الاقتصاد السعودي يكسر حاجز التوقعات ويسجل أعلى نمو في 3 سنوات

الأنشطة غير النفطية قادت النمو بـ4.9 %

العاصمة السعودية الرياض (واس)
العاصمة السعودية الرياض (واس)
TT

الاقتصاد السعودي يكسر حاجز التوقعات ويسجل أعلى نمو في 3 سنوات

العاصمة السعودية الرياض (واس)
العاصمة السعودية الرياض (واس)

اختتم الاقتصاد السعودي عام 2025 بأداء فاق التوقعات، مسجلاً نمواً لافتاً بلغت نسبته 4.5 في المائة على أساس سنوي. هذا الأداء لم يتجاوز فقط تقديرات صندوق النقد الدولي الأخيرة البالغة 4.3 في المائة؛ بل سجل أيضاً أعلى معدل نمو للمملكة خلال السنوات الثلاث الماضية، مقارنة بـ2.7 في المائة في عام 2024، و0.5 في المائة في عام 2023.

ومع هذا الزخم القوي، تتجه الأنظار نحو عام 2026؛ حيث تشير مستهدفات وزارة المالية إلى مواصلة منحى الصعود للوصول إلى نمو بنسبة 4.6 في المائة، مما يرسخ مكانة المملكة كواحدة من أسرع الاقتصادات نمواً واستقراراً في المنطقة.

وتعكس هذه النتائج مرونة اقتصادية عالية، جاءت منسجمة مع التوجهات الاستراتيجية التي أعلنتها وزارة المالية في بيان ميزانية عام 2026، والتي أكدت أهمية استدامة النمو وتوسيع قاعدة محركاته بما يتوافق مع مستهدفات «رؤية 2030».

محطة مفصلية

وشكَّل عام 2025 محطة مفصلية في مسار التحول الاقتصادي؛ إذ أظهرت البيانات السنوية توازناً واضحاً في مساهمات القطاعات المختلفة. فقد سجلت الأنشطة النفطية أعلى معدلات النمو السنوي بنسبة 5.6 في المائة، مساهمة بنحو 1.4 نقطة مئوية في إجمالي الناتج المحلي.

وفي المقابل، واصلت الأنشطة غير النفطية ترسيخ دورها بوصفها المحرك الرئيس للنمو، محققة نمواً سنوياً بلغ 4.9 في المائة، لتسهم بنحو 2.7 نقطة مئوية، في حين حافظت الأنشطة الحكومية على مسار نمو معتدل بنسبة 0.9 في المائة، وفقاً للتقديرات السريعة الصادرة عن الهيئة العامة للإحصاء.

وكانت وزارة المالية قد قدَّرت نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنسبة 4.6 في المائة خلال عام 2025، مدفوعاً بشكل رئيس بنمو الأنشطة غير النفطية التي باتت تشكل الركيزة الأساسية للنشاط الاقتصادي.

تسارع ملحوظ

وعلى مستوى الأداء الربعي، شهد الربع الرابع من عام 2025 تسارعاً ملحوظاً؛ حيث نما الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 4.9 في المائة على أساس سنوي، مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق.

وتميز هذا الربع بطفرة في نمو الأنشطة النفطية التي سجلت ارتفاعاً بنسبة 10.4 في المائة، مساهمة بنحو 2.5 نقطة مئوية في النمو، في حين استقر نمو الأنشطة غير النفطية عند 4.1 في المائة، بمساهمة بلغت 2.3 نقطة مئوية، بما يعكس تكاملاً واضحاً بين القطاعين.

أما على أساس ربعي معدل موسمياً، فقد حقق الاقتصاد نمواً بنسبة 1.1 في المائة في الربع الرابع مقارنة بالربع الثالث من العام نفسه. وقادت الأنشطة النفطية هذا الأداء بنمو ربعي بلغ 1.4 في المائة، تلتها الأنشطة غير النفطية بنسبة 1.3 في المائة، بينما سجلت الأنشطة الحكومية تراجعاً طفيفاً بنسبة 0.2 في المائة.

تحول هيكلي

وفي هذا السياق، قال المستشار المالي والاقتصادي الدكتور حسين العطاس -في تصريح لـ«الشرق الأوسط»- إن نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنسبة 4.5 في المائة خلال عام 2025 يعكس نجاح السياسات الاقتصادية والمالية في ترسيخ تنويع فعلي لمصادر النمو، وليس مجرد تحسن دوري مرتبط بأسعار النفط.

وأوضح أن التقارير الحديثة تشير إلى أن القطاع غير النفطي بات يشكل نحو 55 إلى 56 في المائة من الناتج المحلي الحقيقي، مع تسجيل نمو غير نفطي يقارب 5 في المائة خلال عام 2025، جاء مدفوعاً بقطاعات التصنيع، والتجارة، والنقل واللوجستيات، والسياحة، والخدمات.

وأكد أن هذه المؤشرات تعكس تحولاً هيكلياً حقيقياً يتماشى مع مستهدفات «رؤية 2030»، ويعزز من مرونة الاقتصاد في مواجهة تقلبات أسعار النفط مقارنة بالسنوات الماضية.

نمو مستدام

وحول القدرة على الحفاظ على زخم النمو في ظل تذبذب أسعار النفط، أشار العطاس إلى أن ذلك يظل ممكناً إلى حد بعيد، مبيناً أن النفط سيبقى عاملاً مؤثراً، إلا أن اتساع القاعدة غير النفطية يسهم في تقليل حساسية النمو لدورات النفط، إلى جانب دور الإصلاحات المالية، وبرامج الخصخصة، وتعزيز مشاركة القطاع الخاص، والاستثمار الأجنبي في خلق مصادر نمو مستدامة.

وأضاف أن وكالات التصنيف والمؤسسات الدولية تشير -حتى في سيناريوهات تقلُّب أسعار النفط- إلى قدرة الاقتصاد السعودي على الحفاظ على نمو غير نفطي قوي، يتراوح بين 4.5 و5.5 في المائة على المدى المتوسط، بما يدعم الاستقرار الاقتصادي الكلي.

وفيما يتعلق بتوقعات عام 2026، رجَّح العطاس استمرار تحقيق نمو قوي يتراوح بين 4.3 و4.6 في المائة، مع مساهمة متوازنة من القطاعين النفطي وغير النفطي، ولا سيما في ظل التحسن التدريجي في مستويات الإنتاج النفطي، واستمرار زخم الاستثمار المحلي والأجنبي.

السياحة والترفيه

وأشار في هذا الإطار إلى أن بعض البنوك العالمية، من بينها «ستاندرد تشارترد»، تتوقع نمواً قريباً من 4.5 في المائة خلال عام 2026، ما يعكس مستوى الثقة في استدامة المسار الاقتصادي للمملكة.

وعن القطاعات غير النفطية المرشحة لقيادة النمو خلال المرحلة المقبلة، أوضح العطاس أن في مقدمتها السياحة والترفيه والضيافة، مدفوعة بالمشروعات الكبرى والفعاليات العالمية، وتوسُّع الطاقة الاستيعابية، إضافة إلى قطاع الصناعة، ولا سيما التصنيع المتقدم والصناعات التحويلية والبتروكيميائيات ذات القيمة المضافة.

كما أشار إلى قطاع التعدين بوصفه أحد محاور التنويع الجديدة، إلى جانب قطاعَي النقل واللوجستيات مع تحول المملكة إلى مركز إقليمي وعالمي لسلاسل الإمداد، فضلاً عن التقنية والاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي، والطاقة المتجددة، والهيدروجين الأخضر، ضمن التحول في مزيج الطاقة وتعزيز استدامة النمو.


مقالات ذات صلة

الصين تشدد الرقابة المالية وتفتح التمويل الخارجي

الاقتصاد معرض للتوظيف في مدينة هاربين شمال شرقي الصين (أ.ف.ب)

الصين تشدد الرقابة المالية وتفتح التمويل الخارجي

تسعى الصين إلى إعادة ضبط سياستها الاقتصادية عبر مزيج من تشديد الرقابة على القطاع المالي وتوسيع الانفتاح الخارجي...

«الشرق الأوسط» (بكين)
الاقتصاد شاشة تعرض سعر سهم «إكسون موبيل» في قاعة تداول بورصة نيويورك (إ.ب.أ)

«إكسون» الأميركية تواجه انتكاسة بعد استهداف استثماراتها الحيوية في الغاز القطري

تعرضت الاستثمارات الحيوية لعملاق الطاقة الأميركي «إكسون موبيل» في الغاز القطري لانتكاسة استراتيجية غير مسبوقة.

«الشرق الأوسط» (هيوستن)
الاقتصاد الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال استقبال رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي في البيت الأبيض مساء الخميس (رويترز)

تاكايتشي تعلن أن اليابان قد تبدأ بتخزين النفط الأميركي محلياً

قالت رئيسة الوزراء اليابانية خلال زيارتها للولايات المتحدة إن طوكيو قد تبدأ بتخزين النفط الأميركي محلياً في اليابان

«الشرق الأوسط» (طوكيو)
الاقتصاد جانب من حقل بارس الجنوبي على الساحل الغربي لإيران في الخليج العربي (أ.ف.ب)

تحركات دولية عاجلة لاحتواء أزمة النفط من زيادة المعروض إلى إدارة الاستهلاك

تسارعت التحركات الدولية لاحتواء تداعيات أزمة الطاقة العالمية مع تصاعد التوترات في الشرق الأوسط

«الشرق الأوسط» (عواصم)
الاقتصاد منشآت إنتاج الغاز الطبيعي المسال التابعة لشركة «قطر للطاقة» (أرشيفية - رويترز)

صندوق النقد الدولي: «مصدات» الخليج ومرونة التصدير تمتصان صدمة الحرب

أكد صندوق النقد الدولي أن الأثر الاقتصادي للنزاع الراهن على دول مجلس التعاون الخليجي سيتوقف بشكل مباشر على «مدة الأزمة ونطاقها وكثافتها».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

وزير الطاقة الأميركي: النفط الإيراني يتدفق للأسواق خلال 45 يوماً

وزير الطاقة الأميركي كريس رايت (إ.ب.أ)
وزير الطاقة الأميركي كريس رايت (إ.ب.أ)
TT

وزير الطاقة الأميركي: النفط الإيراني يتدفق للأسواق خلال 45 يوماً

وزير الطاقة الأميركي كريس رايت (إ.ب.أ)
وزير الطاقة الأميركي كريس رايت (إ.ب.أ)

أعلن وزير الطاقة الأميركي، كريس رايت، أن النفط الإيراني «غير الخاضع للعقوبات» قد يتدفق ويُستوعب بالكامل في الأسواق العالمية خلال فترة زمنية وجيزة تتراوح بين 30 و45 يوماً.

وأكد رايت في مقابلة مع «فوكس نيوز» أن هذه الكميات الإضافية ستوجه بشكل أساسي لسد الاحتياجات المتزايدة للمستهلكين في آسيا، الذين يواجهون نقصاً حاداً بسبب اضطرابات سلاسل الإمداد.

ويأتي هذا الإعلان تزامناً مع بدء واشنطن عملية سحب منسقة من الاحتياطي النفطي الاستراتيجي ستستمر لعدة أشهر.

وأكد رايت أن عمليات السحب من الاحتياطي الاستراتيجي لن تكون عشوائية، بل ستتم بجدول زمني يمتد للأشهر القادمة، لضمان استقرار الأسعار التي بدأت تقترب من مستويات حرجة، مما يعطي إشارة واضحة للمتداولين بأن واشنطن مستعدة لاستخدام أسلحتها النفطية لمواجهة أي نقص ناتج عن إغلاق مضيق هرمز.

وشدد على أن واشنطن تؤدي دورها القيادي ضمن خطة «الإطلاق المنسق» لضمان وصول الخام إلى الأسواق الأكثر تضرراً من اضطرابات سلاسل الإمداد.


الصين تشدد الرقابة المالية وتفتح التمويل الخارجي

معرض للتوظيف في مدينة هاربين شمال شرقي الصين (أ.ف.ب)
معرض للتوظيف في مدينة هاربين شمال شرقي الصين (أ.ف.ب)
TT

الصين تشدد الرقابة المالية وتفتح التمويل الخارجي

معرض للتوظيف في مدينة هاربين شمال شرقي الصين (أ.ف.ب)
معرض للتوظيف في مدينة هاربين شمال شرقي الصين (أ.ف.ب)

تسعى الصين إلى إعادة ضبط سياستها الاقتصادية عبر مزيج من تشديد الرقابة على القطاع المالي وتوسيع الانفتاح الخارجي، في وقت تواجه فيه تباطؤاً في تدفقات الاستثمار الأجنبي. وتعكس هذه التحركات، التي شملت طرح مشروع قانون مالي جديد وتخفيف قيود الإقراض الخارجي، محاولة بكين تحقيق توازن دقيق بين الاستقرار المالي وتحفيز النمو في بيئة عالمية متقلبة.

وفي خطوة تعكس تشدد السلطات الصينية تجاه المخاطر المالية، كشفت بكين عن مشروع قانون جديد يهدف إلى تعزيز الإشراف على القطاع المالي وفرض عقوبات أشد على الأنشطة غير القانونية.

يأتي هذا التوجه في سياق جهود مستمرة منذ سنوات للحد من المخاطر النظامية، خصوصاً في ظل التوسع الكبير بالأنشطة المالية غير المنظمة وتراكم الديون في بعض القطاعات.

ويرى صناع القرار في الصين أن تعزيز الإطار القانوني والرقابي أصبح ضرورة ملحة لضمان استقرار النظام المالي، خصوصاً مع التحديات التي تواجه الاقتصاد، من تباطؤ النمو إلى أزمة القطاع العقاري. ومن شأن تشديد العقوبات على المخالفات المالية أن يعزز الانضباط في السوق ويحد من الممارسات عالية المخاطر؛ مما يدعم ثقة المستثمرين على المدى الطويل.

وفي المقابل، لم تقتصر التحركات على التشديد، بل شملت أيضاً خطوات لتوسيع الانفتاح المالي. فقد أعلن «البنك المركزي الصيني» و«هيئة تنظيم النقد الأجنبي» عن رفع سقف الإقراض الخارجي للشركات المحلية، في خطوة تهدف إلى دعم أنشطتها العابرة للحدود وتسهيل حصولها على التمويل. ومن المقرر أن تدخل هذه القواعد حيز التنفيذ في 20 أبريل (نيسان) المقبل؛ مما يعكس رغبة بكين في تمكين شركاتها من التوسع عالمياً وتعزيز تنافسيتها.

ويعكس هذا التوجه ازدواجية واضحة في السياسة الاقتصادية الصينية، بين تشديد داخلي لضبط المخاطر، وانفتاح خارجي لدعم النمو. فمن جهة، تسعى الحكومة إلى منع تراكم الاختلالات المالية، ومن جهة أخرى، تحاول تحفيز النشاط الاقتصادي عبر تسهيل تدفقات رأس المال وتعزيز قدرة الشركات على الاستثمار خارجياً.

لكن هذه الإصلاحات تأتي في وقت تظهر فيه مؤشرات على تراجع جاذبية السوق الصينية للاستثمار الأجنبي. فقد أظهرت بيانات وزارة التجارة أن تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر انخفضت بنسبة 5.7 في المائة على أساس سنوي خلال أول شهرين من العام، لتصل إلى 161.5 مليار يوان (23.46 مليار دولار)؛ مما يعكس استمرار التحديات التي تواجه بيئة الاستثمار في البلاد.

ويُعزى هذا التراجع إلى عوامل عدة، من بينها التباطؤ الاقتصادي العالمي، والتوترات الجيوسياسية، إضافة إلى المخاوف المتعلقة بالإطار التنظيمي داخل الصين. كما أن ضعف الطلب المحلي، خصوصاً في قطاع العقارات، يلعب دوراً في تقليل جاذبية السوق للمستثمرين الأجانب.

وفي محاولة لمعالجة هذه التحديات، تكثف بكين جهودها لتعزيز الثقة لدى المستثمرين الدوليين. وفي هذا السياق، جاء لقاء وزير التجارة الصيني، وانغ وينتاو، مع الرئيس التنفيذي لشركة «أبل»، تيم كوك، في بكين، حيث أكد الأخير أهمية السوق الصينية للشركة، مشيراً إلى تقدير «أبل» الحوافز الحكومية التي تهدف إلى تحفيز الاستهلاك.

ويحمل هذا اللقاء دلالات مهمة؛ إذ يعكس سعي الصين إلى الحفاظ على علاقاتها مع الشركات الكبرى متعددة الجنسية، التي تعد عنصراً أساسياً في جذب الاستثمار ونقل التكنولوجيا. كما يشير إلى أن بكين تراهن على تحفيز الاستهلاك المحلي بوصفه أحد محركات النمو في المرحلة المقبلة.

واقتصادياً، تعكس هذه التطورات مرحلة انتقالية تمر بها الصين، حيث تحاول إعادة توجيه نموذجها الاقتصادي من الاعتماد على الاستثمار والصادرات إلى التركيز بشكل أكبر على الاستهلاك المحلي والتكنولوجيا المتقدمة. وفي هذا الإطار، تلعب السياسات المالية والتنظيمية دوراً محورياً في تحقيق هذا التحول.


«إكسون» الأميركية تواجه انتكاسة بعد استهداف استثماراتها الحيوية في الغاز القطري

شاشة تعرض سعر سهم «إكسون موبيل» في قاعة تداول بورصة نيويورك (إ.ب.أ)
شاشة تعرض سعر سهم «إكسون موبيل» في قاعة تداول بورصة نيويورك (إ.ب.أ)
TT

«إكسون» الأميركية تواجه انتكاسة بعد استهداف استثماراتها الحيوية في الغاز القطري

شاشة تعرض سعر سهم «إكسون موبيل» في قاعة تداول بورصة نيويورك (إ.ب.أ)
شاشة تعرض سعر سهم «إكسون موبيل» في قاعة تداول بورصة نيويورك (إ.ب.أ)

تعرَّضت الاستثمارات الحيوية لعملاق الطاقة الأميركي «إكسون موبيل» في قطاع الغاز القطري لانتكاسة استراتيجية غير مسبوقة، إثر هجمات إيرانية طالت «الجيل العملاق» من وحدات التسييل التي تشكل عصب الإمدادات العالمية. فالاستهداف الإيراني لم يطل الغاز القطري فحسب، بل أصاب استثمارات أميركية حيوية عابرة للقارات.

ففي تصريحات أدلى بها لـ«رويترز»، كشف الرئيس التنفيذي لشركة «قطر للطاقة»، سعد الكعبي، أن اثنين من أصل 14 وحدة لتسييل الغاز الطبيعي، بالإضافة إلى منشأة لتحويل الغاز إلى سوائل، قد تضررت جرَّاء الهجمات. وقد تم استهداف وحدتي الإنتاج «إس 4» و«إس 6» اللتين تمثلان الركائز الأساسية لمحفظة الغاز المسال العالمية لشركة «إكسون موبيل»، حيث تمتلك فيهما حصصاً بنسبة 34 في المائة و30 في المائة على التوالي.

وتُصنف هذه الوحدات ضمن «الجيل العملاق» لخطوط الإنتاج؛ فتعطُّل الوحدة «إس 4» يقطع شريان الإمداد عن شركة «إديسون» الإيطالية و«إي دي إف تي» في بلجيكا، بينما يؤدي توقف «إس 6» إلى ارتباك حاد في إمدادات شركة «كوغاس» الكورية الجنوبية، وشركتي «شل» و«إي دي إف تي» في السوق الصينية.

وبكلمات تعكس حجم الذهول، وصف الكعبي، المشهد قائلاً: «لم يخطر ببالي قط أن تتعرض قطر والمنطقة لمثل هذا الهجوم، لا سيما من دولة شقيقة مسلمة في شهر رمضان المبارك». هذا الذهول السياسي ترجمته أرقام؛ إذ أعلن عن تعطيل 17 في المائة من طاقة قطر التصديرية، وخسارة سنوية ضخمة تقدر بنحو 20 مليار دولار من الإيرادات، مع توقف إنتاج 12.8 مليون طن من الغاز المسال سنوياً لمدة تتراوح بين 3 و5 سنوات.

يقول محللون إن أثر استهداف وحدات الإنتاج لا يتوقف عند حد خسارة كميات الغاز فقط، بل يمتد ليصيب سمعة التوريد التي بنتها «إكسون موبيل» على مدار عقود. فإعلان الشركاء الاستراتيجيين مثل «شل» و«توتال إنرجيز» حالة «القوة القاهرة» هو اعتراف قانوني صريح بالعجز عن الوفاء بالالتزامات تجاه العملاء الكبار في آسيا وأوروبا. ورغم أن هذا الإجراء يحمي الشركات - نظرياً - من غرامات التعويض المباشرة، فإنه يضعها في مواجهة تبعات قاسية؛ تبدأ من استحقاقات قانونية معقدة لإثبات مشروعية الإعلان، وصولاً إلى نزيف في التدفقات النقدية المليارية، وتآكل ميزة المورد الموثوق التي كانت تمنح هذه الشركات أفضلية تنافسية في الأسواق العالمية.

وبالنسبة لهؤلاء المحللين، فإن هذه الأزمة تتجاوز حدود الخسائر التقنية لتلامس مفهوم «الأمن القومي الاقتصادي» للولايات المتحدة؛ فاستهداف وحدات إنتاج تديرها وتستثمر فيها «إكسون موبيل» بهذا الثقل هو في جوهره ضربة لأحد أهم الاستثمارات الطاقي الأميركي في المنطقة.

قوة «إكسون» المالية

تواجه «إكسون موبيل» تحديات تشغيلية نتيجة التوترات الجيوسياسية التي تؤثر على استثماراتها في الغاز الطبيعي المسال في قطر. ولكن، رغم الاضطرابات الأخيرة، فإن المؤشرات المالية للشركة تشير إلى ربحية قوية ومتانة في ميزانيتها العمومية. إذ تُظهر الميزانية العمومية للشركة متانة واضحة مدعومة بهوامش تشغيلية قوية، مما يمنحها «مصدات مالية» كافية لمواجهة الاضطرابات المؤقتة في سلاسل التوريد، ويحافظ على ثقة المستثمرين في قدرتها على إدارة الأزمات الكبرى دون المساس باستقرارها المالي طويل الأمد.