الاقتصاد السعودي يكسر حاجز التوقعات ويسجل أعلى نمو في 3 سنوات

الأنشطة غير النفطية قادت النمو بـ4.9 %

العاصمة السعودية الرياض (واس)
العاصمة السعودية الرياض (واس)
TT

الاقتصاد السعودي يكسر حاجز التوقعات ويسجل أعلى نمو في 3 سنوات

العاصمة السعودية الرياض (واس)
العاصمة السعودية الرياض (واس)

اختتم الاقتصاد السعودي عام 2025 بأداء فاق التوقعات، مسجلاً نمواً لافتاً بلغت نسبته 4.5 في المائة على أساس سنوي. هذا الأداء لم يتجاوز فقط تقديرات صندوق النقد الدولي الأخيرة البالغة 4.3 في المائة؛ بل سجل أيضاً أعلى معدل نمو للمملكة خلال السنوات الثلاث الماضية، مقارنة بـ2.7 في المائة في عام 2024، و0.5 في المائة في عام 2023.

ومع هذا الزخم القوي، تتجه الأنظار نحو عام 2026؛ حيث تشير مستهدفات وزارة المالية إلى مواصلة منحى الصعود للوصول إلى نمو بنسبة 4.6 في المائة، مما يرسخ مكانة المملكة كواحدة من أسرع الاقتصادات نمواً واستقراراً في المنطقة.

وتعكس هذه النتائج مرونة اقتصادية عالية، جاءت منسجمة مع التوجهات الاستراتيجية التي أعلنتها وزارة المالية في بيان ميزانية عام 2026، والتي أكدت أهمية استدامة النمو وتوسيع قاعدة محركاته بما يتوافق مع مستهدفات «رؤية 2030».

محطة مفصلية

وشكَّل عام 2025 محطة مفصلية في مسار التحول الاقتصادي؛ إذ أظهرت البيانات السنوية توازناً واضحاً في مساهمات القطاعات المختلفة. فقد سجلت الأنشطة النفطية أعلى معدلات النمو السنوي بنسبة 5.6 في المائة، مساهمة بنحو 1.4 نقطة مئوية في إجمالي الناتج المحلي.

وفي المقابل، واصلت الأنشطة غير النفطية ترسيخ دورها بوصفها المحرك الرئيس للنمو، محققة نمواً سنوياً بلغ 4.9 في المائة، لتسهم بنحو 2.7 نقطة مئوية، في حين حافظت الأنشطة الحكومية على مسار نمو معتدل بنسبة 0.9 في المائة، وفقاً للتقديرات السريعة الصادرة عن الهيئة العامة للإحصاء.

وكانت وزارة المالية قد قدَّرت نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنسبة 4.6 في المائة خلال عام 2025، مدفوعاً بشكل رئيس بنمو الأنشطة غير النفطية التي باتت تشكل الركيزة الأساسية للنشاط الاقتصادي.

تسارع ملحوظ

وعلى مستوى الأداء الربعي، شهد الربع الرابع من عام 2025 تسارعاً ملحوظاً؛ حيث نما الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 4.9 في المائة على أساس سنوي، مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق.

وتميز هذا الربع بطفرة في نمو الأنشطة النفطية التي سجلت ارتفاعاً بنسبة 10.4 في المائة، مساهمة بنحو 2.5 نقطة مئوية في النمو، في حين استقر نمو الأنشطة غير النفطية عند 4.1 في المائة، بمساهمة بلغت 2.3 نقطة مئوية، بما يعكس تكاملاً واضحاً بين القطاعين.

أما على أساس ربعي معدل موسمياً، فقد حقق الاقتصاد نمواً بنسبة 1.1 في المائة في الربع الرابع مقارنة بالربع الثالث من العام نفسه. وقادت الأنشطة النفطية هذا الأداء بنمو ربعي بلغ 1.4 في المائة، تلتها الأنشطة غير النفطية بنسبة 1.3 في المائة، بينما سجلت الأنشطة الحكومية تراجعاً طفيفاً بنسبة 0.2 في المائة.

تحول هيكلي

وفي هذا السياق، قال المستشار المالي والاقتصادي الدكتور حسين العطاس -في تصريح لـ«الشرق الأوسط»- إن نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنسبة 4.5 في المائة خلال عام 2025 يعكس نجاح السياسات الاقتصادية والمالية في ترسيخ تنويع فعلي لمصادر النمو، وليس مجرد تحسن دوري مرتبط بأسعار النفط.

وأوضح أن التقارير الحديثة تشير إلى أن القطاع غير النفطي بات يشكل نحو 55 إلى 56 في المائة من الناتج المحلي الحقيقي، مع تسجيل نمو غير نفطي يقارب 5 في المائة خلال عام 2025، جاء مدفوعاً بقطاعات التصنيع، والتجارة، والنقل واللوجستيات، والسياحة، والخدمات.

وأكد أن هذه المؤشرات تعكس تحولاً هيكلياً حقيقياً يتماشى مع مستهدفات «رؤية 2030»، ويعزز من مرونة الاقتصاد في مواجهة تقلبات أسعار النفط مقارنة بالسنوات الماضية.

نمو مستدام

وحول القدرة على الحفاظ على زخم النمو في ظل تذبذب أسعار النفط، أشار العطاس إلى أن ذلك يظل ممكناً إلى حد بعيد، مبيناً أن النفط سيبقى عاملاً مؤثراً، إلا أن اتساع القاعدة غير النفطية يسهم في تقليل حساسية النمو لدورات النفط، إلى جانب دور الإصلاحات المالية، وبرامج الخصخصة، وتعزيز مشاركة القطاع الخاص، والاستثمار الأجنبي في خلق مصادر نمو مستدامة.

وأضاف أن وكالات التصنيف والمؤسسات الدولية تشير -حتى في سيناريوهات تقلُّب أسعار النفط- إلى قدرة الاقتصاد السعودي على الحفاظ على نمو غير نفطي قوي، يتراوح بين 4.5 و5.5 في المائة على المدى المتوسط، بما يدعم الاستقرار الاقتصادي الكلي.

وفيما يتعلق بتوقعات عام 2026، رجَّح العطاس استمرار تحقيق نمو قوي يتراوح بين 4.3 و4.6 في المائة، مع مساهمة متوازنة من القطاعين النفطي وغير النفطي، ولا سيما في ظل التحسن التدريجي في مستويات الإنتاج النفطي، واستمرار زخم الاستثمار المحلي والأجنبي.

السياحة والترفيه

وأشار في هذا الإطار إلى أن بعض البنوك العالمية، من بينها «ستاندرد تشارترد»، تتوقع نمواً قريباً من 4.5 في المائة خلال عام 2026، ما يعكس مستوى الثقة في استدامة المسار الاقتصادي للمملكة.

وعن القطاعات غير النفطية المرشحة لقيادة النمو خلال المرحلة المقبلة، أوضح العطاس أن في مقدمتها السياحة والترفيه والضيافة، مدفوعة بالمشروعات الكبرى والفعاليات العالمية، وتوسُّع الطاقة الاستيعابية، إضافة إلى قطاع الصناعة، ولا سيما التصنيع المتقدم والصناعات التحويلية والبتروكيميائيات ذات القيمة المضافة.

كما أشار إلى قطاع التعدين بوصفه أحد محاور التنويع الجديدة، إلى جانب قطاعَي النقل واللوجستيات مع تحول المملكة إلى مركز إقليمي وعالمي لسلاسل الإمداد، فضلاً عن التقنية والاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي، والطاقة المتجددة، والهيدروجين الأخضر، ضمن التحول في مزيج الطاقة وتعزيز استدامة النمو.


مقالات ذات صلة

لماذا يشعر الناس بأنهم أفقر بينما الاقتصاد ينمو؟

تحليل إخباري متسوقون في مركز تجاري بمدينة شنغهاي الصينية (أ.ف.ب)

لماذا يشعر الناس بأنهم أفقر بينما الاقتصاد ينمو؟

الأرقام تقول إن الاقتصادات تنمو، والإنتاج يرتفع، والتكنولوجيا تحقق قفزات غير مسبوقة، والثروات الخاصة تبلغ مستويات قياسية، ولكن...

أنطوان الحاج
شمال افريقيا العاهل المغربي دعا إلى أن تُشكل الولاية التشريعية والحكومية الجديدة منعطفاً لمواصلة طموح المغرب كقوة اقتصادية صاعدة (ماب)

العاهل المغربي يشدد على وضع قضايا الشباب في صدارة السياسات العمومية

دعا العاهل المغربي، الملك محمد السادس، إلى أن تُشكل الولاية التشريعية والحكومية الجديدة منعطفاً حقيقياً لمواصلة طموح المغرب كقوة اقتصادية صاعدة وموثوقة.

«الشرق الأوسط» (الرباط)
شمال افريقيا  عيسى محافظ المصرف المركزي الليبي مجتمعا مع وزير المالية راشد أبوغفة (إلى اليمين) ورئيس ديوان المحاسبة خالد شكشك (المصرف)

ليبيا: نفقات المؤسسات التشريعية والتنفيذية في مرمى الانتقادات الشعبية

أعاد إنفاق المؤسسات الليبية الجدل بشأن أولويات توزيع المال العام، وسط انتقادات للبذخ الحكومي وشكاوى معيشية تتزامن مع إضراب المعلمين للمطالبة بحقوقهم المالية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
الاقتصاد مشاة أمام متجر «لوي فيتون» للسلع الفاخرة في مدينة شنغهاي الصينية (رويترز)

ضرائب الصين تضاعف أزمة العلامات الفاخرة عالمياً

تواجه صناعة السلع الفاخرة العالمية ضغوطاً متزايدة مع تشديد الصين إجراءاتها الضريبية على الأثرياء، بالتزامن مع ظهور مؤشرات على ضعف الإنفاق الاستهلاكي في أميركا.

«الشرق الأوسط» (عواصم)
الاقتصاد محطة الحاويات في ميناء نانجينغ شرق الصين (أ.ف.ب)

الصين تعزز التحفيز المالي لإنقاذ النمو الاقتصادي

كثفت الصين إجراءات دعم اقتصادها، الجمعة، عبر تخصيص 550 مليار يوان (82 مليار دولار) من حصص إصدار الدين الحكومي غير المستخدمة، بهدف تخفيف الضغوط المالية

«الشرق الأوسط» (بكين)

لماذا يشعر الناس بأنهم أفقر بينما الاقتصاد ينمو؟

متسوقون في مركز تجاري بمدينة شنغهاي الصينية (أ.ف.ب)
متسوقون في مركز تجاري بمدينة شنغهاي الصينية (أ.ف.ب)
TT

لماذا يشعر الناس بأنهم أفقر بينما الاقتصاد ينمو؟

متسوقون في مركز تجاري بمدينة شنغهاي الصينية (أ.ف.ب)
متسوقون في مركز تجاري بمدينة شنغهاي الصينية (أ.ف.ب)

هناك شيء لا يستقيم في الاقتصاد العالمي اليوم.

الأرقام تقول إن الاقتصادات تنمو، والإنتاج يرتفع، والتكنولوجيا تحقق قفزات غير مسبوقة، والثروات الخاصة تبلغ مستويات قياسية. لكن ملايين الناس لا يعيشون هذا الازدهار بالطريقة التي توحي بها التقارير الاقتصادية. بالنسبة إليهم، الاقتصاد الذي «ينمو» هو اقتصاد ترتفع فيه بدلات الإيجارات، وتزداد تكلفة الطعام والطاقة، ويصبح شراء منزل أكثر صعوبة، ويحتاج الراتب إلى جهد أكبر و«تقليم أظفار» لكي يكمل رحلة الوصول إلى نهاية الشهر.

هنا تكمن المعادلة الغريبة في الاقتصاد الحديث: يمكن للاقتصاد أن يصبح أكثر ثراءً، فيما يشعر الفرد بأنه أصبح أفقر.

مخيم احتجاجي بشأن مشكلة الإسكان في ساحة «بويرتا ديل سول» بمدريد. وقد أدى إجلاء امرأة تبلغ من العمر 87 عاماً من منزلها المستأجر إلى خروج الناس في جميع أنحاء إسبانيا إلى الشوارع للاحتجاج على أزمة الإسكان المستمرة (إ.ب.أ)

* الناتج والواقع

المشكلة أن الناتج المحلي الإجمالي، على أهميته، لا يكفي لقياس هذه التجربة؛ فهو يقيس قيمة ما ينتجه الاقتصاد من سلع وخدمات، لكنه لا يحدّد بالضرورة من حصل على ثمار هذا الإنتاج، ولا كم يستطيع العامل أو الموظّف العادي أن يشتري براتبه، ولا ما إذا كان يستطيع تحمّل تكلفة منزل أو تعليم أولاده، أو مواجهة مرض مفاجئ.

ففي الولايات المتحدة، على سبيل المثال، بلغ متوسط دخل الأسرة الأميركية 87,460 دولاراً في عام 2025، وهو مستوى قياسي بعد احتساب التضخم. وللوهلة الأولى تبدو الصورة إيجابية. لكن هذه الزيادة الحقيقية لم تتجاوز 2.5 في المائة مقارنة بعام 2019؛ أي خلال 6 سنوات كاملة. وللمقارنة، ارتفع دخل الأسرة الوسيط الحقيقي بنحو 19 في المائة خلال السنوات الست السابقة لعام 2019.

بمعنى آخر، الأميركي اليوم قد يكسب أكثر من الناحية الاسمية، لكن الطريق إلى تحسين مستوى معيشته أصبح أكثر وعورة.

وهذه ليست مشكلة أميركية فقط؛ ففي أوروبا، ارتفعت أسعار المنازل في الاتحاد الأوروبي بنسبة 53 في المائة بين عامي 2010 و2024، فيما ارتفعت بدلات الإيجارات بنسبة 25 في المائة خلال الفترة نفسها. وفي 2024، كانت الأسر الأوروبية تنفق في المتوسط 19 في المائة من دخلها المتاح على السكن. وترتفع النسبة إلى 37 في المائة لدى الأسر ذات الدخل المنخفض.

وفي فرنسا، وهي من أكبر اقتصادات أوروبا، تظهر المفارقة بصورة أكثر وضوحاً؛ فقد خسرت الأسرة المكونة من 4 أشخاص، في المتوسط، نحو 1,200 يورو سنوياً من قدرتها الشرائية بين عامي 2024 و2026، وفق تقديرات حديثة. كما تراجعت الأجور الحقيقية بنحو 2 في المائة منذ 2019.

البورصات من أماكن تركّز الثروة في أيدي أعضاء «نادي النخبة» (رويترز)

وهذا يفسر لماذا لا تكفي عبارة «النمو الاقتصادي» لإقناع الناس بأن أوضاعهم تتحسن.

فالإنسان لا يشتري طعامه وملبسه بالناتج المحلي الإجمالي. ولا يدفع فاتورة الكهرباء بمعدل النمو. ولا يسدد إيجاره بمؤشر البورصة؛ إنه يدفع بدخله.

* مشكلة الأجور الحقيقية

هنا تأتي المشكلة الثانية: الأجور الحقيقية.

تشير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى أن الأجور الحقيقية بدأت تتحسن مجدداً في العديد من البلدان، لكنها لا تزال، في عدد كبير منها، دون المستوى الذي كانت ستبلغه لو لم تضرب موجة التضخم العالم منذ عام 2022. وفي الربع الأول من 2026، بلغ متوسط نمو الأجور الحقيقية 2.2 في المائة في دول المنظمة، مقارنة بـ2.7 في المائة في الفترة نفسها من العام السابق.

أي إن المعركة لم تنتهِ بانخفاض التضخم؛ فالأسعار التي ارتفعت بقوة لا تعود من تلقائها إلى مستوياتها السابقة عندما ينخفض معدل التضخم. وإذا ارتفع السعر من 100 إلى 130، ثم تباطأ التضخم، فهذا لا يعني أن السعر عاد إلى 100، إنه يعني فقط أن الارتفاع أصبح أبطأ.

وهذا التفصيل البسيط هو أحد أسباب سوء الفهم الكبير بين الاقتصاديين والمواطنين؛ فالاقتصادي قد يقول: «التضخم يتراجع»، أما المواطن فيقول: «لكن الأسعار لا تزال مرتفعة». وكلاهما على حق.

* مفارقة قاسية

في لبنان، على سبيل المثال أيضاً، تبدو المفارقة أكثر قسوة، لأن الأزمة لم تكن مجرد مشكلة في القدرة الشرائية، بل حصل انهيار مالي ونقدي واجتماعي شامل.

فبعد أن سجل الاقتصاد اللبناني نمواً حقيقياً نسبته 4.2 في المائة في 2025، كان يمكن النظر إلى ذلك بوصفه بداية تعافٍ بعد سنوات من الانهيار. لكن البنك الدولي يتوقع أن ينكمش الاقتصاد 6.4 في المائة في 2026 نتيجة تجدد الصراع وتداعياته على الاستهلاك والاستثمار والسياحة والبنية التحتية. كما يتوقع أن يبلغ التضخم 17.5 في المائة هذا العام، خصوصاً أن الميزان التجاري اللبناني يميل بقوّة نحو الواردات.

وأفاد صندوق النقد الدولي، في سبتمبر (أيلول) 2026، بأن التضخم في لبنان لا يزال في خانة العشرات، وأن التطورات الأمنية ألحقت أضراراً جديدة بمستويات المعيشة والبنية التحتية والمساكن، فيما لا يزال القطاع المصرفي في حاجة إلى إعادة هيكلة عميقة.

بتعبير آخر، يعرف اللبناني معنى «النمو» و«الانكماش» من حياته اليومية؛ يعرفه من سعر الطعام، ومن تكلفة النقل، ومن قيمة مدخراته، ومن قدرته على دفع فاتورة الاستشفاء أو التعليم، ويعرفه أيضاً من السؤال الذي أصبح أكثر أهمية من أي مؤشر اقتصادي: كم بقي من قدرتي الشرائية؟

وهذا هو جوهر المشكلة العالمية.

أشخاص يتناولون طعاماً يوزعه «اتحاد عمال الاقتصاد الشعبي» في بوينس آيرس مجاناً (أ.ب)

* قياس الأمان

لقد طورت البشرية مؤشرات دقيقة لقياس حجم الاقتصاد، لكنها لا تزال تبحث عن طريقة مثالية لقياس الأمان الاقتصادي؛ بل لتحقيقه.

قد يرتفع الناتج، لكن إذا ارتفعت تكلفة السكن بوتيرة أسرع من الأجور، فإن المواطن سوف يشعر بأنه خسر. وقد ترتفع الثروة الوطنية، لكن إذا تركزت مكاسبها في أعلى الهرم الاجتماعي، فلن يستفيد منها معظم الناس. وقد ينخفض التضخم، لكن ذلك لا يعني أن الأسعار عادت إلى ما كانت عليه.

لذلك فإن السؤال الاقتصادي الأكثر أهمية ليس كم نما الاقتصاد، بل من استفاد من هذا النمو؟

وإذا كان الاقتصاد ينتج ثروة أكبر، فإنه لا يمنح الطبقة الوسطى قدرة أكبر على شراء منزل، ولا يوفر للعامل أجراً يحميه من التضخم، ولا يمنح الأسرة شعوراً أكبر بالأمان، فما قيمة أن تكون الأرقام جميلة؟

ربما حان الوقت للتوقف عن التعامل مع الناتج المحلي الإجمالي باعتباره مرآة كاملة للازدهار؛ فالاقتصاد ليس أرقاماً فقط، الاقتصاد هو أيضاً ما يستطيع الإنسان أن يشتريه، وما يستطيع أن يدخره، وما يستطيع أن يخطط له، وما إذا كان يشعر بأن الغد سيكون أفضل من اليوم.

وعندما تصبح هذه الإجابات سلبية، يمكن لاقتصاد كامل أن يبدو مزدهراً على الورق، فيما يشعر الناس الذين يعيشون داخله بأنهم أفقر.

العملات جميعها تفقد بعضاً من قيمتها مع الوقت (رويترز)

وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية؛ ومؤداها أنه حين يصبح النمو الاقتصادي حقيقة في الإحصاءات، فإنه لا يعود حقيقة في حياة الناس، حيث تتآكل الطبقة الوسطى التي تشكل عماد أي مجتمع ومحرّكه الأول.

وخلاصة القول أن النمو الذي لا يصل إلى الطبقة الوسطى يخلق أزمة ثقة بالديمقراطية والاقتصاد نفسه، وهذا ما يخلخل المجتمعات والدول، وقد يزلزلها.


ترمب يجدّد المواجهة مع «الفيدرالي» في قضية ليزا كوك

ليزا كوك خلال مشاركتها في مؤتمر «جاكسون هول» السنوي (رويترز)
ليزا كوك خلال مشاركتها في مؤتمر «جاكسون هول» السنوي (رويترز)
TT

ترمب يجدّد المواجهة مع «الفيدرالي» في قضية ليزا كوك

ليزا كوك خلال مشاركتها في مؤتمر «جاكسون هول» السنوي (رويترز)
ليزا كوك خلال مشاركتها في مؤتمر «جاكسون هول» السنوي (رويترز)

جدّد الرئيس الأميركي دونالد ترمب مساعيه لإقالة ليزا كوك، محافظة مجلس «الاحتياطي الفيدرالي»، عبر فتح تحقيق جديد في اتهامات تتعلق بتقديمها بيانات غير صحيحة في طلبات للحصول على قروض عقارية، في خطوة تعيد المواجهة بشأن استقلالية البنك المركزي إلى الواجهة قبل أسابيع من انتخابات التجديد النصفي لـ«الكونغرس».

وأعلن البيت الأبيض تشكيل لجنة تحقيق ستعقد جلسة مغلقة مع كوك في 5 نوفمبر (تشرين الثاني)، تستمر حتى 4 ساعات، للنظر في الأدلة والاتهامات الموجهة إليها، على أن ترفع توصيتها إلى ترمب بشأن وجود مسوّغ قانوني لإقالتها.

وقال ترمب، في مذكرة رئاسية مؤرخة في 7 أكتوبر (تشرين الأول)، ونُشرت الجمعة، إن من مسؤولياته ضمان تنفيذ القوانين، بما في ذلك إقالة المسؤولين الذين لا يمكن الوثوق بصدقهم أو التزامهم بالقانون. وأضاف أن اللجنة ستتولى التحقيق في الاتهامات، وتحديد ما إذا كانت هناك «أسباب» تبرر عزل كوك.

في المقابل، قال محاميا كوك، آبي لويل ونورم آيزن، إن أي جلسة تتسم بالموضوعية ستخلص إلى أنها لم ترتكب احتيالاً في طلبات الرهن العقاري، وبالتالي لن يكون هناك أساس قانوني لإقالتها. وأكدا أن كوك ترحب بفرصة عرض الوقائع وتبرئة اسمها، مشيرين إلى أنهما أجريا اتصالات مع البيت الأبيض بشأن إجراءات التحقيق.

وتأتي الجلسة قبل يومين من انتخابات التجديد النصفي المقررة في 3 نوفمبر، التي ستحدد ما إذا كان الجمهوريون سيحتفظون بالسيطرة على مجلسي النواب والشيوخ، أم لا. وقد تتيح إقالة كوك شغور مقعد في مجلس محافظي «الاحتياطي الفيدرالي» المؤلف من 7 أعضاء، بما قد يؤثر في التوازن داخل المؤسسة النقدية.

مواجهة قانونية

كان ترمب قد حاول للمرة الأولى إقالة كوك في أغسطس (آب) 2025، لتصبح أول محاولة من نوعها لإقالة عضو قائم في مجلس محافظي «الاحتياطي الفيدرالي». وردّت كوك برفع دعوى قضائية، مؤكدة أنها لم ترتكب أي مخالفة.

وانتهت القضية إلى حكم أصدرته المحكمة العليا الأميركية في وقت سابق من العام الحالي، قضى بأن الرئيس لا يستطيع عزل أحد محافظي البنك المركزي متى شاء، بل يتعين عليه اتباع إجراءات واضحة تتيح تحديد الأسباب القانونية للإقالة، وتمكّن المسؤول المعني من الدفاع عن نفسه.

وأبقى الحكم كوك في منصبها، مع إعادة القضية إلى محكمة اتحادية أدنى درجة. وحددت القاضية كيا كوب الشهر الماضي، 6 نوفمبر موعداً نهائياً لتقديم محامي ترمب وكوك مقترحاً مشتركاً بشأن إجراءات التقاضي.

وعُيّنت كوك في مجلس المحافظين عام 2022 خلال رئاسة جو بايدن، ثم أُعيد تعيينها في 2023 لولاية تستمر حتى عام 2038. وكانت أول امرأة سوداء تنضم إلى مجلس محافظي البنك المركزي الأميركي.

ضغوط على استقلالية البنك المركزي

يرى محللون أن تجدد مساعي ترمب لإقالة كوك قد يزيد الضغوط السياسية على «الاحتياطي الفيدرالي»، في وقت يسعى فيه الرئيس إلى التأثير في قرارات أسعار الفائدة، منتقداً البنك المركزي لعدم خفضها بالسرعة التي يريدها.

وقال كريشنا غوها، المحلل لدى «إيفركور آي إس آي»، إن ترمب يبدو مقتنعاً بأن توجه البنك المركزي نحو التشدد النقدي يعود إلى أن رئيسه الذي اختاره، كيفن وارش، محاصر داخل مجلس محافظين يتبنى موقفاً متشدداً ويعارض سياساته. وأضاف أن تشكيل لجنة التحقيق يمثل تجديداً للتهديد الذي تواجهه استقلالية «الاحتياطي الفيدرالي»، وقد يأتي بنتائج عكسية على هدف الرئيس المتمثل في خفض الفائدة.

وتضم اللجنة الجديدة كيفن هاسيت، كبير مستشاري ترمب للسياسة الاقتصادية، وأندريا لوكاس، رئيسة لجنة تكافؤ فرص العمل، وكيث سونديرلينغ، المدير بالإنابة لمكتب أخلاقيات الحكومة. وستتولى اللجنة، أو ممثلو أعضائها، أو مسؤولون من وزارة العدل، استجواب كوك خلال الجلسة.

وبحسب المذكرة، ستقدم كوك أي إفادة لاحقة للجلسة قبل 10 نوفمبر، على أن ترفع اللجنة توصيتها إلى ترمب بشأن وجود أسباب تبرر إقالتها في أقرب وقت ممكن بعد ذلك الموعد.

من جانبها، وصفت السيناتورة الديمقراطية إليزابيث وارن، أبرز الديمقراطيين في اللجنة المصرفية بمجلس الشيوخ المشرفة على «الاحتياطي الفيدرالي»، الجلسة بأنها «محكمة صورية»، معتبرة أنها جزء من مسعى ترمب، الذي وصفته بالخطير، للسيطرة على البنك المركزي بصورة غير قانونية.

ولا تقتصر المواجهة بين ترمب والبنك المركزي على قضية كوك؛ إذ سبق للرئيس أن اتهم رئيس «الاحتياطي الفيدرالي» السابق جيروم باول، الذي لا يزال عضواً في مجلس المحافظين، باحتمال ارتكاب مخالفات مالية تتعلق بأعمال تجديد مباني البنك. وأثار ذلك تحقيقاً جنائياً لوزارة العدل أُغلق لاحقاً، فيما رفضت جهة رقابية مستقلة هذه الاتهامات الشهر الماضي.


الأسهم الأميركية تتجه بحذر نحو ختام أسبوع قياسي

لافتة شارع «وول ستريت» خارج بورصة نيويورك (رويترز)
لافتة شارع «وول ستريت» خارج بورصة نيويورك (رويترز)
TT

الأسهم الأميركية تتجه بحذر نحو ختام أسبوع قياسي

لافتة شارع «وول ستريت» خارج بورصة نيويورك (رويترز)
لافتة شارع «وول ستريت» خارج بورصة نيويورك (رويترز)

أسهم تراجع أسعار النفط في دفع الأسهم الأميركية إلى الارتفاع خلال تعاملات يوم الجمعة، مع اقتراب السوق من اختتام أسبوع شهد تسجيل مستويات قياسية، غير أن الأسواق المالية لا تزال تتحرك وسط حالة من التردد وعدم اليقين.

وارتفع مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بنسبة 0.3 في المائة، مستعيداً بذلك جزءاً من خسائره التي تكبّدها على مدى يومين متتاليين عقب تسجيله مستوى قياسياً غير مسبوق. كما صعد مؤشر «داو جونز» الصناعي بمقدار 116 نقطة، أو 0.2 في المائة، بحلول الساعة 9:35 صباحاً بتوقيت الساحل الشرقي، فيما ارتفع مؤشر «ناسداك» المجمع بنسبة 0.5 في المائة، وفق وكالة «أسوشييتد برس».

وجاءت هذه التحركات الحذرة في ظل استمرار تقلبات أسعار النفط، وسط حالة من عدم اليقين بشأن موعد عودة قطاع الطاقة العالمي إلى أوضاعه الطبيعية في ظل الحرب مع إيران. وتأرجح سعر برميل خام برنت بين 102.50 دولار و104 دولارات عدة مرات خلال الليل وصباح الجمعة، قبل أن يستقر عند 103.13 دولار، منخفضاً بنسبة 1.1 في المائة.

وفي سوق السندات، تذبذبت عوائد سندات الخزانة الأميركية صعوداً وهبوطاً، عقب التحركات الحادة التي شهدتها في وقت سابق من الأسبوع. وبلغ عائد سندات الخزانة لأجل عشر سنوات 5.25 في المائة، مرتفعاً من 5.22 في المائة في أواخر تعاملات يوم الخميس.

وكان العائد قد لامس مؤخراً أعلى مستوياته منذ عام 2002، وسط مخاوف بشأن ارتفاع التضخم، وضخامة الدين الحكومي الأميركي، ومؤشرات على استمرار نمو الاقتصاد الأميركي، إلى جانب عوامل أخرى.

وتنذر العوائد المرتفعة بإبطاء النشاط الاقتصادي، إذ تزيد تكاليف الاقتراض على مختلف فئات المقترضين. وقد ارتفع بالفعل متوسط سعر الفائدة على القروض العقارية ذات الفائدة الثابتة لأجل 30 عاماً إلى أعلى مستوياته منذ نحو ثلاث سنوات.

كما ترتفع العوائد بوتيرة متسارعة في أسواق السندات حول العالم، ما يقلّص استعداد المستثمرين لدفع أسعار مرتفعة مقابل الأسهم وغيرها من الاستثمارات. ومع ذلك، اجتذبت العوائد المرتفعة المستثمرين إلى شراء سندات الخزانة في المزادات الأخيرة، وهو ما يُسهم في الحد من المزيد من ارتفاع العوائد.

وفي «وول ستريت»، سجلت أسهم الشركات المالكة لأبراج الاتصالات الخلوية بعضاً من أكبر المكاسب، إذ قفز سهم «كراون كاسل» بنسبة 12 في المائة، وسهم «أميركان تاور» بنسبة 7.4 في المائة.

وجاء هذا الارتفاع عقب إعلان شركة «سبايس إكس» صفقة استحواذ قد تمهّد الطريق أمامها للتحول إلى مشغل رئيسي لخدمات الهاتف المحمول في الولايات المتحدة. وعلى الرغم من أن الصفقة لا تزال بحاجة إلى موافقة الجهات التنظيمية الأميركية، أوضحت «سبايس إكس» أن الاستحواذ على طيف ترددي منخفض النطاق سيسمح لخدمة «ستارلينك موبايل» التابعة لها ببث إشارة قادرة على اختراق الجدران والوصول إلى العملاء داخل المباني، ممن قد يتعذر عليهم الاتصال مباشرة بأقمارها الاصطناعية.

في المقابل، تراجع سهم شركة «تي-موبايل يو إس» بنسبة 8.9 في المائة، وسهم «إيه تي آند تي» بنسبة 7.5 في المائة، وسهم «فيريزون» بنسبة 5.5 في المائة، وسط مخاوف من دخول منافس قوي جديد إلى سوق الاتصالات اللاسلكية.

وانخفض سهم «دلتا إيرلاينز» بنسبة 3.3 في المائة، بعدما أعلنت الشركة أرباحاً وإيرادات لفصل الصيف جاءت دون توقعات المحللين. وقال الرئيس التنفيذي للشركة، إد باستيان، إن الطلب لا يزال قوياً، وإن العملاء يواصلون الإقبال على السفر، لكنه أشار إلى أن الشركة تواجه أيضاً زيادة قدرها 6 مليارات دولار في تكاليف الوقود خلال العام الحالي.

وتواجه الشركات ضغوطاً لتحقيق نمو قوي في الأرباح، بعدما دفعت مكاسب الأسهم المؤشرات إلى مستويات قياسية، رغم الضغوط التي تفرضها العوائد المرتفعة في سوق السندات. ومن المقرر أن تصدر أكبر البنوك الأميركية تقارير أرباح مهمة خلال الأسبوع المقبل.

وفي الأسواق الخارجية، ارتفعت المؤشرات الأوروبية، إذ سجلت أسهم فرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة مكاسب بلغت 1 في المائة على الأقل.

أما الأسواق الآسيوية، فجاء أداؤها متبايناً؛ إذ أنهى مؤشر «نيكي 225» الياباني تعاملاته دون تغير يُذكر، في حين قفز مؤشر «هانغ سنغ» في «هونغ كونغ» بنسبة 1.8 في المائة.