واشنطن تتجه لتشكيل «فيدرالي للمعادن» لكسر الهيمنة الصينية

مقترح في الكونغرس لتكوين مخزون استراتيجي بقيمة 2.5 مليار دولار

عمال يستخدمون آلات حفر في منجم للمعادن الأرضية النادرة بمقاطعة غانشيان في جيانغشي وسط الصين (أ.ب)
عمال يستخدمون آلات حفر في منجم للمعادن الأرضية النادرة بمقاطعة غانشيان في جيانغشي وسط الصين (أ.ب)
TT

واشنطن تتجه لتشكيل «فيدرالي للمعادن» لكسر الهيمنة الصينية

عمال يستخدمون آلات حفر في منجم للمعادن الأرضية النادرة بمقاطعة غانشيان في جيانغشي وسط الصين (أ.ب)
عمال يستخدمون آلات حفر في منجم للمعادن الأرضية النادرة بمقاطعة غانشيان في جيانغشي وسط الصين (أ.ب)

في خطوة تعكس تصاعد القلق الأميركي من الاعتماد المفرط على الصين في سلاسل الإمداد الاستراتيجية، قدّم مشرّعون من الحزبين الديمقراطي والجمهوري مشروع قانون لتكوين مخزون وطني من المعادن الحيوية، يدار بآلية على غرار «مجلس الاحتياطي الفيدرالي»، وبقيمة 2.5 مليار دولار؛ في مسعى لتعزيز الأمن الاقتصادي والقومي للولايات المتحدة، ودعم التعدين والتكرير محلياً، وتحقيق قدر أكبر من الاستقرار في الأسعار.

ويستهدف المقترح، الذي يحمل طابعاً استراتيجياً طويل الأمد، المعادن الأساسية المستخدمة في صناعات حساسة، مثل الليثيوم والنيكل والعناصر الأرضية النادرة، وهي مكونات حيوية للسيارات الكهربائية، والهواتف الذكية، وأنظمة الطاقة المتجددة، إضافة إلى الأسلحة المتطورة والمعدات العسكرية عالية التقنية.

ويأتي مشروع القانون في وقت تتهم فيه واشنطن بكين باستخدام نفوذها الواسع في أسواق المعادن الحيوية ورقةَ ضغطٍ جيوسياسية واقتصادية. ووفق وكالة «أسوشييتد برس»، فإن نص مشروع القانون، الممتد على 68 صفحة، يشير إلى أن الصين «سعت إلى (تسليح) نفوذها على الأسعار والكميات في السباق العالمي للسيطرة على الوصول إلى المعادن الحيوية».

وتسيطر الصين حالياً على أكثر من 90 في المائة من عمليات معالجة كثير من هذه المعادن على مستوى العالم؛ مما يمنحها قدرة كبيرة على التأثير في الأسعار والإمدادات. وقد أدى فائض المعروض الذي نشأ عن الإنتاج الصيني، على سبيل المثال، إلى تراجع أسعار الليثيوم خلال السنوات الأخيرة؛ مما دفع بشركات أميركية، مثل «ألبيمارل» في ولاية نورث كارولاينا، إلى تعليق خطط توسع محلية في عام 2024.

وفي مؤشر على حساسية الملف بالنسبة إلى واشنطن، أصبحت «وزارة الدفاع الأميركية (بنتاغون)» في يوليو (تموز) الماضي أكبر مساهم في شركة «إم بي ماتيريالز»، المالكة منجم العناصر الأرضية النادرة الوحيد العامل في الولايات المتحدة، في خطوة تهدف إلى حماية سلسلة الإمداد من المنافسة الصينية المتصاعدة.

مخزون استراتيجي جديد

وينص مشروع القانون على تكوين «احتياطي المرونة الاستراتيجية»، وهو كيان مستقل يُدار من قبل مجلس مكوّن من 7 أعضاء، على غرار نموذج «مجلس الاحتياطي الفيدرالي» الأميركي. ويُعيّن أعضاء المجلس من قبل الرئيس، ويخضعون لمصادقة مجلس الشيوخ، على أن يتمتعوا بخبرات تقنية واقتصادية تضمن التخزين الآمن والفعّال للمعادن.

وسيُكلف المجلس شراء المعادن المصنفة «حيوية» من قبل الوكالات الأميركية، وتخزينها في مستودعات موزعة في أنحاء الولايات المتحدة. ويولي المشروع أهمية خاصة للجوانب التقنية؛ إذ إن بعض المواد، مثل مشتقات الليثيوم، قد تطلق غاز الهيدروجين عند تعرضها للماء؛ مما يستدعي شروط تخزين دقيقة.

ويمنح المشروع أولوية للمواد المُعاد تدويرها، لكنه لا يستبعد المعادن المستخرجة حديثاً من المناجم. كما يتيح للدول الحليفة الانضمام إلى «الاحتياطي»؛ شريطة أن تسهم بما لا يقل عن 100 مليون دولار، في خطوة تهدف إلى بناء شبكة توريد غربية متكاملة.

وعلى عكس بعض التحركات الحكومية المباشرة، التي شملت استحواذ الدولة على حصص في شركات تعدين، يسعى مشروع القانون إلى تبني مقاربة أكبر اعتماداً على آليات السوق، فـ«المجلس» سيكون مخوّلاً المرونة في تحديد آليات الشراء، بما في ذلك دفع أسعار أعلى من السوق، إذا كان ذلك ضرورياً لدعم الإنتاج المحلي أو كسر هيمنة مورّد واحد.

ويرى مشرعون أن هذه الخطوة قد تسهم في إنشاء «هيكل تسعير غربي» لبعض المعادن الحيوية التي لا تُتداول على نطاق واسع في الأسواق العالمية، أو التي تخضع لتأثير كبير من الإنتاج الصيني.

وقالت السيناتورة جين شاهين، الديمقراطية عن ولاية نيوهامبشاير عضو لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ، إن «الاستثمار الموجّه، وتخزين المدخلات الأساسية، سيساعدان في تحصين الولايات المتحدة من التهديدات الخارجية، ويوفران دفعة قوية وفعالة من حيث التكلفة للاقتصاد الأميركي».

من جانبه، وصف السيناتور الجمهوري، تود يونغ، الخطوة بأنها «إجراء حاسم طال انتظاره لحماية الأمن القومي والاقتصادي»، بينما قدّم النائب الجمهوري، روب ويتمان، نسخة مماثلة من المشروع في مجلس النواب.

ولا يأتي التحرك الأميركي بمعزل عن السياق الدولي؛ فـ«مجموعة السبع» ناقشت هذا الأسبوع إمكانية وضع حدود دنيا لأسعار بعض المعادن الحيوية، في حين تعمل أستراليا على تطوير احتياطي وطني خاص بها في المجال نفسه.

وكان الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، قد صرّح، في وقت سابق، بأن اعتماد الولايات المتحدة المفرط على دول أخرى في توفير المعادن الحيوية يمثل «تهديداً للأمن القومي». وفي إطار البحث عن بدائل، وقّعت واشنطن اتفاقاً بقيمة 8.5 مليار دولار مع أستراليا للاستثمار في التعدين هناك، كما كثّفت مساعيها لتأمين مصادر جديدة عبر دول حليفة.

وقد دفعت التحركات الأميركية الأخيرة بعض المراقبين إلى الحديث عن تحوّل نحو شكل من «رأسمالية الدولة» لمنافسة النموذج الصيني. غير أن مؤيدي المشروع يرون فيه توازناً ضرورياً بين تدخل الدولة وضمان عمل السوق، في قطاع بات يُعدّ من ركائز السيادة الاقتصادية والتكنولوجية.

وبينما لا يزال مشروع القانون في مراحله التشريعية الأولى، ويحتاج إلى موافقة مجلسَي الكونغرس وتوقيع الرئيس ليصبح نافذاً، فإنه يعكس بوضوح إدراكاً متنامياً في واشنطن أن معركة المعادن الحيوية لم تعد اقتصادية فقط، بل باتت جزءاً لا يتجزأ من الصراع الجيوسياسي على النفوذ والتكنولوجيا في القرن الحادي والعشرين.


مقالات ذات صلة

صندوق النقد الدولي: الاقتصاد الأميركي «صامد» لكن شبح الديون والتعريفات يهدد الاستقرار

الاقتصاد قبة مبنى الكابيتول ظاهرة للعيان في الساعات الأولى من الصباح (أ.ف.ب)

صندوق النقد الدولي: الاقتصاد الأميركي «صامد» لكن شبح الديون والتعريفات يهدد الاستقرار

أشاد صندوق النقد الدولي بمرونة الأداء الأميركي وقوة الإنتاجية خلال عام 2025 مطلِقاً جملة من التحذيرات الصارمة بشأن استدامة المسار المالي الحالي

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد مقر وزارة العمل الأميركية في واشنطن (رويترز)

طلبات إعانة البطالة الأميركية تواصل الانخفاض خلال مارس

انخفضت الطلبات الأسبوعية الجديدة للحصول على إعانات البطالة في الولايات المتحدة، في إشارةٍ إلى استمرار تراجع معدلات التسريح واستقرار نسبي في سوق العمل.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد سفينة محمّلة بالحاويات يجري تفريغها على رصيف في ميناء نيوآرك بنيوجيرسي (رويترز)

اتساع العجز التجاري الأميركي في فبراير بأقل من التوقعات

اتسع العجز التجاري للولايات المتحدة في فبراير لكن بوتيرةٍ أقل من توقعات المحللين، وفق بيانات حكومية صدرت الخميس.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد شاشة تعرض خطاب ترمب بجوار شاشات تعرض سعر صرف الين مقابل الدولار في غرفة تداول بطوكيو (رويترز)

تبخُر آمال الهدنة يربك الأسواق العالمية ويهز «وول ستريت»

استيقظت الأسواق العالمية الخميس على وقع خطاب هجومي للرئيس الأميركي دونالد ترمب توعد فيه بتصعيد غير مسبوق ضد إيران.

«الشرق الأوسط» (عواصم)
الاقتصاد متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)

عقود «وول ستريت» الآجلة تتراجع بعد تحذيرات ترمب لإيران

انخفضت العقود الآجلة التي تتبع مؤشرات وول ستريت الرئيسية يوم الخميس في الجلسة الأخيرة من أسبوع قصير بسبب العطلة.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)

بغداد ودمشق تناقشان تأهيل خط «كركوك - بانياس» لتصدير النفط

صهاريج عراقية متجهة لدخول الأراضي السورية (الهيئة العامة للمنافذ والجمارك السورية)
صهاريج عراقية متجهة لدخول الأراضي السورية (الهيئة العامة للمنافذ والجمارك السورية)
TT

بغداد ودمشق تناقشان تأهيل خط «كركوك - بانياس» لتصدير النفط

صهاريج عراقية متجهة لدخول الأراضي السورية (الهيئة العامة للمنافذ والجمارك السورية)
صهاريج عراقية متجهة لدخول الأراضي السورية (الهيئة العامة للمنافذ والجمارك السورية)

بحث وزير الطاقة السوري محمد البشير، خلال اتصال هاتفي، الخميس، مع وزير النفط العراقي حيان عبد الغني، سبل تعزيز التعاون المشترك بين البلدين في قطاع الطاقة.

وذكرت «وكالة الأنباء السورية» (سانا) أنه جرى خلال الاتصال الإشادة بالجهود المشتركة والمتضافرة لبدء تصدير النفط العراقي من خلال الأراضي السورية، إضافة إلى مناقشة إمكانية توريد الغاز المنزلي إلى سوريا، في إطار تعزيز أمن الطاقة، وتلبية الاحتياجات المحلية.

وتناول الاتصال بحث تأهيل أنابيب نقل النفط، ولا سيما خط كركوك - بانياس، بما يُسهم في تطوير وتعزيز عملية تصدير النفط.

وأكد وزير النفط العراقي أن هذا التعاون سيستمر بشكل مستدام، ولن يكون مرتبطاً بالظروف الراهنة أو بالحرب القائمة، مشدداً على حرص بلاده على تطوير العلاقات الثنائية في هذا المجال الحيوي.

وكانت أولى دفعات الفيول العراقي وصلت إلى خزانات مصفاة بانياس عبر منفذ التنف الحدودي، تمهيداً لتصديرها إلى الأسواق العالمية، حيث باشرت فرق «الشركة السورية للبترول» عمليات التفريغ، تمهيداً لتجهيز الشحنات وإعادة تحميلها على نواقل بحرية مخصصة لنقلها إلى وجهتها التصديرية النهائية.


صندوق النقد الدولي: الاقتصاد الأميركي «صامد» لكن شبح الديون والتعريفات يهدد الاستقرار

قبة مبنى الكابيتول ظاهرة للعيان في الساعات الأولى من الصباح (أ.ف.ب)
قبة مبنى الكابيتول ظاهرة للعيان في الساعات الأولى من الصباح (أ.ف.ب)
TT

صندوق النقد الدولي: الاقتصاد الأميركي «صامد» لكن شبح الديون والتعريفات يهدد الاستقرار

قبة مبنى الكابيتول ظاهرة للعيان في الساعات الأولى من الصباح (أ.ف.ب)
قبة مبنى الكابيتول ظاهرة للعيان في الساعات الأولى من الصباح (أ.ف.ب)

رسم صندوق النقد الدولي صورة مختلطة لمستقبل الاقتصاد الأكبر في العالم، فبينما أشاد بمرونة الأداء الأميركي وقوة الإنتاجية خلال عام 2025، أطلق جملة من التحذيرات الصارمة بشأن استدامة المسار المالي الحالي.

وفي ختام مشاورات المادة الرابعة لعام 2026، شدد الصندوق على أن التحولات الكبرى في السياسات التجارية والتوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط باتت تفرض ضغوطاً تضخمية جديدة، مما يضيق الخناق على قدرة الاحتياطي الفيدرالي في مواصلة دورة خفض الفائدة.

أداء صامد أمام التحديات

سجل الاقتصاد الأميركي نمواً بنسبة 2 في المائة في عام 2025، وهو أداء وصفه الصندوق بـ«الجيد» بالنظر إلى التقلبات السياسية الكبيرة والإغلاق الحكومي الذي شهده الربع الرابع من العام الماضي. ورغم تباطؤ نمو التوظيف نتيجة تراجع تدفقات الهجرة، فإن الإنتاجية القوية حافظت على زخم النشاط الاقتصادي.

وتوقع الصندوق أن يتسارع النمو بشكل طفيف ليصل إلى 2.4 في المائة في عام 2026، مدعوماً بزيادة الإنفاق والتحولات الضريبية التي أُقرت مؤخراً.

فخ التضخم و«مساحة المناورة» الضيقة

وفي ملف السياسة النقدية، حذر خبراء الصندوق من أن مسار التضخم لا يزال محفوفاً بالمخاطر؛ حيث أدت التعريفات الجمركية المرتفعة إلى زيادة أسعار السلع، مما بدد أثر تراجع تضخم الخدمات. ومع ارتفاع أسعار الطاقة العالمية نتيجة الحرب، أكد الصندوق أن «المساحة المتاحة لخفض أسعار الفائدة في عام 2026 تبدو ضئيلة للغاية»، محذراً من أن أي تيسير نقدي سابق لأوانه قد يعطل عودة التضخم إلى مستهدفه البالغ 2 في المائة والمؤمل تحقيقه في النصف الأول من 2027.

الرئيس الأميركي يحمل أمراً تنفيذياً حول الرسوم الجمركية المتبادلة في أبريل الماضي (أ.ف.ب)

أزمة الديون والعجز الاستراتيجي

أعرب أعضاء المجلس التنفيذي للصندوق عن قلقهم البالغ إزاء العجز المالي المستمر، الذي بلغ 5.9 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، مع توقعات بارتفاع الدين العام ليتجاوز 140 في المائة بحلول عام 2031. ونبّه البيان إلى أن اعتماد الحكومة على الديون قصيرة الأجل يخلق مخاطر على الاستقرار المالي العالمي، نظراً للدور المحوري لسوق سندات الخزانة الأميركية في النظام المالي الدولي. وطالب الصندوق بضرورة إجراء «تعديل مالي جبهوي» يشمل زيادة الإيرادات الفيدرالية وإعادة توازن برامج الاستحقاقات.

متداولون في بورصة نيويورك (أ.ف.ب)

التجارة والتعريفات الجمركية

انتقد الصندوق التحول في السياسة التجارية الأميركية، مشيراً إلى أن متوسط التعريفات الفعالة سيستقر عند مستويات مرتفعة تتراوح بين 7 في المائة و8.5 في المائة. وأكد البيان أن هذه السياسات، إلى جانب عدم اليقين التجاري، ستؤدي إلى تقليص النشاط الاقتصادي المحلي، وخلق آثار سلبية كبيرة على الشركاء التجاريين، داعياً واشنطن للعمل بشكل بناء مع شركائها الدوليين للحد من القيود التجارية والتشوهات في السياسات الصناعية.

الرقابة المالية والأصول الرقمية

وفيما يتعلق بالقطاع المالي، دعا الصندوق السلطات الأميركية إلى تعزيز الرقابة على المؤسسات المالية غير المصرفية ومواجهة مخاطر التقييمات المرتفعة للأصول. ورحب بالتشريعات الجديدة لتنظيم «العملات المستقرة» والأصول المشفرة، لكنه شدد على ضرورة التطبيق الكامل لاتفاقية «بازل 3» وتعزيز الإشراف على البنوك متوسطة الحجم لضمان سلامة النظام المالي في مواجهة أي هزات محتملة.


طلبات إعانة البطالة الأميركية تواصل الانخفاض خلال مارس

مقر وزارة العمل الأميركية في واشنطن (رويترز)
مقر وزارة العمل الأميركية في واشنطن (رويترز)
TT

طلبات إعانة البطالة الأميركية تواصل الانخفاض خلال مارس

مقر وزارة العمل الأميركية في واشنطن (رويترز)
مقر وزارة العمل الأميركية في واشنطن (رويترز)

انخفضت الطلبات الأسبوعية الجديدة للحصول على إعانات البطالة في الولايات المتحدة، في إشارة إلى استمرار تراجع معدلات التسريح واستقرار نسبي في سوق العمل خلال شهر مارس (آذار)، رغم تحذيرات من مخاطر سلبية ناجمة عن استمرار الحرب في الشرق الأوسط.

وأعلنت وزارة العمل الأميركية، الخميس، تراجع الطلبات الأولية بمقدار 9 آلاف طلب، لتسجل 202 ألف طلب بعد التعديل الموسمي للأسبوع المنتهي في 28 مارس، مقارنةً بتوقعات اقتصاديين استطلعت «رويترز» آراءهم عند 212 ألف طلب.

وتراوحت الطلبات منذ بداية العام بين 201 ألف و230 ألف طلب، وهو نطاق يعكس، وفق توصيف اقتصاديين، سوق عمل تتسم بانخفاض كلٍّ من معدلات التوظيف والتسريح. ويُعزى هذا الجمود جزئياً إلى حالة عدم اليقين المستمرة المرتبطة بالرسوم الجمركية المرتفعة التي فرضها الرئيس الأميركي دونالد ترمب على الواردات.

في السياق ذاته، بلغ متوسط نمو الوظائف في القطاع الخاص غير الزراعي نحو 18 ألف وظيفة شهرياً خلال الأشهر الثلاثة المنتهية في فبراير (شباط)، وهو معدل ضعيف نسبياً. ويرى اقتصاديون أن تقلص المعروض من العمالة، نتيجة تشدد سياسات الهجرة في عهد ترمب، يشكل عاملاً كابحاً لنمو التوظيف.

كما أضافت الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، والتي دخلت شهرها الأول، مزيداً من الضبابية أمام الشركات. وكان ترمب قد تعهد، الأربعاء، بتكثيف الضربات على إيران، مما عزز المخاوف بشأن تداعيات الصراع.

ورغم توقع انتعاش نمو الوظائف بنحو 60 ألف وظيفة في مارس، وفقاً لاستطلاع «رويترز»، حذّر بعض الاقتصاديين من أن هذا التحسن قد يكون مؤقتاً، في ظل تداعيات الحرب التي دفعت أسعار النفط العالمية إلى الارتفاع بأكثر من 50 في المائة. كما تجاوز متوسط سعر البنزين بالتجزئة في الولايات المتحدة 4 دولارات للغالون هذا الأسبوع، للمرة الأولى منذ أكثر من ثلاث سنوات.

كانت الوظائف غير الزراعية قد انخفضت بمقدار 92 ألف وظيفة في فبراير، متأثرةً جزئياً بإضرابات في قطاع الرعاية الصحية وسوء الأحوال الجوية. ومن المتوقع أن يستقر معدل البطالة عند 4.4 في المائة.

ومن المنتظر أن يُصدر مكتب إحصاءات العمل تقرير التوظيف لشهر مارس، يوم الجمعة، علماً بأن «الجمعة العظيمة» لا تُعد عطلة رسمية في الولايات المتحدة.

وقالت نانسي فاندن هوتن، كبيرة الاقتصاديين الأميركيين في مؤسسة «أكسفورد إيكونوميكس»: «نتوقع أن تؤدي الحرب إلى تأخير التحسن الطفيف الذي كنا نترقبه في سوق العمل هذا العام، إذ إن حالة عدم اليقين، وتباطؤ الإنفاق الاستهلاكي، وارتفاع التكاليف، كلها عوامل تدفع الشركات إلى تأجيل قرارات التوظيف».

وأظهر التقرير أيضاً ارتفاع عدد المستفيدين من إعانات البطالة المستمرة بمقدار 25 ألف شخص ليصل إلى 1.841 مليون شخص خلال الأسبوع المنتهي في 21 مارس، وهو مؤشر يُستخدم لقياس وتيرة التوظيف. ورغم تراجع هذه المطالبات مقارنةً بمستويات العام الماضي المرتفعة، فإن انتهاء أهلية بعض المستفيدين -المحددة عادةً بـ26 أسبوعاً في معظم الولايات- قد يكون عاملاً وراء هذا الانخفاض.

في سياق متصل، أظهرت بيانات مكتب إحصاءات العمل هذا الأسبوع، تراجعاً أكبر من المتوقع في عدد الوظائف الشاغرة خلال فبراير، إلى جانب انخفاض وتيرة التوظيف إلى أدنى مستوياتها في نحو ست سنوات.