ما مصير اتفاقيات التجارة العالمية بعد قرار المحكمة العليا الأميركية؟

حاويات شحن مكدسة بينما تستقر أخرى على هياكل شاحنات نقل في ميناء لوس أنجليس (أ.ف.ب)
حاويات شحن مكدسة بينما تستقر أخرى على هياكل شاحنات نقل في ميناء لوس أنجليس (أ.ف.ب)
TT

ما مصير اتفاقيات التجارة العالمية بعد قرار المحكمة العليا الأميركية؟

حاويات شحن مكدسة بينما تستقر أخرى على هياكل شاحنات نقل في ميناء لوس أنجليس (أ.ف.ب)
حاويات شحن مكدسة بينما تستقر أخرى على هياكل شاحنات نقل في ميناء لوس أنجليس (أ.ف.ب)

دخل العالم في حالة من الذهول الدبلوماسي والاقتصادي عقب قرار المحكمة العليا الأميركية إبطال أجزاء واسعة من الرسوم الجمركية التي فرضها الرئيس دونالد ترمب، وهو القرار الذي لم يتوقف أثره عند الحدود الأميركية، بل امتد ليزلزل أركان عشرات الاتفاقيات التجارية التي أبرمتها الإدارة الأميركية خلال الأشهر الماضية.

هذه الاتفاقيات لم تكن مجرد تفاهمات تجارية تقليدية، بل كانت تقوم على مبدأ «المقايضة السيادية»؛ حيث وافقت قوى اقتصادية كبرى على ضخ استثمارات تريليونية، وشراء بضائع أميركية مقابل حمايتها من «مقصلة الرسوم» التي كانت تصل إلى 35 في المائة أو أكثر. واليوم تجد هذه الدول نفسها أمام تساؤل مصيري حول جدوى الاستمرار في تنفيذ التزاماتها المالية، بعد أن أسقط القضاء السلاح الذي كان يشهر بوجوهها.

المأزق الآسيوي وصراع «الأرقام المليارية»

وتُمثل اليابان وكوريا الجنوبية أكثر النماذج وضوحاً لهذا الارتباك؛ فاليابان، التي تُعد الحليف الأبرز لواشنطن في آسيا، وجدت نفسها «مقيدة» باتفاق يقضي بتمويل مشروعات داخل الولايات المتحدة بقيمة 550 مليار دولار، مقابل سقف رسوم بنسبة 15 في المائة، وفق صحيفة «نيويورك تايمز».

ومع إعلان طوكيو هذا الأسبوع عن البدء الفعلي لبناء محطة غاز في ولاية أوهايو بوصفها جزءاً من الدفعة الأولى، برزت أصوات داخل الحكومة اليابانية تتساءل عن «عدالة» الصفقة، خصوصاً بعد أن نجحت سيول في انتزاع شروط أفضل بالتزامات قيمتها 350 مليار دولار فقط.

هذا التفاوت، مضاف إليه قرار المحكمة العليا، جعل المسؤولين في طوكيو وسيول يشعرون بأنهم قد دفعوا ثمناً باهظاً مقابل حماية لم يعد لها وجود قانوني صلب، ما يضع مستقبل هذه الاستثمارات الضخمة في خانة المراجعة القاسية.

أسود البحر تستريح على مقدمة سفينة حاويات في ميناء لوس أنجليس (أ.ف.ب)

الصين والمناورة الكبرى

أما الصين، الهدف الأول والأساسي في «حرب ترمب»، فقد شهدت وضعاً مختلفاً؛ إذ إن قرار المحكمة العليا أزال طبقات معينة من الرسوم، مثل الرسم العام بنسبة 10 في المائة، لكنه أبقى على «الرسوم النوعية» التي لا تمسها سلطة المحكمة، مثل رسوم الـ100 في المائة على السيارات الكهربائية.

ورداً على ذلك، كشف تقرير صحيفة «نيويورك تايمز» عن استراتيجية صينية بالغة الذكاء تعتمد على نقل عمليات التجميع النهائي إلى دول الجوار في جنوب شرق آسيا وأميركا اللاتينية، ما يسمح للبضائع الصينية بدخول الأسواق الأميركية تحت رايات دول أخرى.

وتقوم الاستراتيجية الصينية على إخراج البضاعة من الصين بكونها مكونات نصف مصنعة، ويتم تركيبها في دولة ثالثة، ثم تُصدر إلى الولايات المتحدة بصفتها منتجاً من «فيتنام» أو «المكسيك»، ما يسمح لها بالاستفادة من الرسوم المنخفضة لتلك الدول والهروب من «مقصلة الرسوم» التي فرضها ترمب على المنتجات الآتية من الصين مباشرة.

أوروبا وبريطانيا

وفي القارة الأوروبية، يُخيم التوتر على العلاقات التجارية؛ فالإجماع داخل الاتحاد الأوروبي على شراء طاقة أميركية بقيمة 750 مليار دولار وزيادة الاستثمارات بـ600 مليار دولار يبدو اليوم مهدداً أكثر من أي وقت مضى. وقد زاد من تعقيد المشهد ربط الرئيس ترمب لهذه الصفقات بطموحاته السياسية في غرينلاند، ما دفع قطاعات الصناعة الألمانية إلى المطالبة بتوضيحات فورية حول ما إذا كانت هذه الالتزامات المالية لا تزال ضرورية.

وبالمثل، تجد بريطانيا نفسها في مأزق مشابه؛ فهي رغم كونها أول من وقع اتفاقاً مع ترمب، فإنها لا تزال عالقة في مفاوضات حول معايير المنتجات الزراعية والضرائب الرقمية، وهي ملفات حساسة قد تنفجر في أي لحظة إذا ما حاولت واشنطن تعويض خسارتها القضائية بفرض شروط تجارية أكثر قسوة على لندن.

مستقبل مجهول

في محاولة للالتفاف على «صفعة» المحكمة العليا، لم يتأخر ترمب في إعلان اللجوء إلى سلطة قانونية قديمة تعود لنصف قرن، تتيح له فرض رسم عالمي بنسبة 10 في المائة (رفعه لاحقاً لـ15 في المائة) بدعوى موازنة العجز التجاري. وهذا التخبط بين قوانين تم إبطالها وقوانين يتم استدعاؤها من الأرشيف، أوجد حالة من الشلل في سلاسل التوريد العالمية؛ حيث باتت الشركات لا تعرف تحت أي سماء جمركية ستصل بضائعها للموانئ الأميركية.

وبينما يصر البيت الأبيض على أن «الصفقات ستبقى قائمة»، يرى محللون أن العالم اليوم أمام مشهد تجاري مشوه؛ حيث تحاول القوى العظمى الموازنة بين الحفاظ على علاقتها مع واشنطن وحماية ثرواتها من أن تتبدد في صفقات فقدت توازنها القانوني.


مقالات ذات صلة

المكسيك وأوروبا توقعان اتفاقاً تجارياً لتقليل الاعتماد على أميركا

الاقتصاد وزير الاقتصاد المكسيكي مارسيلو إبرارد (يمين) يصافح المفوض الأوروبي للتجارة والأمن الاقتصادي ماروس سيفكوفيتش خلال افتتاح قمة الأعمال المكسيكية الأوروبية في مكسيكو سيتي (إ.ب.أ)

المكسيك وأوروبا توقعان اتفاقاً تجارياً لتقليل الاعتماد على أميركا

تستعد المكسيك والاتحاد الأوروبي لتوقيع اتفاق تجارة حرة جديد طال انتظاره، في خطوة تحمل أبعاداً اقتصادية وجيوسياسية واضحة بتقليص الاعتماد على أميركا.

«الشرق الأوسط» (مكسيكو سيتي)
الاقتصاد لقاء سابق بين الرئيسين الصيني شي جينبينغ والأميركي دونالد ترمب في كوريا الجنوبية (رويترز)

الصين وأميركا تعيدان رسم ملامح الهدنة التجارية بحذر

بدأت الصين وأميركا الدخول في مرحلة جديدة من إدارة الحرب التجارية بينهما، بعدما أعلنت بكين استعدادها للعمل مع واشنطن على خفض متبادل للرسوم الجمركية

«الشرق الأوسط» (بكين-واشنطن)
الاقتصاد أعضاء بالبرلمان الأوروبي يشاركون في جلسة للتصويت على تشريع يهدف إلى خفض الرسوم على الواردات الأميركية في بروكسل شهر مارس 2026 (رويترز)

الاتحاد الأوروبي يقرُّ تنفيذ الاتفاقية التجارية مع واشنطن لتفادي رسوم ترمب التصعيدية

توصل مشرِّعو الاتحاد الأوروبي والدول الأعضاء، في الساعات الأولى من صباح الأربعاء، إلى اتفاق بشأن تنفيذ الاتفاقية التجارية التي أبرمها التكتل مع الولايات المتحدة

«الشرق الأوسط» (ستراسبورغ (فرنسا))
الاقتصاد ترمب يسير مع شي في معبد السماء ببكين 14 مايو 2026 (أ.ب)

الصين وأميركا قد تخفضان الرسوم الجمركية لتعزيز التبادل التجاري

أعلنت وزارة التجارة الصينية أن الصين والولايات المتحدة اتفقتا على زيادة التجارة الزراعية من خلال خفض الرسوم الجمركية ومعالجة العقبات والوصول للأسواق

«الشرق الأوسط» (بكين)
الاقتصاد يتهم المستهلكون «أمازون» بجمع مئات الملايين من الدولارات من تكاليف الرسوم الجمركية غير القانونية (رويترز)

مستهلكون يقاضون «أمازون» لاسترداد تكاليف الرسوم الجمركية الملغاة

رفع مستهلكون دعوى قضائية ضد «أمازون» للمطالبة باسترداد تكاليف تم تحميلها عليهم في شكل زيادات سعرية نتيجة الرسوم الجمركية التي ألغتها المحكمة العليا بأميركا.

«الشرق الأوسط» (لندن)

روبيو يروّج لإمدادات الطاقة الأميركية خلال زيارة للهند

حقل نفط في ولاية تكساس (رويترز)
حقل نفط في ولاية تكساس (رويترز)
TT

روبيو يروّج لإمدادات الطاقة الأميركية خلال زيارة للهند

حقل نفط في ولاية تكساس (رويترز)
حقل نفط في ولاية تكساس (رويترز)

ناقش وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، السبت، قضايا التجارة والطاقة مع رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي خلال زيارة تهدف إلى تعزيز العلاقات التي تأثرت بالرسوم الجمركية التي فرضتها واشنطن، وتواصلها مع باكستان والصين، وهو ما لا يروق لنيودلهي.

وأشار إيجاز للاجتماع نشرته الولايات المتحدة إلى أن روبيو، الذي قال قبل الزيارة إن الولايات المتحدة ترغب في بيع الطاقة للهند، ضغط في هذا الاتجاه، وأبلغ مودي بأن «منتجات الطاقة الأميركية تتيح القدرة على تنويع إمدادات الطاقة في الهند».

وأضاف مكتب روبيو أن الوزير الأميركي «شدد على أن الولايات المتحدة لن تسمح لإيران بالسيطرة على سوق الطاقة العالمية». وتقوّض أزمة الطاقة التي أفرزتها الحرب على إيران جهود الولايات المتحدة الرامية إلى إبعاد الهند عن النفط الروسي.

وقال روبيو للصحافيين بعد اجتماعه مع مودي: «تعد الهند حجر الزاوية في نهج الولايات المتحدة تجاه منطقة المحيطين الهندي والهادي، ليس فقط من خلال (الرباعية)، ولكن على الصعيد الثنائي أيضاً»، وذلك في إشارة إلى الشراكة الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وأستراليا والهند واليابان. ورغم إلغاء كثير من الرسوم الجمركية بموجب اتفاق مؤقت، لم يتوصل البلدان بعدُ إلى اتفاق شامل بشأن التجارة.

وفي الوقت نفسه، تقاربت الولايات المتحدة مع باكستان المجاورة للهند، والتي تجمعها بها خصومة؛ إذ صارت إسلام آباد طرفاً محورياً في الجهود الرامية إلى إنهاء حرب إيران، وهو عامل جديد يثير التوتر في العلاقات بين الولايات المتحدة والهند.

وقالت الحكومة الهندية في بيان إنه في حين لم يذكر مودي إيران بشكل محدد في اجتماع السبت، فقد جدد التأكيد على دعم الهند لجهود السلام، ودعا إلى حل سلمي للصراع من خلال الحوار والدبلوماسية.

وأشار السفير الأميركي لدى الهند سيرجيو جور إلى أن روبيو وجّه دعوة نيابة عن الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى مودي لزيارة البيت الأبيض في المستقبل القريب.


مصر: بدء عمليات الحفر بحقل «نرجس» للغاز بالبحر المتوسط

بدوي يتفقد عمليات بدء الحفر ببئر «نرجس» للغاز بالبحر المتوسط (وزارة البترول)
بدوي يتفقد عمليات بدء الحفر ببئر «نرجس» للغاز بالبحر المتوسط (وزارة البترول)
TT

مصر: بدء عمليات الحفر بحقل «نرجس» للغاز بالبحر المتوسط

بدوي يتفقد عمليات بدء الحفر ببئر «نرجس» للغاز بالبحر المتوسط (وزارة البترول)
بدوي يتفقد عمليات بدء الحفر ببئر «نرجس» للغاز بالبحر المتوسط (وزارة البترول)

أعلنت وزارة البترول المصرية، السبت، بدء عمليات حفر بئر جديدة بحقل نرجس للغاز الطبيعي بالبحر المتوسط.

والحقل تستثمر فيه شركة «شيفرون» العالمية كمشغل رئيسي، بالشراكة مع شركة «إيني» الإيطالية، إلى جانب شركتي «مبادلة» الإماراتية و«ثروة» للبترول المصرية.

وأوضح بيان صحافي صادر عن وزارة البترول أن وزير البترول كريم بدوي تفقد انطلاق أعمال الحفر من على متن سفينة الحفر «ستينا فورث»، التي وصلت إلى مصر قبل أيام لبدء أعمالها بالحقل، يرافقه عدد من قيادات قطاع البترول وشركتي «شيفرون» و«إيني».

سفينة الحفر «ستينا فورث» التي وصلت إلى مصر قبل أيام لبدء أعمالها بالحقل (وزارة البترول)

وأكد الوزير أن «بدء حفر البئر الجديدة يأتي ضمن جهود وزارة البترول والثروة المعدنية لتحفيز الشركات العالمية على التعجيل بتنفيذ خطط استغلال اكتشافات الغاز غير المنماة، ومن بينها حقل نرجس، ووضعها على خريطة مشروعات التنمية والإنتاج، لما لها من تأثير إيجابي في زيادة الإنتاج المحلي من الغاز الطبيعي وتقليل فاتورة الاستيراد، وهو ما يمثل أحد الأهداف الرئيسية للوزارة».

وأشاد الوزير بتحالف الشركاء في الحقل، وفي مقدمتها شركة «شيفرون» القائمة بالعمليات وشركة «إيني» الإيطالية، مثمناً التزامها بالعمل مع قطاع البترول المصري في إطار منظومة تعاون وتكامل نجحت فى إزالة التحديات، ومن ثم الالتزام بإطلاق أعمال الحفر بالحقل، من خلال عمل تكاملي مشترك بين الوزارة والشركة المصرية القابضة للغازات الطبيعية «إيجاس» وشركتي «شيفرون» و«إيني»، بما يهدف لوضع حقل نرجس على خريطة العمل والإسراع بخطط إنتاج الغاز منه.


الهند وكندا تبحثان إبرام اتفاقية للتجارة الحرة

رئيس الوزراء الكندي مارك كارني مع نظيره الهندي ناريندرا مودي قبل اجتماعهما في منزل حيدر آباد في نيودلهي 2 مارس 2026 (رويترز)
رئيس الوزراء الكندي مارك كارني مع نظيره الهندي ناريندرا مودي قبل اجتماعهما في منزل حيدر آباد في نيودلهي 2 مارس 2026 (رويترز)
TT

الهند وكندا تبحثان إبرام اتفاقية للتجارة الحرة

رئيس الوزراء الكندي مارك كارني مع نظيره الهندي ناريندرا مودي قبل اجتماعهما في منزل حيدر آباد في نيودلهي 2 مارس 2026 (رويترز)
رئيس الوزراء الكندي مارك كارني مع نظيره الهندي ناريندرا مودي قبل اجتماعهما في منزل حيدر آباد في نيودلهي 2 مارس 2026 (رويترز)

أعلن وزير التجارة والصناعة الهندي بيوش غويال، السبت، أن الهند وكندا سوف تعقدان محادثات بشأن إبرام اتفاقية تجارة حرة مقترحة، وذلك خلال الفترة من 25 إلى 27 مايو (أيار) الحالي، حسبما أفادت وكالة «بلومبرغ».

ونقلت «بلومبرغ» عن غويال قوله للصحافيين، إنه سيلتقي خلال زيارته لكندا رئيس الوزراء مارك كارني، وكذلك نظيره الكندي المسؤول عن ملف التجارة. كما ستشمل الزيارة اجتماعات مع صناديق التقاعد الكندية. ويرافق الوزير وفد تجاري يضم أكثر من 150 شخصاً.

وأعرب غويال عن توقعه بأن تصبح كندا شريكاً للهند في المعادن الحيوية، في إطار سعي نيودلهي لتأمين سلاسل توريد الموارد الأساسية.

وكان مسؤولون من الهند وكندا التقوا في وقت سابق من هذا الشهر لإجراء مباحثات تجارية.

وكان رئيس الوزراء الكندي مارك كارني، ونظيره الهندي ناريندرا مودي، قد تعهدا في وقت سابق من هذا العام بتعميق التعاون في مجالي التجارة وسلاسل التوريد، وذلك خلال أول زيارة رسمية لكارني إلى الهند، حيث يسعى البلدان إلى إعادة ضبط علاقاتهما بعد سنوات من التوتر.

ومن بين حزمة المبادرات التي أعلنها كارني، اتفاقية بقيمة 2.6 مليار دولار كندي (1.9 مليار دولار) لتوسيع شحنات اليورانيوم الكندي إلى الهند لأغراض توليد الطاقة النووية.