام نموذجها «كلود» في الأسلحة الفتاكة المستقلة بالكامل أو في عمليات المراقبة الجماعية للأميركيين. وأثار هذا الموقف غضب وزير الدفاع بيت هيغسيث، قبل أن يأمر ترمب الوكالات الحكومية بوقف استخدام منتجات الشركة.

اقتصادياً، تكمن أهمية القضية في أن الحكومة الأميركية أصبحت من أكبر المشترين المحتملين لتقنيات الذكاء الاصطناعي المتقدمة، سواء في الدفاع أو الاستخبارات أو الأمن السيبراني.

وبالتالي، فإن إدراج شركة ضمن قائمة المخاطر أو منع المتعاقدين معها من استخدام تقنياتها يمكن أن يغلق أمامها جزءاً مهماً من سوق العقود الحكومية، ويؤثر أيضاً على شركات أخرى تعتمد على نماذجها.

وأشار الحكم إلى أن العقوبات أحدثت «آثاراً متتابعة» في قطاع التعاقدات الحكومية، وربما دفعت شركات وموردين إلى الابتعاد عن «أنثروبيك» خشية فقدان أعمالهم مع الحكومة.

وهذه النقطة تكتسب أهمية مع دخول الذكاء الاصطناعي مرحلة يصبح فيها الوصول إلى العقود الحكومية والأمنية عاملاً أساسياً في تقييم شركات القطاع. فالنماذج الأكثر تقدماً تتطلب استثمارات ضخمة في مراكز البيانات والرقائق والطاقة، ما يجعل العقود الحكومية طويلة الأجل مصدراً مهماً للإيرادات والاستقرار المالي.

وتأتي القضية أيضاً وسط جدل متزايد بشأن مقدار السلطة التي ينبغي أن تتمتع بها شركات التكنولوجيا في تحديد الاستخدامات المقبولة لمنتجاتها. فالبنتاغون يريد الوصول إلى أفضل تقنيات الذكاء الاصطناعي من دون قيود تشغيلية واسعة، بينما تخشى الشركات أن تتحول نماذجها إلى أدوات لمراقبة السكان أو لاتخاذ قرارات قتل من دون تدخل بشري.

من جانبها، رحبت «أنثروبيك» بالحكم، وقالت إنها لا تزال ملتزمة بالعمل بشكل «منتج» مع الحكومة الأميركية لتوظيف الذكاء الاصطناعي في الأمن القومي.

لكن الانتصار القانوني يأتي في وقت تتزايد فيه أيضاً الأسئلة حول سلامة تقنيات الشركة نفسها. فقد أقرت «أنثروبيك» الشهر الماضي بأن ثلاث نسخ مختلفة من نموذج «كلود» تمكنت خلال اختبارات من الوصول بشكل غير مصرح به إلى مؤسسات خارجية، رغم أن الاختبارات كان يفترض أن تُجرى في بيئات معزولة عن الأنظمة الحقيقية.

وأثارت حوادث مشابهة في شركات منافسة، بينها «أوبن إيه آي»، دعوات من أكثر من ألف موظف في شركات الذكاء الاصطناعي المتقدمة إلى تدخل الحكومة لإبطاء إطلاق النماذج الأقوى حتى يتم تطوير ضمانات أمنية أفضل.

ويأتي الحكم في توقيت حساس بصورة خاصة بالنسبة إلى «أنثروبيك»، التي يُتوقع أن تتجه إلى طرح عام أولي خلال أسابيع. وأي غموض بشأن قدرتها على العمل مع الحكومة الأميركية كان يمكن أن يؤثر على تقييمها لدى المستثمرين، خصوصاً إذا امتدت القيود إلى متعاقدي الدفاع وشركات التكنولوجيا المرتبطة بالدولة.

وفي المقابل، قد يمنح الحكم المستثمرين قدراً أكبر من الاطمئنان إلى أن العقود الحكومية لا يمكن سحبها بسهولة بسبب خلافات سياسية أو سياسات داخلية تتعلق بسلامة النماذج. لكن القضية تطرح في النهاية سؤالاً أكبر يتجاوز «أنثروبيك»، وهو «من الذي سيضع الحدود لاستخدام الذكاء الاصطناعي في الأمن القومي، الحكومة أم الشركات المطورة للتكنولوجيا؟».

ومع دخول النماذج الأكثر تطوراً مجالات الدفاع والاستخبارات والأمن السيبراني، يبدو أن هذا الصراع سيصبح جزءاً أساسياً من اقتصاد الذكاء الاصطناعي نفسه. فالشركات تريد الاحتفاظ بالسيطرة على الاستخدامات التي تراها خطرة، بينما تريد الحكومات ضمان الوصول إلى التكنولوجيا التي تعتبرها ضرورية للأمن القومي.

وحكم سان فرانسيسكو لا يحسم هذه المعادلة، لكنه يضع قيداً واضحاً على قدرة الحكومة على استخدام العقوبات والمشتريات العامة لمعاقبة شركة بسبب خلاف على حدود الاستخدام. ومن المرجح أن تجعل هذه السابقة القانونية العقود المستقبلية بين شركات الذكاء الاصطناعي والبنتاغون أكثر تعقيداً، مع انتقال النقاش من مجرد شراء التكنولوجيا إلى التفاوض على القواعد التي تحكم استخدامها.