تراجع نشاط قطاع الخدمات البريطاني في مايو مع استمرار تداعيات الحرب الإيرانية

وسط ضغوط تكاليف الطاقة وضعف الطلب

أشخاص يسيرون عبر حي كناري وارف المالي في لندن (رويترز)
أشخاص يسيرون عبر حي كناري وارف المالي في لندن (رويترز)
TT

تراجع نشاط قطاع الخدمات البريطاني في مايو مع استمرار تداعيات الحرب الإيرانية

أشخاص يسيرون عبر حي كناري وارف المالي في لندن (رويترز)
أشخاص يسيرون عبر حي كناري وارف المالي في لندن (رويترز)

أظهر مسح نُشر يوم الأربعاء أن نشاط شركات الخدمات في بريطانيا تراجع خلال مايو (أيار)، متأثراً بارتفاع التكاليف وتراجع مستويات التفاؤل في ظل استمرار تداعيات الحرب الإيرانية.

وانخفض مؤشر مديري المشتريات العالمي لقطاع الخدمات في بريطانيا، الصادر عن مؤسسة «ستاندرد آند بورز غلوبال»، إلى 49.3 نقطة في مايو، مقارنة بـ52.7 نقطة في أبريل (نيسان)، مسجلاً أول انكماش في الإنتاج منذ أبريل 2025، رغم أن القراءة جاءت أفضل من التقدير الأولي البالغ 47.9 نقطة. وتشير القراءات دون مستوى 50 نقطة إلى انكماش النشاط، فيما تعكس القراءات فوقه نمواً، وفق «رويترز».

وسجل مؤشر تضخم تكاليف المدخلات تراجعاً طفيفاً في مايو، لكنه بقي عند ثاني أعلى مستوى له منذ ديسمبر (كانون الأول) 2022، في أعقاب الغزو الروسي لأوكرانيا. وعزت الشركات هذا الارتفاع إلى زيادة تكاليف الطاقة والوقود والنقل إلى جانب الأجور.

ورغم تراجع معدل تضخم المدخلات مقارنة بذروته في أبريل، أفادت أكثر من نصف الشركات بارتفاع تكاليفها خلال الشهر الماضي.

كما رفعت الشركات أسعار خدماتها بأسرع وتيرة تقريباً في ثلاث سنوات، وبشكل مباشر بعد الزيادة التي سجلت في أبريل.

وقال تيم مور، مدير الشؤون الاقتصادية في «ستاندرد آند بورز غلوبال ماركت إنتلجنس»: «استمرت المخاوف بشأن استمرار الضغوط التضخمية، إلى جانب تصاعد التوترات الجيوسياسية وضعف الطلب، في الضغط على توقعات النشاط خلال مايو».

ورغم هذه الضغوط، لا يتوقع المستثمرون أن يقوم بنك إنجلترا برفع أسعار الفائدة في اجتماعه هذا الشهر، وسط شبه إجماع في الأسواق على تثبيت السياسة النقدية بعد اندلاع الصراع في الشرق الأوسط. وتشير التوقعات إلى احتمال بنسبة 90 في المائة للإبقاء على سعر الفائدة عند 3.75 في المائة في اجتماع 18 يونيو (حزيران).

وأشارت «ستاندرد آند بورز غلوبال» إلى أن ثقة قطاع الأعمال بشأن العام المقبل تراجعت إلى أدنى مستوى منذ أبريل الماضي، حين شهدت هبوطاً حاداً عقب إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن رسوم جمركية واسعة.

كما انكمش التوظيف للشهر العشرين على التوالي، وهي أطول موجة فقدان وظائف منذ أوائل عام 2010، مع استمرار ضعف الطلبين المحلي والخارجي خلال مايو.

وتم تعديل مؤشر مديري المشتريات المركب، الذي يشمل بيانات قطاع التصنيع، بالرفع إلى 49.7 نقطة من قراءة أولية بلغت 48.5 نقطة، مقارنة بـ52.6 نقطة في أبريل.


مقالات ذات صلة

الجنيه الإسترليني يتماسك ترقباً لقرار «بنك إنجلترا»

الاقتصاد مبنى «بنك إنجلترا» في لندن (رويترز)

الجنيه الإسترليني يتماسك ترقباً لقرار «بنك إنجلترا»

استقر الجنيه الإسترليني إلى حد كبير مقابل اليورو والدولار يوم الأربعاء، بعدما أظهرت مؤشرات التضخم الأساسي في بريطانيا استقراراً خلال أغسطس (آب) الماضي...

«الشرق الأوسط» (لندن)
خاص حذر وزير الداخلية اليمني من أن إيران تسعى إلى «عسكرة باب المندب» عبر الحوثيين (تركي العقيلي) p-circle

خاص وزير الداخلية اليمني لـ«الشرق الأوسط»: إيران تسعى إلى «عسكرة باب المندب» عبر الحوثيين

حذّر وزير الداخلية اليمني من مساعٍ إيرانية لتحويل مضيق باب المندب إلى منطقة نفوذ عسكري طويلة الأمد، عبر نقل خبرة «عسكرة الممرات البحرية».

عبد الهادي حبتور (الرياض)
الاقتصاد تحاول الشركات الآسيوية تنويع مصادر نفطها جراء حرب إيران (رويترز)

«إنديان أويل» تشتري 4 ملايين برميل نفط من الشرق الأوسط وأفريقيا

اشترت شركة «إنديان أويل كورب» أربعة ملايين برميل من النفط الخام من الشرق الأوسط وأفريقيا، للتسليم في نوفمبر (تشرين الثاني)، وذلك عبر مناقصة.

«الشرق الأوسط» (نيودلهي)
الاقتصاد سفينة شحن راسية في مضيق هرمز تنتظر العبور (أ.ب)

4 سفن فقط عبرت مضيق هرمز في يوم وسط استمرار اضطراب الملاحة

أظهرت بيانات شحن أولية، الأربعاء، أن عدد السفن العابرة مضيق هرمز ظل دون العشرة؛ إذ بلغ أربعاً، الثلاثاء، انخفاضاً من سبع في اليوم السابق.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد شخص يزوِّد شاحنته بالديزل في محطة شاحنات بولاية فلوريدا (أ.ف.ب)

107 مليارات دولار فاتورة الوقود الإضافية على الأميركيين منذ اندلاع الحرب

أنفق المستهلكون الأميركيون نحو 107 مليارات دولار إضافية على البنزين والديزل، منذ اندلاع الحرب مع إيران، مقارنة بما كانوا سينفقونه في غياب الصراع.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

صناديق النقد السعودية أمام إعادة ترتيب لاستثماراتها

مبنى هيئة السوق المالية السعودية في الرياض (الشرق الأوسط)
مبنى هيئة السوق المالية السعودية في الرياض (الشرق الأوسط)
TT

صناديق النقد السعودية أمام إعادة ترتيب لاستثماراتها

مبنى هيئة السوق المالية السعودية في الرياض (الشرق الأوسط)
مبنى هيئة السوق المالية السعودية في الرياض (الشرق الأوسط)

تدخل صناديق أسواق النقد السعودية مرحلة جديدة في إدارة السيولة، وإعادة ترتيب محافظها الاستثمارية، مع بدء تطبيق ضوابط تحد من توظيف أموالها خارج المملكة، وتفرض سقفاً للانكشاف الخارجي عند 5 في المائة من صافي أصول الصندوق، بما يفرض على مديريها موازنة أدق بين العائد، والسيولة، والمخاطر.

ولا يعني التنظيم الجديد تخارجاً فورياً من الاستثمارات الخارجية القائمة، إذ منحت هيئة السوق المالية مديري الصناديق فترات انتقالية لتوفيق أوضاع محافظهم، ما يتيح إعادة ترتيب الاستثمارات تدريجياً مع استحقاق الودائع، والمرابحات القائمة، بدلاً من اللجوء إلى عمليات تخارج مبكرة قد تؤثر في عوائد الصناديق، أو كفاءة إدارة السيولة.

وتعزز الضوابط الجديدة حماية المستثمرين من مخاطر الانكشاف الخارجي، بالتزامن مع اشتراط توافر تصنيف ائتماني بدرجة استثمارية للأطراف الخارجية. ويرى محللون ماليون أن الأثر الأبرز للخطوة لن يظهر بالضرورة في تدفقات فورية، وإنما في إعادة تشكيل محافظ صناديق النقد، وطريقة توزيع السيولة بين الأدوات المحلية والخارجية وفق معايير العائد، والسيولة، وجودة الائتمان.

ومع اتساع الخيارات المتاحة أمام مديري الصناديق في السوق السعودية، تفتح إعادة ترتيب المحافظ مساحة أكبر للنظر في أدوات السيولة المحلية، فيما تتيح الفترات الانتقالية التي حددتها الهيئة تنفيذ عملية التعديل تدريجياً، بما يحافظ على مرونة إدارة الاستثمارات القائمة، ويحد من مخاطر إعادة التوظيف السريعة.

رجلان يتحدثان أمام إحدى شاشات الأسهم بالسوق السعودية (رويترز)

تعزيز حماية المستثمرين

وفي هذا السياق قال المحلل المالي عبد الله الجبلي لـ«الشرق الأوسط» إن توجه هيئة السوق المالية يأتي ضمن إطارها التشريعي والتنظيمي الهادف إلى ضبط الاستثمارات ذات المخاطر المرتفعة، وتعزيز حماية المستثمرين، خصوصاً في ظل المتغيرات التي تشهدها الأسواق العالمية، واستمرار حالة عدم اليقين بشأن مسار أسعار الفائدة.

وأوضح الجبلي أن القرار يستهدف خفض مستوى انكشاف صناديق أسواق النقد العاملة في المملكة على الاستثمارات الخارجية، والحد من تأثير التقلبات المرتبطة بها، في وقت لا تزال فيه الرؤية بشأن توقيت ومستوى انخفاض أسعار الفائدة خلال السنوات المقبلة غير واضحة.

وأضاف أن توجه الهيئة لا يقتصر على تحديد سقف للاستثمارات الخارجية، بل يمتد إلى تعزيز الضوابط المتعلقة بالجهات التي يمكن الاستثمار من خلالها، بما يشمل مراعاة التصنيفات الائتمانية، ومستويات الملاءة، والموثوقية، بما يسهم في الحد من المخاطر، والمحافظة على أموال المستثمرين.

وأشار إلى أن الضوابط تستهدف كذلك الحد من تركز استثمارات صناديق النقد في أدوات أو جهات قد تواجه صعوبة في التخارج منها عند الحاجة، بما يعزز مستويات السيولة، ويرفع قدرة الصناديق على التعامل مع المتغيرات السوقية.

وتوقع الجبلي أن تتبع هذه الخطوة إجراءات تنظيمية أخرى قد تشمل أنواعاً مختلفة من الاستثمارات الخارجية، مثل الصناديق العقارية، وصناديق التمويل، والصكوك الأجنبية، وربما تمتد إلى استثمارات الصناديق في الملكية الخاصة خارج المملكة.

وأكد أن هذه التوجهات تعكس حرص هيئة السوق المالية على خفض مستويات المخاطر المرتبطة ببعض الممارسات الاستثمارية، وتعزيز سلامة البيئة الاستثمارية، وحماية المستثمرين في السوق السعودية.

من جانبه قال المحلل المالي طارق العتيق لـ«الشرق الأوسط» إن القرار يستهدف في المقام الأول خفض المخاطر، وتعزيز حماية المستثمرين، وتنظيم توظيف السيولة خارج المملكة بصورة أكثر انضباطاً، موضحاً أن صناديق أسواق النقد تستثمر عادة في الودائع، والمرابحات، والصكوك قصيرة الأجل، وتدير الشركات المالية التابعة للبنوك جزءاً كبيراً منها.

وأضاف أن تقييم الصندوق بالريال لا يعني بالضرورة أن جميع استثماراته داخل المملكة، إذ قد تُوظف بعض السيولة لدى بنوك خليجية أو أجنبية بحثاً عن عوائد أعلى، مشيراً إلى أن القرار يسهم في تقليص هذا الانكشاف، وإعادة جزء من السيولة إلى السوق المحلية.

وبيّن أن منح الصناديق مهلة تصل إلى عامين لتصحيح أوضاعها يراعي طبيعة الودائع، والمرابحات المرتبطة بآجال محددة، إذ قد يؤدي التخارج المبكر منها إلى التأثير في أداء الصندوق، لافتاً إلى أن عدم تجديد الودائع الخارجية خلال هذه الفترة يتيح انتقالاً تدريجياً، ومنظماً.

هيئة السوق المالية السعودية (الشرق الأوسط)

مسار تدريجي لتوفيق الأوضاع

وكانت هيئة السوق المالية السعودية قد فرضت سقفاً جديداً على الاستثمارات الخارجية لصناديق أسواق النقد العامة، بحيث لا يتجاوز استثمار أصول وأموال الصندوق خارج المملكة 5 في المائة من صافي قيمة أصوله، مع منح مديري الصناديق فترات انتقالية لتوفيق أوضاع الاستثمارات القائمة مع المتطلبات الجديدة.

وبموجب تعميم وجهته الهيئة إلى مؤسسات السوق المالية، يتعين على مديري صناديق أسواق النقد العامة التي تتجاوز استثماراتها الخارجية نسبة 5 في المائة اتخاذ الإجراءات اللازمة للالتزام بالسقف المحدد خلال مدة لا تزيد على سنتين من تاريخ التعميم.

ولا يقتصر المتطلب على الاستثمارات الجديدة، إذ ينص التعميم على عدم قيام مدير الصندوق بالاستثمار، أو إبرام أو تجديد أي صفقة من شأنها الإخلال بالنسبة المحددة، إلى حين استكمال إجراءات توفيق الأوضاع.

ووضعت الهيئة إطاراً زمنياً أقصر للصناديق التي تتجاوز استثماراتها الخارجية 20 في المائة من صافي قيمة أصولها، إذ يتعين على مديري هذه الصناديق خفض تلك الاستثمارات إلى ما دون 20 في المائة خلال مدة أقصاها 6 أشهر من تاريخ التعميم.

وبعد ذلك يتعين على مديري الصناديق مواصلة إجراءات توفيق الأوضاع للوصول إلى السقف النهائي البالغ 5 في المائة وفقاً للمتطلب المحدد في التعميم.

ويعني ذلك أن التعميم يميز بين مستويات التعرض للاستثمارات الخارجية؛ فالصناديق التي تتجاوز السقف المحدد مطالبة بتوفيق أوضاعها خلال فترة انتقالية تصل إلى سنتين، في حين تخضع الصناديق التي يتجاوز تعرضها 20 في المائة لمسار أسرع لخفض تلك النسبة أولاً إلى ما دون 20 في المائة.

وبالتوازي مع تحديد سقف الاستثمارات الخارجية، ألزمت الهيئة بأن تكون جميع الاستثمارات الخارجية لصندوق أسواق النقد العام مع أطراف ذات تصنيف ائتماني بدرجة استثمارية صادر عن وكالة تصنيف ائتماني مرخص لها.

وفي حال وجود استثمارات خارجية لا تستوفي هذا الشرط، يتعين على مدير الصندوق اتخاذ الإجراءات اللازمة لتوفيق الأوضاع خلال مدة لا تزيد على سنتين من تاريخ التعميم.

وأكدت هيئة السوق المالية ضرورة التزام مؤسسات السوق المالية بمقتضى التعميم، ونظام السوق المالية ولوائحه التنفيذية، وحددت إدارة التزام برامج الاستثمار الجماعي جهة للاستفسارات المتعلقة بالمتطلبات الجديدة.


تضخم بريطانيا يُصعّب مهمة بنك إنجلترا قبل اجتماع الفائدة

متسوقة في سوبر ماركت في لندن (إ.ب.أ)
متسوقة في سوبر ماركت في لندن (إ.ب.أ)
TT

تضخم بريطانيا يُصعّب مهمة بنك إنجلترا قبل اجتماع الفائدة

متسوقة في سوبر ماركت في لندن (إ.ب.أ)
متسوقة في سوبر ماركت في لندن (إ.ب.أ)

تتجه الأسواق إلى ترجيح إبقاء بنك إنجلترا سعر الفائدة الرئيسي عند 3.75 في المائة في اجتماعه الخميس، رغم ارتفاع التضخم في أغسطس (آب) إلى أعلى مستوى في 5 أشهر عند 3.1 في المائة، في ظل موازنة صانعي السياسة بين تجدد ضغوط الأسعار وضعف سوق العمل واعتدال نمو الأجور.

وأظهرت بيانات مكتب الإحصاءات الوطنية البريطاني أن ارتفاع أسعار الوقود وتذاكر الطيران كان وراء جانب كبير من زيادة التضخم، الذي ارتفع من 2.9 في المائة في يوليو (تموز)، ليبتعد أكثر عن مستهدف بنك إنجلترا البالغ 2 في المائة. ويأتي ذلك في وقت تضيف فيه تداعيات الحرب في الشرق الأوسط وارتفاع أسعار النفط والغاز ضغوطاً جديدة على الاقتصاد البريطاني.

ورغم ارتفاع التضخم، لا يُتوقع أن يعمد البنك إلى رفع الفائدة في اجتماع الخميس، إذ يراقب صانعو السياسة مدى انتقال ارتفاع الأسعار إلى الأجور والتضخم المحلي، في وقت تلفت فيه مؤشرات سوق العمل إلى تباطؤ. كما استقر التضخم الأساسي عند 2.6 في المائة للشهر الرابع على التوالي، ما يوفر للبنك مساحة للتريث في اتخاذ قرار جديد بشأن الفائدة.

وقال سورين ثيرو، كبير الاقتصاديين في معهد المحاسبين القانونيين في إنجلترا وويلز، إن ارتفاع التضخم في أغسطس من غير المرجح أن يؤدي إلى رفع الفائدة في اجتماع الغد، لكنه قد يدفع البنك إلى تبني لهجة أكثر تشدداً ويُبقي الباب مفتوحاً أمام رفع أسعار الفائدة في وقت لاحق من العام.

وتأتي هذه التطورات في وقت أصبحت فيه أسعار الطاقة عاملاً أكثر تأثيراً في مسار التضخم البريطاني، بعد الارتفاع الحاد في أسعار النفط والغاز منذ اندلاع الحرب في الشرق الأوسط، مع استمرار اضطرابات حركة الملاحة عبر مضيق هرمز. ويزيد انتقال تكاليف الطاقة إلى الأسعار من صعوبة مهمة البنك في التمييز بين ضغوط تضخمية مؤقتة وتلك التي قد تستمر لفترة أطول.

وفي الوقت نفسه، تواجه الحكومة البريطانية ضغوطاً متزايدة بسبب ارتفاع تكاليف الاقتراض، مع صعود عوائد السندات الحكومية إلى مستويات مرتفعة. ولامس عائد السندات لأجل 30 عاماً أعلى مستوى له منذ 1998، فيما ارتفع عائد السندات لأجل 10 سنوات إلى أعلى مستوى منذ 2007، ما يزيد تكلفة خدمة الدين ويضيّق هامش المناورة أمام الحكومة في وقت تستعد فيه لموازنة 28 أكتوبر (تشرين الأول).

وقال رئيس الوزراء البريطاني أندي بيرنهام إن ارتفاع التضخم إلى 3.1 في المائة «مصدر قلق»، لكنه أكد أن الصورة الأساسية للاقتصاد تظهر «قدرة على الصمود»، متعهداً باتخاذ «قرارات صعبة» لضمان بقاء الاقتصاد على المسار الصحيح.

وأضاف بيرنهام أن حكومته ستتخذ إجراءات لمساعدة المواطنين، مع الالتزام بالانضباط في إدارة الاقتصاد، مؤكداً أن الحكومة لن تخاطر بمستويات معيشة الناس أو بالاقتصاد ككل.

بيرنهام مغادراً مقر رئاسة الوزراء لحضور جلسة أسئلة رئيس الوزراء في مجلس العموم (رويترز)

من جانبه، قال وزير الخزانة البريطاني جون هايلي إن الحرب في الشرق الأوسط «تؤثر في التضخم في أنحاء العالم، وليس هنا في الداخل فقط»، مشيراً إلى انعكاساتها على فواتير الأسر ومشترياتها وأسعار الوقود. وأضاف أن الحكومة اتخذت إجراءات مبكرة لتوفير «مساحة للتنفس» للأسر والشركات، من بينها خفض الضريبة على فواتير الكهرباء، ووضع سقف لأسعار تذاكر الحافلات عند جنيهين، وخفض الرسوم على الحانات والنوادي وأماكن الموسيقى.

وتضع هذه التصريحات الحكومة أمام معادلة صعبة مع اقتراب إعلان الموازنة، في ظل ضعف المالية العامة وارتفاع تكاليف الاقتراض، في حين يحد استمرار التضخم فوق المستهدف من قدرة بنك إنجلترا على تسريع دورة خفض الفائدة.

كما أن ارتفاع توقعات أسعار الفائدة يفرض ضغوطاً إضافية على المالية العامة البريطانية، إذ ترتفع تكلفة خدمة الدين مع صعود عوائد السندات، ما يجعل أي زيادة جديدة في تكاليف الاقتراض أكثر حساسية بالنسبة للحكومة.

وبينما ترجح الأسواق تثبيت الفائدة في اجتماع الخميس، فإن بقاء التضخم فوق مستهدف البنك قد يعزز لهجته المتشددة، خصوصاً إذا استمرت أسعار الطاقة في الارتفاع وبدأت آثارها تنتقل إلى الأجور والأسعار المحلية. ويظل مسار الفائدة في الاجتماعات اللاحقة مرتبطاً بمدى استمرار هذه الضغوط وبأداء سوق العمل والتضخم الأساسي.

وكانت أسعار الفائدة البريطانية قد اتجهت للانخفاض من ذروة بلغت 5.25 في المائة، وهي الأعلى في 15 عاماً، قبل أن تعيد الحرب في الشرق الأوسط وارتفاع أسعار الطاقة رسم جزء من معادلة التضخم والنمو، ما يجعل قرار البنك غداً اختباراً جديداً لقدرته على الموازنة بين احتواء التضخم وتجنب تشديد السياسة النقدية في اقتصاد تظهر فيه علامات على تباطؤ سوق العمل.


هونغ كونغ ترسم أول خطة خمسية لاقتصادها

الرئيس التنفيذي لهونغ كونغ جون لي لدى إعلان الخطة الخمسية في مؤتمر صحافي يوم الأربعاء (د.ب.أ)
الرئيس التنفيذي لهونغ كونغ جون لي لدى إعلان الخطة الخمسية في مؤتمر صحافي يوم الأربعاء (د.ب.أ)
TT

هونغ كونغ ترسم أول خطة خمسية لاقتصادها

الرئيس التنفيذي لهونغ كونغ جون لي لدى إعلان الخطة الخمسية في مؤتمر صحافي يوم الأربعاء (د.ب.أ)
الرئيس التنفيذي لهونغ كونغ جون لي لدى إعلان الخطة الخمسية في مؤتمر صحافي يوم الأربعاء (د.ب.أ)

كشفت هونغ كونغ عن أول خطة خمسية في تاريخها، واضعة التكنولوجيا والابتكار والإسكان في صدارة أولوياتها الاقتصادية حتى عام 2030، في خطوة تعزز مواءمة المركز المالي العالمي مع الاستراتيجية التنموية للصين، مع تأكيد السلطات أن تبنِّي التخطيط طويل الأجل لن يغير النظام الرأسمالي للمدينة.

وأعلن الرئيس التنفيذي لهونغ كونغ، جون لي، الخطة، الأربعاء، بعد مشاورات حكومية استمرت شهرين مع المشرعين والسكان، وتشمل الاقتصاد والاستثمار والأراضي والإسكان والوظائف والتعليم والصحة، بالتوازي مع تعزيز مكانة المدينة في التمويل والتجارة والخدمات.

وتأتي الخطة بعد إقرار بكين في مارس (آذار) خطتها الخمسية الوطنية حتى عام 2030، في وقت تضع فيه الصين الاكتفاء الذاتي العلمي والتكنولوجي ضمن أهم أولوياتها، مع استثمارات كبيرة في أشباه الموصلات والذكاء الاصطناعي والصناعات المتقدمة.

وتستهدف هونغ كونغ زيادة الإنفاق على البحث والتطوير إلى ما يعادل 3 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي بعد عام 2030، مقارنة بـ1.63 في المائة في 2024، في تحوُّل يعكس رغبتها في توسيع قاعدة اقتصادها خارج الأنشطة المالية والعقارية التقليدية.

وقال لي إن المدينة ستسرِّع مواءمتها مع الاستراتيجيات الوطنية الرئيسية في التكنولوجيا، مع التركيز على الذكاء الاصطناعي والروبوتات والإلكترونيات الدقيقة والطاقة الجديدة والتصنيع المتقدم والمواد الجديدة، إضافة إلى التكنولوجيا المرتبطة بالرعاية الصحية وأنماط الحياة.

وفي الوقت نفسه، تسعى الخطة إلى ترسيخ مكانة هونغ كونغ مركزاً مالياً وبحرياً وتجارياً عالمياً، وتعزيز دورها كأحد أهم المراكز الخارجية لتداول الرنمينبي، فضلاً عن تطوير خدماتها القانونية الدولية وتسوية المنازعات. ووصف لي هونغ كونغ بأنها ستعمل بوصفها «حلقة وصل فائقة» بين الصين والعالم، مع زيادة التكامل مع منطقة «الخليج الكبرى». وشدد على أن اعتماد الخطة الخمسية لا يعني الانتقال إلى نموذج الاقتصاد الموجه، مؤكداً استمرار النظام الرأسمالي الذي ميَّز المدينة بوصفها بوابة للأسواق والاستثمارات الدولية.

محرك للنمو

ويشكِّل مشروع «المتروبوليس الشمالية» أحد أكبر مكونات الاستراتيجية الجديدة. ويمتد المشروع على نحو 30 ألف هكتار بالقرب من الحدود مع البر الرئيسي، ويُراد له أن يصبح مركزاً للتكنولوجيا والأعمال والإسكان ومحركاً جديداً للنمو. وكانت الحكومة قد طرحت المشروع للمرة الأولى في 2021، وتستهدف توفير مساكن لنحو 2.5 مليون شخص عند اكتماله، في محاولة لمعالجة النقص المزمن في الوحدات السكنية، إلى جانب إنشاء منطقة أعمال جديدة وثلاثة مواقع لمجمعات جامعية.

وتقدر السلطات أن المشروع سيوفر نحو 650 ألف وظيفة عند اكتمال تطويره. كما سيغطي في نهاية المطاف نحو ثلث مساحة هونغ كونغ، ما يجعله أحد أكبر مشروعات إعادة تشكيل الاقتصاد والعمران في المدينة.

لكن المشروع يواجه أيضاً تحديات تتعلق بكلفته وتأثيره في المالية العامة والبيئة؛ خصوصاً في وقت تعاني فيه هونغ كونغ من تداعيات تراجع سوق العقارات التي شكلت لسنوات مصدراً رئيسياً للإيرادات الحكومية من خلال مبيعات الأراضي.

اندماج اقتصادي أعمق

وقالت كريستين لو، المسؤولة الحكومية والمشرعة السابقة، إن الخطة تمنح هونغ كونغ أداة للحوكمة تساعدها على تنفيذ تخطيط استراتيجي طويل الأجل.

ويرى ديلان لو، الأستاذ المشارك في جامعة نانيانغ التكنولوجية في سنغافورة، أن الهدف الأساسي يتمثل في مزامنة استراتيجية هونغ كونغ مع الخطة الوطنية للصين، بما يرجح تسارع التشابك الاقتصادي بين المدينة والبر الرئيسي. وتحاول هونغ كونغ من خلال الاستراتيجية الجديدة تحقيق معادلة مزدوجة: الحفاظ على مزاياها التقليدية بوصفها مركزاً مالياً دولياً واقتصاداً مفتوحاً، وفي الوقت نفسه الاستفادة بصورة أكبر من أولويات النمو الصينية في التكنولوجيا والتصنيع والابتكار.

ويجعل نجاح «المتروبوليس الشمالية» وزيادة الإنفاق على البحث والتطوير من السنوات المقبلة اختباراً لقدرة هونغ كونغ على بناء محركات نمو جديدة، من دون التخلي عن الخصائص الاقتصادية التي منحتها تاريخياً دورها بوصفها إحدى أبرز بوابات رأس المال بين الصين والأسواق العالمية.